مقالتان عن العراق في الصحف العربية يوم الخميس

1 الكهرباء دليل فشل الحكومات العراقية
د. باهرة الشيخلي العرب بريطانيا
بدأ العراقيون يتظاهرون مطالبين بتوفير الطاقة الكهربائية، فهل ستكون الكهرباء بداية إعلان غضبهم على مجمل ما يعانونه من مصاعب وتحقيق التغيير؟
هل ستكون الكهرباء بداية إعلان غضب العراقيين على مجمل ما يعانونه من مصاعب وتحقيق التغيير؟
أثارت إطلالة الشيخ همام حمودي النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي المنتهية ولايته، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وهو يتحدث من برنامج تلفزيوني عن توفر الكهرباء، تندر العراقيين وسخريتهم، خاصة وأن محافظات الفرات الأوسط والجنوب تتظاهر يوميا مطالبة بتوفير الطاقة الكهربائية.
يقول حمودي إن نظام ما بعد 2003 حقق للعراق إنجازات لم يحققها النظام السابق على مدى 80 سنة، وإن “أوضح الواضحات” في ذلك، على حد تعبيره، هو توفير الكهرباء للعراقيين بواقع 15 ألف ميغاوات، ولم يصل النظام السابق بإنتاج الطاقة منذ تأسيسه عام 1921 من القرن الماضي إلى 2003 من القرن الحالي سوى إلى 5 آلاف ميغاوات.
حديث حمودي لم يكن هو مثار سخرية العراقيين الذين يتلظون بحرارة يونيو ويجأرون بالشكوى من غياب الكهرباء، فقد اعتادوا على هذه الأحاديث يطلقها مسؤولون كثيرون، ولم يكن مبعث السخرية أيضاً عبارة “أوضح الواضحات”، التي جاءت على لسان حمودي، وإنما ما أثار ذلك هو صورة المسؤول حين لا يسمع ولا يرى ويتحدث عن إنجاز غير موجود حتى من دون أن يعي ماذا يمكن أن يخلق هذا الحديث من رد فعل.
وعلى منوال حمودي هناك مسؤولون كثيرون يحسبون أن ما يرفلون به من عيش رخي إنما يرفل بأمثاله المواطنون جميعا، ويتبجحون من دون شعور بالخجل بمشاريع وإنجازات لا وجود لها إلا على الورق بعد أن طارت مبالغها وحطت في جيوب الفاسدين.
بعد أن سمعت حديث حمودي، اتصلتُ بمسؤول عراقي، شغل قبل العام 2003 منصب وزير الكهرباء وسألته عن حقيقة الطاقة المنتجة قبل الاحتلال، فأوضح أن السعة المؤسسة للكهرباء وصلت، قبل حرب الخليج الثانية، إلى قرابة 9000 ميغاوات، ونتيجة قصف طيران قوات التحالف الدولي على العراق عام 1991 على مواقع المحطات هبطت القدرات إلى 20 بالمئة وبفعل حملات الإعمار استطاع العراقيون، بحشد وطني اشتركت فيه قطاعات الدولة إعادة الطاقة في مدة قياسية.
لكن الكهرباء، قبل الاحتلال، ورغم القطع المبرمج، كانت أفضل مما هي عليه الآن، ولكي نكون منصفين نذكر أن أنواعاً متعددة من الأجهزة الكهربائية دخلت إلى العراق وصار بمقدور المواطن، في السنوات الأولى من الاحتلال شراؤها وتشغيلها مما تطلب استهلاكا كبيرا في الطاقة، غير أن الإنصاف يقتضي أيضاً أن نذكر أن إنتاج العراق من الطاقة الكهربائية كان قبل الاحتلال يغطي بغداد كتجهيز متواصل بحكم أنها العاصمة وفيها مصالح ومؤسسات ومنشآت وطنية ودولية لا يمكن قطع الكهرباء عنها، وتغطي محافظات كربلاء والنجف كليا في الأعياد ومناسبات الزيارة للمراقد المقدسة، ويتم كذلك تشغيل كامل للمئات من المصانع وشركات الإنتاج ومشاريع الزراعة وآبار النفط وتوابعها في طول العراق وعرضه وبواقع تجهيز كامل ليلا نهارا، فضلا عن تجهيز مقبول لجميع محافظات العراق ومدنه، والمواقع العسكرية بأنواعها ومواقعها كلها.
