3 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم السبت

1 المحرقة التى أهلكت العراق.. لئلا ننساها في ذكراها الخامسة عشرة
رميز نظمى
راي اليوم بريطانيا

يعتقد البعض أن الحرب الأمريكية و حلفاءها على العراق قد بدأت سنة 2003. أجل، حصل الاحتلال فى تلك السنة، إلا أن الحرب كانت قد شُنت على العراق قبل ذلك بثلاثة عشر عاماً.. لقد قُدّر على العراق، بإمكانياته الجلّية و طاقاته الكامنة و التزاماته العروبية، أن يكون مستهدفاً من قبل الغرب الاستعمارى و صنيعته الكيان الصهيونى؛ إنه قدر شرّف الله العراق به.
هيمنت الحرب الإيرانية – العراقية على ثمانينات القرن الماضى، كانت حرباً عبثية خلفت وراءها مئات الآلاف من القتلى و الجرحى من كلا البلدين الجارين، ناهيك عن مليارات الدولارات من الخسائر المادية. كانت بمثابة حمام دم خططت واشنطن و حلفاؤها لاستمراره لأطول فترة ممكنة .. فوفقاً لما تم الكشف عنه من خلال فضيحة ” إيران جيت \ إيران كونترا” قام الكيان الصهيونى ببيع أسلحة أمريكية إلى إيران بمليارات الدولارات، و بدورها سربت الإدارة الأمريكية معلومات استخبارية فى غاية الأهمية إلى العراق.
أكد هنرى كيسنجر ، وزير الخارجية الأمريكى السابق و مستشار الأمن القومى ، فى أكتوبر 1980 : ” أن استمرار الحرب بين إيران و العراق يصب فى المصالح الأمريكية” ، و من جانبها فإن إسرائيل أرادت استمرار الحرب لمائة سنة فلذا أصيبت بإحباط عندما انتهت بعد سنوات ثمان فقط. و قام الطيران الإسرائيلي خلال الحرب بمهاجمة العراق فى 7 حزيران \ يونيو 1981 و دمر مجمعه النووى فى التويثة.
و بحلول عام 1988 استطاعت القوات العراقية، و بشكل حاسم، تعزيز قدراتها القتالية؛ فأرغمت إيران على قبول وقف إطلاق النارالذى كانت تدعو إليه القيادة العراقية، أما بالنسبة إلى النظام فى إيران فإنّ قبوله بإيقاف القتال كان ” أكثر مرارة من تجرع السم “، و لكن لم يكن لديه أى خيار آخر، فربما كان البديل هو تعرض إيران لخسائر كبرى، و توقفت فعلاً العمليات العسكرية فى 20 آب\ أغسطس 1988.
بعد عاميين فقط من نهاية الحرب مع إيران، تهور- و بشكل خطير- الرئيس العراقى صدام حسين و قرر احتلال الكويت ، كانت لديه مآخذ و تهم ، بنظرة مصيرية ، ضد النظام الكويتى، إضافة إلى ذلك اعتبر صدام، أسوة بقادة عراقيين سابقين، أن الكويت تاريخياً كانت جزءاً من ولاية البصرة العراقية أثناء الإمبراطورية العثمانية لحين اقتطاعها من قبل الاحتلال البريطانى. كان احتلال الكويت قراراً مميتاً احتالت الإدارة الأمريكية على صدام لاتخاذه. فمن المستبعد لو حذرت الإدارة الأمريكية الرئيس العراقى من مغبة غزو الكويت لما تجرأ على اتخاذ تلك الخطوة. و لكن عوضاً عن تهديده، بدأ أن واشنطن أوعزت إليه بوسائل عدة من ضمنها سفيرتها فى بغداد بأنها لا تعارض نيته فى غزو الكويت.
لقد كان احتلال الكويت مكيدة لم تنجح الإدارة الأمريكية فى إيقاع صدام فيها فحسب، بل أبقته عالقاً بها. فوفقاً للكتاب الأبيض الذى أصدره رسمياً الملك حسين كان من الممكن أن ينسحب العراق بسلام من الكويت، لكن واشنطن وحلفاءها فى المنطقة قوضوا أى محاولة للانسحاب تحفظ ماء وجه العراق. ووصف مسؤولون أمريكيون أى انسحاب عراقى “بالكابوس” لأنه كان سيجهض مخططهم بشن حربٍ مدمرة على العراق.
