انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 4 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم السبت

4 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم السبت

1 الولايات المتحدة وإيران.. مناصفة الديمقراطية في العراق حامد الكيلاني العرب بريطانية

اهتمام على مقياس التشويق في عرض واجهات انتخابات التجديد النصفي الأميركية بقراءة البيانات وإحصاءات نسب توزيع المقاعد في مجلس الشيوخ ومجلس النواب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ لكن تلك الواجهات اندفعت إلى الخلف مقارنة بملامح الخلافات بين الحزبين التي سبقت إعلان النتائج وفوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب، وتمدد الجمهوريين في مجلس الشيوخ الذي صنفه الرئيس دونالد ترامب بالأعلى منذ إدارة الرئيس الراحل جون كينيدي في بداية ستينات القرن الماضي.
عادة لا يحظى حزب الرئيس في انتخابات التجديد النصفي بتفوق واضح في مجلس الشيوخ، عدا عن استثناءات خمسة في تاريخ الرؤساء منذ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة؛ والرئيس دونالد ترامب لا يتردد في التذكير بحقائق إحصائية من هذا النوع كرد فعل واضح لا يحاول أن يخفيه تجاه استرجاع الديمقراطيين لصوتهم الأعلى المقابل في مجلس النواب.
الخلافات وتصعيدها، تبدو ضمن السياق العام لأي انتخابات تجديد نصفي أو أي انتخابات رئاسية، إلا أن أميركا دونالد ترامب مختلفة ليست قليلا عن أميركا الإدارات السابقة؛ إذ أن فوز الرئيس دونالد ترامب غير المتوقع بالنسبة للأكثرية من الناخبين الذين وضعوا نصب أعينهم فوز المرشحة عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون كحتمية انتصار ساحق ومدو، ثم وجدوا أنفسهم في حالة مترنحة أدت إلى السقوط في نوبة اكتئاب وحزن ومظاهر عنف لم تتوقف عند حدود دهشة الناخبين الديمقراطيين، بل تعدى إلى هيستيريا تصريحات ومواقف غير مسؤولة لمسؤولين سابقين كان من بينهم وزير الخارجية الأسبق جون كيري، وبما كشفت عنه مصادر الإعلام مؤخرا من خروقات نسبت له في عقد لقاءات مع الجانب الإيراني تتعلق بمحاولات للتأثير في القرار السياسي الأميركي لتأخير العقوبات أو تخفيفها وعرقلتها.
مؤشرات على استمرار صراع لم يهدأ للإطاحة بالرئيس قبل موعد الانتخابات وإكمال الفترة الرئاسية، تحت مبررات الجدل حول التدخلات الروسية في تقرير مصير الانتخابات والتي نفاها الرئيس ترامب مرارا، وأعادها بعد إعلان نتائج انتخابات التجديد النصفي ومعرفته بفوز الديمقراطيين بأكثرية المقاعد في مجلس النواب متجاوزين الـ218 مقعدا من أصل 435 هي مجموع مقاعد مجلس النواب. كانت إجابته دائما بعدم علاقة الروس بنتائج الانتخابات متكئا، هذه المرة، على الفوز بمقاعد مجلس الشيوخ وسيطرة الجمهوريين على أغلب مقاعد حكام الولايات.
الديمقراطية في العراق مهما أريد لها من توافقات سياسية إلا أنها واقعيا لن تبني دولة أو حتى برنامجا لبناء دولة، أما الخلافات التي نصف بها الانتخابات الأميركية فلا صلة لها تماما ولو من بعيد بخلافات عملية سياسية من صنيعة المحتل الأميركي ذاته
رغم الانقسام الصريح والمعلن والبارز بين أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي وأيضا بين مؤيديهم من ناخبين ومصوتين وصامتين، أو في الإعلام الذي يميل بوضوح إلى الديمقراطيين، خاصة بعد سنتين تقريباً من حكم الرئيس ترامب وتغريداته بأفكار وسياسات وقرارات بمزاج على طريقته وأسلوبه في التلويح بتحريك أزمة أو إلقاء صنارة ما في بحر من عواصف الصفقات التجارية والضريبية بين أميركا وبين حتى حلفائها، إلا أن الاختلاف يمكن ترويضه في نقاط التقاء كثيرة بين توجهات المجلسين والحزبين، إذا أدركنا التوازنات العددية في المهمات والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الممكن تمريرها بالضغط أو بالحوار مع معارضة أحيانا ستكون متشددة وتتجه إلى أقصى اليسار في مناهضة توجهات الرئيس وسياساته. لكن الأمر يتعلق بمرجعية نظام يشكل في النهاية واحدا من أبرز النظم الديمقراطية في العالم، وبأي حال من الأحوال لن يكون الاختلاف على “مرجعية” غير المرجعية السياسية للدولة العظمى.
