13 مقالة عن العراق في الصحف العربية يوم الاربعاء

13 مقالة عن العراق في الصحف العربية يوم الاربعاء

1 روحاني في بغداد: على سكة البصرة ـ اللاذقية؟
افتتاحية القدس العربي

يقوم الرئيس الإيراني حسن روحاني بزيارة إلى العراق اعتبرها بعض المراقبين «تاريخية»، ليس لأنها الأولى له إلى هذا البلد منذ انتخابه لرئاسة إيران في سنة 2013 فحسب، بل كذلك لأنها تأتي في ظروف سياسية واقتصادية معقدة تعيشها إيران على أصعدة داخلية.
فلقد بات واضحاً أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دفعتين، في آب/ أغسطس وتشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2018، بدأت تفعل فعلها مباشرة وتؤثر على أداء الاقتصاد الإيراني في مجالات عديدة. ولم يكن لجوء الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله إلى حث جمهوره وأنصاره على التبرع سوى مؤشر على نقص حاد في السيولة الإيرانية، بالنظر إلى أن طهران هي الداعم الأكبر للحزب. وزيارة روحاني إلى العراق تعلن أجندة تجارية واستثمارية صريحة، وهي بالتالي محاولة واضحة للالتفاف على العقوبات الأمريكية والحد من خضوع الاقتصاد الإيراني إلى مزيد من إجراءات التضييق والاختناق.
كذلك لم يعد خافياً أن روحاني يتعرض داخلياً لحملات متواصلة ومنظمة تجتمع على شنها الأطراف المحافظة في قلب السلطة الإيرانية، إلى جانب الخصوم التقليديين والمجموعات والقوى التي خسرت أمامه في الانتخابات الرئاسية. ومنذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الذي كانت إيران أبرمته مع أمريكا وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، فإن الجهات المناوئة للرئيس الإيراني حولته إلى رمز يجسد التفريط في السيادة الإيرانية وتقديم تنازلات جوهرية دون مقابل لائق.
وزيارة روحاني «التاريخية» إلى العراق تسعى إلى رأب هذا الصدع، وإرسال رسائل مضادة خارجية إلى البيت الأبيض، وأخرى داخلية إلى الخصوم، عمادها إمكانية انفتاح إيران على البلد الذي سبق أن اجتاحته أمريكا وتواصل نشر قوّات عسكرية فيه، وإمكانية توقيع اتفاقيات استثمار هامة في ميادين الطاقة والنقل والزراعة والصناعة والصحة. وليس أقلّ أهمية استكمال الخط الحديدي الذي يربط خرمشهر بالبصرة، ويمكن أن يشكل محطة انطلاق نحو ربط إيران بميناء اللاذقية السوري عبر العراق، الأمر الذي سيسحب بعض البساط من تحت أقدام المتشددين من زاوية أن الاقتصاد يمكن أن ينجز هدفاً جيو ــ استراتيجياً حاسماً عجزت عن تحقيقه كتائب «فيلق القدس» و«الحشد الشعبي» والميليشيات المختلفة.
وإذا كان روحاني يلتقي بالرئاسات العراقية الثلاث، الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، فإن أحد أبرز لقاءاته سوف يكون مع آية الله علي السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق وصاحب المكانة الرفيعة لدى شيعة إيران أيضاً، خاصة وأن اللقاء سيتم في مدينة النجف حيث مرقد الإمام علي بن أبي طالب. وهذه ورقة قوة يمكن أن يوظفها روحاني في ساحة صراعه مع المجموعات الدينية المتنفذة في إيران، مستفيداً كما هو متوقع من حقيقة أن السيستاني رفض استقبال الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في سنة 2013، لأسباب تتعلق بحرص المرجع الشيعي على النأي بالحوزة العلمية عن سياسات نجاد عموماً وتنظيراته حول عودة الإمام الغائب بصفة محددة.
الأيام القريبة كفيلة بالإجابة عن الأسئلة الشائكة التي تكتنف مقادير نجاح أو فشل هذه الزيارة، خاصة لجهة تعزيز نفوذ إيران الاقتصادي والاستثماري في العراق، على حساب نفوذها الأمني والعسكري، وتلك هي أمّ المعضلات.
2 تاثيرات « عام العدس» على الشعب العراقي! هيفاء زنكنة

القدس العربي

لا أظن أن هناك مواطنا، خارج حدود العراق، سيحظى بهدية من حكومته، تماثل ما حظي به المواطن العراقي. ولأن يوم المرأة لايزال طريا في الذاكرة، بعد مرور ثلاثة أيام،، يمكن اعتبار «الهدية»، بعد تغليفها بورق ملون، هدية خاصة للمرأة العراقية، تثمينا لدورها في المحافظة على بنية المجتمع. انها هدية صالحة لكل المناسبات والفصول والأعياد الدينية والتقليدية، ومنها شهر رمضان الكريم، كما أعلنت الأمانة العامة لمجلس الوزراء. الهدية الثمينة التي تناقلت أجهزة الاعلام تفاصيلها هي باقة عدس، عفوا، نصف كيلو عدس. ستقدمه الحكومة العراقية «دعماً للعائلة العراقية في الشهر المبارك»، حسب بيانها الرسمي.
وبما ان منجزات الحكومات، منذ غزو العراق عام 2003 حتى اليوم، تحمل في جوهرها، الاستهانة وازدراء المواطنين من جهة، وابتذال اللامنطق من جهة ثانية، تطورت عند المواطنين، بالمقابل، وكنوع من الدفاع عن سلامة البقية الباقية من العقل، موهبة جديدة، هي روح النكتة والتهكم والسخرية السياسية، والتي لم يكن المجتمع العراقي مشهورا بها، كما الشعب المصري، مثلا. فانتشرت النكات والكتابات السياسية الساخرة بالإضافة الى الكاريكاتير، بسرعة مذهلة، مستهدفة المحتل الأمريكي، بداية، لينضم اليه الإيراني لاحقا. تلاه التهكم اللاذع ضد الساسة الفاسدين وخاصة مستخدمي الدين الإسلامي، من الطائفتين، لستر سرقاتهم وفضائحهم «الدنيوية»، فضلا عن منظمة الدولة الإسلامية «داعش» التي واجهها المواطنون بنكات، اختلط فيها التهكم بالتقزز، من ممارساتها الهمجية. ولم يسلم المواطنون، أنفسهم، من استهداف أنفسهم أو بعضهم البعض، بروح السخرية المعجونة بالألم والحسرة، متجاوزين حدود اللياقة، أحيانا. صار البعض يمنح نفسه صفة المراقب، المستهجن لما يراه، غير المنتمي الى «الحشود». ليتمكن بذلك من تبرئة نفسه من المسؤولية، وامتطاء صهوة القيم الاخلاقية، متسائلا باستغراب اتهامي: كيف يسكتون على الضيم الذي يزداد وقعا عليهم كل يوم؟
وإذا كانت السخرية، السياسية خاصة، تهدف الى فضح الزيف والنفاق والفساد، فأنها، على الاغلب، لا تطرح حلولا، على الرغم من تعدد أشكالها ومستوياتها، مما يدفع الى التساؤل عن جدوى ممارستها؟
تشير متابعة انتشار روح التهكم والسخرية السياسية، في العراق اليوم، إلى ازدياد متابعيها، نتيجة تطورها بأشكال جديدة، مثل تصوير الفيديوهات القصيرة جدا، وتناقلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. مما جعل ملكيتها عامة للجميع. لم تعد تقتصر، كما في الماضي، على «النخبة».
حيث باتت، بالإضافة الى كونها سلاحا لفضح تداعيات مواقف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مثيرة للجدل، أو فساد مالي أو أخلاقي أو خيانة للوطن، أداة فاعلة يواجه بها أبناء الشعب التدهور السريع، غير المعقول، للقيم التي تربوا عليها، ومفارقات الواقع المرير، بتناقضاته وتشوهاته.

بما أن منجزات الحكومات، منذ غزو العراق عام 2003 حتى اليوم، تحمل في جوهرها، الاستهانة وازدراء المواطنين من جهة، وابتذال اللامنطق من جهة ثانية، تطورت عند المواطنين، بالمقابل، وكنوع من الدفاع عن سلامة البقية الباقية من العقل، موهبة جديدة، هي روح النكتة.

