مقالان عن العراق بالصحف العربية يوم السبت

أزمة سحر و«خلافة» بعد معركة الموصل وسام سعادة

القدس العربي

لم تنقطع التقارير على امتداد السنوات الثلاث الماضية عن مصرع زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي، إمّا على يد الأمريكيين أو الإيرانيين أو الروس. فبعد قليل من استيلاء مقاتلي التنظيم على مدينة الموصل، ومساحة شاسعة من أرض العراق، أواخر حزيران 2014، وتنصيب مجلس شورى التنظيم للبغدادي (ابراهيم عواد علي البدري السامرائي) إماماً وخليفة للمسلمين، وخروجه على الناس بالصوت والصورة، من محراب الجامع النوري الكبير في الموصل، تناوبت كبرى وسائل الإعلام الغربي على بث خبر إصابته البالغة مرّة، وشلله مرّة، ومصرعه مرّات. لم يظهر البغدادي في خطبة مصوّرة بعد ذلك، واستعيض عنها بالخطب المعدودة المسجّلة بصوته، وعدد منها جاء مباشرة بعد ذيوع تقرير عن إصابته أو موته.
كان يسهل للتنظيم في السنوات الماضية تفنيد تقارير مقتل زعيمه، وهي غيض من فيض من المعلومات «غير الدقيقة» عن أبي بكر البغدادي، ليس أقله أنه، وبخلاف ما راج، لم يسبق له أن اعتقل في غوانتنامو بكوبا، وانما اعتقل في الفلوجة في شباط 2004 لبضعة أشهر، كـ»محتجز مدني» دون أن يوجه له الأمريكيون آنذاك أي تهمة بالضلوع بعمليات إرهابية، والظاهر أنّ صلاته بالجهاديين كانت لا تزال محدودة آنذاك، وأنّ صلاته هذه تعمّقت في «سجن بوكا» بأم قصر.
لم يبث حتى الآن تسجيل من البغدادي في أعقاب أخذ الروس في الآونة الأخيرة مبادرة الحديث عن مقتل «الخليفة ابراهيم»، في أواخر معركة الموصل. ومع أنّ تنظيم الدولة جعل من مدينة الرقّة وليس الموصل عاصمة لدولته، وهو ما يزال يحتفظ بها رغم تقدّم القوات الكردية بإتجاهها، فإنّ خسارة التنظيم لمعظم أنحاء مدينة الموصل حتى الآن، وتراشق الاتهامات بينه وبين الأمريكيين و»الحشد» حول الطرف المتسبب بنسف المنارة الحدباء للجامع النوري، تفرض وضعية ضاغطة جدّاً، ليس فقط على تنظيم الدولة كمساحة سيطرة، بل على تنظيم الدولة كأسطورة إحيائية لمفهوم الخلافة، وعلى الصورة التي جسّدها أبو بكر البغدادي في مخيّلة الجهاديين، وأدّت على ما يبدو، دوراً ناجحاً وكونياً في السنوات الماضيّة، يقارن بالمكانة التي نالتها صورة أسامة بن لادن، مع فارق كثرة المحطات المصوّرة في حالة بن لادن، والخطبة المصوّرة اليتيمة في حالة البغدادي، ومع فارق أنّ «الخليفة» في الحالة الأفغانية كان الملا عمر وليس بن لادن. لم ينجح أيمن الظواهري ولا أبو مصعب الزرقاوي، ولا أيّ من قادة «العمل الجهادي» في تكرار صورة بن لادن. وحده البغدادي استطاع ذلك، وبمعيّة احياء مفهوم «الخلافة»، وبناء الدولة المهاجرة وليس فقط الشبكة الأممية الجهادية ذات الفروع، بناء الدولة التي نادى باسمها البغدادي مجموع المسلمين في خطبة مسجّلة (سبقت خطبته المصورّة) قبل ثلاث سنوات بأنّ «هلموا إلى دولتكم أيها المسلمون»، و»ان كل من استطاع الهجرة إلى الدولة الإسلامية فليهاجر، فإن الهجرة إلى دار الإسلام هي واجبة «. فليست دولته هي الدولة التي تسيطر على مجموع ديار المسلمين، لكنها بإعتباره، الدولة الوحيدة التي يمكن أن يتآخى فيها «الأعجمي والعربي والأبيض والأسود والشرقي والغربي»، وخصّ بدعوته النخب: «طلبة العلم والعلماء والفقهاء وعلى رأسهم القضاة وأصحاب الكفاءات العسكرية والإداري والخدمية والاطباء والمهندسين في كافة التخصصات والمجالات».
حتى خسارة الموصل، كان بإمكان تنظيم الدولة أن يكتفي ببث «أثر الخلافة» هذا، بخطبة البغدادي اليتيمة من حيث نقلها بالصوت والصورة، والتي عمد فيها لإظهار براعته في التلاوة (وعلم التلاوة مضمار تخصصه الأكاديمي في الأساس)، ومجموعة من الكلمات المسجّلة المتفرّقة قبلها وبعدها. خسارة الموصل تفرض تحدياً أكثر صعوبة، في ما يتعلّق بإستمرار بثّه لـ»أثر الخلافة» هذا، والإستجابة لهكذا تحدّ تختلف بالطبع إذا كان البغدادي حيّاً أو كان ميتاً. في الحالة الثانية، لا يمكن أن يستمر التنظيم طويلاً دون تنصيب بديل.
