تُعتبر اللغة المدخل إلى معرفة ثقافة مجتمع ما وطريقة حياته وتطوّره، وحتى أنماط هجرته. كما تقدّم نظرة عميقة إلى عقول القدماء وتمكّن من تشكيل ماضي البشرية البعيد.
لكنّ بعض الاكتشافات أظهرت العكس تمامًا، حيث قدّمت بعض اللغات المُكتشفة حقيقة مُقلقة تتمثّل بأن ماضي البشرية يكتنفه لغز قد لا يمكننا حلّه أبدًا.
وفي هذا السياق، رصد موقع “ليست فيرس” (listverse.com) 10 لغات تاريخية لا تزال أصولها مجهولة حتى الآن. إليكم ما نعرفه عنها.
لغة “نورث بيسين” (North Picene)

لغة “نورث بيسين” يتحدث بها سكان بيسنتس، الذين عاشوا في شمال شرق إيطاليا خلال الألفية الأولى قبل الميلاد.
وتمت دراسة لغة “جنوب بيسين” (South Picene)، وحدّدها العلماء على أنها لغة مائلة مميزة تنحدر من لغة “أوسكان أمبريان” (Oscan-Umbrian)، وتختلف بشكل كبير عن لغة “جنوب بيسين”، ولم يتمكن اللغويون من تصنيفها بدقة.
وعُثر على نقوش تحمل لغة “شمال بيسين” على شاهد قبر بالقرب من بلدة نوفيلارا الصغيرة في إيطاليا.
وكُتبت اللغة بطريقة مُشابهة للأبجدية الأترورية (Etruscan alphabet)، لكنّها احتفظت ببعض الحروف الساكنة من الأحرف اليونانية.
وذُهل العلماء بالسمات النحوية للغة، لكنهم لم يتمكنوا من استخلاص استنتاجات جماعية من النتائج التي توصّلوا إليها.
الأبجدية الأترورية (Etruscan alphabet)

كانت اللغة الأترورية، وهي المنطوقة والمكتوبة في الحضارة الأترورية، موجودة في منطقة توسكانا الإيطالية قبل وجود الإمبراطورية الرومانية.
وكانت الثقافة الأترورية القوية والمتطوّرة أول حضارة كبرى في غرب البحر الأبيض المتوسط، وغالبًا ما يُنظر إلى سكانها على أنهم مجتمع غامض وغير معروف، لأن معظم ما نعرفه عنهم يأتي من كتابات للرومان القدماء.
وغالبًا ما تُعتبر اللغة الأترورية معزولة، لا علاقة لها بأي لغة أخرى، وهناك عدد قليل من اللغات التي تشترك في أي خصائص مع الأترورية في العالم.
لغة الباسك (Basque)

يتحدّث سكان الباسك في شمال إسبانيا وأجزاء من جنوب غرب فرنسا، لغة الباسك.
وعلى الرغم من أن العلماء حاولوا ربط لغة الباسك باللغات الأخرى، فقد خلصت الدراسات إلى أنّه ليس لها علاقة معروفة بأي ثقافة موجودة في العالم.
ولغة الباسك هي الوحيدة المعروفة قبل العصر الروماني، بينما انقرضت اللغات الأيبيرية الأخرى.
وتمّ إجراء العديد من المحاولات لإظهار العلاقة بين اللغات الباسكية والإيبيرية والأفرو آسيوية، ولكن لم يتم قبول أي منها على نطاق واسع.
تتمتّع لغة الباسك بمكانة فريدة لكونها لغة حية، ما يمنحنا نافذة لفهم التنوّع اللغوي للأشخاص القدامى الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة الأيبيرية.
السومرية (Sumerian)

تُعتبر اللغة السومرية على نطاق واسع أول لغة مكتوبة، وقد تمّ التحدث بها في بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.
ونظام الكتابة في السومرية هو نص مسماري، عبارة عن سلسلة من الرسوم الفكرية (أيدوغرام)، والرموز، والأشكال المجرّدة التي تمثل الأفكار بدلًا من الكلمات أو الأصوات المُحدّدة.
وتمّ فك رموز بعض الكتابات المسمارية، على الرغم من العديد من الشروحات المختلفة. ولا يزال اللغويون وعلماء الآثار يناقشون قواعد اللغة وتركيبها، ولا يوجد سوى بضع مئات من الأشخاص في العالم لديهم معرفة عملية بها.
لغة الأينو (Ainu)

