7 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم السبت

1 قائمة طويلة من تجارب العراق على جدار النكسة
حامد الكيلاني العرب بريطانيا

عقد ونصف من عمر حكومات الاحتلال في العراق ومازال التدافع وقحا على الانتخابات بشراء الأصوات والذمم والمناصب الحكومية، بالتزوير أو بالتهديد أو بالترغيب.
إدمان على تجريب المجرب
سنة 1963، لو اقتطعناها من تاريخ العراق ووضعناها كشريحة تحليل تحت عدسة مجهر تشخيص وتطور أعراض حالة العراق، لاكتشفنا طبيعة الممارسات وكمية المعالجات الخاطئة وحجم الإدمان على تجريب المجرب إن كان المقصود بالمجرّب قادة أو زعامات أو أيديولوجيات أو حتى أفكارا أثبتت فشلها بكارثية تطبيقاتها على حياة الناس، وبالذات في لحظات الحماسة وبواكير نشوة استلام السلطة.
فبعد مجزرة قصر الرحاب الدموية صبيحة 14 يوليو سنة 1958 جرب العراقيون سحل وتقطيع أوصال بعض الشخصيات، في نزعات متوحشة تم إدراجها كحالة تعبير فوضوي عن غضب شعبي ضد تحالفات الحكام مع قوى أجنبية استعمارية لسرقة ثروات ومصير العراق ومصادرة إرادته الوطنية الحرة.
لكن سرعان ما تمددت تجربة السحل بعد سنة واحدة فقط من عمر الثورة، وهذه المرة بحبال الحزب الشيوعي في العراق رغم تاريخه ونضاله الطويلين من أجل العمال والفلاحين والكادحين عموما، لكن محاولة تقربه من السلطة أودت به إلى ارتكاب مذابح مروعة في الموصل، يحق لنا اليوم أن نصنفها كمدرسة متميزة بالإجرام لا تقل أبداً في بشاعتها وفظاعتها عن انتهاكات وإرهاب ووحشية تنظيم الدولة والميليشيات.
في 8 فبراير 1963 الموافق 14 رمضان سالت دماء غزيرة على بوابات وزارة الدفاع في بغداد بعد تظاهرات طلابية توجتها أجهزة الأمن بإلقاء طلاب من فوق بناية كلية الآداب. لكن يظل السؤال هل كان بالإمكان عدم إعدام الزعيم أو الرئيس السابق؟
تجريب المجرب استمر طيلة 9 أشهر فقط انتهت في 18 نوفمبر من سنة 1963 بمجازر في عدة مقرات للحرس القومي كان أفدحها في الفلوجة، وهذه المرة بأوامر من قائد الانقلاب عبدالسلام عارف الذي يشغل منصب رئيس الجمهورية.
المأزق أو الخانق العراقي هو في عدم استغلال لحظة القوة في التغيير، وهي أزمنة قصيرة عادة تشبه لحظة فتح بوابة سقاية المزروعات أو النهر لإرواء الأرض الجافة وإطفاء الظمأ، لحظة تتدفق فيها الرسائل والبلاغات إلى الأزمنة التالية، ومن خلالها يمكن قراءة الأحداث للانعطاف بحركة أي تغيير عن مواضع المطبات المهلكة وتجنب الشظايا الخطرة المتناثرة والقادمة من ذلك الماضي القريب والمعاش.
من مفارقة دفتر عذابات السجون في العراق هو ما حصل من لقاء وتجمع بين السجناء من الشيوعيين وسجانيهم من البعثيين بعد 18 نوفمبر 1963، والغريب في الأمر أن مراكز التوقيف في الأيام الأولى لم تشهد انتقاما أو عراكا بين النزلاء القدماء والجدد منهم، بل كانت أجواء استقبال فيها من التشفي بقدر ما فيها من المرح أيضاً، اتسمت بترديد أغنية عراقية للمطربة وحيدة خليل تختصر المهزلة يقول مذهبها، مذهب الأغنية “سبحان الجمعنا بغير ميعاد”.
ما جرى بعدها في السجون، أو العراق عموما، كان تكراراً لإلغاء الآخر على مستوى سياسة الأحزاب التقدمية مع انكسار نفسي وتراجع رممه رحيل الرئيس عبدالسلام عارف بحادث سقوط طائرته المروحية بعد إقلاعها من البصرة في حادث مريب، ومجيء الفريق عبدالرحمن عارف شقيق الرئيس إلى السلطة، اتسمت فترته بالهدوء المجتمعي وشهدت إطلاق جميع السجناء السياسيين على دفعات، وعدم التوقيع على إعدام أي عراقي إلى أن وقعت نكسة الخامس من يونيو 1967.
في واقع حال الشعب العراقي من غير المعقول تفسير هذا التدافع المزري لمجرد الحصول على امتيازات الرواتب أو التقاعد، فالجزء الغاطس من الثراء مجهول الهوية ومتعدد المصادر، لكنه ليس خافياً، يضاف إليه ما تحمله تلك الكراسي من مشاريع ونكسات مقبلة للعراق ولأمتنا العربية
النكسة كانت بمثابة مهماز ألهب الأمة العربية تنبيهاً لتستيقظ من غفوتها، ومن تخلف أدواتها وإعلامها وتسليحها وأجهزتها الإدارية والأمنية، ومن فقدان وحدة قرارها وشتات اقتصادها وتباين سياساتها وتفاوت رؤاها رغم ملامح تقارب الشعوب النفسي واستعدادها للتضحية في المعارك الكبرى.