تجربة الخلافات في انتخابات التجديد النصفي أو في البيت الأميركي، بالفيل والحمار، لن تصل إلى مرحلة الانتقام في تجارب ديمقراطية العالم الثالث، وتحديدا الديمقراطية في العراق التي تتصدر نماذج الانقسام بعد الاحتلال الأميركي والاحتلال الإيراني.
فالديمقراطية والانتخابات وإن كانت، وهذا المفروض، على مقاسات الإدارة والإرادة الأميركيتين، إلا أنها خُتمت منذ اليوم الأول بمرجعية ولاءات لرموز دينية مذهبية ولعقيدة مشروع بنظام إيراني ليس بإمكانه قطعا مداراة رغبته في الانتقام من الملايين لاختلافهم التاريخي المذهبي معه، إضافة إلى رغبته في الانتقام من جميع العراقيين لتوابع حرب طويلة مع ذات النظام انتهت بتركيعه وهزيمته.
بمعنى أن الديمقراطية في العراق مهما أريد لها من توافقات سياسية أملتها ظروف مأساوية يُعتقد أو يظنّ أنها تقدمت بشوط التجربة الديمقراطية على حساب المحاصصة السياسية والطائفية، إلا أنها واقعيا لن تبني دولة أو حتى برنامجا لبناء دولة، أما الخلافات التي نصف بها الانتخابات الأميركية فلا صلة لها تماما ولو من بعيد بخلافات عملية سياسية من صنيعة المحتل الأميركي ذاته.
لكن المفارقة في تقييمات نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية على منوال المحللين في إعلام المشروع الإيراني المتمدد في أكثر من دولة، تصور لنا ما جرى في الولايات المتحدة، على أنه انتصار لإيران ومحورها في مجلس النواب الأميركي، وذهب بعض قادة الحرس الثوري وأذرعهم في المنطقة إلى الحديث عن مأزق تورطت فيه الولايات المتحدة بفرض العقوبات على إيران.
الحزب الجمهوري والديمقراطي وفوز أحدهما وخسارة الآخر، وبخلافاتهم التي لا ترقى إلى التفريط بالأمن القومي أو سلامة الاقتصاد أو أمن المواطنين أو النيل من دور وصلابة المؤسسات الديمقراطية أو مؤسسات الجيش الأميركي، تظل ضمن سقف الخلافات السياسية تحت جناحي مجلس الشيوخ ومجلس النواب ومتابعة ماكنة إعلامية على أهميتها لن تؤدي أبدا دور الميليشيات وسلاحها “المنضبط”.
السلاح المنضبط في العراق وجد ضالته في الانتخابات، بعد أن وجد ضالته في الموت والدم والتدمير ثم حماية الدولة وقانون مصادق عليه في برلمان أغلب أعضائه لا يمثلون يسار أو يمين السياسة أو حتى أقصى اليمين أو اليسار، بل إن غالبيتهم صورة طبق الأصل لسلاحهم المنفلت ونوعيته وتعداده خارج البرلمان بما يحظى به من صلاحيات مازال يراد لها المزيد من الدعم بمناصب وزارية سيادية؛ والمظلة أبدا هي الديمقراطية ومن يدافع عنها بمبررات من قبيل أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وما يتبع من استشهاد بالاختلاف بين أكبر حزبين في دولة عظمى.
عندما نتحدث عن الديمقراطيات الصرفة في العالم المتمدن، يصفعنا هاجس المحاصصة أيضا، فأينما نولي وجوهنا ثمة عار من الاحتلال الأميركي والإيراني يطاردنا ويمنعنا من الاستسلام لشروط مرجعية دينية أو مذهبية طائفية أو مرجعيات ميليشياوية تمادت في سلاحها الطموح للاستيلاء على وزارة يرتبط اسمها بالثقافة، أو مرجعيات سياسية لأحزاب أقصى منجزاتها وفخرها أنها حملت السلاح ضد أبناء جلدتها إيمانا منها بأن عقيدتها الطائفية ونظام الملالي يتقدمان على مصير المواطن، والوطن الذي كان.