و بالنسبة إلى الرئيس صدام حسين، فمع توجهاته الاستبدادية و عدم مرونته، افتقر أيضاً الفطنة التكتيكية اللازمة لإحباط الخطر المحدق. كانت نية الإدارة الأمريكية و حلفائها واضحة فى استغلال احتلال الكويت لتدمير العراق، إذ كانوا يرون فى العراق القوى المزدهر خطراً على أطماعهم الاستيراتيجية فى المنطقة و خاصة أن بغداد قد عرفت بتبنيها للطموحات العربية و على رأسها القضية الفلسطينية. و قد تعزز هذا التصور عندما أعلن الرئيس صدام حسين فى نيسان \ إبريل 1990، بأنه سيرد على أى هجوم من الكيان الصهيونى “بحرق نصف إسرائيل”.
قامت الولايات المتحدة و حلفاؤها بحشد ما يقارب من مليون من القوات العسكرية فى الصحراء السعودية. و شنت هذه القوات هجومها الشرس على العراق فى 16 كانون الثانى \ يناير 1991 من خلال حملة جوية عارمة. إضافة إلى استهدافه المواقع العسكرية، حطم الهجوم الجوى بنية العراق التحتية من محطات كهرباء و مصافى نفط و مراكز تصفية المياه و الصرف الصحى و محطات الاتصالات و الهاتف و الجسور و مصانع الأدوية و المعامل الحيوية و مراكز التعليم و غيرها من المواقع الجوهرية.
كان تدميراً آثما حيث أن الكثير منه لم يكن مبرراً عسكرياً، فكما ذكر البروفسور جون مولر، جامعة ولاية أوهايو الأمريكية : ” لم يكن الكثير من القصف على العراق ذا ضرورة عسكرية “. ألقيت خلال الهجوم على العراق من المتفجرات ما يعادل 7 قنابل نووية من نوع هيروشيما، و أطلق عليه ما يزيد عن 000,860 قذيفة من اليورانيوم المخصب الذى ستستمر اشعاعاته فى تلويث البيئة العراقية إلى المستقبل المنظور.
كان حجم الدمار من الشناعة بحيث أن مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، مارتى ايتسارى، ذكر فى مذكرته الرسمية المرقمة 22366 \ S و المؤرخة فى 20 مارس 1991 بعد زيارته للعراق لتقصى الحقائق: ” لم نر أو نقرأ أى شىءهيئنا بالشكل الكافى لهذا الحجم من الدمار الذى حل بهذا البلد (العراق) .. لقد تحول العراق (بسبب الهجوم الأمريكى) الآن و فى المستقبل المنظور إلى العصر البدائى ..”
و ما تلا ذلك كان أكثر سوءاً. فرداً على احتلال الكويت، قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بدفع رئيسى فى واشنطن و لندن، باتخاذ العديد من القرارات التى فرضت عقوبات على العراق الغرض المفروض منها تحقيق هدفين رئيسيين: الانسحاب من الكويت و القضاء على أسلحة الدمار الشامل.
و كانت هذه العقوبات من القسوة بحيث شكلت طوقاً خانقاً للعراق، فلم تتشابه معها فى صرامتها أى عقوبات أصدرتها الأمم المتحدة على أى دولة أخرى قبل أو بعد فرضها على العراق. كان نطاقها شاملا و أسلوب تنفيذها قاتلا، بالأحرى لم تكن عقوبات بقدر ما كانت محرقة للشعب العراقى .. حتى تلك الشروط الشديدة التى فرضت على ألمانيا سنة 1919 بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى لم تشمل حصاراً كالذى أجبر عليه العراق. و من الجدير بالذكر عندما أخضع العراق لتلك العقوبات، كانت الولايات المتحدة هى القوة العظمى الوحيدة فى العالم، فقد كان الاتحاد السوفيتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، فاستغلت واشنطن وضعها الجديد للتسلط و ترهيب الأعضاء الآخرين فى مجلس الأمن.
