انت هنا في
الرئيسية > مقالات > مقالان عن العراق في الصحف العربية يوم السبت

مقالان عن العراق في الصحف العربية يوم السبت

1 «الأمن المائي» قبل أي شيء د. محمد عاكف جمال البيان الاماراتية

أزمة المياه تطلّ بقوة في أكثر من بلد في منطقة الشرق الأوسط، وتتصاعد بسببها التوترات، وتتزايد المخاوف من نشوب صراعات وحروب في المستقبل، فالمياه الصالحة للاستهلاك البشري والحيواني وللصناعة والزراعة في تقلّص مستمر مع تزايد الحاجات لها في جميع دول العالم.
في العراق قضايا مهمة عدة تواجه الحكومة الجديدة، إلا أن أبرزها حصراً هو ما يتعلق بمستقبل الحياة فيه وفي مقدمتها «الأمن المائي» الذي أصبح مهدداً بشكل خطير بعد أن فجرته وجلبته إلى العلن أزمة محافظة البصرة.
المياه شريان الحياة لجميع المجتمعات وأحد أبرز الركائز لاقتصاداتها، المياه في العراق في تراجع مستمر كماً ونوعاً، فليست كمية ما يصل منها هي المشكلة الوحيدة التي تواجهه، بل نوعيتها ومدى ملائمتها للاستخدام في الأوجه التي أشرنا إليها.
جذور هذه الأزمة تحسسها العراق منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وما كان لها أن تتفاقم وتصل إلى المستوى الذي وصلت إليه لو عولجت بمسؤولية كجزء من سياسات استراتيجية مستقبلية لمواجهة الخطط التركية والسورية ببناء السدود على نهري دجلة والفرات، وخطط إيران بإنشاء السدود على نهر الكارون الذي يصب في شط العرب، وأخرى على نهر الكرخة الذي يصب في هور الحويزة في محافظة ميسان ثم تغيير مسارهما داخل الأراضي الإيرانية، علماً بأن ما كان يصل العراق من هذين النهرين في مناسبات عديدة هي المياه الثقيلة الناتجة عن عملية البزل وإزالة أملاح التربة.
معظم الأنهار في العالم عابرة للحدود بين الدول، فهي تجري قبل تأسيسها ووضع الحدود بينها، وحول مجاري هذه الأنهار نشأت منظومات بيئية متكاملة بشرية وحيوانية ونباتية تعايشت معها في حالة هدوئها وحالة غضبها، إدامة هذه المنظومات البيئية هي الفيصل في أية مفاوضات بين الدول المتشاطئة، فالمياه ملك لهذه المنظومات وليست ملكاً لدول المنابع فقط، فالغيوم التي جلبت المياه ليست بالضرورة قد تشكلت في دول المنابع.
على مدى الخمس عشرة سنة التي انقضت منذ التغيير في 2003 لم تبذل جهود تذكر ناحية تحقيق الأمن الغذائي والأمن المائي، ولم تلق ما تستحق من اهتمام وسط الصراعات والتجاذبات السياسية التي استنزفت الموارد المالية التي دخلت خزينة البلد.
هناك صعوبات تكتنف إدارة الموارد المائية، لأن مصدر هذه المياه هي دول الجوار التي تتحكم بمقدار ما يُسمح بمروره إلى العراق، إذ ليس هناك اتفاقيات معها حول ذلك. فأزمة المياه في العراق لا تخلو من أبعاد سياسية تتحمل وزارة الخارجية قدراً من المسؤولية إزاءها، فالتبادل التجاري الواسع مع تركيا وإيران لصالحهما لا ينبغي أن يتم دون أن يكون للملف المائي حضور قوي فيه، فضعف التنسيق مع دول الجوار رغم العلاقات الحسنة معهما أحد نقاط الضعف في السياسة الخارجية العراقية.
ثمة صعوبات أخرى على المستوى المحلي، فقد تكرست في ثقافة الفرد العراقي بعض المسلمات الخاطئة، وهي أن العراق بلد الثروات المائية، حيث يجري النهران العظيمان دجلة والفرات وفروعهما وتمتلئ البحيرات والأهوار بالمياه العذبة. تبعاً لذلك لم يكن الترشيد في استهلاك المياه سلوكاً يُمارس، بل كان الهدر هو الديدن على جميع المستويات الرسمية والشعبية. أما الحقيقة فهي غير ذلك، فالعراق مصنف دولياً ضمن المناطق الجافة التي تشكو من شحة الأمطار، وأن ثلثي مساحته تغطيها الصحارى التي تزحف لتلتهم الثلث المتبقي. فالهجرة من الأرياف إلى المدن في ازدياد بسبب الجفاف وتوقف جريان المياه في الأنهار الفرعية وفرض القيود على زراعة بعض المحاصيل الزراعية التي تستهلك المياه أكثر من غيرها وهو ما ستنعكس نتائجه على أسعار هذه المحاصيل. كما أن أزمة شحة المياه خاصة في محافظات الوسط والجنوب قد خلق مشاكل داخلية بينها بسبب التجاوزات على الحصص المائية.
تحلية المياه على نطاق واسع ليس الخيار الأفضل لكلفتها المالية الباهظة بالنسبة لموقع العراق جغرافياً في أعالي الخليج العربي، حيث تصل نسبة الملوحة إلى ستة وخمسين ألف جزء في المليون، في حين تبلغ هذه النسبة في البحار خمسة وثلاثين ألف جزء في المليون. من ناحية أخرى هناك تكلفة مالية أخرى تترتب على ضخ المياه المحلاة إلى مدن وسط العراق التي ترتفع مكانياً عن مواقع محطات التحلية على شط العرب أو مدخل الخليج العربي بعشرات الأمتار.
2 «جارية» عراقية تنال جائزة نوبل سليم نصار
الحياة السعودية