كانت النكسة حاضرة في العراق في مجرى تغييرات يوليو 1968 دون إراقة الدماء ولأول مرة يغادر رئيس الدولة السابق منصبه دون عنف، لتبدأ مرحلة على علاتها لكنها أثمرت بعد تفاصيل قصيرة على تجريب زراعة مساحة فارغة من السياسة بالتفاهمات وبشيء من مظاهر الديمقراطية والاهتمام بحقوق الإنسان والأقليات، مع إصدار قانون الحكم الذاتي للأكراد والتوجه نحو الإعمار بنهوض بادٍ للعيان بعد تأميم شركات النفط بمظاهر تنمية انفجارية غير مسبوقة.
بمعنى إن السبعينات من القرن الماضي في العراق وفي معظم سنواتها أرادت أن تختار دروبا ومناهج إنسانية في مقاومة الوسائل المجربة التي لم يجن منها العراق إلا الاقتتال وسفك الدماء والفقر والمراوحة في الأزمات، ومن جانب آخر أرادت هضم واقع النكسة على المستوى المحلي لصياغة نواة دولة حديثة تقوم على إرسال البعثات العلمية وتطوير الجامعات والمعاهد وإطلاق المشاريع العامة والخاصة وحمايتها ودعمها.
نود أن نشير إلى أن أي نظام سياسي بإمكانه صناعة التغيير نحو الأفضل على قياس الخدمات التقليدية والبنى التحتية الأساسية في حياة أي دولة معاصرة، وتوفير شروط العيش الملائمة للتجمعات البشرية بغض النظر إن كان نظاماً دكتاتوريا أو ديمقراطيا أو رئاسيا أو برلمانيا أو تحكمه العلمانية أو الليبرالية أو مؤدلجا بأفكار ومرجعيات خاصة.
المهم أن تؤدي الحكومة والنظام السياسي واجباتهما باحترام مهمتهما في فرض القانون وسيادة العدل ورعاية المواطنين ومواكبة التطور وتنظيم العلاقات مع الدول والدفاع عن السيادة.
ونحن على أبواب ذاكرة النكسة الحاضرة بيننا بتعاظم الخسائر الفلسطينية يبدو لنا العراق بتجاربه المعاشة مدرسة يُفترض أن تنهل منها الأجيال الجديدة في أمتنا العربية باعتباره سارية ترتفع عليها راية الإيمان بالإمكانات العلمية والمعرفية في كل دولة عربية، مقرونة بعدم السماح لإنتاج تجريب المجرب الفاشل والفاسد في حياة المواطنين لتدارك أسباب السقوط في فخ الحماقات على اختلافها بالتدبر والفطنة واليقظة، كي لا تتم جرائم سحل الشعوب وبيع الأوطان في مزاد السلطات وديمقراطية الميليشيات ومشاريع التغيير السكاني والإبادات وتقاسم نفوذ الدول الكبرى.
عقد ونصف من عمر حكومات الاحتلال في العراق ومازال التدافع وقحا على الانتخابات بشراء الأصوات والذمم والمناصب الحكومية، بالتزوير أو بالتهديد أو بالترغيب؛ في دلالة صارخة على حجم فساد وسرقات وغايات الفوز بكراسي البرلمان، إن على المستوى الشخص أو الحزبي أو الطائفي.
في واقع حال الشعب العراقي من غير المعقول تفسير هذا التدافع المزري لمجرد الحصول على امتيازات الرواتب أو التقاعد، فالجزء الغاطس من الثراء مجهول الهوية ومتعدد المصادر، لكنه ليس خافياً، يضاف إليه ما تحمله تلك الكراسي من مشاريع ونكسات مقبلة للعراق ولأمتنا العربية؛ لكن عليهم جميعاً أن ينتبهوا إلى أن ثمة يوما لهم أو سنة سيقتطعهم فيها الشعب الذي يتوعدونه بالحرب الأهلية ليضعهم تحت عدسة مجهر التشريح.
2 العراق.. مساع لتنزيه الانتخابات المزورة
باهرة الشيخلي
العرب بريطانيا
فضحت المقاطعة تدخل دول أجنبية عديدة في العملية الانتخابية وتزوير إرادة الناخبين وزيف اللعبة الديمقراطية، ما أجبر أطراف العملية السياسية على البحث عن مخرج للفاجعة التي أغرقتهم بها المقاطعة الشعبية.
الشكوك زادت
لم يجد مجلسا الوزراء والنواب العراقيان مناصاً من الاعتراف بأن تزويرا واسعا شاب الانتخابات الأخيرة، مع أن جميع الاستفتاءات والانتخابات، منذ عام الاحتلال 2003 شابها تزوير وتجاوزات ومخالفات وشراء أصوات أوسع مما حدث في الأخيرة، لكن العراقيين بمقاطعتهم الشعبية الواسعة للانتخابات جعلوا رائحة التزوير تملأ الأرجاء وتزكم الأنوف. والمفارقة أن المجلس، الذي جاء بالتزوير، يتحدث عن التزوير.