بالإضافة إلى الحصار التجاري ومنع السفر جواً من وإلى العراق، فإنه تم تجميد كافة الأرصدة العراقية في الخارج، بصرف النظر عما إذا كانت مملوكة من قبل مواطنين أو من قبل الدولة. وعلى الرغم من أن العقوبات الدولية عادة تحدد أشخاصاً معينين لتُطبق عليهم، غير أنه في حالة العراق شملت العقوبات كافة العراقيين البالغ عددهم 20 مليون مواطن.
ومن خلال منع صادرات النفط والمنتجات الأخرى، حُرم العراق من الحصول على أي عملة أجنبية. وهو الأمر الذي أدى إلى هبوط شديد في قيمة العملة العراقية، الدينار العراقي. فقبل العقوبات كان مبلغ 2,500 دينار عراقي يساوي، حسب أسعار الصرف الرسمية، حوالى 7,500 دولار أمريكي، أما بعد العقوبات تراجعت قيمته السوقية إلى 1 دولار أمريكي (نعم، دولار واحد). و هبط الدخل الحقيقي للفرد بنسبة تزيد عن 90% و انخفضت رواتب موظفى القطاع العام إلى مايعادل 4 دولارات شهرياً، وارتفعت البطالة بشكل مروع.
و نتج عن ذلك تضخم هائل لأسعار المواد الغذائية الأساسية مثل الحليب والخبز والأرز وزيت الطهي، حيث زادت أثمان هذه السلع بمعدل 2,600 %. وعلى نحو مماثل ارتفعت أسعار الأدوية إلى معدلات خيالية، فقد تم تدمير مجمع الصناعات الدوائية العراقي في سامراء من قبل قاذفات القنابل الأمريكية. كان الحظر على الواردات شاملاً حتى إنه ضم الأقلام الرصاص وأكفان الدفن ولقاح الأطفال ، تحت ذريعة إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية!
ومن أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية، اضطرت العديد من الأسر العراقية لبيع ممتلكاتها و لوازمها المنزلية.. تدريجياً، وأصبحت الحياة لا تطاق فى ظروف معيشية تشحُ فيها المواد الغذائية، و تندرالأدوية الأساسية، و تتلاشى الطاقة الكهربائية، و تُفتقدُ المياه النظيفة، و تُطفح المجارى، وتتفاقم الديون و تختفى ابتسامة الأطفال، و يتفشى الإحباط و تندثر الأواصر الاجتماعية الحميمة .. حياة يموت فيها الضعاف و يتألم منها الأشداء .. حوّل الحصار، و الحرب المدمرة التى سبقته، حياة شعب قوامه 20 مليون نسمة، فى ليلة و ضحاها و بدون أى ذنب اقترفه، من العيش الكريم إلى البقاء الذميم، و أبقتهم كذلك طوال 13 سنة. حصار مسخ مجتمعاً كان موضع حسد العالم النامى على تطوره العلمى و الصحى و الاقتصادى إلى مجتمع يُرثى لحالهِ.
و قد تسبب الحصار، حسب تقديرات البروفيسور فرانسيس بويل، جامعة إلينوى الأمريكية، فى أن “يلقى 1.7 مليون عراقى حتفهم كنتيجة مباشرة لهذه العقوبات الاقتصادية الهادفة إلى الإبادة الجماعية، من بينهم حوالى 750,000 طفل عراقى”.
و عندما سُئلت مادلين آلبريت، ممثلة الولايات المتحدة فى الأمم المتحدة، بتاريخ 12 مايس \ مايو 1996 من قبل محطة CBS : ” لقد لقى نصف مليون طفل (عراقى) حتفهم .. و هو عدد أكبر من الأطفال الذين لقوا مصرعهم فى هيروشيما .. هل الأمر يستحق ذلك؟”. فردت قائلة: “إننا نعتقد أن الأمر يستحق ذلك”. كان رداً مروعاً و لكن صريحاً و بمثابة دليل قاطع على أن سياسة الإبادة الجماعية التى اتبعتها الإدارة الأمريكية نحو العراق كانت متعمدة و مقصودة. و هذا ما دفع السفير الماليزى فى الأمم المتحدة أن يبلغ مجلس الأمن : ” أن نفس السياسة التى يُفترض أنّ غايتها إخلاء العراق من أسلحة الدمار الشامل أصبحت فى حد ذاتها بمثابة سلاح دمار شامل”.