فقوّة وضعف الإحياء «الداعشي» لمفهوم الخلافة تكمن هنا. من ناحية، هي خلافة ارتبطت بمشهدية مركّبة، محدّدة، ويتيمة إلى حد كبير (أبو بكر البغدادي في الجامع النوري الكبير بالموصل)، ومن ناحية ثانية هي خلافة مبسّطة شروط إقامتها بأسهل ما يكون، في مناقضة واضحة لقرن كامل من «الحيرة الإسلاموية» حول كيفية استجماع الشرائط الموضوعية والذاتية لإحياء الخلافة، والحاجة لإعداد تدرّجي تراكمي لذلك. فبعد فشل العمل على الإحياء السريع للخلافة مباشرة بعد الغاء الخلافة العثمانية في تركيا، طغت نظرة تقول بوجوب إعداد العدّة لذلك في مرحلة انتقالية كاملة، ووجوب أن يكون الخليفة المنتظر أقرب إلى نموذج الراشدين من نماذج الملك العضوض، وأن ينبثق عن إجماع إسلاميّ كونيّ، وأن تكون دار الخلافة محرّرة من كلّ نفوذ لدار الكفر عليها. جسّد الشيخ محمد رشيد رضا أكثر من سواه هذه النقلة من مسعى الإحياء السريع للإمامة العظمى، إلى مسعى التأمين التدريجي لمستلزماتها في مرحلة تاريخية انتقالية كاملة. بقي الإخوان المسلمون، بدءاً من الإمام حسن البنا، إجمالاً، في هذا الإطار. وحتى «حزب التحرير»، مع إكثاره الحديث عن الخلافة ووجوبها وراهنيتها، إلا أنّه لم يبادل لإشهارها. وحين أشهرت، في تجربة أمير حركة «طالبان» الملا عمر في أفغانستان، أو في تجربة أمير «دولة العراق الإسلامية» أبو عمر البغدادي (حامد داود الزاوي، الذي خلف أبا مصعب الزرقاوي عقب مقتله عام 2006 ثم خلفه بعد مقتله هو أبو بكر البغدادي عام 2010)، لم تكن «إمارة المؤمنين» لتعني خلافة كونية شاملة، وكي يكون بالمقدور أن تعني ذلك كان على أبو بكر البغدادي أن يقود التنظيم الذي ورثه عن أبي عمر إلى القطيعة مع تنظيم القاعدة، وإلى جعل احياء الخلافة كخلافة تعني كل الكوكب مركزياً في رؤية التنظيم، مع تبسيط شروط تنصيب الخليفة في نفس الوقت، تذرّعاً بالسياسة الشرعية، فلا يعود الأمر يتطّلب مرحلة انتقالية تاريخية كاملة لا تنتهي، وإجماعاً كوكبياً تعجيزياً، بل تكتسب شرعيتها بالمبادرة إليها، وفرض نموذجها على رقعة من الأرض.
تنحسر هذه الرقعة اليوم، بعد ثلاث سنوات كابوسية دموية، لكن مسلّحي التنظيم احتفظوا بالنتيجة على قدرتهم في تفادي الوقوع في محاصرات مهلكة لهم، كتلك التي وقع فيها رجال بن لادن في «تورا بورا»، أو التي وقع فيها أكثر من فصيل في سوريا. وحده الموقف «الرغبوي» هو الذي يمكنه أن يخلص من الآن عن «نهاية داعش»، من حيث هي نظام سيطرة على أقسام من العراق وسوريا، قبل أن يكون شبكة خلايا إرهابية عبر العالم.
عوامل وأسباب عديدة قدّمت لتفسير سرعة وسعة سيطرة تنظيم الدولة على مساحة وافرة من أراضي سوريا والعراق عام 2014، وتمكنها بعد ذلك من السيطرة على تدمر رغم خسارة تكريت، وحركة كرّها وفرّها المتواصلة في الأنبار. ما يجري تناسيه في الغالب أن التنظيم، بمسمى «دولة العراق الإسلامية» كان يسيطر على معظم الموصل حتى العام 2008، حين نجح نور المالكي في اخراجه منها، بمجموعة من التوافقات مع العشائر العربية السنية، وفي وقت بدا فيه «متوازناً» من خلال «تقليمه أظافر» جيش المهدي أيضاً في بغداد والبصرة. وأن التنظيم لم يستطع العودة إلى الموصل بعد ذلك بسنوات إلا مع الانزياح الشديد للحكم في بغداد في الاتجاه الإيراني اقليمياً، والمذهبيّ الغليظ داخلياً.
المفارقة أنّه لأجل اخراج التنظيم، الذي صار أكثر دموية وخبرة، ويمتلك تصوراً ايديولوجياً مستقلاً عن تنظيم القاعدة، ولا يمكن اختزاله إلى أي تصور ايديولوجي سابق عليه، من الموصل مجدداً، اقتضى ذلك زيادة السمة الفئوية المذهبية للحكم في بغداد، ولم يكن البديل عن تحطّم الجيش النظامي ذي الطبيعة المذهبية والفوضوية عام 2014 تشكيل جيش «أكثر نظامية ووطنية»، بل منح المرجعية في النجف عباءتها لتشكيل «الحشد الشعبي»: تسلّح الأهالي لمحاربة تنظيم دموي ملتبس العلاقة مع «الأهالي» الآخرين، المحسوب عليهم أو المحسوبين عليه.
لم ينته «داعش» بعد، ولا يمكن التكهّن في شكل نهايته «النهائية». في حال مقتل البغدادي، يمكنه بسهولة ويسر اختيار «البغدادي الثالث». يصعب عليه، وعلى أي كان في عالم اليوم، انتاج وجه جهادي كوكبيّ ثالث، له ما لأسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي من أثر في مخيّلة «العمل الجهاديّ» في ربع القرن الأخير. يصعب في الوقت نفسه، «إقناع» الحركات الجهادية بأنّها «تخسر». هناك أزمة «سحر» ستتصاعد فيها بعد معركة الموصل، لكن هناك ما يكفي من موارد للإستمرار والشيوع. في المقابل، هناك «إنكسار» لـ«العرب السنّة» في الميزان المذهبي الاقليمي للصراع في المشرق العربيّ، وهو إنكسار بات يستدعي، أوّل ما يستدعي، مراجعة مقولة «العرب السنّة» بحدّ ذاتها، مراجعة هذه الجمعة بين معطى اثني ومعطى مذهبي، التي وبدلاً من أن تنتج نزعة قوة جذب مركزي، أنتجت موجات ونوبات من النزعات الطاردة.