صدر الشهر الماضي في الولايات المتحدة كتاب مميز يحمل العنوان الآتي: «عدّاء الطائرة الورقية.» وقد ألفه الكاتب الكردي خالد حسيني الذي يروي فيه مأساة والد غرق به المركب الذي ينقله من تركيا مع أفراد عائلته. وبعد بحث طويل وجد جثة ابنه الصغير (3 سنوات) مطمورة على الشاطئ وقد غطتها الرمال الحارقة.
ولما انتشل الوالد المفجوع جثة ابنه «ألن كردي»، من الرمال التقط لهما أحد الناجين صوة فريدة تصدرت كل صحف العالم، وقد كتب تحتها: السوريون يهربون من موت البر إلى موت البحر. ويروي المؤلف خالد انفعالاته المؤثرة وهو يتصور أن الطفل الغريق هو ابنه، وأن «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) دفعه إلى الهرب من سورية عام 2015.على الطرف الآخر من مملكة «داعش» – أي العراق – أصدرت نادية مراد كتابين روت فيهما مأساة حياتها، تحت عنوانين: «عذراء سنجار»… و«الفتاة الأخيرة». وبما أن نادية كانت تمثل النموذج الحيّ لمعاناة فتاة عذراء تناوب على اغتصابها العشرات من مقاتلي «التنظيم»، فقد اختارت أن تدوّن قصة عذابها في كتابين مميزين، وقد روت فيهما وعورة دربها، وكيف تعرضت مع رفيقاتها للأسر والاغتصاب والبيع في سوق النخاسة، تماماً مثلما كانت تُباع الجواري في سوق الرقيق.
السبب الذي دفع المسلحين إلى تعذيب الأسيرة نادية ورفيقاتها لم يكن مرتبطاً بموقف سياسي أو عقائدي قدر ارتباطه بديانتها الإيزيدية. والملفت أن حكاية تكوين هذه الطائفة أو هذا المذهب، قد تعرضت لاجتهادات مختلفة كان أبرزها القول أنها انحراف عن الدين الإسلامي أو انشقاق عنه. من هنا، كتب المؤرخون أن تصرفات الإسلاميين نحو هذه الطائفة اضطرتها إلى التقوقع في سنجار والشيخان بغرض ممارسة طقوسها الغريبة في معبد «لالش» الذي يقع في أحد أودية الشيخان!
وبسبب غرابة مذهبهم، تعرض الإيزيديون لمجازر متواصلة بدأت في زمن السلطنة العثمانية، واستؤنفت في عهد أبو بكر البغدادي. وكانت التهمة التي تلاحقهم دائماً مرتبطة بمعابدهم المخفية، وبالإشاعات التي تقول إنهم يعبدون الشيطان أو إبليس!
وعزز هذه الفكرة في مطلع السبعينات كتاب طريف «اكزوست» نشره شاب فلسطيني من عائلة بلاطة، كان موظفاً في السفارة الاميركية ببيروت. وخلاصة تلك القصة التي تحولت إلى فيلم، أن الشيطان في الشمال الغربي من العراق دخل في روح صبية كانت تصرخ في شكل جنوني، وتتقيأ شيئاً أخضر اللون. وشكت عائلتها لأحد الرهبان الذي استخدم التعاويذ للتخلص من شيطان الذي يسكنها، وقد نجح. والقصة في رمزيتها تشير إلى تغلب روح المسيحي المؤمن بالله على الشيطان الذي يقطن بروحه في سنجار وجرود الشيخان.
واعتبرت المجلات التي تُعنى بصناعة السينما أن فيلم «المسكون» نال جوائز عدة بسبب الرعب الذي يبثه في جمهور المشاهدين، أو بسبب تأثير الاضطراب النفسي الذي يتعرض له البعض الآخر.
في الخامس من هذا الشهر، أعلنت بيريت اندرسن، الناطقة باسم لجنة نوبل للسلام، أن الجائزة لعام 2018 كانت من نصيب الشابة نادية مراد (23 سنة) والدكتور الكونغولي دينيس ماكفيجا، وذلك تقديراً لجهودهما في مكافحة العنف الجنسي.
ومع أن العراق يبعد آلاف الأميال من الكونغو، إلا أن تكامل المهمتين الإنسانيتين جعل الأكاديمية السويدية تمنح الجائزة مناصفة بينهما. علماً أن الاثنين فازا معاً بجائزة «ساخاروف» التي يقدمها البرلمان الأوروبي تقديراً للمدافعين عن حقوق الإنسان.
ويُستدَل من مراجعة طريق الجلجلة التي اجتازتها نادية بصبر أنها تملك رغبة صادقة في الدفاع عن المظلومات، ولا فرق إذا انتمين إلى الطائفة الإيزيدية أم إلى أي طائفة أخرى. وأثبتت بقدرتها على تحمل الآلام، والترفّع عن الأحقاد والضغائن، أنها نموذج لكل النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي.