2 سياسيون وطنيون لا أتباع هو ما يحتاجه العراق صباح علي الشاهر راي اليوم بريطانيا

ليس بالإمكان إستنساخ عبد الناصر، وتيتو، ونهرو ، وسوكارنو، لسبب بسيط أن هؤلاء الكبار نتاج مرحلة مختلفة عما نعيشه ونواجهه الآن ، لكن ما أقدموا عليه وسعوا من أجل تثبيته فيما عرف فيما بعد ( الحياد الإيجابي ) ، هو الأمر الجوهري الذي تستوجبه الحالة الآن كما كانت تستوجبه من قبل . لم يفعل الحياد الإيجابي ، ولم تكتب له الإستمرارية بنفس الزخم ، بسبب تغيير الظروف والمعطيات ، وتحول العالم من عالم ثنائي القطبية إلى عالم أحادي القطبية ، وما جره هذا التحول على أمم وشعوب كوكبنا من محن وعذابات وكوارث مازالت تعاني منها لحد الآن ، على الرغم من الوهن الذي أصاب الأحادية القطبية ، والهزائم المتوالية التي واجهتها وتواجهها الآن ، مما يفسح في المجال لإنبثاق عالم ليس ثنائي القطبية ، بل عالم متعدد الأقطاب، وهو ما تشير كل الدلائل والمعطيات إلى حتمية إنبثاقه آجلاً وليس عاجلاً .
في العالم المتعدد الأقطاب المرتقب ، نحتاج الحياد الإيجابي ، هو ضرورة من أجل أن لا نبدل التبعية الأمريكية أو ألأوربية بتبعية أخرى، فالتابع أي كان من يتبعه ليس حراً ، لا سيد نفسه ، ولا صاحب قرار .
لقد واجهت ( سياسة الحياد الإيجابي ) عداءأ سافراً، ومختفيا تحت أقنعة شتى، فالأمبريالية وأذيالها واجهوها بأقصى ما لديهم من قدرات وإمكانات ، وعلى نحو مكشوف على الأغلب ، في حين واجهها الجانب الآخر ( الاتحاد السوفيتي، والمنظومة الإشتراكية ) بالتشكيك ، مع محاولات لإستثمارها في مجالات شتى أما الحركة اليسارية ، والتابعة ، فقد عدت هذه السياسة لا تعدوا كونها سياسة تساوي بين المستعمر الإمبريالي ، وبين من يعمل على تقويض الإستعمار والإمبريالية ، في حين( وفق رأيها) ما من حياد بين الحق والباطل ، لكنها رغم هذا التشكيك وعدم الإرتياح إلا أنها تعاملت معها بجدية وإستثمرتها لحد التبني في بعض الإحيان.
ظهور حركة ( عدم الإتحياز) كحركة أستوجب باديء ذي بدء وجود قادة وطنيين من طراز خاص، غير تابعين، يضعون مصلحة أوطانهم فوق أي إعتبار ، وهذا ما يصعب الآن تلمسه ، وأن وجد لدى بعض القادة القليلين مثل هذه الوطنية ، فإنهم يفتقرون إلى كارزمية أسلافهم القادة الوطنيين العظام ، ويصعب عليهم بحكم إفتقاد هذه الكارزما إنتقالهم من حيزهم الوطني المحدود إلى الفضاء العالمي ، فتأثيرهم على الأغلب محصور بحيزهم الضيق، المهدد غالباً، هذا التهديد الذي يجعلهم مدافعين ، منشغلين بأفشال التآمر ، وتلويناته التي لا تنتهي .
****
لو أخذنا العراق مثالاً فإننا سنواجه ، سياسيين عراة من رداء الوطنية ، لا يحاولون حتى التستر بستار ولو شفاف، الكل بلا إستثناء ، إما تابعاً لأمريكا التي جاءت بأغلبهم ونصبتهم حكاماً على البلد ، أو تابعاً لإيران ، أو تركيا ، أو السعودية ، وحتى دولاً أقل شأناً ، لكنها قادرة على التمويل كالإمارات والكويت وقطر .
كعكة العراق تقسم على أتباع هذه الدول ، ولا نصيب من الكعكة للعراق وطناً وشعباً .