من نص القرار النيابي، الذي صوت عليه مجلس النواب في جلسة استثنائية برئاسة سليم الجبوري رئيس المجلس وبحضور 168 نائبا، الاثنين 28 مايو 2018 بشأن نتائج الانتخابات، أكد الجبوري أن “مجلس النواب ارتأى عقد الجلسة الاستثنائية سعيا لتنزيه العملية الانتخابية مما شابها من أخطاء أو تلاعب بإرادة الناخب”، لافتا إلى “تثبيت تجاوزات بالدليل القطعي أساءت لمجمل العملية الانتخابية وشككت بمجمل نتائجها وبخاصة ما جرى في بعض عمليات التصويت المشروط والخاص والخارج”، موضحا أن “نقل النتائج الإلكترونية بعكس إرادة الناخبين أمر بالغ الخطورة كون الخروقات ثبتت أمام أنظار المراقبين مما يعرض سمعة العملية السياسية إلى حرج كبير أمام المجتمع الدولي ويفرض وضع الأمور بنصابها”.
ومع أن عبارات القرار صيغت بعناية للتستر على فضيحة انتخابات قاطعتها أغلبية الشعب وشابها تزوير واسع النطاق، إلا أن فيها اعترافا ضمنيا بأن الانتخابات كانت مزورة. وبعبارة لم يجد رئيس المجلس مناصاً من حشرها حشرا بين سطور القرار، اعترف بـ“أن العزوف عن المشاركة بالانتخابات رسالة صريحة وواضحة من الشعب العراقي إلى الطبقة السياسية”. حيث بلغت نسبة المقاطعة الشعبية للانتخابات في العراق 80 بالمئة في تقديراتها المتوسطة، وطبقا لمعلومات ميدانية فقد بلغت قرابة 90 بالمئة في الكثير من المحافظات، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه المقاطعة الواسعة لم يولها قرار المجلس اهتماماً إلا ذلك السطر اليتيم، الذي جاء على لسان رئيس المجلس، والذي حشر حشرا في متن القرار.
حذرت شخصيات كثيرة فاعلة في العملية السياسية، قبل الانتخابات، من المقاطعة تحذيرا وصل إلى حد التهديد باندلاع حرب أهلية، لكن المقاطعة مضت في طريقها لتثبت أن لعبة العملية السياسية انكشفت، وأن المقاطعة أزالت الغشاوة عن عيون الكثير من العراقيين الذين أيدوها في البداية، حتى أن الكثير من هؤلاء صاروا دعاة إلى مقاطعة الانتخابات بين الأوساط الاجتماعية. والملاحظ أن هذه المقاطعة الواسعة اضطرت المرجعيات الشيعية إلى إعلان موقف سلبي من الانتخابات، بعد أن احتضنتها وغطت عليها وعلى فسادها وفشلها لخمس عشرة سنة، وهذا الاضطرار لم يكن موقفا أصيلا لتلك المرجعيات ولا وعياً متأخرا ولا مبادرة شرف، بل كان نزولا عند المزاج الشعبي الذي قرف من نهب المال العام والفشل المخزي في إدارة الدولة، واستحواذ الأحزاب الحاكمة على فرص العمل وتوقف الصناعة الوطنية وموت الزراعة.
وفضحت المقاطعة تدخل دول أجنبية في العملية الانتخابية وتزوير إرادة الناخبين وزيف اللعبة الديمقراطية، ما أجبر أطراف العملية السياسية، أجانب ومحليين، على البحث عن مخرج للفاجعة، التي أغرقتهم بها المقاطعة، ومن بين ذلك محاولة ترتيب أوضاع الانتخابات ونتائجها بما يساعد الأميركان والإيرانيين معا، أو كلا على حدة في إنتاج التحالفات وتشكيل الحكومة لابتلاع إرادة العراقيين وتمييع تأثيرات المقاطعة الواسعة.
ويتوقع عراقيون أن ولادة الحكومة الجديدة ستكون عسيرة، وأنها حتى إذا ولدت فستولد معاقة لأنها ستمثل 20 بالمئة من الشعب في أعلى التقديرات، وستبقى لهذا السبب توصم بأنها غير شرعية لأنها ستولد من انتخابات مزورة. وتبقى نسبة الـ80 بالمئة من الشعب التي قاطعت الانتخابات، تحتفظ بحق الرد، ومنها إنشاء تنظيمات واسعة تعارض، بقوة، حكومة الـ20 بالمئة.
3 هندسة الانتخابات العراقية والمفاجأة الأخيرة البرفسور ياس خضير البياتي راي اليوم بريطانيا

فتحت معركة الانتخابات العراقية، ونتائجها المثيرة للجدل بسبب طريقة هندستها المثيرة للغرابة والعجب، أبواب الصراع بين كل الأطراف الداخلية والخارجية على مصاريعها، ومعها بالطبع مستقبل العراق كله. لم تكن أطماع كل هذه الأطراف مكشوفة كما هي الآن، ومن دون أية تحسبات أو تحفظات، والكل يأخذ من هذه الانتخابات، وصراع الأحزاب مدخلاً لتمرير، أو حتى لفرض تلك الأطماع والمصالح التي ترسم في مجملها صورة، أو خريطة شديدة القتامة للتحالفات الانتهازية العارية عن الحد الأدنى من المبادئ والقيم.
