من يحكم العراق؟ قراءة في مآلات الحكم والصراع الإقليمي مقالا للكاتب د. أيمن خالد الحديثي

مقالات

لا يحتاج سؤال “من يحكم العراق؟” إلى إجابة سريعة، بل يحتاج إلى شجاعة في مواجهة الحقائق، ومهارة في تحليل الخرائط. فالعراق، ذلك البلد الذي لطالما كان ميدانًا لصراع الإرادات، لم يخرج بعد من نفق الاحتلال وإن غادره الجنود، ولم ينتهِ دوره كمسرح للعبة الأمم، حتى بعد أن أُنجزت فيه خمس دورات انتخابية، وشُكّلت فيه حكومات ظاهرها ديمقراطي، وباطنها هشّ.

ما يجري اليوم لا يُقاس بالوقائع السياسية السطحية، بل بالهندسة العميقة للسلطة: دولة بلا سيادة حقيقية، مؤسسات بلا مركز قرار موحَّد، وجهاز إداري يعمل بمنطق “الجزر الحزبية”. وكل ما يُقال عن التداول السلمي للسلطة يبدو، في حقيقته، تبادلًا ناعمًا للأدوار بين مراكز قوى غير منسجمة، وأكثر ولاءً لمحاورها من الدولة نفسها.

اللافت أن القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لم تعد تُخفي نيتها في إعادة تصميم العراق سياسيًا من دون اجتياح أو إدارة مباشرة. إنها تعود بـ”تكتيك النعومة القسرية”: ضغط بالتمويل، هندسة بالقوانين، تحالفات تحت الطاولة، وسفارة تتحول من بعثة دبلوماسية إلى مركز تحكُّم سياسي واستخباري. آخر تجليات هذا النفوذ كان وثيقة لجنة الدفاع في الكونغرس، التي اشترطت تقليص الدعم للجيش العراقي ما لم تُنزع أسلحة الفصائل وتُضبط بوصلة القرار العسكري. هذه ليست توصيات، بل أدوات ترويض سياسي تُدار بلغة القانون الدولي.

الولايات المتحدة تُدرك أن العراق ليس فقط بلدًا مهمًا، بل هو “مفتاح الشرق الأوسط”، وأن كلّ خريطة إقليمية قابلة للتعديل لا بد أن تمر من نينوى والأنبار والبصرة. لكنها تدرك أيضًا أنها لا تستطيع الغرق فيه مجددًا، ولا تحتمل عودة جندي واحد في توابيت عسكرية. لذلك اختارت طريقًا آخر: بناء النظام من دون حكم، واستثمار الضعف لا ملء الفراغ.

ما لا يُقال كثيرًا هو أن واشنطن لم تعد تثق بالحلفاء الذين سلّمتهم السلطة بعد 2003. لقد ثبت أن الكثير منهم أقرب إلى أدوات لحماية الذات الحزبية لا لبناء الدولة، وأن بعضهم بات يتصرف بوهم “الندّية”، رافعًا سلاحه ضد المصالح الغربية حينما تتقاطع مع مصالح الراعي الإقليمي. من هنا، جاءت الرسائل الأميركية واضحة: “السلاح المنفلت” لم يعد مبررًا، بل عقبة، والمصالح لن تُترك في مهبّ الأجندات الخاصة.

وفي مقابل ذلك، لا تبدو القوى الشيعية قادرة على تقديم نموذج حكم يُقنع الداخل أو الخارج. كثير منها تحول من مشروع تحرر إلى ماكينة نفوذ، ومن خطاب المظلومية إلى منطق الهيمنة، ومن التحالف مع الشارع إلى التحالف مع السلاح. ولعل أبرز تجلٍ لذلك هو أزمة تشكيل الحكومة، حيث لا أحد يمتلك الأغلبية، ولا أحد يجرؤ على طرح مشروع حكم حقيقي، فيما الجميع ينتظر من “السفارة” أن ترفع إصبع الإبهام لمن تستحسنه.

لكن أزمة العراق لا تكمن فقط في ميزان الطوائف، بل في غياب منظومة تفكير استراتيجي. لا مشروع لبناء الاقتصاد الوطني، لا سياسة خارجية فعالة، لا قدرة على رسم دور إقليمي مستقل. حتى حين أراد العراق تصدير الغاز، تَعرّض حقل كورمور للقصف. الرسالة: لا طاقة خارج التفاهمات، لا تنمية خارج الوصاية، لا شراكة مع العالم دون المرور بـ”الختم الأميركي”.

إقليم كردستان لم يسلم هو الآخر من إعادة فرز الأوراق. فبعد سنوات من الشراكة الخاصة مع واشنطن، تراجعت الثقة. قُصف حقل الغاز، ثم طُلبت منظومة دفاع جوي، فجاء الجواب باردًا: “الأمر خارج الأولويات”. وفي مؤتمر صحفي، حين سُئل ترامب عن ذلك قال ببساطة: “سمعت بالأمر لكنه ليس على جدول أعمالي”. لم تعد أربيل محمية دولية، بل طرفًا يُعاد تقييمه ضمن حسابات أكبر، خاصة بعد محاولاتها التدخل في الملف السوري من بوابة قسد. لكن واشنطن، التي تصيغ ترتيبات ما بعد سوريا، لا تريد مقاطعات كردية تلعب خارج الدور.

في الجهة المقابلة، تظهر تركيا بوصفها الفاعل المرن، الحاسم عند الضرورة. فهي لم تدخل العراق كقوة احتلال، لكنها تملك حضورا اقتصاديا وأمنيا لا يمكن إنكاره. تقرأ الخارطة بدقة، توازن علاقاتها، وتحجز لها مقعدًا في كل ترتيبات المستقبل. ليست ذراعًا أميركية، لكنها ليست خصمًا، بل لاعبًا إقليميًا بتكتيك رجل الدولة لا القائد الثوري.

ولأن العراق اليوم يختبر نفسه من جديد، فإن ما يعيشه ليس أزمة حكومة أو انتخابات، بل أزمة تعريف للدولة ذاتها. مَن يُنتج القرار؟ مَن يملك السيادة؟ مَن يتحكم في المسار؟ هذه أسئلة لا تُجاب من خلال التحاصص أو البيانات الوزارية، بل من خلال تفكيك البنية السياسية العاجزة، وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة لا المكوّنات.

وفي ظل انسحاب بعثة يونامي نهاية 2025، يصبح العراق مكشوفًا أمام “لعبة الأمم” بلا مظلة رقابية. وهذا يعني أن الفرصة الأخيرة قد لا تعود. فإن لم يتم الحسم الآن، فسيتحوّل العراق رسميًا من دولة مأزومة إلى “أرض مشاع دولية”، تُدار عبر الضغط والقواعد والغاز والخرائط الطائفية المؤجلة.

ويبقى السؤال قائمًا:
هل يستطيع العراق أن يصوغ دوره من جديد، أم سيبقى يراوح مكانه بين مَن يُحكم باسمه، ومَن يحكمه فعلًا؟ وهل يكفي تبديل الحكومات ما دام النظام نفسه عاجزًا عن إنتاج معنى للسيادة؟