واقع ان يكون المرء ابن ثاني أكبر بلد منتج للنفط، بالمنطقة، بلغت ميزانيته للعام الحالي 88 مليار دولار، بينما يعيش ربع السكان و50 بالمئة من أطفال المحافظات الجنوبية تحت خط الفقر. بلد «لايزال 1.8 مليون من مواطنيه، يسكنون الخيام، بعد مرور أكثر من سنة على انتهاء العمليات القتالية» حسب منظمة الصليب الاحمر الدولي، في الشهر الماضي. وهي العمليات التي طالما استخدمت لتبرير الفساد الذي بلغ حدا بات فيه المسؤولون، أنفسهم، يحذرون من نتائجه وهم يتراشقون التهم. آخر المسؤولين «النزهاء» هو ملا بختيار، مسؤول الهيئةِ العاملة في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي صرح، يوم 21 شباط، ان «حجمَ الفساد، وصلَ الى أكثر من 800 مليار دولار، منذ الاحتلال، وان عددَ المدارس المبنيةِ من طين فيهِ يبلُغ 60 الفَ مدرسة». بينما يتمتع الساسة وحواريهم بالغنى الفاحش. الغنى الذي بلغ حد أن يوزع احدهم على المدعوين لعرس ابنته، ليرات ذهبية بدلا من «الحامض حلو».
هذا الواقع المنسوج بالظلم، والتمييز الطبقي والعنصري العرقي والديني والطائفي، وتمكن المتورطين بقضايا الفساد الفاحش من الهرب إلى خارج البلاد أو بقائهم مطلقي السراح بموجب «قانون العفو العام»، مهد الأرضية لنمو روح السخرية والتهكم لابلاغ رسالة محددة مهما كان تأثيرها صغيرا. وتشكل ردة الفعل الساخرة على اضافة نصف كيلو العدس، الى الحصة التموينية، للتوزيع خلال شهر رمضان، وبعد ان نقصت مفرداتها تدريجيا، بعد الاحتلال، مثالا يثير الضحك، كاشفا، في الوقت نفسه، زيف الادعاءات الرسمية وعدم تطابقها مع الواقع.
بدأت حملة السخرية بنش بعض الناشطين وسم «عدس الحكومة يجمعنا». ليليه «حملة التبرع بالعدس للحكومة». كلاهما تصدرا قائمة انتشار التغريدات في العراق. وأدت منحة العدس الى النظر، من جديد، في كيفية تطبيق بعض القوانين الحكومية على المواطنين، فكتب أحدهم: «كل مواطن له الحق في استلام مادة العدس مالم يكون مشمولا بإجراءات المساءلة والعدالة». وتم إيضاح الشروط أكثر، بتعليق آخر: «من شروط استلام العدس في شهر رمضان المقبل، ان يكون المستلم من أبوين عراقيين بالولادة، وأن لا يكون قد استلم عدس في زمن النظام السابق».
لم يفًوت عدد من فناني الكاريكاتير العراقيين المشهورين، فرصة معالجة ثيمة العدس، فرسم الفنان أحمد المندلاوي عائلة مكونة من أربعة أفراد: أب وأم وصبي وفتاة، واقفون، كأنهم ينظرون الى المجهول، وهم ينشدون نشيدا حماسيا، يرتبط لحنه الشائع بالذاكرة الجماعية العربية، بعد استبدال كلماته المعروفة بمفردة العدس، ليصبح «العدس الساطع آت وانا بطني جوعان… العدس الساطع آت بحلول شهر رمضان». ونشرت صورة تمثل عادل مهدي، رئيس الوزراء، وهو جالس على الارض، مرتديا الدشداشة، متسائلا «والله دايخ بالعدس نطي ربع كيلو لو ميت (مئة) غرام… حيرة!»
وبينما اقترح أحد المؤرخين تسمية العام الحالي «عام العدس» موضحا « في أزمنة شيوع الأمية، كان الناس يؤرخون بالوقائع.. فيقولون «سنة الجراد». واليوم لشيوع الأمية بنسبة مرعبة اقترح ان يؤرخ للعام الذي نحن فيه بعام العدس». إرتأت الكاتبة بثينة الناصري ان يمتد الاقتراح ليشمل « ومن يولد له مولود ذكر في هذا العام سوف يسميه : عدس (إذا كان سنيا) وعداس (إذا كان شيعيا) و(عوديسو) إذا كان كلدانيا، وإذا كانت انثى فسوف تشيع اسماء : عدسة /عديسة/عدوس». كما صار البعض يتبادل التحيات التقليدية مطعمة بالعدس على غرار يا صباح أو يا مساء العدس.
أما على مستوى التضامن الدولي، فقد أخبرنا أحد النشطاء بأن شركة أديداس، المشهورة، متعددة الجنسيات، قررت أن تحذف حرفين (يد) من علامتها التجارية ليصبح أسمها «أداس» تضامنا مع شعب العراق. مما يستدعي، حتما، إطلاق هوسة عشائرية شعبية، يتم أداؤها ترحيبا اذا ما زار أحد مدراء الشركة البلد،: «ها…أخوتي… ها، أفرح يا شعبنا، البرلمان أنطاك أداس». يقودنا استعراض هذه النماذج الساخرة الى تساؤل يستحق التوقف عنده حول تأثيرها: هل هي مجرد تنفيس آني عن الغضب أم إنها نوع من المقاومة السلمية؟
3 معركة الثقافة العراقية
محمد حياوي العرب بريطانيا

تُعدّ الثقافة مؤشرا حيويا على مدى تحضر الدولة وسمة من سمات وطنيتها في عصرنا الحديث، وكلما ازداد الاهتمام بها من لدن الحكومات والإدارات المتعاقبة، كلما اتضح للعالم مدى جديّة وإخلاص هذه الحكومات لقضية التطور والتنمية البشرية والتعليم والتربية الوطنية.
وعلى سبيل المثال فقد طبّق أوّل وزير للثقافة الفرنسية بعد الحرب العالمية، الكاتب والمفكر الفرنسي أندريه مارلو، مبدأ “حقّ الجميع في الثقافة” الذي نصّ عليه الدستور الفرنسي، فأسس المراكز الثقافية في جميع أنحاء فرنسا، ودعم الفنون بكل أنواعها، وطالما اعتقد بأنّ الاقتصاد والثقافة معركة واحدة، ففتح المجتمع الفرنسي على ثقافات العالم المختلفة كما قام بتفعيل رعاية الحكومة للفنون وطبّق مبدأ ديمقراطية الثقافة عمليا، لكن هذا الأمر جرى في فرنسا وليس في العراق الذي يشهد تدهورا مريعا في العلاقات الثقافية واندحار مظاهر التحضر والممارسات المدنية، بعد أن شهد قفزة كبيرة في ترصين تلك الممارسات الثقافية وآلياتها في عهد النظام السابق، لجهة فتح المراكز الثقافية في أغلب المدن والقصبات وترسيخ المؤسسات الثقافية الرصينة كدار المأمون للثقافات الأجنبية والترجمة ودار الشؤون الثقافية لإصدار المطبوعات والمجلات الدورية والكتب ودار ثقافة الطفل العريقة ودائرة الفنون الموسيقية وغيرها الكثير من المؤسسات التي كان يديرها مثقفون نزيهون ومخلصون لقضية الثقافة من أمثال ناجي الحديثي وفاروق سلوم ومحسن الموسوي وأمل الشرقي وغيرهم ممن تحتفظ لهم ذاكرة الأجيال بمكانة ثقافية مرموقة، على الرغم من محاولات البعض خلط الأوراق ومحاولة الحطّ من مكانة البنية الثقافية العريقة التي كانت قائمة آنذاك، بدعوى تبعيتها للنظام الدكتاتوري.
وعلى الرغم من هيمنة الدولة زمن النظام السابق وتغولها، إلّا أن القطاع الثقافي بشكل خاص، ظل بعيدا عن تلك الهيمنة إلى حد ما، نتيجة للمهنية العالية التي كان يتمتّع بها أغلب المسؤولين عن هذا القطاع من المثقفين، كما أن النظام، على الرغم من هيمنته وجبروته، ظل واعيا للوظيفة الثقافية وخطورتها وحريصا على عدم التدخل المباشر فيها أو فرض دخلاء محسوبين عليها من خارج الوسط الثقافي، على العكس مما يحصل الآن من تدخلات فاضحة وهيمنة ساذجة على مفاصل الثقافة العراقية من أشخاص غرباء عن الوسط الثقافي لكنّهم محسوبون على الأحزاب الإسلامية الحاكمة.
وعلى الرغم مما شهدته الحياة الثقافية العراقية من انتعاش نسبي زمن تسلم المثقف اليساري مفيد الجزائري مهام وزير الثقافة، في خطوة كانت خارج السياق الإداري السائد والمعروف آنذاك، إلّا أن هذا الانتعاش سرعان ما انتكس من جديد حالما خرج الجزائري من الوزارة وجاء من بعده عدد من الوزراء السياسيين البعيدين كل البعد عن الثقافة ومناخها، بل كانوا من رموز الفساد والطائفية المعروفين، لتتحول الوزارة إلى بيئة طاردة للكفاءات.
وعلى الرغم من تنصيب عالم الآثار العراقي والناشط البيئي المعروف عبدالأمير الحمداني وزيرا للثقافة مؤخرا، إلّا أن محاولات إصلاح الوزارة ومديرياتها ظلت عقيمة، نتيجة لهيمنة الدخلاء على مفاصلها، وخلو مديرياتها من الكفاءات المعروفة وشحة الأموال المخصصة للنشاطات الثقافية المهمة وخضوع وكالاتها للتحاصص الحزبي والطائفي والعرقي المشين، الأمر الذي دعا اتحاد الأدباء وفروعه في المحافظات ليشمّر عن ساعديه ويتبنى إدامة الفعاليات الثقافية التي عُرف بها العراق منذ عقود طويلة، ويجتهد في تأمين التمويل اللازم لها، سواء من الوزارة نفسها بتحفيز ودعم من الوزير الجديد، أو من بعض الشركات الداعمة التي تتمتع بحس وطني نسبي، لكن مع ذلك، تبقى معركة الثقافة قائمة ومتواصلة في العراق، حتّى يتم التخلص من هيمنة الأحزاب على السلطة ومقدرات البلاد.
4
روحاني في عراق رافض لإيران
خيرالله خيرالله
العرب بريطانيا