الذي حدث بعد الغزو الأميركي للعراق أن جميع شركات الإنتاج الصناعي المختلفة في أنحاء البلاد توقفت بفعل التدمير، وتوقف معها تجهيزها بالكهرباء الذي يكفي لتجهيز محافظات العراق جميعها وبواقع 20 ساعة يومياً، على الأقل، ولا ننسى أن تجهيز المعسكرات والمواقع العسكرية بالطاقة الكهربائية قد توقف أيضاً، ويفترض أن تكون هذه الحصة قد توجهت لصالح استهلاك المواطنين كذلك في مدن العراق المختلفة.
يرى أكاديمي عراقي أن حرمان العراقيين من الكهرباء تكمن وراءه أهداف سياسية، وإلا فإن أميركا كان بوسعها أن تبني عراقا يفيض بالازدهار بعد احتلالها له، كما كان بإمكان إيران أن تغرق المناطق، التي فيها أكثرية شيعية، وهي قريبة منها بالكثير من محطات توليد الطاقة الكهربائية بأنواعها، لكن الأهداف السياسية تفرض تفشي الجوع والفقر والتخلف الزراعي والصناعي والتعليمي والصحي في العراق، لأن شعبا عراقيا واعيا معافى ومنتجاً وثرياً لن يسهل خضوعه للاحتلال، مع غلق منافذ التطور المختلفة المعتمدة على الطاقة الكهربائية، ولكي تبقى موارد العراق محددة بالنفط الذي تنهبه دول الاحتلال والفاسدون الذين وظفتهم فقط لعدد من السنوات يكفي لتحويل العراق إلى بلد قاحل بور بشعب يتسول.
وتحقق هذه الأهداف، كما يؤكد الأكاديمي العراقي، سيرغم العراقيين على الهجرة لتشكيل مجتمع عراقي لاجئ خارج وطنهم، ويقطع الطريق أمام القوى الوطنية من التفكير والعمل على تحرير البلاد.
“من أوضح الواضحات” أن الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال فشلت في توفير الخدمات إلا للطبقة السياسية، وبعد 15 سنة من الفشل يجب أن تفسح الطريق، طوعاً أو كرهاً، لعراقيين بإمكانهم توفير الخدمات لشعب كانت تحسده الشعوب على عيشه.
بدأ العراقيون يتظاهرون مطالبين بتوفير الطاقة الكهربائية، فهل ستكون الكهرباء بداية إعلان غضبهم على مجمل ما يعانونه من مصاعب وتحقيق التغيير؟
2 امة المطرب.. لا امة المفكر
البرفسور ياس خضير البياتي راي اليوم بريطانيا
لست ضد الطرب والمطربين، ولست ضد الغناء، فالعالم بدون الموسيقى الراقية صحراء جرداء لا حياة فيها ولاجمال، لكنني ضد ظاهرة ان يتحول الطرب الهزيل في امة تعيش عصر الجيل الرابع من العصر الرقمي، الى ظاهرة اجتماعية تنهش بالأمة فتكا في قيمها الاجتماعية المتبقية، وتفسد ما تبقى من قيم الحياة ومباهجها الرصينة، وتجعل خريطة البشر تسير بالمقلوب، فيتسيد جهلة القوم جبهة الحياة أهمية وحضورا، وينزل رجال العلم والثقافة الى قاع المجتمع، لننهي آخر ما تبقى لهم من طموحات وفكر ورؤى. حتى ليشعر المرء ان واقعنا العربي تحول إلى حفلة تنكرية تم فيها تبادل الأدوار وتخفى العيوب بمساحيق التجميل، وشد الوجوه وتنفيخ الشفاه، حتى تغيرت دلالات النحو في لغته، فالفاعل منفعل، والمبتدأ خبر، والجار مجرور، والمفعول لأجله مفعول به. والمسألة في نهاية الأمر كما يقول أحد الكتاب، ليست في ما يعرض على السطح فقد يخفي الرخام سخاما كما يقال في الأمثال، لهذا علينا كما يقول مثل فرنسي أن نكشط الفسيفساء كي يتضح لنا الطين وما يعشش تحته، وأن نختبر الطلاء كي يتضح الجوهر!