وبدون شك فأن الصراعات تتخذ أكثر من صورة وشكل، داخلي وخارجي، وهي ليست حربا انتخابية فقط، وانما هي حرب سياسية سمتها المصالح، حيث تدخل دول كثيرة منها إقليمية أو غير إقليمية لرسم خريطة التحالفات والنفوذ والسيطرة على المغانم، وربما قد رسمت الخارطة الجديدة لها قبيل الانتخابات لتقرير مستقبل العراق والعملية السياسية لأن المشهد الانتخابي، وما تمخض عنه من نتائج في توزيع مقاعد البرلمان، يدل على ان هناك هندسة تدار من عقول بارعة لها تاريخ كبير في فنون التزوير والاحتيال ، وهي هندسة جعلت نسبة المشاركة من عشرين بالمائة الى خمسة واربعون بالمائة ، وخلقت توازنات في الأصوات لكي تجعل الجميع بحاجة للجميع، لكي تأسس مناطق صراع لا تنتهي بين الأحزاب والطوائف والقوميات والأقليات .فهل يصح اليوم ان نعيد نغمة المؤامرة في تقييمنا للانتخابات ،وهي نغمة علمونا ان لا نرددها رغم كل المؤامرات .واذا كان البعض لا يراها مؤامرة ،لكننا علينا ان نقر ان التاريخ مليء بالمؤامرات ، لكن التاريخ نفسه ليس مؤامرة.
ما جرى قبل الانتخابات، ومابعدها، هي مؤامرة حقيقية بدلائل العقل والمنطق، وما يثار اليوم من شكوك في تزوير الانتخابات تكنولوجيا، وبيع محطات انتخابية، وشراء ذمم هي حقائق ملموسة لاتقبل الشك، وستظهر الأيام ان قوى دولية وإقليمية وراء هذه اللعبة، وان المفوضية (غير المستقلة) كانت ضمن محاور (الشر والتزوير) مع الأسف.
إن محاولات التجميل التي حاولت بعض الكتل أو الأحزاب والشخصيات التي تخوض هذه الانتخابات لم تكن ذات تأثير كبير، كما انها لم تحقق الكثير من الفائدة، ذلك ان المواطن العراقي أصبح أكثر إدراكا ببواطن الأمور، وأكثر اطلاعا على ما يجري من صفقات ومحاور، وقد اعطى الشعب درسا كبيرا لهم في رفضه للانتخاب، رغم ادراكه الكبير بأن الممارسة الانتخابية هي حق ديمقراطي، وفرصة لتغيير الوجوه الكالحة، وهو يعلم أيضا بأنها ظاهرة حضارية لقيادة البلاد من قبل أناس أكفاء ونزيهين ولهم مواقف وطنية مشهودة و حضور فاعل في المجتمع ،يبذلون أقصى الجهود لخدمة المجتمع على أكمل وجه ، لكنه أيضا من الجانب لا يقبل ان يباع صوته للصوص العملية السياسية وتجارها، وان يكون شريكا في جريمة تدمير الوطن. وهو يعرف بحدسه الوطني والشعبي ان هذه الانتخابات تحولت الى حرب مصالح داخلية تتناقض مع الصورة الوطنية التي تطالب بها النخب السياسية الحاكمة. مثلما أصبحت فرصة للإثراء الفاحش والوجاهة والمنفعة الفئوية والحزبية والمناصب وسرقة المال العام بطرق قانونية، والحصول على المناصب للأبناء والأقرباء وعوائلهم.
الاصل في مشكلة الانتخابات والصراعات،هو البناء الخاطئ للعملية السياسية وجذورها،فالدستور وضع الغام طائفية من اجل استمرار الصراع المذهبي والقومي ،وقانون انتخابي ساعد على تدوير الوجوه التقليدية والفاسدة ،وتأسيس قواعد قانونية لبقاء رؤساء الاحزاب ،وهو الامر الذي بدا واضحا في الانتخابات الاخيرة ،حيث برزت هذه الوجوه من جديد ،بأشكال مختلفة وتسميات عديدة ، بينما سقطت بعض الوجوه التي كانت مثار جدل في وسائل الاعلام ،وداخل البرلمان ،وبين اوساط الشعب لاسباب سايكولوجية ،واحيانا تسقيطية وانتهازية .وهو امر سيستمر في المشهد العراقي المتناقض والمريض ،يؤثر فيه ويغذي العداء بين الاحزاب.
ومن المفارقات ان البرلمان العراقي الذي ستنتهي ولايته بعد اسابيع ، هو نفسه الذي أختار مفوضية الانتخابات بمسرحية محاصصية ،وهو نفسه اليوم يكيل لها أتهامات التزوير والتلاعب، وهو الذي ايضا صاغ قانون الانتخابات بطريقة غير عادلة ، ووافق على استخدام اليات العد والفرز عبر أجهزة الكترونية مشكوك بها من ناحية حداثتها وسهولة اختراقها. ولولا فشل رئيسها في الانتخاب ،وبعض الرموز السياسية المشاكسة والفاسدة و(القرقوزية ) لما وجدنا هذه الاحتجاجات ،وهذا الهوس بعقد جلسات البرلمان يوميا ،لان المصالح الشخصية كانت فوق مصالح الشعب والوطن والسلم الاجتماعي .ومايثار اليوم من مشاريع لاعادة الانتخابات والغاء بعض المحطات او اجراء فرز يدوي ،هو محاولة يائسة تفتح الطريق الى فوضى كارثية، والى تدخلات اقليمية ودولية للتسابق على الحصول على الغنائم ،وتكريس الاصطفاف الطائفي ،وأنعاش الصراعات لكي تتعمق وتستمر ، وهو امر يحدث اليوم في الكواليس السرية لهذه الدول .