بالنسبة إلى إيران، يظلّ العراق جوهرة التاج في الإمبراطورية الفارسية التي يحلم بها الحكام الجدد الذين ورثوا الشاه في العام 1979. ما يؤكد ذلك الزيارة التي يقوم بها للعراق الرئيس الإيراني حسن روحاني وكلامه عن أن “العراق وطننا الثاني”. يحاول الرئيس الإيراني، عبر زيارته، إثبات أن إيران ما زالت في العراق وأنّ شيئا لم يتغيّر في الأشهر القليلة الماضية مع بروز موقف شعبي، شيعي أوّلا، معاد لإيران ومشروعها التوسّعي. مثل هذا الموقف له انعكاساته على الداخل الإيراني. من هذا المنطلق، يتوجب على روحاني السعي إلى احتوائه بكلام جميل ومنمّق بأقل مقدار ممكن من الأضرار.
ما يدركه روحاني في هذا التوقيت بالذات أن العراق ليس في وارد أن يكون مستعمرة إيرانية. لذلك، يتوجب ممارسة ضغوط هائلة من أجل عدم إضاعة المكاسب التي حققتها “الجمهورية الإسلامية” في العام 2003 عندما استطاعت تحقيق انتصار كبير على العراق وإخضاعه بفضل الجيش الأميركي وغباء إدارة على رأسها جورج بوش الابن. لم تدرك تلك الإدارة أنّ كلّ ما فعلته في العراق صبّ في مصلحة إيران التي عجزت منذ العام 1979عن تحقيق هدف ثابت يتمثّل في وضع العراق تحت وصايتها.
في السنة 2019، تكتشف إيران أنّ العراق هو العراق، وأن إيران هي إيران. العرب عرب والفرس فرس. هكذا بكل بساطة. هناك رفض عراقي شيعي للهيمنة الإيرانية على العراق. لا تنفع مع هذا الرفض كلّ الميليشيات المذهبية التي أقامتها إيران في العراق، وحاولت تحويلها إلى شرعية عراقية تحت تسمية “الحشد الشعبي”.
دفع حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق ثمنا غاليا بعد إعلانه أن مصلحة العراق فوق أي مصلحة أخرى. بكلام أوضح، وضع العبادي مصلحة العراق فوق مصلحة إيران. أدّبته إيران ومنعته من العودة إلى موقع رئيس الوزراء. جاءت بعادل عبدالمهدي رئيسا للوزراء بعد ممارسة قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” ضغوطا هائلة على أطراف عراقية عدّة. أصبح العبادي، العضو في “حزب الدعوة” والذي لم ينس في نهاية المطاف أنه ابن بغداد، رمزا للتمرد العراقي الشيعي على إيران. لذلك كان لا بدّ من تأديبه. فهم عبدالمهدي الرسالة الإيرانية. جعله ذلك يتصرّف تصرّف الولد المطيع الذي يتحدث عن الأرجنتين كمصدر للمخدرات التي تدخل الأراضي العراقية، في حين معروف تماما أن الأرجنتين هي الاسم الحركي لإيران وليس لأيّ بلد آخر. يقحم عبدالمهدي أيضا بلدة عرسال اللبنانية في قضية المخدّرات. ما دخل عرسال في قضية يغرق فيها العراق؟ هل عرسال هي البصرة التي دخلت معظم المخدرات الآتية من إيران إلى العراق عبرها؟
نجحت إيران في الشكل لكنّها فشلت في الجوهر. تريد إقناع نفسها بأنّ العراق ورقة أساسية في المواجهة التي تخوضها مع العقوبات الأميركية التي بدأت تفعل فعلها. وهذا ما يفسّر كلام وزير الخارجية الإيراني، محمّد جواد ظريف، من بغداد عن شكره للعراق لرفضه العقوبات الأميركية على إيران، معتبرا أنّه “لا يمكن لأيّ قوّة في العالم الفصل بين الشعبين العراقي والإيراني”.
تريد إيران حاليا إجبار العراق على تنفيذ هذا الاتفاق المجحف الذي وقّعه صدّام حسين مع الشاه في مثل هذه الأيّام في الجزائر. تخلى الشاه، وقتذاك، عن الأكراد الذين كان يمكن أن يُسقطوا نظام البعث في العراق، فيما تخلّى صدّام حسين عن حقوق معترف بها للعراق في شط العرب
ليس كلام ظريف الذي صدر عشية وصول روحاني إلى بغداد سوى محاولة لبيع الأوهام. إنّه يتوجه إلى الداخل الإيراني مثله مثل روحاني الذي يعرف تماما ما الذي سيعنيه الفشل الإيراني في العراق وتأثير ذلك على وضع النظام.
هناك بكل بساطة وضع جديد في العراق ترفض إيران الاعتراف بوجوده. صحيح أن لديها “الحشد الشعبي” ومجموعة من الميليشيات المذهبية المنضوية تحته والتي تمارس دورا منوطا أصلا بالقوى النظامية العراقية، لكنّ الصحيح أيضا أن في العراق قوى حقيقية تعترض على الوجود الإيراني المباشر وغير المباشر. هناك عمّار الحكيم وهناك مقتدى الصدر، إضافة إلى العبادي وإياد علاوي. هؤلاء جميعا في خندق آخر غير الخندق الإيراني في العراق.
إذا كان من اختراق إيراني في العراق، فهذا الاختراق سُجّل أخيرا في صفوف السنّة الذين كانوا يقفون تاريخيا موقفا معاديا لإيران. ليس سرّا أن رئيس مجلس النوّاب العراقي محمد الحلبوسي من المحسوبين على إيران. لكنّ ما لا يمكن تجاهله أنّ إيران تواجه، بشكل عام، مشكلة عراقية فشل قاسم سليماني في إيجاد حلول لها… فكان لا بدّ من الاستعانة بقناعين إيرانيين هما وجها حسن روحاني ومحمّد جواد ظريف. إنهما قناعان باسمان ولا شيء آخر غير ذلك. يقول الرجلان كلاما جميلا لا يعني في نهاية المطاف شيئا. هذا عائد أوّلا وأخيرا إلى أن ليس لدى إيران ما تقدّمه للعراق في أي مجال من المجالات، باستثناء مزيد من التخلّف على كلّ صعيد. هناك فشل عراقي واضح منذ العام 2003. لم يستطع الذين خلفوا صدّام حسين تقديم شيء للعراق والعراقيين. من الطبيعي ألا يكون في استطاعة إيران تقديم أي خدمة للعراق، خصوصا أنّها تعاني من العقوبات الأميركية التي تبيّن أنّها أكثر جدّية بكثير مما يعتقد. حتّى حسن نصرالله، الأمين العام لـ“حزب الله”، بدأ يشكو في لبنان من العقوبات الأميركية التي جعلت إيران في بحث مستمرّ عن الدولار الأميركي…
ليست زيارة روحاني للعراق سوى محاولة أخرى للهرب من الواقع. الواقع يقول إن إيران ما بعد الشاه كانت تجربة فاشلة وفي حال هروب دائمة إلى خارج أراضيها. أينما حلّت إيران، حل الخراب. لا حاجة إلى تعداد ما فعلته في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وما كان يمكن أن تفعله في البحرين أو في أي دولة من دول الخليج العربي.
ليس بالهرب إلى العراق وإجباره على تنفيذ اتفاق الجزائر للعام 1975، يمكن لإيران حلّ مشاكلها مع الشعب الإيراني ومع الإدارة الأميركية. تريد إيران حاليا إجبار العراق على تنفيذ هذا الاتفاق المجحف الذي وقّعه صدّام حسين مع الشاه في مثل هذه الأيّام في الجزائر. تخلى الشاه، وقتذاك، عن الأكراد الذين كان يمكن أن يُسقطوا نظام البعث في العراق، فيما تخلّى صدّام حسين عن حقوق معترف بها للعراق في شط العرب.
لن تحلّ كل هذه الألاعيب والمناورات أي مشكلة من مشاكل إيران المرفوضة من شيعة العراق قبل السنّة فيه. ما يحل مشاكل إيران هو مواجهة الحقيقة والواقع بدل الهرب منهما إلى الأوهام. تقول الأرقام إنّ إيران دولة متخلّفة من دول العالم الثالث لا تمتلك أيّ نموذج يصلح لأي دولة في العالم. ليس لديها ما تصدّره سوى البؤس والغرائز المذهبية والميليشيات. الأكيد أن الرحلة العراقية لحسن روحاني لن تقدّم ولن تؤخر. ما يقدّم ويؤخر هو التعاطي مع الواقع مع ما يعنيه ذلك من طرح أسئلة من نوع: لماذا، بعد أربعين عاما من “الثورة الإسلامية” زاد الفقر في إيران؟

5
صُنع في العراق
د. باهرة الشيخلي
العرب بريطانيا

أعلنت وزارة التجارة العراقية أن عام 2019 سيشهد إقامة معارض متخصصة ونوعية في مجالات متعددة، وقد أقيم فعلا معرض حمل اسم “صنع في العراق” في شهر ديسمبر الماضي وأعقبته معارض أخرى وهناك المزيد منها سيقام حتى نهاية هذا العام.
نتمنى أن يعيد العراقيون صناعتهم في المجالات كافة، لكن المفارقة أن تدفق السلع الأجنبية على العراق منذ 2003 أنهى زمن الصناعة العراقية، بل أصبحت “صنع في إيران” هي الماركة المسجلة الأولى على المواد الغذائية والاحتياجات المنزلية.
لا أحد ينكر أن البنية التحتية للصناعة العراقية كانت من بين أرقى البنى في المنطقة وكانت المنتجات العراقية مطلوبة ليس في داخل العراق، بل حتى في خارجه، لكن الاحتلال الأميركي حطم هذه البنية وسمح للسراق بأن يسرقوا مكائن المصانع والمعامل العراقية ويبيعوها لإيران كـ“حديد خردة”، بعد تهريبها عن طريق شمال العراق.
أقيم معرض “صنع في العراق” على أرض معرض بغداد الدولي وعرض الألبسة والسجاد والألبان والمواد الغذائية والزيوت والمنظفات والعسل الطبيعي بأسعار مخفضة، وهي صناعات يمكن أن ينهض بها القطاع الخاص، مما جعل الناس يتساءلون: أين الأدوية التي كانت مطلوبة في كل دول المنطقة؟ وأين الإسمنت الذي كان يهرّب إلى دول الجوار لجودته؟ وأين السيارات والأسمدة والصناعات الميكانيكية والورق، الذي كان مصنعه أرقى مصانع الشرق الأوسط؟ وأين الصناعات الكهربائية؟
الوزارة اعتبرت المعرض “تظاهرة اقتصادية الهدف منها عرض منتجات الشركات الصناعية وإمكانياتها لإعادة ثقة مؤسسات الدولة والمواطنين بجودة المنتج المحلي ومواصفاته العالية، في الوقت الذي تبذل فيه هذه الشركات جهودها للمساهمة الفاعلة في إعادة إعمار المناطق المتضررة من الإرهاب وتنفيذ مشاريع جديدة لخدمة قطاعات الدولة فضلا عن تلبية حاجة مؤسسات الدولة من منتجاتها الخدمية”.
محاولات لإعادة ثقة مؤسسات الدولة والمواطنين بجودة المنتج المحليمحاولات لإعادة ثقة مؤسسات الدولة والمواطنين بجودة المنتج المحلي
وللأسف فإن هذه التصريحات الاستعراضية تفقد قيمتها في اليوم التالي، كما تفقد المعارض مصداقيتها عندما يكتشف الناس أن الأمر مجرد تمثيلية. ومع ذلك سنعتبر المعرض خطوة في الطريق الصحيح، ولكن ماذا عن حيتان الفساد التي تحارب الصناعة الوطنية وتعرقل أي تقدم في هذا المجال وتشجع الاستيراد من الخارج، خصوصاً من إيران التي كانت الصناعة العراقية تفوق صناعتها في الماضي؟