واقعنا اليوم يتسيد فيه (الصبيان) حضورا لافتا بأغنية مقلدة ليصبح حديث الدول والاعلام والمجتمعات، وتفتح له أبواب الشهرة على مصرعيها ويدخل موسوعة (غينيس) في الثراء والقصور بينما باحث عربي له عشرات الكتب والبحوث، واديب كبير، يعيشان حياة الكفاف والفقر، لا يجدان لهما أحيانا تكلفة مراسم الدفن في قبور بلدان العرب المترامية من المحيط الى الخليج، وأفضل ما يحصلوا عليه المفكر العربي اليوم في هذه الدنيا بعد موته الا على كلمة عابرة لها معنى عميق (مسكين)! اعرف ان الكثير سيعترض لما أقول: انظر لما يحدث في الغرب، هي نفس الظاهرة تتلون فيها حياتهم، لا بأس في الغرب تبقى الممارسات ضمن أفعالها ولا تتحول الى ظاهرة عميقة، فالغناء يبقى في النوادي والمسارح، ولايأخذ أكبر مما يجب، بحيث يتحول الغناء اليوم الى وظيفة كبرى، وبقرة حلوب تدر ذهبا كما يقال، وتكون حلم كل شاب على حساب وظائف المستقبل. أعملوا استفتاء بين شباب العرب، وخيروهم بين وظائف الهندسة والطب والذكاء الاصطناعي والرياضيات والغناء والرياضة، وستجدون كم تعيش هذه الأمة أزمة عميقة في الفكر، ونايات شجية لا تكف عن الأنين. وهذا الواقع يذكرني بما تحدث عنه أندرسون الذي قال إن الامبراطور الذي تنافس الناس في وصف ثيابه الطاووسية عارٍ تماما!
لقد اخترعنا فقها عربيا لا يقبل به منطق العصر، ولا حتى فقه الجاهلية، وهو فقه (تسطيح الحياة)، واستبدال قوانين التطور بقوانين التخلف، والرياضيات بالغناء، والذكاء الاصطناعي بكرة القدم، والأديب والباحث بالصبي المغني، والانتصارات العلمية الكبيرة بالانتصارات الصغيرة للمطربين الشباب الذي تساءل يوما اديبنا الطيب الصالح (من أين أتى هؤلاء؟). بل كدنا نغلف حياتنا بمساحيق التجميل لكي نؤسس فقها غريبا نغطي فيه عيوب الامة، وقباحة الواقع المزرى، وتفاهة ما يجري من تلميع لصور المجتمع ونماذجه البشرية. فمــــن لم يبصــــــر في حياته من الماء سوى بركة آسنة يتعذّر عليه أن يتخيل محيطا!