مصلحة العراق آخر ما يفكر به الأتباع ، فمصلحة المتبوع أولاً ، ومن ثم مصلحة الحزب أو الجماعة وصولاً إلى مصلحة الفرد ، الذي يرى أنه إذا لم ينهب هو فأن سواه ، أو غريمه أو منافسه هو من سينهب .
مع الإحتلال عُمل وبأشد ما يمكن من عمل على تسخيف الوطنية والسخرية منها ، تكفل بهذا الأمر جماعة تدربوا جيداً في دورات أنشئت على عجل ، وروجها إعلام تأسس لهذا الغرض ، باتت الوطنية عاراً لا بد من التخلص منه ، ودليلا على التحجر وفق تصور بعض أنصاف المثقفين .
****
يشكو العراق منذ زمن من شحة المياه وهو بلاد ما بين النهرين ، ولا أحد يجرؤ على الحديث عن السبب ، فالصديقة إيران تقطع الروافد المغذية لدجلة وشط العرب بحجة أنها بحاجة للمياه لخدمة مواطنيها الفلاحين ، أما تركيا الصديقة فهي تقطع المياه عن النهرين ، وبالأخص دجله لأنها تريد إنتاج الكهرباء .
إيران هنا ، وكذا تركيا ، تفكران بمصالحهما فقط ، دون أية مراعاة لمصالح الجيران ، وحيث أن الساسة في البلد ( العراق) من التابعين ، والتابع كما أسلفنا لا يحق له التفكير إلا بمصلحة المتبوع ، فإن ساسة العراق يصمتون عن موت العراق عطشاً ، وإذا تحدثوا لاموا الشعب الذي لا يُرشد إستهلاكه من الماء ، مثلما لا يرشد إستهلاله من الكهرباء.
وسيبقى الأمر هكذا طالما لم تتغير العقلية السياسية في البلد ، وطالما يظل التابع حاكما . كي نتخلص من هذه الحالة نحتاج ساسة لا يتبعون إلا العراق ، لا ولاء لهم إلا للعراق ، يكلفون من قبل الشعب ، ليس لأرضاء هذا أو ذاك من دول الجوار ، وإنما لتحقيق مصالح الشعب العراقي والوطن العراقي .
عندما تكون قيادة البلد وطنية غير تابعة ، فإنها ستراعي مصالح العراق من دونما تعدي على مصالح الجيران ، والجيران الذين يتعاملون مع حكومة عراقية موصوفة بالوطنية حقاً لا قولاً ، فإنهم سيراعون مصالح جارهم العراق ، وسينسقون معه في كل ما هو مشترك بينهما ، من حدود ومياه ، ومصالح مشتركة ، وأمن مشترك ، على قاعدة تبادل المنافع ، ستكون العلاقة علاقة جيران يتعاونون لتوطيد مصالح بلدانهم ، التي ستكون أقوى وأغنى وأكثر مناعة ، وعصية على الإختراق من قبل الأعداء ، وبهذا سيكرسون السلام الحقيقي ، وسيخلقون فرص التنمية الحقيقية لبلدانهم .
3 عصائب الثقافة وافتراس «التبغدد»
مشاري الذايدي
الشرق الاوسط السعودية
من مثالب المحاصصة الطائفية في الوزارات والمناصب الحكومية، وصول نماذج سيئة لمواقع لا علاقة لهم بها، وافتراس الصالح العام من أجل الصالح الخاص، وهو هنا يصير صالح الحزب بل الأحزاب أحياناً، المحتكرة لتمثيل طائفة ما، بحكم أن المجتمع صار ينظر له بمنظار طائفي فقط.
المعتاد أن تكون حقائب الدفاع والداخلية والمال والخارجية، هي وزارات السيادة، وأحياناً تصبح وزارة الطاقة والنفط، أو «الأشغال»، حسب أهمية كل حقيبة من هذه الحقائب في البلد المبتلى بالحسبة الطائفية.
يتجلى ذلك في أن يتولى كادر قيادي من حزب الله اللبناني، مثلا، حقيبة السياحة! أو يتولى عنصر من ميليشيا عصائب أهل الحق العراقية – حزب الله اللبناني بالقياس لها يعتبر حزباً شبيهاً بحزب الخضر حماة البيئة! – حقيبة الثقافة في العراق!