إن إحياء الصناعة العراقية يتطلب محاربة الفساد، مع جملة من الإجراءات العملية في مقدمتها إحياء قرارات حماية الصناعة المحلية وتفعيلها، وزيادة التعرفة الجمركية على المنتجات المستوردة، والإعفاء الضريبي للمنتوجات العراقية.
يذكر العراقيون أن هذه المعارض الحرفية كانت تعرض منتجاتها، قبل الاحتلال، في كل محافظة دون تطبيل وتزمير، وكانت المعارض الحقيقية تضم الصناعات العراقية ذات الاهتمام العالمي من صناعات كهربائية وأدوية وأجهزة إلكترونية وأجهزة منزلية وغيرها، أما أن يرافق إقامة مثل هذه المعارض البسيطة في العراق، الآن، صخب إعلامي وتطبيل، فذلك أمر لا يراد منه إلا الاستعراض.
كانت هناك توجهات قبل احتلال العراق لفتح آفاق لصناعات القطاع العام تكفل تلبية احتياج البلد من الصناعات الثقيلة على مستوى الاستهلاك المنزلي والصناعي والزراعي والخدمي وصولا إلى تصنيع الآليات بأنواعها، ولتصحيح التراجع ينبغي إعادة النظر بالمنهجية الحالية والأخذ بالاعتبار أن ما أصاب البنية التحتية للصناعة الوطنية العراقية من دمار وما تبقى منها يمكن انتشاله بأساليب إعادة التأهيل والتطوير، لكن ذلك يتطلب عقلية صناعية جادة تتحمل المسؤولية وتؤمن بأن تطوير الصناعة الوطنية يمثل هما وطنيا لتأمين مستقبل زاهر للأجيال القادمة، وهذا لن يتحقق إلا بثورة صناعية، وهو ما لا يمكن تحقيقه في الوقت الحاضر في بلد منزوع السيادة ووجود دول مجاورة له لا يرضيها أن تنهض الصناعة العراقية وتسعى لأن تجعل العراق سوقا لها، خصوصا وأن لهذه الدول وكلاء في الداخل يحتلون المناصب المشرفة على ما تبقى من الصناعة الوطنية يعيقون أي تقدم ويعملون للمحافظة على النهج الاستهلاكي السائد، لتظل المنتجات الرديئة لتلك الدول تغرق أسواق العراق.
نسعد لاستعادة الصناعة العراقية عرشها المفقود لكن طريق الاستعراض الإعلامي لن يحقق ذلك، وسيُبقي البون شاسعا بين الأمل المنشود والواقع.

6 روحاني في بغداد! كش ترامب؟
د. ماجد توهان الزبيدي
راي اليوم بريطانيا

قال وزير خارجية السعودية الأسبق الأمير سعود بن فيصل بن عبد العزيز ذات يوم بعد إحتلال الأميركيين والإنجليز للعراق عام 2003م ،أن أميركا قدمت العراق على طبق من فضة لإيران!!كناية عن تنامي التنظيمات السياسية والعسكرية العراقية المؤيدة لإيران والمتلقية الدعم منها!
ويُعتبر الفيصل واحدا من ألمع وزراء الخارجية العرب والمسلمين لرصانته ومحافظته ولمكانة دولته ماليا في المنطقة والعالم ولما ورثه عن والده :أعظم ملوك المنطقة !!ولمستوى تعليمه كخرّيج في جامعة “برنستون”العريقة!
لكن الأمير المرحوم تحاشى أن يتبع قوله السابق قولا آخر وصحيح أيضا مفاده أن دولا عربيا عديدة ومؤثرة كانت قد قدمت العراق على طبق من ذهب لأميركا ولتحالفها غير الشرعي وغير القانوني ،بل هو عدوان سافر خارج الشرعية الدولية !
مناسبة ماسبق هو الزيارة الحالية للرئيس الإيراني للعراق وتوقيع البلدين إتفاقيات ثنائية مهمة في مجالات حياتية ثقيلة ومتميزة وحيوية ،في وقت إعتقدت إدارة ترامب ومعها حكومات عديدة تأتمر بامرها أن العراق بات في جيب اميركا !!وأن القواعد العسكرية والمعسكرات الأميركية في أرض الرافدين ووجود عشرة آلاف كادر في سجل السفارة الأميركية ببغداد ،كفيل بالسيطرة على العراقيين وإلحاقهم بالوصاية الأميركية كما هو شأن حكومات ودول عديدة في المنطقة والعالم!ّ!
لكن الصحيح أن وجود روحاني وظريف ببغداد اليوم هو صفعة موجعة لكل الجهود الأميركية السياسية والعسكرية طيلة عامين كامكلين لبناء تحالف عربي أميركي صهيوني ضد الجمهورية الإيرانية ،كان آخرها مؤتمر وارسو ! وان كل تلك الجهود تبعثرت مع رياح صحراء العراق مع اول إطلالة للشيبخ الإيراني المُعممّ في بغداد!
وكواحد من الدارسين العرب في الجامعات العراقية ،ونسيب للعراقيين وأحد قاطني بغداد ،ممن ذهب بعيدا في سبر أغوار عقلية العراقيين من كل الملل ،كان في كل حديث عن العراق والإحتلال الأميركي يُخالف الجميع في أن العراق لن يسير سوى بإتجاه إيران وسوريا !! والسبب أن ترامب وإدارته والغرب عموما يتعامل مع دول المنطقة من منظار الإستشراق ،من بُعد ،والإلحاق والإذلال ،من دون تركيز ثاقب على عمق النفسيات الشعبية وتجاهل الشكل الحلزوني للتاريخ!!وان النفس الإيراني في بناء علاقات إيران مع الغير نابع من نفس بعيد وطويل هو بدوره نابع من نفس صانع السجاد العجمي!!!كما قال أعظم وزير خارجية أميركي ذات يوم بعد إنتصار الثورة على الشاه المخلوع ي شباط 1979م،:هنري كيسنجر!!!لكن ترامب وربعه وتابعيه لم يتصفحوا أوراق التاريخ مليا!
تأمل يارعاك الله بين زيارتين :زيارة سرية يقوم بها رئيس القوة الأعظم في العالم :ترامب لقاعدة عسكرية أميركية في العراق من دون أن يُعلم حكومة العراق ومن دون إعلان رسمي أميركي مُسبق او حتى مُتزامن ،وفي جنح الظلام، كلص غير محترف،ولسويعات قليلة ويهرب ،وزيارة علنية رسمية في وضح النهار لرئيس إيران لقلب بغداد!!تأمل يارعاك الله !
العراق قادم !ولن يكون هناك اي قاعدة عسكرية او غربية في العراق!!وإذا لم تقم الحكومة الشرعية بذلك فإن تنظيمات عسكرية وسياسية شعبية عراقية تملك مخزونات هائلة من الطاقة والصواريخ ستقوم بالأمر!

7 إيران تريد العراق لبنان آخر
عبدالرحمن الراشد
البيان الاماراتية

زيارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى بغداد، الأولى له منذ توليه قبل ست سنوات تأتي ضمن ضغوط عنيفة على العراقيين، يمارسها نظام طهران الذي يحتمي بالعراق في مواجهة العقوبات الأمريكية.
إنما العراق ليس خشبة للخلاص، فهو بلد كبير وله امتداد جغرافي وتاريخي وديني مع دول المنطقة، بما فيها السعودية وإيران. في دائرة الصراع الإقليمي والدولي السياسي المحتد، العراق تحديداً يقع في المنتصف. مع هذه الضغوط والتهديدات هل علينا أن نقلق من أن يصبح العراق تابعاً لإيران؟
نجحت إيران في دخول الساحة العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين، وشاركت أيضا في إقصاء الوجود الأمريكي بدعمها للجماعات المسلحة السنية والشيعية.
إيران تريد العراق جمهورية موز أخرى لها، مثل لبنان، ومصدراً لتجنيد المقاتلين لها يحاربون عنها في أنحاء العالم، كما يفعلون اليوم في سوريا تحت إمرة الجنرال قاسم سليماني. تريد من العراق أن يكون محفظتها المالية، يمول بمليارات الدولارات بالنيابة عنها حزب الله اللبناني وحكومة الأسد السورية. تريد العراق أن يكون بلا سلطة قوية، دولة ضعيفة المركز مثل لبنان، تحكمه ميليشيات تابعة لها مثل «عصائب الحق» وشقيقاتها في العراق.
إلا أن العراق بلد كبير، له مصالحه وتطلعاته التي لا تتفق مع مصالح وأفكار النظام الديني المتطرف في طهران. فإيران بلد محاصر، والعراق مفتوح على العالم، ويعيش اليوم أفضل أحواله وعلاقاته منذ عام 1990، وفي مرحلة تطوير ستجعله من أغنى دول المنطقة، وأكثرها تأهيلاً ليلعب دور السيد الحر المستقل وليس دور الخادم لأي دولة كانت. رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أدرى منا بشعاب العراق، ويدرك جيداً خياراته.
وهو يعلم عندما يقول ضيفه روحاني من طهران الاثنين «لقد دعمنا الشعب العراقي في الأيام الصعبة»، إنه يريد من السيد عبد المهدي أن يتنازل عن مصالح بلاده. إيران ليست مضطرة لأن تعيش حالة الحصار لو قبلت التخلي عن مشروعها النووي، والتوقف عن تصدير الفوضى والثورات والتدخلات العسكرية الخارجية. لماذا يدفع العراقيون ثمن سياسة طهران المتطرفة؟
فطهران صارت محاصرة اليوم أكثر من أي زمن مضى، ناقلات نفطها مهجورة في وسط المحيط، ومحرومة من استخدام الدولار مقابل بيع سجادها وفستقها وخضرواتها. تخلت عنها حتى الصين وروسيا، دول كانت تعول عليها استعداداً لمعركتها مع الأمريكيين، حيث أوقفوا التعامل التجاري معها. إيران ليست مجبرة على خوض هذه المعارك إلا أن نظامها هو من اختار أن يلعب دور الشرير في المنطقة فحق عليه أن يواجه هذا الوضع والحصار الذي سبق وواجهه نظام صدام حسين آنذاك.
على العراقيين أن يدركوا أنها معركة دولية، وسيخسرون كل ما حققوه منذ استقرار الأوضاع وإعادة السلطة إلى بغداد. روحاني وظريف وسليماني وكل كبار المسؤولين الإيرانيين الذين مروا على بغداد يريدون من العراقيين أن يتحولوا إلى دولة تابعة. لبنان درس ماثل للعيان، فهو منذ الثمانينات يحارب ويعاني بالنيابة عن إيران، ولن يكون حظ العراق بأفضل من لبنان الممزق إن فعل.
8 المخدرات.. منفذها إيران لا الأرجنتين
رشيد الخيّون
الاتحاد الاماراتية