صحيح ان ما يجري اليوم، هو انعكاس لمشكلة أكبر، وقضية أعمق، لكنها هي جزء من (صناعتنا الوطنية) التي تشارك بتهديم ما تبقى من قيم هذه الامة وتطلعاتها، واحلام الشباب الغارق بالفقر والاضطهاد السياسي والمجتمعي، واستغلال لطموحاتهم الصغيرة التي كانوا يحلمون بها، ويقارنوها بالآخر، فالفضائيات اليوم تبيع (لحما مستوردا) وكأنه( وطنيا مذبوح على الطريقة الاسلامية )من اجل الحصول على ملايين الدولارات ،وتستنزف طاقات الشباب بأحلام وردية لشباب عاطل يريد الظفر بحياة رغيدة ومبهرة بأسهل الطرق ،فأغنية واحدة قد تجعل منه نجما عربيا فوق العادة ،وتفتح له مطارات العرب، ويتجمهر الناس بإلاف لاستقباله كفاتح كبير ،بل تمهد له الفرصة للجلوس مع الرؤساء والوزراء ،حتى تتخيل ان ما يحدث زلزال كبير في الدول ! . وهناك وسائل التواصل الاجتماعي التي اشعلت نيران الاعجاب والنجومية الزائفة، مثلما ساهمت في تعميق المعارك بين جمهور البلدان العربية، وعمقت الخلاف بين الأقليات والمذاهب، كما حدث مع الجمهور الكردي والجمهور العربي في العراق!
أن شركات البهرجة وصناعة النجوم المزيفة لا تصنع مشاهد افتراضية حقيقية، بل تنظم صراعا للديكة فيه قتال باللحم الحي غير أن منظم النزال لا يفقد ريشا ولا لحما وهو مستمتع والعالم المتفرّج يشجّع هذا الديك أو ذاك حسب اصطفافه. أمّا الديكة فهي لا تدري أن دمها يدرّ أرباحا على المستفيدين.
هل كانت الكاتبة أحلام مستغانمي على حق عندما قالت: لم يحزنني أن مطرباً بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجداً ومكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ.
اليس من المخجل على هذه الامة ان تضع مفكريها وادباءها ومخترعيها وباحثيها في آخر مقاعد القاعة، بينما يجلس فروخ ولدو لتوهم على بلاتوهات (عرب ايدن) في المقاعد الامامية محاطين بالمسؤولين، وبهالة الحمايات وكاميرات الاعلام المنافقة!
اليس من المخجل ان يتصدر اليوم هؤلاء الصبية المشهد العربي، ويتنقلون بطائرات خاصة، ونخبنا الثقافية والعلمية لا تجد من لا يعطيها خبزا ودواء لكي تعيش فقط، هل نذكر من مات على فراش الموت ولم يجد من الحكومات من تنقذه من المرض، ومن مات ولم يجد من يسير وراءه حتى ولو من باب الحسنات!
اليس عيبا ان نرى هذه النخب مشردة في بقاع العالم تبحث لها عن الخبز والأمان والحرية، وماتبقى منهم في اوطانهم يصارعون موت العوز والاضطهاد والتهديد والموت. فهل من الانصاف ان تجتث النخب لأنها تؤمن بفكر يتعارض مع الآخر، فتقطع مورد معيشتهم، او يهددون بالنفي الاجباري تحت سلاح التهديد بالموت، رغم ان يعيشون في بلد (الديمقراطية الجديدة)!
فماذا حل بهذه الامة التي كانت في الخمسينات والستينات، تتباهى بنخبها، فكان العراقي يُنسبُ الى بلد حمورابي والجواهري والبياتي وجواد سليم وناظم الغزالي، والمصري ينسب الى بلد عبد الناصر ونجيب محفوظ وطه حسين وام كلثوم، والجزائري الى بن بله والمليون شهيد. اما اليوم فقد حلت كارثة عصرية على هذه الامة، فقد اختفت كل الأسماء الكبيرة، وحلت معها أسماء طرب الفروخ. فأنا كعراقي اليوم انتسب الى بلد الصبية (دموع) لا الى بلد الحضارات وبغداد والشعراء، وهي مصيبة أقسى من كل احزان الامة ودموعها لأن حياتنا أصبحت مبتدأ بلا خبر!
وما أقسى (دموعي) التي تنهمر بفقدانها للأمل العربي الذي كنا نحلم به أيام الشباب
اجيال ورا اجيال — ح تعيش على حلمنا
واللي نقوله اليوم — محسوب على عمرنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.