العراق بعد معركة الموصل
د. خطار أبودياب
العرب
لن يتوقف مستقبل العراق على البعد الداخلي، أو على شكل الترتيبات الإيرانية الأميركية المستقبلية فحسب، بل على مجمل اللعبة الدولية وحروب الوكالات التي حولت مدنا كبرى في المشرق إلى أنقاض من حلب إلى الموصل.
تشهد أرض العراق منذ أربعة عقود سلسلة من الحروب والمآسي، وكأن ملحمة جلجامش عن الصراع بين الخير والشر تجد صداها في بلاد ما بين النهرين المتعرضة للاستباحة تحت أكثر من ذريعة وشعار وتبرير.

في آخر فصل من هذه الدراما الدموية والإنسانية، تعجلت القيادة العراقية إعلان النصر الكامل في معركة الموصل في 29 يونيو 2017، أي بعد ثلاثة أعوام بالتحديد على إعلان أبي بكر البغدادي، ما يسمى بدولة الخلافة الإسلامية من على منبر جامع النوري التاريخي الواقع في الجانب الأيمن من المدينة.

ومع اقتراب استكمال المعركة لا يمكن الرهان على انتهاء المشكلة الأمنية التي تعاني منها ثاني المدن العراقية، ولا يعني ذلك أن الدروس السابقة من الفشل المتكرر للعملية السياسية منذ 2003، ستشكل منطلقا للتصحيح كي يبدأ العراق رحلة استعادة دولته وعراقيته وما هو ممكن من وحدته الوطنية وسيادته.