صار العراق ساحة لتُّجار المخدرات، ولا تنشط مثل هذه التجارة الضَّارة إذا لم تكن لها حماية مقتدرة. فالقوى التي تعلن عن منع المشروبات الرُّوحية، تروج لتصريف المخدرات، بل إن تجارة المشروبات في الأسواق السِّرية محمية من قِبلها، تتقاسم مراكز النفوذ ببغداد وبقية المدن، وما يحصل من قتل للعاملين ببيعها لا يخص تحريمها كواجب ديني، مثلما يدعون، إنما معارك على مناطق النفوذ.
هكذا تحولت المدن إلى غابات، لكلِّ حزب منطقة نفوذه، مع علمنا أن المشروبات موجودة منذ نشأت بغداد عاصمة، وقبلها بابل، وكان يحتسيها أبو نواس(ت198هـ) ويعف عنها معروف الكرخي(ت200هـ)، والثنائي متعايش، وليس أكثر وأقدم مِن مساجد بغداد وتكاياها، وظلت على هذا المنوال. لم يقدر مطاوعة الحُسين البربهاري(ت329هـ) على إلغاء تلك الثّنائية. هكذا هي المدن المختلطة، كثيرة الأدب والشعر والفن والفقه، ولا تحصر باتجاه واحد.
على ما يبدو أن ساسة ما بعد(2003) أضاعوا البوصلة، في الجغرافيا والتاريخ، فما أتى به رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بأن المخدرات تدخل العراق من الأرجنتين، لا يقل غرابة عما قاله وزير النقل سابقاً: أرض أور، ومنذ الفترة السومرية، حفلت بالمركبات الفضائية والمطارات، وليس أقل مِن تصريحات نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجيه: ينبع دجلة والفرات مِن إيران، وسرجون الأكدي قال عن بغداد: إنها قبة العالم ومَن يحكمها يتحكم برياح العالم الأربع! ولا يعرف أن سرجون الأكدي عاصمته أكد بجنوب العراق، وعاش في الألف الثالث قبل الميلاد.
يقول عبد المهدي، في مؤتمره الأسبوعي(الثلاثاء5/3/2019): «طريق وصول المخدرات إلى العراق طويل جداً، إذ يتم نقلها مِن الأرجنتين إلى عرسال، وبعدها إلى سوريا». نبهني أحد المهتمين إلى أن عبد المهدي يقصد نشاط «حزب الله»، ناقلها عبر البحار إلى عرسال اللبنانية، لكنه لم يقدر على التَّصريح بذلك، فالأمر مرتبط بإيران أيضاً، وهي إشارة جديرة بالاهتمام، إن قصدها عبد المهدي، لكننا نستبعدها.
في الوقت الذي قال فيه قائد شرطة البصرة الفريق رشيد فليح: إن المخدرات التي تدخل البصرة 80% منها عن طريق إيران. سبق كلامه هذا «بصراحة»، بمعنى أن اتهام الجمهورية الإسلامية يُعد محرماً، ليس هناك ضمان لحياة مَن يتهمها بشيء مِن هذا القبيل، فالأذرع المسلحة جاهزة للمهمة مثلما حصل مع الروائي علاء مشذوب. لابد أن عبد المهدي قد سمع بتصريح قائد الشَّرطة، وتقريره الذي رفعه إلى وزارة الدَّاخلية، وهو تابع للقوات المسلحة التي يقودها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي نفسه!
مِن الواضح أن سمعة إيران وصلت إلى الحضيض بين العراقيين، بما يتعلق بالمخدرات، وتشجيع الثقافة الرثة، وإدامة الأحزان، والانشغال بها، عبر حوزات ومرجعيات دينية تابعة للولي الفقيه، والعمل على الحوَّل دون تطوير زراعة أو صناعة، ولابد من تلميع صورتها، فعبد المهدي لم يتنصَّب رئيساً للوزراء إلا بموافقتها ورضاها، شأنه شأن رئيس البرلمان.
انتماء عبد المهدي لذراع إيران السياسي والعسكري، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بعد أن رأى الرياح تهب مِن هناك، ومنذ ذلك التَّاريخ أخذ يؤمن بقيام «الدولة الإسلامية». هكذا كان يجادل رفاقه اليساريين السابقين. من يومها لم يستطع السير إلا بظل عِمامة، والكلام لأحد القريبين منه، ومن عمامة إلى عِمامة حتى صار مَن يعتبر حفيده قائداً له، ثم انفرط عقد المجلس، متوزعاً على بدر والحكمة وشخصيات مبعثرة.
كان البعض يحسبه مع «دولة مدنية»، وإذا الرَّجل يسخر مِن قتلى جسر الأئمة(2006) بالكاظمية(نحو1300غريق)، ليظهر على الشاشات قائلاً: «أعزي المهدي المنتظر بغرقى الجسر»، وسخر من الذين ظنوا به مدنياً بشد خرقة خضراء على عنقه، وسوط القدور وتوزيع الطعام في زيارة الأربعين أمام الكاميرا، بينما عمل الخير إذا صار أمام الكاميرات تحول إلى مراءاة. يقول الرَّصافي(ت1945): «رخصت عندنا المناصب/قد شروها بسبحة وبلحيَّة».
كانت المهمة تبرئة الجانب الإيراني من كل ما يفعله داخل العراق، وإلا كيف لرئيس وزراء، أو مدعي عام، يسكت عن قائد ميليشيا، ذات الظهير الإيراني، اعترف علانية بالخطف. قال عبد المهدي في الدعاية الانتخابية وبالبصرة نفسها: «يريدوننا أن نترك ديننا، يريدوننا أن ترك مرجعيتنا»، ديننا على ما يبدو تبييض صفحة الجمهورية الإسلامية كلما تلوثت، بتجارة المخدرات، وتجارة الجهل، وملء العراق بالمسلحين السريين والعلنيين، الجانب الذي فاخر بالسيطرة على عواصم أربع، أهمها بغداد.
يخطئ من يعتقد أن عبد المهدي رجل دولة، فتصريحه الأخير، لا غباءً بالجغرافيا، ولا حماسةً لحماية العراقيين من وباء المخدرات، فمَن يعمل مِن أجل ذلك يعرف السبب ويُعالجه، ورميها على الأرجنتين يعني السُّخرية مِن آلام الناس، ولا يقل عن تصبيرهم على القتل والجرائم، بتقديم العزاء للمهدي المنتظر، مثلما عبّر عن ذلك وهو نائب لرئيس الجمهورية.
ما بين الواقع الواضح الذي قدمه قائد شرطة البصرة، بشجاعة ووطنية، وما برره عبد المهدي بمخاتلة ومجاملة لإيران على حساب العراق، يحضرنا بيت رجل مِن السَّواد(العراق): «فكان كما قيل مِن قَبلنا/أَريها السُّهى وَتريني القَّمر»(العسكري، جمهرة الأمثال).
9 عود إلى الباذنجان
خالد القشطيني
صحيفة الشرق الاوسط السعودية