الاكثر وضوحا هناك اعادة تجربة ايادي علاوي في عام 2014 ،وابعاده عن رئاسة الوزراء ،وذلك بأنشاء تحالف ضد (سائرون) بالذات، ومنعها من تسيد المشهد العراقي ،وذلك لسحب كتلة ( النصر) لتشكيل كتلة طائفية من (الفتح) و( الدعوة ) وبعض التحالفات الاخرى التي تقترب من افكارها ومصالحها.وبتحليل ادق واوضح فأن هذه الكتل لاتريد للصدر ان يكون له دور ريادي في المرحلة القادمة ،فالرجل لديه مشروع (ابوي) و( اصلاحي ) يعيد بعض التوازنات للعملية السياسية ، مثلما يريد ايضا تقديم الفاسدين للقضاء من الرموز الكبيرة المتهمة بالسرقات وتدميرالبلد ،وبالذات المالكي ،الذي يديراليوم (الدولة العميقة)من وراء الكواليس ،والمدعوم ايرانيا ،مع تحالف (الفتح).وهذا لن يكون مفيدا لايران ان يتسيد المشهد السياسي تحالفات معتدلة ووطنية خارج ارادتها السياسية .وهذا هو السر الذي يجعل هذه الاحزاب تقف سرا وعلنية مع سليم الجبوري في دعوته لاعادة الانتخابات وخلط الاوراق .
مايحدث اليوم من فوضى التصريحات والبيانات والقرارات بين مجلس النواب والرئاسات الثلاثة ،وبالذات مع رئيس الجمهورية ،وانحيازه الى حزبه المتهم بالتزوير ، يؤكد بأن المصالح الحزبية والذاتية هي التي تتصدر المشهد ،وان مايقال من مصطلحات وعبارات حول( الديمقراطية ) و( الوطنية) و(مصالح الشعب )، ماهي الا تجسيد لقول قديم (أسمع جعجعةً ولا أرى طِحْنًا )!
بأختصار ،ان مايحدث هو انهيارا نفسيا للوجوه الخاسرة التي لايسرها ان تستمر العملية الانتخابية الا بوجودها مهما كانت خسائر الوطن ،والمعادلة الصعبة اليوم بين تطبيق مايريده البرلمان، لانه سيخلق متوالية الصراعات المستقبلية وبين التعامل مع الانتخابات بأعتبارها واقعا،كما انها ستنسف آخر مقومات الواقع السياسي الملوث بامراض التناحرات والمصالح ،ويزيد حالة اليأس المجتمعي،ويعمق الصورة النمطية للمواطن في عدم جدوى الانتخابات في المستقبل .
نعم هناك هندسة لتفجير الأزمات التي يراد لها ان تستمر، وهندسة لتقسيم الطوائف والقوميات والاقليات ،وهناك تزوير واضح للعيان ،وشراء ذمم ، وبيع محطات انتخابية ،وصراع دولي واقليمي في بناء المنظومة السياسية القادمة.
نعم هناك هندسة للانتخابات ولمقاعد الاحزاب لتفجير الأزمات، وإدخال العراق في طاحونة الصرعات، لكن الأخطر، ان تتغير التحالفات في آخر لحظة لنعود الى المربع الأول: الطائفية والفساد !
4 بوادر أزمة سياسية في العراق د. محمد عاكف جمال البيان الاماراتية

منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم أصبحت امتدادات العراق السياسية في بنية دول المنطقة أقل كثيراً من امتدادات دولها في بنيته، فالتوترات الآخذة بالتصاعد فيها تضفي تداعيات خطيرة على المشهد السياسي العراقي وتزيد من تعقيداته مما يجعل التوقعات بشأن مسارات الأحداث فيه أقل صدقية، خاصة لمن يرصد مسرحه السياسي من الخارج.
فالتوقعات بفوز ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء العبادي الذي يحظى بدعم أميركي وإقليمي واسع لم تكن في محلها، فقد جاء ترتيبه ثالثاً في الانتخابات الأخيرة، في حين جاء الائتلافان اللذان لم تتواصل الولايات المتحدة معهما، في العلن على الأقل، بالمركزين الأول والثاني.
كشفت نتائج الانتخابات عن حقيقة أن راسمي السياسات الأميركية ما زالوا غير قادرين على إصدار أحكام موضوعية في محلها بما يختص بالشأن العراقي، وذلك لقصور في تفهم آليات الديناميات السياسية المعقدة في هذا البلد على الرغم من انشغالهم بشأنه عن قرب منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم.
وكشفت كذلك عن حقيقة أن رئيس الوزراء العبادي لم ينجح في ترك بصمة قوية على المشهد السياسي العراقي، في الوقت الذي كان بإمكانه فعل ذلك بحكم الدعم الذي لقيه محلياً وإقليمياً ودولياً على مدى أربع سنوات من ولايته ورغم نواياه الحسنة.
فهو لم يتمكن، وربما لم يرغب، في قطع أواصر ارتباطاته السياسية المعيقة لانفتاحه على المستقبل ومواجهة تركة سلفه المثقلة بالخطايا بحق الشعب العراقي، وهو مما تسبب بخيبة أمل كبيرة في الأوساط المحلية، وخيبة أمل أكبر في الدوائر الغربية التي راهنت على نجاحات ائتلافه.
فوز ائتلاف سائرون الذي يتزعمه مقتدى الصدر الذي حرص منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 على إبعاد نفسه عن أي شكل من أشكال الرضا بالوجود الأميركي في العراق، وعبر عن ذلك بطرائق شتى، يطرح تساؤلات حول موقف الولايات المتحدة من المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة القادمة.
حيث اتسمت تصريحات المسؤولين الأميركيين حول نتائج الانتخابات غير المسرة لها بالحذر، فعلى الرغم من أن الصدر أصبح في الآونة الأخيرة أقل صداماً مع الولايات المتحدة عن ذي قبل، إلا أنه لا يخفي حذره من مآلات العلاقة معها. إلا أن هناك ما هو أكثر مدعاة للقلق لدى واشنطن هو مجيء ائتلاف «الفتح» في المركز الثاني وهو ائتلاف يضم الفصائل الأكثر معاداة وكراهية لواشنطن والأكثر قرباً من طهران.