الكاتب العراقي علي السراي في مقالة له بجريدة «المدى» العراقية، أشّر على ملاحظة محزنة كئيبة، حين تحدث عن هذا الواقع، ضمن سجالات تشكيل الحكومة العراقية بقيادة عادل عبد المهدي، ونقل عن النائب عن حركة «عصائب أهل الحق»، عبد الأمير عتيبان، قوله في تصريحٍ نُشِرَ الأسبوع الماضي، «وزارة الثقافة استحقاقٌ لنا ونحن من علمنا الناس والعالم الثقافة (…) وكيف تتصرف وكيف تكون قدوة».
يستدرك الكاتب العرقي بسخرية مرة:
«حتى لا يبدو الاقتباس خارجاً عن سياقه فإن النائب كان يرد، غاضباً، على أثيل النجيفي، المحافظ السابق لنينوى، الذي اعترض على منحِ (جهة تحملُ السلاحَ) حقيبة الثقافة».
يجري هذا الأمر في بغداد الحضارة والثقافة، بغداد الجاحظ وأبي نواس والتوحيدي والمأمون، يجري هذا الأمر فنصبح أمام اغتصاب لـ«التبغدد» كما كتب بروعة الباحث العراقي «الجواهرجي» رشيد الخيون.
الخيون تتبع منابع ومصابّ التبغدد عبر التاريخ، ومما ذكر أن المصطلح أشار له فيلسوف وناثر العراق الكبير، في القرن الخامس الهجري، أبو حيان التوحيدي، عندما قال، وهو يتحدث عن أبي الوفاء البوزجاني وكان مهندساً ومترجماً: «البغدادي إذا تخرسن كان أحلى وأظرف مِن الخراساني إذا تبغدد، وإن شئت فضع الاعتبار على ما أردت، فإنك تجد هذا القول حقاً، وهذه الدَّعوة مسموعة» (الصَّداقة والصَّديق).
وفي العصر الحديث صار التبغدد مدحة وصفة واضحة، كما يستشهد رشيد بالعراقي العاشق محمد مهدي الجواهري، حيث قال، في نونيته الشهيرة:
يا أُمَّ بغداد مِن ظرفٍ ومِن غنجٍ
مشى التبغددُ حتى في الدَّهاقين (تعني القرى).
أما لميعة عباس عمارة فاستعارت المصطلح لتأكيد المعنى الثَّاني، أي الرَّفاه والكبرياء عندما قالت، في قصيدتها «أغني لبغداد»:
لأن العراقة معنى العِراق/ويعني التبغدد عزاً وجاها
هذا هو العراق، وهذه هي بغداد، وذاك مصير التبغدد بعدما صار شأن الثقافة «غنيمة» تمنح لجماعة تحارب الفكر والفن والحياة.
4 العراق بين احتلالين: نحو قراءة منصفة لتاريخه الحديث لؤي عبد الإله
الشرق الاوسط السعودية
لم يكن العراق، الذي وصله البريطانيون مع بداية الحرب العالمية الأولى، يمت بصلة إلى ذلك البلد الذي كان ذات يوم أهم مركز حضاري في العالم حتى وقوع الغزو المغولي سنة 1258م، فالخراب الذي ألحقه هولاكو بنظام الري الذي يعود إلى زمن السومريين والآشوريين وغياب الدولة المركزية الموحدة ساعدا على تحول العراق تدريجياً من بلد زراعي يؤوي نحو 30 مليون نسمة إلى أرض يباب، بعد أن فقدت أكثر أجزائه الخصوبة وحلت محلها الأملاح لكي يصبح منطقة للكلأ تتنقل بين ثناياها القبائل البدوية في فترة رعيها. وتحت وطأة الغزوات المستمرة التي كانت تقوم بها القبائل القادمة من أواسط آسيا والأمراض والفيضانات انقرض أكثر فلاحي بلاد وادي الرافدين وحلت محلهم قبائل بدوية عربية لم تبدأ بالاستقرار إلا في القرن الثامن عشر.
وحين وصول البريطانيين إلى العراق لم يكن عدد سكانه يزيد على مليونين ونصف المليون نسمة، ومدنه لم تكن سوى واحات حضرية صغيرة وسط عالم محكوم بالعشائر وقيمه البدوية. كان المثقفون والضباط العراقيون الذين تعلموا في إسطنبول والمنتمون إلى مدن بغداد والموصل والبصرة قد وجدوا أن هناك هوية تجمعهم يحددها العيش في بلاد وادي الرافدين بعد أن بدأ التيار القومي التركي يتصاعد مع بروز حركة «تركيا الفتاة» في منتصف القرن التاسع عشر، ثم جاء الانقلاب العسكري الذي جرى ضد السلطان عبد الحميد سنة 1908 على يد لجنة الاتحاد والتقدم.