في ضوء هذه الصفات الفريدة التي تتمتع بها نادية مراد، خرجت لجنة جائزة نوبل عن قواعدها الملزمة لكي تختار شخصية العام 2018 فتاة مغمورة من طائفة مهمّشة في العراق. سئلت نادية بعد صدور كتابيها عمّا إذا كانت قد أغفلت عن عمد بعض الحقائق المؤلمة، فأجابت تقول: «لم يكن من السهل عليّ أن أروي ما حصل لي على أيدي مسلحي «داعش.» تماماً كما ليس سهلاً على نساء الشرق الأوسط الاعتراف بأنهن كن جواري جنس».

من المؤكد أن معاناة نادية كانت أكبر بكثير من الجرح النازف الذي تركه أثر الاغتصاب على جسدها. ذلك أن إرهابيي «تنظيم الدولة الإسلامية» اقتحموا المنزل وقتلوا أمام عينيها ستة من أشقائها. وبما أنها لم تذكر في كتابها الطريقة التي تحررت فيها من الأسر، فقد برز فجأة على هامش هذه المأساة شاب عراقي يدعى عمر عبدالجبار، ليقول أنه هو الذي أنقذها ووفر لها الحماية. وتحدث إلى وسائل الإعلام ليؤكد أن نادية تسللت إلى منزله، وطالبته بإيوائها وعدم إبلاغ «داعش» عن مكان وجودها. ونظراً إلى وجود منزله في موقع يعجّ بالمسلحين، نقلها إلى منزل شقيقته، حيث حظيت بمعاملة حسنة، قبل تهريبها إلى محافظة كركوك. وفي حديث مع (بي بي سي)، وصفت نادية صورة سريعة للظلم الذي لقيته على أيدي مسلحي «داعش». قالت: «إن المرأة تحت حكمهم تتعرض للسبي، وسرعان ما تتحول إلى غنيمة حرب. وفي حال حاولت الفرار فإن القصاص ينتهي بها إلى السجن الانفرادي. وبعد ذلك يغتصبها الرجال الموجودون في المبنى، وأنا كنت عرضة للإغتصاب الجماعي». وأضافت: «لقد نقلوني إلى مناطق مختلفة، وباعني مسلحو التنظيم لأشخاص كثر، لكنني في النهاية تمكنت من الهرب».
وفي كتابها «عذراء سنجار»، تروي نادية فصولاً عن المعاناة النفسية التي عاشتها مع وحوش بشرية يندر أن التاريخ يأتي بأمثالهم. كل هذا لأن أبو بكر البغدادي أباح لأنصاره كل ما لا يُستباح بهدف تخويف الأعداء من سطوته وظلمه. والدليل على ذلك أنه حوّل بإرشاداته الصلفة خريج الجامعات البريطانية محمد أموزاي، المعروف بالسفاح جون، إلى شخص بربري، يجزّ أعناق الأبرياء أمام شاشة التلفزيون، ويلعب برؤوسهم مثلما كان يلعب «الفوتبول» في ملعب «نورث كنزينغتون» بلندن. وبسبب هذه الأساليب الوحشية التي أنست العالم مجازر «الخمير الحمر»، تضافرت الجهود للقضاء على هذه الظاهرة الإرهابية! ويرى المحللون أن التراجع الذي شهده «داعش» في السنة الثانية من حكمه مرده إلى انتهاج تنظيم عابر للحدود، بحيث نقل إرهابه من الشرق الأوسط إلى أوروبا.
تعترف نادية مراد بالدور الإيجابي الذي لعبته لمصلحتها في الأمم المتحدة أمل علم الدين كلوني، خصوصاً أن أمل عُرفت بنشاطها العالمي في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. لذلك، شجعت نادية على عقد مؤتمر صحافي في قاعة الجمعية العامة، بينما هي ألقت خطاباً طالبت فيه الحكومة العراقية بضرورة محاكمة «الداعشيين» ممن اقترفوا جرائم بشعة ضد أقليات مسالمة.
ونقلت عنها وكالات الأنباء دعوتها إلى أهمية محاكمة المتطرفين، كونها وكيلة الدفاع عن النساء الإيزيديات اللواتي تمكن من الفرار من تحت سلطة «تنظيم الدولة الإسلامية».
وعلق سفير العراق على دعوة كلوني بأنها صعبة التحقيق باعتبار أن المحاكم في بغداد ترزح تحت أعباء خمسمئة دعوى في شأن جرائم ارتكبها تنظيم «داعش». وقال أن الدولة تستعد خلال المرحلة المقبلة لإجراء مصالحة عامة تشمل المكونات الدينية والإثنية، إضافة إلى الأقليات التي يتألف منها النسيج الوطني العراقي.