وقد أدت هذه العقوبات غير الإنسانية وتطبيقها الوحشي إلى استقالة غير مسبوقة لثلاثة مسؤولين رفيعي المستوى في الأمم المتحدة، كان المسؤول الأول هو دينيس هاليدي، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة الذي استقال من منصبه كمنسق إنساني للأمم المتحدة في العراق، و الذى وصف العقوبات بأنها: ” إجرامية وأدت إلى الإبادة الجماعية”. بينما كان ثاني من تقدموا باستقالتهم هو من خلفه في المنصب، هانس- كريستوف فون سبونيك، الذي أشار إلى العقوبات بأنها “خبيثة”. و كانت جوتا بورجهاردت مديرة برنامج الغذاء العالمى فى العراق ثالث مسؤول يتقدم باستقالته احتجاجاً على هذه العقوبات.
و شهد شاهدُ من أهلها أيضاً حيث تم كذلك إدانة الحكومتين من داخل البعثة الدبلوماسية البريطانية في الأمم المتحدة، و ذلك من قبل كرين روس الذى شغل منصب رئيس قسم الشرق الأوسط فى البعثة خلال الفترة المهمة من 1997 إلى 2002. وكانت إحدى مهامه الرئيسية الإشراف على تطبيق نظام العقوبات ضد العراق، وفي إفادته إلى البرلمان البريطاني بتاريخ تموز \ يوليو 2006، أقر: “إن حجم الأدلة يشير بوضوح إلى أن العقوبات قد تسببت في معاناة إنسانية ضخمة للشعب العراقي وبشكل خاص للأطفال، و كذلك بضرر هائل للاقتصاد العراقي والبنية التحتية المدنية… وبالنسبة إلينا – حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا فقد كنا القائمين الرئيسين على التخطيط للعقوبات والدفاع عنها – و كنا على علم تام في ذلك الوقت بهذه النتائج – ولكن تم تجاهلنا لها بشكل كبير، أو إلقاء اللوم على حكومة صدام … لقد دمرت العقوبات الاقتصاد المدني العراقي، وجردت كل الشعب من وسائل المعيشة وأجبرته على الاعتماد على الأمم المتحدة و المؤونة التي تقدمها الحكومة”.
كان من الممكن أن تكون آثار الحصار أكثر كارثيةً لولا توفر عاملين رئيسيين: الأول كان نظام المؤن (البطاقة التموينية)، الذى تعاون القطاعان الحكومى و الخاص على إدارته، و الذى ساعد على تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية لشعب من 20 مليون نسمة. لقد كانت الطريقة الكفؤة التى تمت بها إدارته فى ظروف عصبية و شديدة القسوة، دليل ناصع على إبداع و مهارة الشعب العراقى، بحيث وصفته منظمة CESR بأنه “قدوة لبرنامج ناجح للأمن الغذائى”.
و تمثل العامل الثانى فى الدور المشرف الذى أدته النساء العراقيات اللواتى كن الأكثر تضرراً من هذه العقوبات .. أجبرت الظروف قسماً كبيراً منهن على مجابهة التحديات و إعالة أسرهن بمفردهن. فالكثير من الرجال استشهدوا و جزء آخر ترك عائلتهم لعدم استطاعتهم مجابهة وصمة العار الاجتماعية المتمثلة فى إخفاقهم فى الاستمرار فى إعالة أسرهم نظراً لظروف الحصار الشرسة .. و مع شبه انهيار النظام المدرسى و الرعاية الصحية، تولت المرأة العراقية، بالإضافة إلى دورها كأم، مسؤوليات جسام أُخَر تمثلت فى كسب الدخل و تعليم الأبناء و تقديم الرعاية الصحية: مهام يستعصى تحملها بآن واحد فى الظروف الطبيعية فكيف فى أحوال عسيرة؟!
على الرغم من كل تلك الظروف الفظيعة، حافظت المرأة العراقية على كرامتها وظلت تكدح في صمت وبشكل بطولي. وقد أشار فريق دراسات دولي قام بزيارة العراق من أجل تقييم آثار العقوبات المفروضة في تقريره إلى “أن المرأة العراقية قد واجهت هذه الأزمة الكبرى، ليس فقط كضحية، ولكن كعنصر أساسي تولى إعالة أسرته والمجتمع الذي تعيش فيه. حيث أن أساس المجتمع العراقي هو المنزل؛ فقد تم الحفاظ عليه من خلال إبداعها وقوتها على الرغم من عوزها الاقتصادي وحرمانها العاطفي و الاجتماعي والنفسي”.