مع مرور الزمن استبدلت السومرية بشكل تدريجي بالأكدية في حوالي الألفية الثالثة أو الثانية قبل الميلاد، لكن السومرية استمرت كلغة مقدسة، وطقسية، وأدبية، وعلمية في بلاد الرافدين حتى القرن الأول للميلاد. مع مرور الزمن، أصبحت اللغة السومرية منسية حتى القرن 19 الميلادي، عندما قام علماء الآشوريات بفك رموز المسمارية والتنقيب عن الآثار التي تركوها ناطقي هذه اللغة. تعتبر اللغة السومرية لغة معزولة لا تشابه أي لغة في المناطق الجغرافية القريبة منها.
منذ حوالي 3500 ق.م. لعب السومريين جنوب بلاد الرافدين دورا هاما في التحول الثقافي المتطور، وتحديدا في الأعمال الاقتصادية والمراسيم الحكومية في حوالي 3200 ق.م. هذه الكتابة هي أقدم تطور للنصوص في العالم، والكتابة الوحيدة التي تقاربها في الفترة الزمنية هي الكتابة الهيروغليفية الأولى. أما عن العلاقة بين الكتابتين فإن هذا لا يزال لغزا في علمي المصريات والآشوريات.
طور النص المسماري السومري من الكتابة التصويرية. حيث كل رمز في هذه الكتابة له معنى، وكل رمز من الرموز مستوحى من المظاهر الطبيعية، وعلى هذا حدد المعنى العام للرموز. في غضون بضعة قرون قاموا بوضع الشكل العام بعد تمثيل المقطع اللفظي، ترتبط هذا الرموز مع قيمة صوتية واحدة أو أكثر لكل مقطع (عادة صوت علة، حرف وصوت علة، صوت علة وحرف، حرف وصوت علة وحرف). وتطورت بعد ذلك إلى كتابة تصوير صوتية.
المثال الآتي، نقش طوبي لگودياحاكم لجش (نحو 2130 ق.)، ويبين شروط نقل الحروف من الكتابة المسمارية وركاكة في التحليل النحوي.
جزيرة هوكايدو في شمال اليابان هي موطن لمجموعة من السكان الأصليين المعروفين باسم “أينو”، ويُقال إنّهم من أوائل سكان الجزر اليابانية.
ويُعتبر شعب الأينو مجموعة عرقية مختلفة ثقافيًا ولغويًا عن الشعب الياباني، ويقال إنّهم من نسل تجمّع الصيادين “جومون-جي” الذين هاجروا إلى الجزيرة حوالي عام 14500 قبل الميلاد.
لكنّ “لغة الأينو” مُهدّدة بالانقراض، ويُقال إنّه لا يتحدّثها إلا حفنة من الناس. وعلى الرغم من أنّها لا تحتوي على شكل مكتوب لها، فقد تمت كتابتها تقليديًا باستخدام أحرف “كانا” (Kana) اليابانية.
الفترة اللغوية ونوع الكتابة
يمكن تقسيم تاريخ اللغة السومرية خلال ثلاث ألفيات إلى المراحل التالية:
السومرية العتيقة أو السومرية المبكرة 3100–2600 ق. معظم وثائق هذه الفترة كانت اقتصادية وإدارية، عثر على معظمها في وركاء وشروپك. في فترة جمدت نصر، كان هناك بعض الوثائق القانونية والأدبية في الصيغة العتيقة.
السومرية القديمة منذ 2600–2150 ق. في الغالب وثائق إدارية واقتصادية، وبداية النقوش الملكية، والأعمال الأدبية مبعثرة. الموقع الرئيسي لها هو لجش. نص هذه المرحلة يعطي بالفعل بعض المؤشرات على قواعد اللغة السومرية. بعد سيطرة الإمبراطورية الأكدية (2350–2200 ق.)، رافقها انخفاض حاد في المواد السومرية، ومن ثم يأتي عصر النهضة السومرية.
السومرية الحديثة 2150–2000ق. وهي الأكثر كثافة منذ حكم سلالة أور الثالثة، العديد من النصوص الاقتصادية من لگش وأور.
السومرية المتأخرة 2000–1700ق. استعملت كلغة محكية في جنوب بلاد الرافدين، ولكن كانت تستخدم بشكل أكثر في النصوص الإدارية والقانونية والنقوش الملكية (غالبا كصيغة ثنائية لغوية أكدية-سومرية). العديد من الأعمال الأدبية تم إنشاؤها مأخوذة من الأزمنة القديمة التي تمت كتابتها لأول مرة، تتضمن الجزء السومري من ملحمة گلگامش الشهيرة.
السومرية اللاحقة 1700–100ق. لم تعد السومرية لغة محكية ولا كتابية كالأكدية التي قامت بكبتها. بل قامت كلغة علمية، وطقسية، وأدبية.
اللغة الصيقولية (Sicel Language)
في جزيرة صقلية الإيطالية، كانت هناك قبيلة قديمة تُعرف باسم “سيكولي” (Siculi)، وكانت تتحدّث بلغة هندو-أوروبية، على الرغم من أنه لا يمكن التوصّل إلى استنتاج ملموس بناءً على نقص الأدلة.
ويُقال إنّ أفراد “سيكولي” أتوا من مناطق إيطاليا المعروفة باسم “ليغوريا” و”لاتيوم”، وكانت لديهم ثقافتهم الخاصة المتميّزة التي تشمل الطوائف الدينية، وعبادة العديد من الآلهة. وفي النهاية، تم استيعاب “ثقافة سيكولي” مع الثقافة الهيلينية التي جلبها الإغريق إلى صقلية.
ولم تكن لغتهم مكتوبة بشكل جيد حتى إدخال نظام الكتابة اليوناني، ولم يتبق منها سوى عدد قليل من النقوش.
لغة “فينكا” (Vinca)