الصيف الماضي تزوجت نادية مراد بشاب ينتمي إلى عشيرتها يدعى عابد شمدين. وقد أقيمت حفلة الزواج المتواضعة في حضور شقيقتها التي سبقتها إلى بلدة «توتغاد» الألمانية. وقد بكت كثيراً في تلك المناسبة، لأن والديها وأشقاءها الستة ماتوا على أيدي «جماعة داعش». وربما وجدت العزاء في زوج يتكلم لغتها ويؤمن بمعتقدها ويفهم كل كلمة كتبتها في سيرتها الذاتية.
تشير التقديرات إلى أن عدد الإيزيديين في العالم لا يزيد على نصف مليون نسمة، تقيم غالبيتهم شمال شرقي الموصل في العراق وشمال سورية. وهم يعتبرون أنفسهم طائفة موجودة منذ الأزل من نسل آدم.
والإيزيدية ليست ديانة تبشيرية، لذلك لا يقبل شيوخها أن ينضم إليها جدد لأن التقاليد تقضي بأن يكون مولوداً من أبوين إيزيديين.
ولدى هذه الطائفة أماكنها المقدسة مثل مزار شرف الدين في جبل سنجار، ومعبد «لالش» في شمال غربب الموصل. وهو المعبد الذي يحجون إليه. وهم يتكلمون اللغة الكردية باللهجة الكرمانجية. ويمارسون تنظيماً دينياً وإدارياً وراثياً، ويملكون كتاباً مقدساً يسمى «الكتاب الأسود».
ويرى المؤرخون أن هذه الديانة أصيلة في الشرق الأوسط، لكن المعلومات عنها نادرة بسبب مخاوفهم من حملات الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها على مر العصور. وكان آخرها على أيدي جماعة «داعش» التي ما زالت تحتجز الكثير من نسائهم وأطفالهم على شكل عبيد وجوار. ولقد عاشت نادية مراد قسطاً من حياتها تحت وطأة هذا الكابوس المزعج. لكنها نجت بمساعدة أحد الأصدقاء على التحرر منه، والانتقال إلى ألمانيا لتولد من جديد. الأمم المتحدة عينت نادية سفيرة النوايا الحسنة لمكافحة المخدرات والجريمة والدفاع عن حقوق المرأة. وقد فرحت كثيراً عندما استضافتها هذا الأسبوع في الشارقة مؤسسة «القلب الكبير» التي يرعاها الشيخ سلطان بن محمد القاسمي.
كما فرحت بعبارة التقدير التي انطلقت في العراق ضمن حملة على الشبكات الاجتماعية، وعنوانها: «شَكُو بيها» – أي ماذا فيها. وهي عبارة يطالب مطلقوها بوضع صورتي المهندسة المعمارية العالمية زها حديد… والناشطة الاجتماعية نادية مراد على أوراق النقد الرسمي. وهذا يعني، في نظر المستشارة الألمانية أنغيلا مركل أن المحارة التي تعرضت قشرتها لجرح عميق أحدثته رمال الأمواج العاتية في حرب العراق، قد ولدت لؤلؤة نادرة اسمها نادية مراد…

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top