هيئة الحكومة العراقية القادمة وبرنامج عملها له أهمية استثنائية على مستقبل الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، ومن المتوقع في ضوء ذلك أن يكون للولايات المتحدة دور أكبر من الأدوار المتنوعة الأساليب التي تمارسها الدول الأخرى في المحادثات الجارية، والتي تتضمن دعم بعض المرشحين أو تقريب وجهات النظر أو تحييد بعضها أو تقديم الوعود أو ممارسة الضغوطات بهذه الوسيلة أو تلك.
فإدارة الرئيس الأميركي ترامب لم تكتفِ بإطلاق التصريحات كردود أفعال لأحداث يصنعها آخرون بل بدأت فعلاً بصناعة أحداث مهمة على المستويين الإقليمي والدولي لإعادة صياغة توازنات المنطقة من منظور مخالف لمنظور إدارة سلفها.
فالعمليات العسكرية التي نفذتها في سوريا ضد النظام ودعوتها لخروج جميع القوات الأجنبية منها والانسحاب من الاتفاقية النووية مع إيران وإعادة فرض العقوبات عليها وتوسيعها مع جملة قضايا أخرى تجعل الأرضية السياسية في المنطقة ممهدة لمواجهة كبيرة مع إيران.
وبالتالي الاصطدام مع حلفائها في أكثر من دولة، سيما وأن واشنطن تضع معظم هؤلاء الحلفاء في خانة المنظمات الإرهابية، وهو مما يجعل مهمة الحكومة القادمة في العراق شاقة جداً.
حظوظ العبادي في ولاية ثانية أفضل من حظوظ غيره إلا أنها مقيدة ببرنامج عمل يتفق عليه المؤتلفون مع «سائرون» إذ سيكون عليه مواجهة ملفات آثر عدم فتحها في ولايته الأولى وقد يضطر، وهو الأصعب، لخوض مواجهات لا تخلو من العنف مع من كان في تحالف معهم.
نتائج الانتخابات لم ترق للكثيرين من الطبقة السياسية التي تقف ضد التغيير حرصاً منها على التمسك بهيكلية العملية السياسية التي انتفعت من خلالها، مادياً ووجاهياً.
فقد فجرت زوبعة من التشكيك والطعن بنزاهتها لوضع العقبات أمام الفائزين فيها، وذهبت إلى حد المطالبة بإلغائها، واستخدمت مجلس النواب الذي لم يتبق من عمره سوى أسابيع قليلة لاتخاذ قرارات ليست من صلاحياته لإضفاء قدر من الشرعية على محاولاتها المحمومة لإجهاض النجاح الذي حققه ائتلاف سائرون، دون النظر إلى أن من تبعات ذلك تفجير أزمة سياسية في البلاد قد تقود إلى ما لا تحمد عقباه.
5 عراق ما بعد «داعش»
أسامة العبدالرحيم الجزيرة السعودية

منذ أسابيع قليلة انتهت الانتخابات العراقية لعام 2018، وشهدت نتائجها مفاجأة كبيرة باكتساح تحالف “سائرون نحو الإصلاح” ونيله المركز الأول في أغلب محافظات العراق، كما شهدت سقوطا مدويا للأحزاب الفاسدة، ليكون الشعب العراقي الشقيق قد قال كلمته، وأراد التغيير، وبذلك يكون قد انتقل من مرحلة تحرير العراق من “داعش” ودحره إلى مرحلة تحريره من الفاسدين ومحاسبتهم. تحالف “سائرون” لم يكن تحالفا انتخابيا فحسب، بل كان نتاج حركة شعبية احتجاجية من عام 2015 في ساحة التحرير ضد الطائفية وسوء الخدمات، وطالب بالتغيير ومحاسبة الفاسدين، وكانت القوى المدنية العراقية تقودها، ورفعت شعار “باسم الدين باقونا الحرامية”، ثم شارك جمهور التيار الصدري في الحركة الاحتجاجية وعلل زعيمهم مقتدى الصدر تحالفه مع الشيوعيين والعلمانيين بأن الإسلاميين فشلوا فشلاً ذريعاً في السنوات السابقة، ليكون هذا التحالف تجربة ثقافية فريدة ومؤثرة في المجتمع العراقي، واستمرت هذه الحركة الاحتجاجية حتى بداية عام 2018 لتشكل ائتلاف “سائرون” وفق برنامج وطني إصلاحي، ويضم ستة أحزاب: الشيوعي العراقي، والاستقامة الوطني، والتجمع الجمهوري، والترقي والإصلاح، والدولة العادلة، والشباب والتغيير. انتصار “سائرون” بمشروعه الوطني الجامع لكل العراقيين والمحارب للطائفيين وطغمة الفساد يعتبر نقلة نوعية في وعي الناخب العراقي لمشروع بناء الدولة المدنية والديمقراطية على قاعدة العدالة الاجتماعية، والأمل معقود على القوى المدنية والوطنية مع القوى الإسلامية المتنورة لتشكيل كتلة برلمانية عريضة تمهد لحكومة وطنية تتولى مهام الإصلاح والتغيير للخروج من نهج المحاصصة الطائفية، وبناء دولة المواطنة مع فتح جميع ملفات الفاسدين وتحسين الوضع الاقتصادي والخدماتي، والحرص على استقلالية العراق وسيادته الوطنية دون تدخلات من قوى أجنبية، وفي حال عدم تغير النهج وعدم تحقق الانفراج السياسي سيتوجه تحالف “سائرون” إلى المعارضة داخل البرلمان وخارجه بالضغط الشعبي. يهمنا في الكويت استقرار العراق وأمنه وتوثيق علاقات الأخوة بين البلدين، فاستقرار العراق جزء لا يتجزأ من استقرار الكويت وأمنها، وهذا ما أكده صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت في مؤتمر إعادة إعمار العراق، ولا عزاء لمن يريد إثارة الفتنة وزرع الكراهية بين الشعبين الشقيقين.