إذا كان العلماء يعتقدون أن المادة هي المحرك الأساسي للفرد والمجتمع، فالعراقيون يرون أن الباميا هي المحرك للإنسان. وخالفهم في ذلك الفلسطينيون الذين يرون أن الباذنجان هو الأساس، فمنه يصنع المحشي وبابا غنوج والدولما، وهو عماد المقلوبة وقوامها. ما أن تعرضت لذكر الباذنجان واستشهدت بالقصيدة العصماء التي قيلت غزلاً به حتى توالت عليّ التعليقات والمساهمات من عشاق الباذنجان والمعنيين بحبه. كان منها هذه الرسالة التي وردتني بالفاكس من أحد الأطباء، حيث قال:
«لقد أثلجت كلماتك صدري واستحلبت عصارة معدتي وذكرتني بالحكاية البغدادية التي روت أن طبيباً عاد أحد المرضى من عشيرته بصحبة تلميذه النجيب. فحص المريض يميناً وشمالاً، قعوداً وقياماً، وجس نبضه وضغط على بطنه وذراعه ثم قال لأهله في ثقة عظيمة: سبب إعياء ابنكم هو ما أكله من الباذنجان هذا اليوم. تعجب الجميع من اكتشافه ومعرفته الغزيرة فشكروه وأعطوه درهماً لأجرته.
خرج من البيت فسأله تلميذه: كيف عرفت يا أستاذي الفاضل، أن الولد الشاب قد أكل شيئاً من الباذنجان هذا اليوم؟ فأجابه الطبيب: لقد عرفت ذلك عند دخولنا إلى البيت حيث رأيت قطعة من قشور الباذنجان ملقاة على الأرض في باحة البيت. فعرفت أنهم لا بد أن طبخوا أكلة باذنجان هذا اليوم وأكل المريض منها.
أعجب التلميذ بلوذعية أستاذه الحكيم. ومضت أيام وجاءت أيام واستدعي الحكيم لمعاينة أحد المرضى بصورة مستعجلة. وحيث أنه كان منشغلاً في معاينة شيخ الحارة، وهو طبعاً من رجال السلطة الذين بمقدورهم أن ينفعوا ويضروا، ينفعون قليلاً ويضرون كثيراً، فقد أسرع لمعاينة شيخ الحارة وأرسل تلميذه لمعاينة المريض الآخر. بعد ساعة من الزمن عاد التلميذ في حالة يرثى لها، وقد تمزقت ثيابه ونزف الدم من أنفه وتورم وجهه، فسأله أستاذه عما حدث، فأجابه قائلاً: أقسم بالله، فحصت المريض فحصاً كاملاً ودقيقاً ثم قلت لهم إن ابنهم قد مرض لأنه أكل حمارهم! فانهالوا عليه بالضرب «ولم أخرج من البيت إلا بعد طلعان الروح».
فسأله أستاذه الحكيم: وما الذي جعلك أن تقول لهم ذلك؟ فأجابه قائلاً: عندما دخلت البيت وجدت بردعة الحمار ملقاة على الأرض ولم أجد الحمار. فاستنتجت أن المريض لا بد أن أكل الحمار.
يختتم الدكتور صاحب الرسالة حكايته بأن يأمل منها أن تضع الابتسامة على وجوهنا جميعاً في هذا الزمن العكر المقرف.
والآن يا سيدي الدكتور أريد أن أسألك كما سأل ذلك التلميذ أستاذه، كيف توصلت وأنت طبيب اختصاصي إلى أن زماننا هذا زمان عكر مقرف حقا؟ هل قلت ذلك لأنك وجدت مجموعة من البرادع ملقاة أمام بعض المؤسسات ولم تجد الحمير فاستنتجت أنها لا بد أن دخلت هناك وعكرت علينا زماننا هذا إلى حد القرف؟
10 فساد في العراق لا وقت لتعداد أبوابه
مشرق عباس صحيفة الحياة السعودية

أكثر بكثير من 40 باباً للفساد في العراق، تلك بديهية، وأن يستعرض رئيس الحكومة منافذ الفساد في بلاده في جلسة أمام البرلمان، عليه أن يكون دقيقاً، أو يتجنب في الأساس الخوض في التفاصيل ليحدد ملفات ويهمل أخرى.
لكن المشكلة ما كانت يوماً في توصيف حدود الفساد في العراق، فهو يصف نفسه بنفسه كل يوم، ومع كل بادرة اخفاق اداري واقتصادي وامني وسياسي، وفي عيون كل حديث نعمة قفز برشاقة على سلم اصحاب الملايين خلال بضع سنوات، وعلى منابر الاحزاب والقوى السياسية والعسكرية التي تمتص مال الدولة بلا رقابة وترفض الكشف عن مصادر تمويلها.
لم تكن هناك حاجة فعلية للحديث عن حجم الفساد، بقدر الحاجة إلى رؤية لمعالجته، لاتقف عند حدود الاشخاص، ولا تتسمر مندهشة من حجم ما تمت سرقته فعلاً، بل تمضي بشجاعة لحماية ما يتم التخطيط اليوم وغداً لسرقته.
ولأن العراق غارق في الشعارات الكبيرة المضللة عن محاكمة الفاسدين وسراق البلد، يخشى المسؤول أن يلقي طوقاً للحقيقة، ترعبه الاصوات المطالبة برؤوس يتم تعليقها في الشوارع، ويهتز عندما يقول له مستشاره القانوني أن رموز الفساد التي يتم تداول أسماؤها قد طوقت نفسها بألف جدار شرعي وجدار، واستخدمت كل المنظفات المتاحة وغير المتاحة لتنظيف أموالها وصفحاتها، وألا طريق لمحاكمة السابقين بالطرق التقليدية.
أخيراً.. قرر البرلمان مبدئياً أن يلغي دوائر المفتشين العموميين وهي مؤسسات فائضة أضيفت إلى “هيئة النزاهة” و”ديوان الرقابة المالية” ومؤسسات الرقابة الادارية، وشركات المحاسبة الدولية، خلصت جميعها إلى حقيقة بسيطة مفادها: “أن الأموال التي صرفت لتأسيس وإدامة آليات ودوائر مكافحة الفساد طوال السنوات السابقة، كانت أكبر بكثير من الأموال التي استعادتها، وبالتأكيد أكبر بكثير من صفقات الفساد التي منعتها”.
وليس هذا اتهام لمؤسسات ربما كانت نيات العاملين بها صادقة، بل لأنها تمثل المشهد الأكثر وضوحاً لخلل دائم في البنية الإدارية للدولة العراقية قاد وسيقود إلى الفساد، ولن تحسب الامنيات، والنيات، والشكاوى، والبكائيات السياسية الدائمة من ضمن طرق علاجه.
لا يمكن أن نحلم بعراق تتمتع مؤسساته بالنزاهة على يد أحزاب لا تجيد إنتاج التعديلات الإدارية والقانونية اللازمة لترصين الدولة، بقدر ما تجيد الصراخ اليومي حول الإصلاح.
واقع الحال، أن مهمة صنع بعض التغيير في بيئة الفساد الحالية، لا يمكن تسليمها إلى نواب البرلمان العراقي، ولا لوزراء الحكومة، بل إلى مختصين عراقيين ودوليين يحددون الخلل الإداري، ويقترحون تعديلات إدارية وقانونية عليه.
لكن المشكلة لن تزول حتماً، لأن الفساد العراقي في أساسه سياسي، يستمد ديمومته من سطوة الأحزاب والشخصيات النافذة في القرار السياسي للدولة، ومن المجموعات المسلحة القادرة على تهديد الموظفين وابتزازهم، ومهما أغلقت الأبواب سيكون بإمكان الشركات الحزبية التي نمت وانتعشت في ظل الوضع المشوه لبنية الدولة فتح أبواب أخرى وأخرى.
لحظة المصارحة التي حاول رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي فرضها في الجلسة الأولى للفصل التشريعي الجديد للبرلمان، ليست سوى لحظة للأسف، ولن يترتب عليها أي فعل حقيقي، تماماً كما لم يترتب على إعلانات رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي عن الاستعانة بشركات محاسبة دولية لتدقيق 20 صفقة فساد كبرى، أي أثر.
الأثر الوحيد الممكن قد يكون في البدء بتطبيق أنظمة اللامركزية الإدارية، بما يشمل التخلص من عبء المؤسسات المركزية الهرمة، ومنح الوحدات الإدارية صلاحيات كافية، تقابلها أنظمة رقابة كافية، لتحمل مسؤولياتها بحسب الدستور، ومواجهة جمهورها بالحقائق.
11 الدخول الإسرائيلي على خط «التوتر المحكوم» في سورية
حسين معلوم صحيفة الحياة السعودية