إنّ العوز الناتج عن تلك العقوبات القاسية بالضرورة أدى إلى حدوث بعض التهرّآت في النسيج المعنوي و الأخلاقى للمجتمع. فقد كان من الممكن لأب لديه طفل مريض ثمن دوائه ضعف راتبه الشهري، أن يضطر لقبول رشوة. وهكذا فقد زرعت العقوبات بذور الفساد في العراق. وقد ذكرت البروفيسور جوى جوردون، جامعة فايرفيلد الأمريكية، “لقد تم تحويل مجتمع معروف بعلمائه ومهندسيه وأطبائه من خلال الحصار إلى مجتمع يهيمن عليه الشحاذون والمجرمون وتجار السوق السوداء”.
و الخلاصة يمكن القول إن الإدارة الأمريكية وحلفاءها بفرضهم الحصار الجائر على العراق كانوا يقصدون تحقيق أربعة أهداف :أ) تدمير البنية التحتية البشرية والعلمية والمادية للعراق. ب) كسر القيم المعنوية للمجتمع العراقي وغرس بذور الفساد. ج) استنزاف أي قدرات للدولة العراقية لمقاومة غزوهم المرتقب. د) إجبار العراق على التخلي عن التزاماته العروبية خاصة القضية الفلسطينية.
ومع مرور الوقت، بدأ المجتمع الدولي يدرك الطبيعة الدنيئة لسياسات الإدارتين الأمريكية والبريطانية تجاه العراق. علاوة على ذلك، فإنه في أواخر التسعينيات بدأ وضع الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيده في العالم بالتخلخل. فقد انبعثت روسيا من رماد الاتحاد السوفيتي، وبدأت فرنسا في اتخاذ مواقف أكثر استقلالية، و أصبحت الصين أكثر حزماً؛ فشكلت هذه التطورات مخاوف جدية للولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها و بدأوا في التساؤل إلى متى سيظل في إمكانهم الاستمرار بناءً على ذرائع وهمية في فرض الحصار على العراق؟ و إن حققت العقوبات إلى حد كبير الأهداف الثلاثة الأولى إلا أنها أخفقت في تحقيق الغرض الرابع. إذ رفض العراق و بكل إباء التخلي عن التزاماته العروبية و التحررية، و لهذا قرر أعداؤه أن الطريق الوحيد للوصول إلى هدفهم الرابع هو غزو و احتلال العراق. و كان لهم ما أرادوا فى 2003 ، و للحديث بقية.
2 عن الخيار القومي في ذكرى تأسيس {البعث}! أكرم البني

الشرق الاوسط السعودية

يذهب كثيرون إلى اعتبار يوم تأسيس حزب البعث، في السابع من أبريل (نيسان)، يوم شؤم عربي، ربطاً بالحالة المأسوية التي وصلت إليها مجتمعاتنا، وخاصة في سوريا والعراق، منذ توسلت طغمة عسكرية انقلابية، العقيدة القومية، لتسويغ استبدادها وفسادها.
والنتيجة، تشويه الروابط الوطنية والقومية، وتكريس ولاءات متخلفة تفيض بالانتهازية والشوفينية والاحتقانات المذهبية، يحدوها عنف وفساد منفلتان، وفشل في وقف تدهور المجتمع ومعالجة أزماته، تكللت باستجرار كل وحوش الأرض لاستباحته، وإيصاله إلى درك لا يحتمله عقل أو ضمير من الخراب والضحايا والمشردين.
والنتيجة أيضاً، أن يهزأ وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو بالعرب، عبر كلمات تنضح بغطرسة إمبراطورية عثمانية، خلال رده في مؤتمر ميونيخ على تحفظ مندوب الجامعة العربية على حرب عفرين! وأن يفاخر قادة إيران بأنهم باتوا يتحكمون بأربع عواصم عربية، ويقرر علي أكبر ولايتي بعنجهيته المعهودة، ونيابة عن الشعب العراقي، حظر وصول الشيوعيين والليبراليين إلى الحكم، بينما تتوغل إسرائيل عميقاً في الدم والحق الفلسطينيين، وتستثمر التردي العربي لقضم القدس وأراضي الضفة الغربية، الأمر الذي يذكرنا بصورة قديمة لما عرف بـ«تركة الرجل المريض»؛ حيث كانت المجتمعات العربية ضعيفة ومنهكة وتتنازع السيطرة عليها أطراف استعمارية خارجية، مستبيحة أرضها ومقدراتها وحيوات أبنائها.