منذ لحظة تشكل الدولة العراقية حُدِّد الموقف من المعاهدة التي فرضتها بريطانيا على الحكم العراقي الملكي كمقياس وحيد لتقييم سياسيي ذلك العصر، فمقابل تصديقها من قبل البرلمان العراقي وعدت بريطانيا بعدم السماح للدولة التركية بأخذ الموصل. وإذا أمعنا اليوم بهذه الاتفاقية التي وقفت النخبة السياسية المعارضة ضدها والتي بفضل موقفها نُعتت بـ«الوطنية» سنكتشف أنها تضمن مصالح الطرفين (خصوصاً أن العراق ككيان سياسي واحد ما زال في طوره الجنيني الأول) فمن غير الممكن تصور أن يأتي البريطانيون ويقيموا دولة على خرائب ظلت تتراكم لسبعة قرون ونصف مقابل لا شيء. وفق الصيغة الأولى للمعاهدة كان الإشراف على شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والمالية والأمن الداخلي بيد بريطانيا من خلال مستشاريها داخل الوزارات المعنية. وهذا سيتم حتى يصبح العراق دولة عضواً في عصبة الأمم. بالمقابل نُعت أولئك الذين كانوا حريصين على إبقاء الموصل جزءاً من العراق، وحريصين على بناء المجتمع المدني خطوة خطوة بـ«العملاء»، وهذه التسمية لن تنتهي حتى بانقلاب 14 يوليو (تموز) 1958 الذي فتح الطريق لـ«الوطنيين» العسكريين لتسلم السلطة. ثم البدء بطرد المدنيين من لعب أي دور سياسي فيها، مروراً بالدخول في صراع دموي بينهم، لينتهي بتصفية معظمهم على يد بعضهم البعض، وليفتح الطريق في نهاية المطاف لحزب عروبي صغير كي يصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري جرى في فبراير (شباط) 1963، وخلال فترة الحكم القصيرة الذي استمر تسعة أشهر كانت تصفية حزب وطني آخر ذي نزعة أممية، وأعني الحزب الشيوعي، هي الهم الأساسي للسلطة الجديدة التي تناست كل تلك الشعارات الديماغوجية التي بنت شعبيتها والمتمثلة بتحقيق الوحدة مع مصر وسوريا. لكن هذا الانقلاب العسكري لم يكن سوى تمرين قصير لانقلاب أكثر خطورة سيدخل العراق بعده في عدة حروب كارثية، داخلية وخارجية، وهذا هو انقلاب 17 تموز سنة 1968 الذي فتح الطريق لوصول الاستبداد الدموي إلى أقصى تمثلاته والذي جسده صدام حسين.
لم يأتِ وصول الأخير إلى الحكم عبر قفزة مفاجئة بل عبر انحراف تدريجي عن الهدف الأولي: بناء الشروط الأولية للمجتمع المدني العراقي التي انغمرت الدولة العراقية في تحقيقها بهذا الشكل أو ذاك خلال الفترة الأولى من حياتها والتي تقع بين عامي 1921 و1958. لكن المعارضة التي لاقتها على يد الفئات «الوطنية» منذ البدء ظلت تتصاعد وتتلون. ولم يتعلم أولئك القادة المعارضون أي شيء من تاريخ وجغرافيا منطقة العراق، فحقيقة وقوعه بين أكبر دولتين تحدانه شرقاً وشمالاً، حددت سمات تاريخه خلال القرون الستة الأخيرة. وإذا ذهبنا خطوة أبعد فإن العراق ظل منذ زمن السومريين تحت رحمة هاتين القوتين؛ فارس وأواسط آسيا. فلكي يضمن آشور بانيبال حدود إمبراطوريته كان عليه أن يحتل نصف العالم المتمدن.
لكن أولئك الذين ظل أبطال المعارضة «الوطنية» يعتبرونهم «عملاء لبريطانيا» و«رجعيين» كانوا هم وراء تحقيق استقلال العراق سنة 1932 ودخوله إلى عصبة الأمم كأول بلد عربي مستقل، وقبل ذلك تمكنت النخبة الحاكمة من التخلص من الانتداب البريطاني وتقليص «المعاهدة» إلى حدود وجود قاعدتين جويتين بريطانيتين ووجود معاهدة دفاعية بينهما.