6 ألف قنبلة وصاروخ تسقط على العراق يوميا وليد الزبيدي الوطن العمانية

أكثر من ألف قنبلة وصاروخ تسقط يوميا على مدينة بغداد طيلة أيام الحرب التي تواصلت منذ فجر العشرين من آذار ـ مارس حتى التاسع من نيسان ـ أبريل 2003، والذي يدقق بالتفصيل سيجد أن هذه الصواريخ والقنابل تستهدف محيط بغداد، خاصة بعد الأسبوع الأول من بدء الحرب، أكثر مما تستهدف داخل المدينة، بعد ما تم قصف مراكز القيادة والتوجيه وأخليت المواقع الرئاسية. أما الأهداف التي كان يستهدفها ذلك القصف، الذي تستخدم به مختلف أنواع القنابل والصواريخ فتركزت في محيط مدينة بغداد بصورة خاصة، وهو طوق يمتد إلى أكثر من 80 كم، ويتمركز بصورة خاصة في المنطقة الشمالية من بغداد، امتدادا لمنطقة شمال الغزالية مرورا ببوابة بغداد وفي منطقة الراشدية، التي تمتد لمسافة طويلة ابتداءً من الضفة الشرقية لنهر دجلة، عند جزيرة بغداد، وصولا إلى منطقة الحسينية على طريق بغداد ـ بعقوبة، وفي هذه المناطق هناك أشجار كثيفة وبساتين وصولا إلى منطقة المدائن، وتصل بعد ذلك إلى المنطقة المقابلة إلى المدائن جنوب الدورة ومنطقة اليوسفية والرضوانية، وغالبية هذه المناطق تنتشر فيها البساتين.
كانت خطة حماية بغداد، توزعت على اتجاهين، الأول أن تكون دفاعات الحرس الجمهوري بهذا المحيط، وتستثمر غابات النخيل والبساتين الكثيفة في هذه المناطق، لتجعلها المواقع الخفية لها، وتخبئ فيها الدبابات والدروع والمدافع، إضافة إلى أماكن للقيادة والتوجيه ومخابئ للجنود.
والاتجاه الثاني، أن يتم إعاقة تقدم أرتال القوات الأميركية إلى ضواحي العاصمة، والانقضاض على تلك القوات، من فيالق الجيش العراقي الموجودة في مناطق خارج هذا الطوق، كما حرصت القيادة السياسية العراقية على أن تجعل طوق بغداد بصورة خاصة من الحرس الجمهوري المعروف بولائه الكبير والمطلق، والذي كان يشرف عليه إشرافا مباشرا قصي صدام حسين. لذلك واستنادا إلى ما أشرنا إليه، من كون اعتماد التأثير بصورة مباشرة في الحرس الجمهوري، ومن ثم الانقضاض على بغداد، وبالمقابل اعتماد الحرس الجمهوري، من قبل القيادة العراقية، الأداة الأكثر فاعلية في مقاتلة القوات الأميركية، لجرها إلى معركة بغداد، ومن ثم إلحاق أكبر الخسائر الممكنة، وبما يجعل من المعركة إما نهاية للحلم الأميركي، أو على الأقل تحويلها إلى معركة طويلة الأمد، وهذا ما كانت تراهن عليه القيادة السياسية في العراق، كما أبلغته لبعض كبار قادة الجيش والمسؤولين في الأجهزة الأمنية.
يبدو أن هذه الحقائق والمرتكزات التي اعتمدتها القيادة العراقية، كانت واضحة ومفهومة لدى الخصم، وهو القوات الأميركية، لذلك أولت القيادة العسكرية الميدانية أهمية خاصة للقصف المكثف والشديد والمدمر لهذه القوات، وأخذت طابعا دمويا خطيرا بعد الأسبوع الأول من بدء الحرب.
تحدث ضباط وجنود في الحرس الجمهوري والجيش العراقي بعد انتهاء الحرب، أنهم كلما سمعوا انفجارا هائلا، كنا نقول إنها قنبلة “أم القنابل”، التي هددت “البنتاجون” باستخدامها ضد العراق. وأنهم يتداولون مسائل كثيرة من أهمها أن القوات الأميركية لا تستند إلى الأخلاق ولا تعتمد القانون الدولي، لذلك قد تستخدم الأسلحة المحرمة في أي وقت، وقد تبيد العراق بأجمعه.
ليس ثمة مكان في العراق، يخلو من غبار الحرب ما عدا المحافظات الشمالية التي أصبحت تحت الحماية الأميركية منذ العام 1991، ورغم أن الجميع، يشعرون بأن هذا الغبار يقتحم لحظاتهم، إلا أن القدرة على تحديد اتجاه المسار الأقوى للحرب، ظلت ضعيفة ومشوشة.