في الماضي، حمل ثلة من المثقفين العرب لم يعشش اليأس والإحباط في نفوسهم، لواء مناهضة هذا الضيم، ولجأوا إلى الفكر القومي لتغذية نضال تحرري نجح في طرد المستعمر، والتأسيس لبناء أوطان حرة، إلا أن غالبية الأنظمة التي قامت بعد الاستقلال استغلت هذا الفكر لمآربها الخاصة، وسخرت شعاراته عن الوحدة العربية وتحرير فلسطين لتعزيز سلطانها واستئثارها بالامتيازات والمغانم، الأمر الذي عمّق أزمات مجتمعاتنا السياسية والاقتصادية، وأبقاها رهينة للتخلف والعجز وللأقوى إقليمياً ودولياً.
المقارنة والمقاربة بين الماضي والحاضر، مع حفظ الفوارق، تظهر مدى حاجتنا اليوم لخيار قومي جديد غني بعمقه الحضاري، وبقيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، يصعب من دونه إحياء الأمل مجدداً في الخلاص والتغيير، وتوجيه الأجيال العربية نحو التعاضد والتكافل لمواجهة التحديات المشتركة والاستحقاقات الحضارية.
صحيح أن الهم القومي لم يكن سبباً حافزاً لثورات الربيع العربي؛ لكنه كان حاضراً بقوة في تواترها وتماثل شعاراتها وصور التضامن بين أبنائها، ولنقل في تشابه دوافع انطلاقها رداً على ما آلت إليه أحوالنا من قهر وتردٍ، والأهم في خصوصية تموضعها ضد أنظمة استبدادية، استندت إلى الفكر القومي في وصولها إلى السلطة، واتحدت أدواتها القمعية، كأنها في معركة واحدة، لإجهاض تطلعات الناس وآمالهم.
الاستنجاد بفكر قومي تعضده قيم الحرية والكرامة ليس ضرباً في الهواء أو أمنية فارغة أو نوعاً من تقليد الماضي؛ بل هو الخيار الأجدى لمعالجة الانهيار العربي الراهن، إنْ لجهة دوره أولاً في مناهضة تفاقم ظواهر العنف، ولغة المكاسرة والغلبة التي تفشت في بلادنا، ربطاً بما يضفيه انتماؤه للبيت ذاته من مشروعية وجدوى في نقد وتعرية أنظمة تلطت وراء الشعارات القومية؛ لتنحدر كلياً نحو الديكتاتورية والدولة الأمنية، وتسوّغ من أجل الحفاظ على سطوتها وفسادها، قتل مواطنيها وتدمير مجتمعاتها، وربطاً بقدرته على التعبئة للحد من التدخلات الخارجية في شؤوننا، وردع هذا التنازع المسعور، إقليمياً ودولياً، للسيطرة على مصيرنا ومقدراتنا.
وثانياً، لدوره المجرب في محاصرة جماعات تحمل راية الإسلام السياسي، وتسوّغ لنفسها قهر مجتمعاتنا وتفتيتها دينياً وطائفياً، وغالبيتنا تتذكر نجاح الخيار القومي في مختلف بلدان المشرق العربي، مصر وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين، في التصدي للتطرف الأصولي وحركات الإسلام السياسي وهزيمتها، بما في ذلك الارتقاء بالدين نحو أفقه الروحي بعيداً عن مستنقع السياسة وآثامها، وتالياً نجاحه في كسب فئات شعبية واسعة كانت تجد في الخيار الديني بديلاً وملاذاً روحياً، يعينها على مواجهة ما تكابده من قهر وفقر.