أن يُعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، أخيراً، أن إسرائيل وروسيا تعتزمان تشكيل «فريق مشترك» لانسحاب القوات الأجنبية من سورية، فهذا يدفع إلى التساؤل حول الجديد الذي تم الاتفاق عليه بينهما، خلال زيارة نتنياهو إلى موسكو (أواخر الشهر الماضي) أيضاً، أن يُضيف هذا الأخير «وضحت بشكل لا يقبل التأويل أن إسرائيل لن تسمح بأي تموضع عسكري لإيران في سورية»، فهذا، وإن كان يؤشر إلى الجديد الذي تم الاتفاق عليه بين بوتين ونتانياهو؛ إلا أنه، في الوقت نفسه، يُثير الاستفهام حول «قواعد اللعبة» بين إسرائيل وإيران في سورية… هل تغيرت؟ ثم، أن تتوافق تصريحات نتانياهو، من حيث التوقيت، مع حسم واشنطن الجدال الدائر، دولياً وإقليمياً، في ما يتعلق بمصير قواتها في المنطقة «الشمال شرقية»، وقرارها بسحب أغلبية هذه القوات مع الإبقاء على 400 عسكري منها فقط، كـ «وجود رمزي»، فهذا، يدفع إلى التساؤل حول مدى التوافق الأميركي الإسرائيلي، بخصوص إخراج الميليشيات العسكرية الإيرانية من بلاد الشام. أيضاً، إذا أضفنا إلى ذلك التفاهم الروسي الإسرائيلي الأخير، فهذا، يُثير الاستفهام حول مدى التناقض في المصالح «الروسية – الإيرانية»، على الساحة السورية، تحت سقف «التحاف الاستراتيجي» بينهما؟
وأخيراً، أن تتصاعد نبرة الانتقاد الروسي، بعد زيارة نتانياهو إلى موسكو، بخصوص عدم التزام تركيا ببنود «مذكرة التفاهم»، التي تم الاتفاق عليها، بشأن استقرار الوضع في منطقة خفض التصعيد، في إدلب السورية، فهذا، يطرح التساؤل حول التغير الحاصل في الموقف الروسي تجاه أنقرة، على الأقل من منظور أنه منذ الاتفاق على مذكرة التفاهم هذه، لم تلتزم تركيا بها، بل تم اختراقها من الجانب التركي بعد الإعلان عنها بأيام. أيضاً، إذا لاحظنا التقارب الحاصل بين أنقرة وطهران، ومحاولات إنشاء تقارب ثلاثي بينهما مع العراق، تزامناً مع زيارة الرئيس التركي إلى بغداد الشهر المُقبل، فهذا يُثير الاستفهام حول مدى التناقض في المصالح بين «ثلاثي سوتشي»؟
هذه التساؤلات، وغيرها، تُشير إلى التعقيد الذي ينتاب الأزمة السورية، وتفردها من بين أزمات المنطقة الأخرى، بإنتاج المزيد من التعقيد، والتشابك، الذي يطال أطراف هذه الأزمة، من دون استثناء، وإن بدرجات مختلفة. إلا أن الأهم، هنا، هو الدخول الإسرائيلي كـ «لاعب» إقليمي، ضمن أطراف الأزمة؛ وبالتالي، لنا أن نتصور مدى التأثير الحاصل جراء هذا المتغير الجديد؛ ليس، فقط، على مسارات الأزمة، ولكن، وهذا هو الأهم، على الوضع الجغراسي لمنطقة الهلال الخصيب.
وإذا اقتربنا أكثر من النقاط التي تُشكل في ما بينها بانوراما الصورة، لنا أن نُلامس ثلاثاً منها، على هيئة رؤوس أقلام لتوضيح ملامح هذه الصورة.
من جانب، هناك الاختلافات بين ثلاثي أستانة، التي تبدت بوضوح خلال القمة الأخيرة التي عُقدت في سوتشي. فهناك المعارضة الروسية الإيرانية للمقترح التركي، بخصوص إقامة منطقة «آمنة» عميقة، تكون لأنقرة اليد الطولى فيها، حيث ترى موسكو أن مساحة بعمق «15 – 20» كيلومتراً كافية؛ كما أن هناك، أيضاً، المعارضة التركية للاقتراح الروسي الإيراني، بتفعيل اتفاقية «أضنة»، بكل ما تعنيه من مصالحة أردوغان مع النظام السوري.
وبالتالي، لنا أن نتصور كيف يمكن أن تؤثر هذه الاختلافات، كنتيجة لتناقض المصالح بين تلك الأطراف، على مستقبل ما تم اعتباره «تحالفاً استراتيجياً» بينها، إذ يحول تقدم المصالح الروسية دون استفادة طهران من الاتفاقات الاقتصادية مع الحكومة السورية؛ ناهيك عن أن تلك المصالح نفسها، تتعارض مع وجود «الحرس الثوري» الإيراني، ومحاولة طهران الإفادة من ذلك، تبعاً لاتفاقية التعاون العسكري التي عقدتها مع دمشق الصيف الماضي. في الوقت نفسه، يُعبر تصاعد نبرة الانتقاد الروسي لأنقرة بعدم الوفاء بالتزاماتها، عن مدى التناقض في المصالح بين الطرفين؛ على الأقل من منظور عدم موافقة أنقرة على إخلاء الساحة، تاركة وراءها كل الاستثمارات التي حاولت توظيفها ببلايين الدولارات. من جانب آخر، هناك التقارب التركي الإيراني، ومحاولات إنشاء «تقارب ثلاثي»، على المستوى الاستراتيجي، مع العراق، عبر زيارة الرئيس التركي المُقررة إلى بغداد الشهر المُقبل؛ وهو التقارب الذي يستهدف دعماً تركياً لتوغل إيراني أكبر في العراق، في مقابل دعم إيراني لتركيا في سورية، بما يعني محاولة تقاسم النفوذ بينهما في سورية والعراق. إلا أن مثل هذا التقارب، وإن كان يتعارض مع النظرة الجغراسية الروسية لبلاد الشام والعراق؛ فهو، في الوقت نفسه، يصطدم بالهدف الاستراتيجي الأميركي، الذي يُعبّر عنه الإبقاء على وجود عسكري رمزي لها في سورية. إنه الهدف الذي يتمحور حول «منع أي تواصل بين العراق وسورية».
وبالتالي، لنا أن نتصور أن القوات الأميركية المُنسحبة من سورية، سوف تُعزز وجودها في العراق، وسوف تترك «داعش» يتحرك بحرية على جانبي الحدود بين البلدين؛ وذلك لمنع التواصل بينهما، من حيث سعي كل منهما لـ «التحالف» مع إيران، ومن بعدها روسيا، كما هو حاصل الآن، خاصة مع دعم بكين لهذه التوجهات، التي لا تزال في طور البناء؛ وهو ما يعني أن الوجود الرمزي للقوات الأميركية، هو محاولة لإبقاء «إقليم شمال سورية» خارج سيطرة روسيا وحلفائها؛ فضلاً عن كونه رسالة وضحة بأن واشنطن لم، ولن، تترك الساحة السورية، وأنه لا بد من التفاهم معها قبل فرض أي ترتيبات تتعلق بمستقبل سورية.
من جانب أخير، هناك «التوافق» الإسرائيلي الأميركي، على ضرورة إخراج الميليشيات المسلحة الإيرانية من الساحة السورية؛ كما أن هناك، أيضاً، «التفاهم» الإسرائيلي الروسي، كما عبّرت عنه تصريحات نتنياهو بعد زيارته الأخيرة إلى موسكو، حول تشكيل «فريق مشترك» لانسحاب القوات الأجنبية من سورية؛ وهو ما يؤشر ليس، فقط، إلى دخول إسرائيل على خط الأزمة السورية، كـ «لاعب» إقليمي، بل، وهذا هو الجدير بالتأمل والاهتمام، يُلمح إلى التغير المتوقع في «قواعد اللعبة» بين إسرائيل وإيران في سورية؛ خاصة في حال عدم قدرة إيران على الدخول في مواجهة مفتوحة معها، كما يبدو راهناً.
وبالتالي، لنا أن نتصور أن الأولوية الإسرائيلية، وإن كانت تتحدد في الوقوف دون تثبيت قواعد إيرانية في سورية، منتشرة بين الجنوب والوسط والغرب؛ فإن التوافق مع الأميركان والتفاهم مع الروس، حول هذه الأولوية، يؤكد أن إقامة قواعد عسكرية إيرانية على الحدود مع إسرائيل، يُخالِف النظرة الجغراسية لكل من واشنطن وموسكو. ولعل هذا يتأكد إذا لاحظنا ضبابية الموقف الروسي من الضربات الجوية التي شنتها، وتشنها، إسرائيل على تلك القواعد؛ ولاحظنا، أيضاً، كيف وسّع الإسرائيليون دائرة «الملاحقة الجوية» التي رُسمت لهم، من أربعين إلى أربعة وثمانين كيلومتراً ما وراء الجولان، ثم تجاوزوها في استهداف مراكز التجمعات الإيرانية وميليشياتها، دون أن تستطيع الأخيرة الرد عليهم.
في هذا السياق، سياق الصورة التي تبدو عليها بانوراما الأزمة السورية، وإلى حين إشعار آخر، يكون من المتوقع استمرار تفعيل سيناريو «التوتر المحكوم» في سورية، إلى أن ترتضي الأطراف الدولية، المُتنافسة في الأصل على قيادة النظام الدولي، بتسوية مُعينة للأزمة السورية تكون محل توافق بين هذه الأطراف.
12 السودان والجزائر.. هل هما استنساخ جديد للربيع (الغربي)؟!
سلطان عبدالعزيز العنقري
صحيفة المدينة السعودية
ما يحصل في السودان والجزائر هو في الحقيقة نسخ لما حصل في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والصومال وغيرها من ربيع إخونجي لتدمير السودان والجزائر ليمتد التدمير إلى بقية الدول المجاورة للسودان والجزائر. إنه بالفعل نسخ لما حصل في الدول العربية آنفة الذكر ولصق في السودان والجزائر كمؤامرة مدبرة من نظام الحمدين الإرهابي، وجماعة الإخوان الإرهابية. الشعبان السوداني الشقيق والجزائري الشقيق، بلد المليون شهيد، عليهما عدم الانزلاق فيما يحاك في بلديهما من مؤامرة مدبرة تقودها دويلة قطر وجماعة الإخوان الفاسدة لاستنساخ ربيع (غربي) آخر في قلب وشمال أفريقيا.

الشعبان السوداني والجزائري عليهما أن يعيا جيداً ويتعظا مما حصل في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والصومال وغيرها من فلتان أمني وقتل وتشريد وإهانات لكرامة الشعوب في تلك البلدان. فمهما كان الرئيس ديكتاتوراً وسيئاً في إدارة حكم بلده، فهو أفضل بكثير من حكم جماعة إخوانية انتهازية متعطشة لسفك الدماء، والقاعدة والدواعش وجبهة النصرة وحركة حماس وحركة النهضة وغيرها شاهدة على ما نقول عندما وصلوا إلى الحكم في مصر وفلسطين وتونس وليبيا واليمن والعراق وسوريا وغيرها. أمن الأوطان واستقرارها كمصلحة عليا لأي مجتمع يُقدَّم على مصالح ومكاسب الأحزاب الضيقة أو المصالح الشخصية للأفراد الذي لا يفرز إلا ديكتاتورية أشد قمعاً وتطرفاً وتعطشاً لسفك دماء الأبرياء وانتهاك حقوقهم. السودان يعتبر سلة غذاء عالمنا العربي لو تم استغلاله والاستثمار فيه من بقية الدول العربية وبخاصة الخليجية منها. والجزائر سوف يتحول إلى بلد صناعي لو رفعت فرنسا يدها عنه.