لن يكون الانتصار في الموصل انتصارا حاسما على الإرهاب، خاصة مع استمرار التواجد الداعشي في جيوب مثل تلعفر وسنجار، واحتمال الانسحاب نحو مناطق مترامية الأطراف في الصحراء وذلك له محاذيره، لأن اختباء عناصر التنظيم في المناطق الصحراوية يمكن أن يتم وفق استراتيجية مفيدة لداعش على المدى البعيد، خاصة إذا استندنا إلى التجارب السابقة وتراجع الإرهاب بعد تصفية أبي مصعب الزرقاوي في 2006، حيث أنه منذ 2007، اتخذ تنظيم الدولة الإسلامية (فرع القاعدة حينها الذي تحول بعد ذلك إلى داعش) من الصحراء قاعدة يشن منها هجماته، ولا شيء يمنع أن يحدث ذلك مرة أخرى بعد تحرير الموصل.

يقودنا التذكير بتلك الحقبة إلى القول إن داعش لم يهبط من السماء مع سقوط الموصل، بل سبق ذلك ما جرى في الفلوجة والرمادي، وتسلسل أحداث وإخفاقات منذ 2006، لا يمكن لأي معالج جدي لتطور الظاهرة الجهادية، إلا أن يأخذه بعين الاعتبار لتفكيك الخطاب السائد وفهم تطور هذه الجماعات وكسبها بالطبع لبعثيين سابقين وربما ردفها بعناصر آتية من السجون بشكل مقصود أو غير مقصود، وكذلك استغلالها من قبل قوى خارجية.

لا يمكن إذن اختصار ما حصل قبل سقوط الموصل في 2014 في صراع بين الحكم العراقي والإرهاب، والأدق أن هذا الصراع متعدد الأشكال وله بعد داخلي وبعد ديني وله بعد إقليمي أراد البعض من ورائه تبرير تغول المحور الإيراني الممتد من حدود أفغانستان إلى شواطئ البحر المتوسط في لبنان، مرورا ببغداد وحمص، وذلك عبر التخويف من كوريدور أو ممر جهادي بين سوريا والعراق. وكأن الرد على مقص سايكس-بيكو يكون بسل الخناجر من كل صوب للمزيد من التفتيت والتجزئة وانهيار الدول المركزية لصالح مشاريع وهمية.

بعد 3 سنوات وبعد كل الدمار لا يمكن التعويل على الحل الأمني والعسكري لإنهاء هذه الظاهرة واقتلاعها من جذورها، إذ أن محافظة نينوى هي واحدة من أكبر محافظات العراق، وفيها تنوع قومي وديني ومذهبي وطائفي، وحتى الآن لا نلمـح وجود خطة محكمة من حكومة بغداد للتعامل مع الوضع المستجد الذي يستلزم المرور بمرحلة انتقالية تنتقل فيها الموصل وجوارها من الفوضى إلى المرحلة الدستورية عبر تنشيط المؤسسات من جديد مع دور أساسي للعرب السنة لملء الفراغ الذي سيتركه داعش في الموصل. أما الاكتفاء بالقبضة العسكرية بعد الخراب الذي سببه داعش، فيعني أن البعض يحول النصر ضد الإرهابيين إلى انتقام وإخضاع يمكن أن يؤديا إلى نكسات في هذا المكان أو غيره.

يتوجب كذلك على حكومة حيدر العبادي والطبقة السياسية السنية المتعاونة معها وقيادة إقليم كردستان التعاون في مواجهة القضايا الشائكة بروح جديدة مثل منع تكريس التغير الديمغرافي في الموصل والإسراع في استيعاب النازحين وتحقيق المصالحة الوطنية بحدها الأدنى ومكافحة الأفكار الإرهابية التي زرعها داعش، خصوصا عند الجيل الجديد وذلك في موازاة منع كل خطاب مذهبي مدمر للهوية العراقية.

ربما يوجد من يعترض ويقول إن الرهان على الوطنية العراقية أمر مثالي بعد كل الذي حصل وبعد تراكم التدمير والأحقاد. لكن لا بد من الملاحظة أنه في الحرب ضد داعش كان هناك مناخ عام من التعاون في العراق بين السنة والشيعة والأكراد، وأن الحرب على التنظيم جمعت الفصائل المتعارضة سويا. حصل ذلك من قبل خلال حرب العراق وإيران (1980-1988) حيث صمدت الوطنية العراقية ولم ينهشها الفيروس المذهبي إلا منذ 2003.

على المدى القصير، لن يتوقف مستقبل العراق على البعد الداخلي، أو على شكل الترتيبات الإيرانية الأميركية المستقبلية فحسب، بل على مجمل اللعبة الدولية وحروب الوكالات التي حولت مدنا كبرى في المشرق إلى أنقاض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.