وثالثاً، لأنه الخيار الأقدر ببعديه الديمقراطي والإنساني على التعامل الصحي مع التعددية والتنوع الإثني والديني في مجتمعاتنا، بما في ذلك تعرية أطراف تروّج للعصبيات القومية والتطرف الآيديولوجي الأعمى، وتبيح لنفسها ممارسة الإلغاء والإقصاء والاعتداء على حقوق الآخرين وحرياتهم. والأهم لأنه الخيار الذي يستمد مشروعيته وقوته من معاناة مشتركة للشعوب العربية المقهورة، ومن تفاغر وحدة مصيرها، وخلاصها في إرساء قيم الديمقراطية والمواطنة التي تساوي بين البشر، بغض النظر عن جنسهم ودينهم وعقيدتهم وإثنيتهم، ما يبيح تفسير انتماء غالبية رواد الفكر القومي إلى الأقليات الدينية، بصفته خيارهم للارتقاء إلى مجتمع لا يكونون فيه مواطنين من الدرجة الثانية، كما كان حالهم إبان مرحلة السلطنة العثمانية.
اللجوء إلى الحافز القومي للرد على انحطاط المجتمع وأزماته المستعصية هو خيار قديم عرفته شعوب كثيرة عبر التاريخ؛ تجارب اليونانيين ضد أعدائهم، ثم الفرنسيين والألمان والإيطاليين، وأخيراً الشعوب التي انضوت تحت ما سمي المنظومة الاشتراكية، حيث تغذت بالروح القومية الديمقراطية، للتحرر والانفكاك من الشمولية السوفياتية.
لا يكاد التاريخ ينتهي في زمن إلا ويبدأ مجدداً في زمن آخر، وإذا كان حصاد الشعارات القومية البعثية البراقة طيلة عقود لم يكن إلا الهزائم والانكسارات ومزيد من التردي والفساد وقهر الإنسان وإفقاره، فقد آن الأوان، في ظل التعقيدات التي راكمتها سنوات الاستبداد والثورة المضادة، لإزالة هذا المستنقع الآسن، وفتح صيرورة قومية جديدة، لعل أهم ما فيها تقدم دور العرب الأحرار في تقرير مصيرهم، وصياغة مستقبلهم دون إقصاء أو وصاية، تحدوها تعرية كافة الالتباسات التي أحاطت بالفكر القومي، من اندفاعات شوفينية بالغة الخطورة ارتكبت باسمه، ومن ممارسات دأبت على تعميمها قوى الاستبداد، لتشويهه وتحويله إلى آيديولوجيا مغلقة ومفرغة من أي بعد إنساني أو حضاري.
3 احتلال ما زالت تداعياته متواصلة رغم مرور 15 عاما
احمد صبري
الوطن العمانية

”.. في مفارقة بين مشهدين كانت تعيشهما بغداد في ذلك اليوم حيث أوهمت قوات الاحتلال العالم أنها بإسقاط تمثال الرئيس الراحل صدام حسين في ساحة الفردوس عصر التاسع من نيسان ـ أبريل عام 2003 قد أنهت الصفحة العسكرية في حربها مع العراق، في حين كان صدام في نفس اللحظة في منطقة الأعظمية يحيي الجماهير التي التفت حوله.”

تبقى ارتدادات التاسع من أبريل ـ نيسان متواصلة باعتبارها نقطة تحول في تاريخ العراق والمنطقة أبقت العراق في المأزق الذي يتخبط به، ولم يتحول بسبب الاحتلال إلى نموذج للسلام والرخاء والديمقراطية كما سوقت لغزوه إدارة بوش الابن.
ومن المناسب ونحن نستذكر ما جرى في التاسع من نيسان ـ أبريل أن نسلط الضوء على صفحات غير معروفة عما جرى ذلك اليوم من خلال شاهد عيان رصد، وتابع الساعات التي سبقت وأعقبت احتلال بغداد.
كان صباح التاسع من نيسان ـ أبريل حزينا وكئيبا، حتى نهر دجلة الذي كنا نعرفه متدفقا وحيويا وجميلا، بدا لنا ونحن نتطلع إليه من شرفة غرفتنا في فندق المريديان ببغداد أنه متوقف عن الجريان. ووسط أجواء الترقب والانتظار تردد الصحافيون الذين تجمعوا في باحة الفندق لمتابعة ما يحدث من حولهم، بعد أن تضاربت الأخبار حول حقيقة ما يجري في الخارج، انتبهوا إلى من يدعوهم إلى مؤتمر صحافي عاجل لوزير الإعلام محمد سعيد الصحاف على سطح فندق المريديان، وكان ذلك يوم الثامن من نيسان ـ أبريل وهو آخر مؤتمر للصحاف.