7 الصدر من بيضة القبان إلى صدارة المشهد السياسي احمد صبري
الوطن العمانية

”واجه مقتدى الصدر انتقادات من علماء الدين الشيعة، بسبب موقفه من المرجعية الدينية في النجف، الذي وصفها بأنها مرجعية صامتة لم تنهض بمسؤوليتها تجاه ما يجري في العراق. ويعتمد الصدر في تجسيد حضوره في المشهد السياسي على الإرث التاريخي لوالده وعائلته، ما عزز مكانته في المجتمع العراقي، وما تصدره لنتائج الانتخابات الأخيرة إلا الدليل على أنه رقم صعب في المعادلة العراقية…”
يوصف بأنه شخصية مثيرة للجدل ومقلقة للحكام الذين تناوبوا على إدارة العراق بعد احتلاله عام 2003 وحتى الآن.
إنه مقتدى الصدر ألابن الأصغر لعالم الدين الراحل محمد صادق الصدر ظهر في فترة هي من أشد فترات الإثارة في تاريخ العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، وتطور تأثيره وحضوره في المشهد السياسي ما شكل مفاجأة للأحزاب الدينية العراقية، ومن ثم منافسا لها ورغم أن مقتدى الصدر زعيم لشريحة كبيرة في المجتمع العراقي إلا أنه لم يصل إلى مرحلة الاجتهاد التي تخوله منافسة المرجعيات الدينية، وكان الاقرب إلى عالم الدين كاظم الحائري الموجود في إيران، واختلف معه فيما بعد، وسعى لتشكيل مسار مستقل أطلق عليه الخط الصدري.
وواجه مقتدى الصدر انتقادات من علماء الدين الشيعة، بسبب موقفه من المرجعية الدينية في النجف، الذي وصفها بأنها مرجعية صامتة لم تنهض بمسؤوليتها تجاه ما يجري في العراق. ويعتمد الصدر في تجسيد حضوره في المشهد السياسي على الإرث التاريخي لوالده وعائلته، ما عزز مكانته في المجتمع العراقي، وما تصدره لنتائج الانتخابات الأخيرة إلا الدليل على أنه رقم صعب في المعادلة العراقية، وقادر على تغيير قواعد اللعبة الديمقراطية، لا سيما انفتاح قوى شيعية وسنية ومدنية وحتى كردية للعمل معه لصياغة ملامح النظام السياسي الجديد، كما يروج له الصدر والعابر للطائفية.
وإذا عدنا إلى بدايات بروز شخصية مقتدى الصدر ونواته جيش المهدي فإننا نستطيع القول: إن حركته لم تنبثق من بنية منظمة، وإنما ظهرت من خلال تشكيل مسلح من المتطوعين من أبناء مدينة الصدر، سرعان ما توسعت وأصبحت قوة فاعلة على الأرض واتهمت بقيامها بأعمال طائفية.
ومقتدى الصدر وفي إطار سعيه لتأكيد حضوره كعالم دين أكمل دراسته في قم على مدى ثلاث سنوات، وأصبح حجة الإسلام التي تأتي بعد مرتبة آية الله، وآية الله العظمى وفقا للتراتبية الشيعية، وعلاقة مقتدى الصدر برئيس الحكومة الحالية جيدة ويميل إلى تجديد ولايته، غير أن علاقته برئيس الحكومة السابق نوري المالكي سيئة ومتشنجة وتفتقد إلى الثقة المتبادلة، وغالبا ما يستعين المالكي بعصائب أهل الحق التي انشقت عن جيش المهدي لردع الذراع العسكرية للصدر خلال ولايتيه.
ورغم محاولات المالكي والأحزاب الدينية إضعاف وكسر شوكة التيار الصدري إلا أن هذا التيار حصد نحو (40) مقعدا في البرلمان المنتهية ولايته، وأصبح قوة تصويتية وبيضة القبان في ترجيح كفة أي كتلة برلمانية، غير أنه تصدر نتائج الانتخابات الأخيرة بحصوله على 54 مقعدا فيه.
ويقف مقتدى الصدر في ظل الاستقطاب السياسي والطائفي بين أركان العملية السياسية رافعا راية التغيير والإصلاح وعبور الطائفية، ومحاربة الفساد والمتسببين في ضياع أمواله خلال السنوات الماضية، في إشارة إلى خصمه المالكي.
وما يقلق المالكي انفتاح الصدر على قوى سنية وكردية وليبرالية، الأمر الذي سيأخذ من جرفه ويقلل من دوره ويفتح شهية الآخرين للنيل منه، وكثيرا ما يتطلع الصدر إلى خارج الحدود بمواقف ربما أحرجت إيران وحلفاءها بانفتاحه على محيطه العربي عبر زيارات لعدد من دولها.
وغالبا ما يلوذ مقتدى الصدر بالصمت ويتوارى عن الأنظار إلى حد التلويح باعتزاله العمل السياسي، كتعبير عن خيبة أمله من تداعيات الأوضاع في العراق وفشل الطبقة السياسية في وقف العنف، وتكريس ثروة العراق لسعادة العراقيين عبر وقف هدر المال العام وملاحقة المفسدين.
ويبقى الصدر رقما مهما في المعادلة السياسية وعاملا مؤثرا بين أطرافها، إذا أجاد قواعد اللعبة السياسية بكل تناقضاتها بعد أن انتقل من بيضة القبان إلى صدارة المشهد السياسي بفوزه بأعلى المقاعد في البرلمان وسعيه لتشكيل ائتلاف عابر للطائفية وانبثاق حكومة وصفها بالأبوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.