في القاموس السياسي وغيره الهدم سهل والبناء صعب. الهدم لا يستغرق إلا عدة أشهر وتصبح الدول مدن أشباح، وتدمير كامل للبنى التحتية، في حين البناء يستغرق عقوداً طويلة تخصص لها ميزانيات ضخمة للبنى التحتية والصحة والتعليم والطرق والكهرباء والمياه وشبكات الصرف الصحي والاتصالات وغيرها. فالذي يُبنى في عقود طويلة يأتي منحرف الفكر ليدمره في أشهر قليلة، والعراق وسوريا واليمن والصومال وليبيا حاضرة أمامنا وتشهد على ما نقول. الانسياق وراء غوغائية إعلام قطر وإيران وتركيا وغيرها من الإعلام الموالي للغرب والشرق وغيره، وما يحرض شارعنا العربي على الفلتان الأمني والفوضى، والخروج عن النظام العام يجب أن يفضح من خلال وسائل الإعلام التقليدية الرسمية والخاصة وغيرها، وكذلك شبكات التواصل، وبخاصة تويتر الذي يعتبر الإعلام الحر غير المقيد بأي نظام أو حكومة أو مقص الرقيب. فقد قيل «إن السعيد من اتعظ بغيره»، وعلينا تطبيق هذه المقولة عندما نرى الأحداث المؤسفة، وتدمير الأوطان العربية على يد دويلة صغيرة جداً قطر التي يحكمها متخلفون عقلياً عملاء للغرب والشرق. السودان والجزائر، بغض النظر عن من يحكمهما، الفيصل فيهما هو صندوق الانتخابات فإذا كنت لا تريد البشير أو بوتفليقة فعليك أن تعبر عن رأيك ببطاقتك الانتخابية بعيداً كل البعد عن النزول إلى الشارع، والاحتكام للغوغائية وقانون الغاب، وإملاءات دول وجماعات إرهابية لا تتمنى الخير لا للسودان ولا للجزائر وإنما يفرحون ويبتهجون بل ويهللون عندما يرون أن الدماء تسال إلى الرُّكب، فهل من متعظ؟!.
13 قواعد اللعبة الأميركية الجديدة في سورية والعراق دلالات الانسحاب الأميركي من سورية ميثاق مناحي العيسى صحيفة السياسة الكويتية

لم يكن انسحاب القوات الأميركية من سورية مفاجئاً بقدر ما كان بمثابة نقطة تحول في ادراك اللاعبين المؤثرين في الساحة الإقليمية، فالانسحاب الأميركي من سورية كان متوقعاً، لاسيما أن الرئيس الأميركي أعلن منذ العام الماضي عن نيته سحب قوات بلاده من سورية.
الوجود الأميركي في سورية، ربما يراه البعض بأنه تحصيل حاصل، وغير مؤثر في حسابات القوى الدولية والإقليمية؛ لأن الروس والإيرانيين يتحكمون في قواعد اللعبة السياسية في الساحة السورية، والفصائل السورية المعارضة للنظام السوري والمدعومة من بعض المنصات العربية لم يعد لها وجود قوي ومؤثر في تغيير قواعد اللعبة السياسية في سورية.
فضلاً عن ذلك، فإن تواجد القوات الأميركية في مناطق غير مؤثرة استراتيجيا على النفوذ الروسي والإيراني ودعمها المستمر لوحدات الشعب الكردي سيطيح بحليف كبير بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية مثل تركيا، التي بدأت بمغازلة الروس والإيرانيين من خلال اعلان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عدم التزامه بالعقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران.
الدعم اللوجستي الأميركي في سورية الذي اقتصر على تقديم الدعم لقوات سورية الديمقراطية، وقوات المعارضة بإمدادات عسكرية أو معلومات استخباراتية وقصف مدفعي أو اسناد جوي من طائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، لم يعد له مبرر كبير يمكن الاستناد اليه، لاسيما مع تقويض نشاط تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سورية وانهائه عسكرياً في العراق، وعليه فإن هناك أولويات أخرى في العقل السياسي الأميركي وفي عقل الإدارة الأميركية الحالية من خلال التموقع العسكري الجديد وإعادة انتشار قواتها في العراق.
هذا الحدث لم يأت منفصلاً عن الأحداث الإقليمية الأخرى، فقد جاء مترافقاً مع التغيرات والاتفاقات التي يجريها المعنيون في إدارة الصراع في المنطقة سواء في سورية أو في اليمن، وربما هذان الحدثان “مساع حل الأزمة اليمينة والانسحاب الأميركي من سورية” يعبران عن الرغبة الأميركية في المنطقة والتوجه الجديد الذي تريده الإدارة الأميركية الحالية “على أقل تقدير” في عهد الرئيس الأميركي الحالي أو فيما تبقى من ولايته الرئاسية الحالية.
فسوريا في الحسابات الاستراتيجية ليست مكسباً كبيراً بالنسبة للولايات المتحدة إذا ما قورنت مع العراق، وإن تهدئة الوضع في المنطقة بشكل عام، لاسيما فيما يتعلق بالأزمتين “السورية واليمنية” قد يعطي الأميركان دورا أكبر في العراق، واستعادة “تركيا” حليفهم الأكبر في المنطقة مع عدم استفزاز الدب الروسي، والاتفاق مع الطرفين على انهاء التواجد العسكري الإيراني على الساحة السورية، ومعالجة مشكلة وحدات حماية الشعب الكردي مع تركيا مع اعطاء أولوية كبيرة في مكافحة النشاط الإيراني المتزايد في العراق من قبل واشنطن؛ ولهذا هناك اعتقاد كبير بأن الدور الأميركي القادم سيتركز على معالجة الدور الإيراني في المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص من خلال التدخل السياسي وليس العسكري.
في موازاة ذلك، هناك من يعتقد بأن قرار الانسحاب قد يكون الغرض منه إعادة انتشار القوات الأميركية في العراق على الحدود العراقية – السورية سواء في محافظة الأنبار أو في محافظة الموصل والتحضير اللوجستي لأي سيناريو يمكن أن يحضر له تنظيم “داعش” في سورية مستقبلاً، لاسيما أن هناك روايات تؤكد بأن الهدف من الانسحاب الأميركي من سورية ربما يكون الغرض منه إغراق الروس والإيرانيين في المستنقع السوري، سواء فيما يتعلق بدور عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أو فيما يتعلق بدور فصائل المعارضة أو المعركة في الشمال السوري بين الجيش التركي وعناصر وحدات حماية الشعب الكردي (PYD).
بغض النظر عن كل هذه المشاهد التي تزيد المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط ضبابية، فإن الستراتيجية الأميركية ربما تكون واضحة فيما يتعلق بالوجود الأميركي في المنطقة، وقد تؤسس لها وجود دائما “في العراق” متاخما للحدود السورية – العراقية وإعادة تمركز قواتها في العراق طبقاً لمتطلبات المرحلة السياسية المقبلة التي سيكون محورها العراق على الصعيد الداخلي ودور إيران فيه.
أما على المستوى الإقليمي، فهناك ادوار أخرى ستناط بتركيا في شمال شرق سورية وربما أيضاً في شمال العراق لملاحقة حزب العمال الكردستاني ووحدات الشعب الكردي من أي توجه انفصالي في المستقبل البعيد، كذلك الحال بالنسبة لأكراد العراق، فتركيا لاعب مهم في حسابات الإدارة الأميركية وعضو في حلف الناتو، ويبدو أن الولايات المتحدة لا ترغب بخسارة حليفها الدائم، وتريد أن تعطيه دورا كبيرا في ستراتيجيتها المقبلة في المنطقة، لاسيما فيما يتعلق بدور إيران في المنطقة وموقف الاتراك من العقوبات الأميركية عليها.
من جانب آخر، يبدو أن الانسحاب الأميركي جاء متوافقاً مع التطورات السياسية الأخيرة من الأزمة السورية والانفتاح العربي على سورية من خلال استعادة بعض دول الخليج العربية مثل الامارات والبحرين فتح سفارتيهما في دمشق، فضلاً عن زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، واستئناف الرحلات الجوية بين دمشق وتونس في الاسبوع الماضي بعد انقطاع دام ثماني سنوات.
هذه التحركات العربية تجاه سورية، ما كانت لتكون لولا موافقة السعودية عليها، إذ يفيد كثير من المؤشرات أن الرياض هي من دفعت باقي العواصم العربية إلى تغيير موقفها من النظام السوري، بعد أن كانت الطرف الأبرز الداعي لقطع العلاقات مع هذا النظام إبان الثورة السورية، فضلاً عن ذلك فإن تلك التحركات اتت متزامنة مع توجهات الكونغرس الأميركي ضد محمد بن سلمان والتغيرات التي شهدها البيت السياسي السعودي من تغيرات وتبدلات على مستوى الوزارات الفاعلية، لاسيما فيما يتعلق بوزارة الخارجية وبعض الوزارات الأمنية.
وقد تحمل هذه التحركات دلالات في الستراتيجية الأميركية المقبلة في المنطقة، وربما تكون المنطقة والعراق على وجه التحديد مسرحاً لسيناريو أميركي – سعودي، فالتحرك العربي الأخير اتجاه سورية، وعلى رأسه التحرك الخليجي، يبدو أنه مدفوع بالخوف المتزايد من الصعود الإيراني في المنطقة، وخشيته من تمكّن النظام الإيراني من السيطرة الكلية على سورية، خاصة بعد القرار الاميركي المفاجئ في الانسحاب من سورية، هذا التخوف العربي وجد في المقابل رغبة سورية في انقاذ اقتصادها ومدنها التي دمرت خلال الثماني سنوات الماضية.
وهذا ما يعكس الرغبة الأميركية – السعودية في إعادة سورية إلى الحاضنة العربية وحل الأزمة اليمنية بين اليمنيين أنفسهم بعيداً عن الدور الإيراني، فضلاً عن معالجة الدور الإيراني في العراق من خلال إعادة انتشار القوات الأميركية والتطورات السياسية التي سترسمها الإدارة الأميركية في المرحلة المقبلة مع بعض القوى السياسية العراقية.
الأهم من ذلك سيبقى السؤال مطروحاً على صانع القرار العراقي في طبيعة تعاطيه وتعامله مع التوجه الأميركي الجديد في ظل التحركات العسكرية الأميركية على أرضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.