وهرعنا إلى السطح وإذ بالصحاف يطمئن الصحافيين، ويؤكد أن الأمور مسيطر عليها، وأن ما يسمعونه هو تسريبات صحافية هدفها إحداث البلبلة والتأثير في معنويات المقاتلين، وكان الصحاف متماسكا وعنّف بعض مراسلي وسائل الإعلام الأميركية لعدم مصداقية تقاريرهم حول تطورات الحرب على العراق، وفي مفارقة بين مشهدين كانت تعيشهما بغداد في ذلك اليوم حيث أوهمت قوات الاحتلال العالم أنها بإسقاط تمثال الرئيس الراحل صدام حسين في ساحة الفردوس عصر التاسع من نيسان ـ أبريل عام 2003 قد أنهت الصفحة العسكرية في حربها مع العراق، في حين كان صدام في نفس اللحظة في منطقة الأعظمية يحيي الجماهير التي التفت حوله، وما يكشف سيناريو الاحتفال باحتلال بغداد الذي جرى في ساحة الفردوس، هو أن أكثر من نصف بغداد وخمس محافظات عراقية هي الموصل وصلاح الدين والأنبار وديالى وكركوك لم تصلها القوات الأميركية، هنا كانت الرمزية في إسقاط تمثال صدام في وسط ساحة في قلب بغداد كرسالة للجميع مفادها أن بغداد والعراق كله أصبح تحت السيطرة.
كان صباح العاشر من نيسان ـ أبريل حزينا ومختلفا عن بقية الأيام، فالدبابات الأميركية تطوق ساحة الفردوس واتخذت من باحة فندقي المريديان والشيراتون مكانا لانتشار قوات المارينز، وما زاد من قتامة المشهد الرايات البيضاء المتدلية من شرفات الفندقين بعد أن قذفت أماكن وجودهم مدفعية الدبابات الأميركية التي تسللت إلى بغداد وقتلت وجرحت العديد منهم في محاولة لتفادي أي موقف مماثل.
وأمام خواتيم هذا المشهد كيف تصرف صدام في تلك اللحظات؟ وأين كان المسؤولون العراقيون قبل وبعد التاسع من نيسان ـ أبريل؛ حيث شوهد صدام بالقرب من جامع أم الطبول المؤدي إلى المطار ظهر السادس من نيسان وهو يحمل السلاح ومحاطا بعشرات المقاتلين وبصحبته نجله قصي؟
في هذه اللحظات الحاسمة أمضى صدام ليلته في جامع أم الطبول غرب بغداد، حيث توجه صدام ظهر التاسع من الشهر إلى منطقة الأعظمية، وحيا الذين تجمعوا لتحيته، وكان معه وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد وولده قصي وبعض أفراد الحماية، وعندما انتهى من ذلك اصطحب معه سكرتيره عبد حمود وثلاثة فقط من حمايته وتوجه إلى جهة مجهولة.
وما تختزن ذاكرتي عن مسار الحرب حيث أصيب الصحفيون بحيرة واستغراب بعد استدعائهم على عجل إلى مؤتمر صحافي في فندق المنصور المطل على نهر دجلة، وفوجئوا بإعلان وزير الدفاع سلطان هاشم أحمد أن طلائع القوات الأميركية قد تصل بغداد في غضون أسبوعين وهو يشرح على خريطة سير المعارك، بدا حزينا لكنه لم يرمش له جفن حين تسقط الصواريخ على المنطقة التي يقع فيها الفندق، حتى أن طاولته اهتزت من عصف القصف وارتداداته على القاعة وأبوابها وشبابيكها، لكن الرجل بقي صامدا غير مكترث بما يجري خارج القاعة.
وكان وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف يوجز للصحافيين يوميا سير المعارك وعقد نحو 20 مؤتمرا صحافيا خلال فترة الحرب، ولغاية التاسع من نيسان ـ أبريل الذي انتقل إلى المقر البديل لوزارة الإعلام الكائن في منطقة الأعظمية وبقي حتى مساء ذلك اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.