لقد جاء انقلاب 14 يوليو 1958 الذي قامت به حركة الضباط الأحرار تقليداً لثورة 23 يوليو 1952 في مصر، لكن ما ميزه عن الأخير أنه فتح صندوق بندورا على مصراعيه لتخرج منه كل الشرور؛ إذ فتح الباب للضباط العراقيين كي يخوضوا مغامرة الانقلابات عاماً تلو آخر. لم يستغرب العراقيون من وقوع انقلاب 17 يوليو 1968 الذي فتح باب السلطة لصدام حسين، فالاقتتال بين الضباط الأحرار أدى إلى مقتل أبرز قيادييهم واحداً إثر الآخر وعلى أيدي بعضهم البعض، ولم يبق آنذاك سوى ضابط واحد مولع بسباق الخيول كآخر حاجز أمام الضباط البعثيين للوصول إلى السلطة، وهذا هو الزعيم سعيد صليبي آمر الحرس الجمهوري، لكن اضطراره للسفر إلى بريطانيا لإجراء عملية جراحية كان كافياً للمتآمرين أن يضربوا ضربتهم الأخيرة. وكان ذلك آخر انقلاب عسكري ناجح يقع في العراق، فصدام حسين أدخل مبدأ «العصابة» السرية المستندة إلى الاغتيالات كوسيلة للحكم. فهو كان يشرف على منظمة «حنين» للاغتيالات، وهذه جعلت قوة الضباط العسكريين ضئيلة قياساً بهذه المنظمة الجريئة المخفية عن الأنظار. ووفق مبادئ الاغتيال التي كانت تتبعها تلك المنظمة قبل وصوله إلى السلطة استطاع أن يصوغ طريقة حكمه عن طريق تصفية كل رفاق الطريق واحداً بعد الآخر ثم الولوج في مشروع انتحاري يحتاج العراق إلى عشرات الأعوام كي يخرج من آثاره المهولة.
ما يحتاج إليه العراق اليوم لصياغة إطار كهذا هو الاستفادة من التاريخ؛ إذ حاولت الأنظمة ضمن كل حقبة حذف ما سبقها. فبعد تشكيل الدولة العراقية الأولى سنة 1921 حاول ساطع الحصري مدير التعليم والمسؤول عن وضع المناهج مسح كل ما هو إيجابي في الفترة العثمانية، محولاً إياها إلى عصر مظلم، ناسياً آثار التيار الإصلاحي العثماني وما عكسه بشكل مباشر من خلال ولاية مدحت باشا للعراق التي بفضلها وُضعت الأسس الأولى لنهوض الكيان العراقي. كذلك هي الحال بعد انقلاب 14 يوليو حينما حُذفت فترة تشكل هذا الجسم الجنيني للدولة العراقية وفق إطار ليبرالي تحت إطلاق اسم إرهابي حقاً عليها: «العهد البائد»، وهكذا أصبحت «محكمة الشعب» منبراً تساق إليه الوجوه البارزة من ذلك العصر كي تكون أضحوكة للمتفرجين من دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار ما حققته في بناء البيت العراقي وما كانت تحمله من خبرات ومعرفة كان الأجدر بالأجيال اللاحقة أن تستفيد منها. وهكذا صدر، على سبيل المثال، حكم بالإعدام ضد إنسان رؤيوي وتربوي كبير مثل فاضل الجمالي بعد إدخاله في سيرك فاضل المهداوي وشركائه. كذلك هي الحال بعد انقلاب 8 فبراير 1963 الذي أزاح كل ما قدمه عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء الأسبق الذي اغتيل على يد الانقلابيين الجدد. واستمرت الحالة حتى وصلنا اليوم إلى ذاكرة ممسوحة للأجيال الشابة العراقية لا تقف فوق أي تجربة تاريخية مهضومة تستطيع أن تحدد وفقها مسار المستقبل. العراقيون قبل غيرهم بحاجة إلى معرفة تاريخهم والبدء بتقييم أبطاله لغرض التعلم والاستنارة قبل أن يكون هدفاً للإساءة وتسجيل النقاط… نحن بحاجة إلى التحاور مع عالم الموتى، من أجل الوصول إلى إجماع يعيد من جديد مبدأ «العراق أولاً». ولنترك بعد ذلك الآخرين يقولون ما يشاءون.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top