“لغة فينكا”، المسمّاة أيضًا بـ”الأوروبية القديمة”، هي لغة افتراضية مقترحة من التنقيب عن الرموز الموجودة في القطع الأثرية في جنوب شرق أوروبا.
ويُعتقد أن الرموز هي بعض من أقدم أشكال الكتابة في العالم، وقد تسبق الكتابة المسمارية السومرية، والكتابات الهيروغليفية المصرية بآلاف السنين.
وتمّ العثور على الرموز في المنطقة التي احتلها سكان فينكا، الذين عاشوا في العصر الحديث غربي رومانيا، على ضفاف نهر الدانوب من حوالي 6000 إلى 3000 قبل الميلاد.
وتتميز ثقافة “فينكا” بأنّها ثقافة غامضة، ولا يُعرف الكثير عن طرق معيشتهم أو شكل مجتمعهم.
ومن المحتمل ألا يتمّ فك الرموز التي تمثّل لغتهم، نظرًا لأنّه تمّ العثور على نقوش قصيرة فقط على مجموعة متنوّعة من القطع الأثرية.
اللغة الحورية (Hurrian)
اللغة الحورية هي لغة قديمة منقرضة، تحدّث بها سكان المنطقة التي كانت ذات يوم الإمبراطورية الحيثية.
ويعتقد العلماء أن المتحدثين باللغة الحورية جاؤوا في الأصل من المناطق الجبلية في أرمينيا، وهاجروا إلى أجزاء من بلاد ما بين النهرين والأناضول خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.

وكانت ال
لغة الأينو (Ainu)
الحورية لغة مملكة ميتاني قبل الفتح الآشوري.
وعلى الرغم من عدم تصنيفها على أنها مرتبطة بأي لغة أخرى، نشر المؤلفان أرنو فورنيه وألان آر بومبارد، كتابًا يصف بعض الخصائص المميزة للغات الهندو-أوروبية في اللغة الحورية.
كانت اللغة العيلامية إحدى اللغات التي يتحدث بها سكان بلاد ما بين النهرين إلى جانب السومرية والأكادية، ولم يتم فك رموزها تمامًا، على الرغم من أن العلماء لديهم بعض الفهم لقواعدها.
وتمت كتابتها لأول مرة باستخدام نص بدائي يتضمّن رسومًا توضيحية ورموزًا لوجوغرافية، ولكن تمّ استبدالها لاحقًا بالمسمارية السومرية.
واللغة العلامية هي لغة تراصية، تُظهر عناصر نحوية مشابهة للغات القديمة الأخرى المستخدمة في أوروبا والشرق الأوسط.
وتم استخدام الاختلافات المعقّدة للأشكال، واللواحق المرتبطة بالأسماء والأفعال والضمائر لنقل الأفكار.
لغة رايتك (Raetic)

لغة رايتك (Raetic)

تمّ التحدّث بلغة رايتك في منطقة جبال الألب الشرقية في شمال إيطاليا حاليًا، وغرب النمسا، وكانت تُستخدم من قبل مجموعة من سكان جبال الألب الأصليين حوالي عام 500 قبل الميلاد.
وهناك العديد من النظريات حول أصول لغة “رايتك”، حيث يرى بعض العلماء أنها، إلى جانب الأترورية واللغة اللمنية (Lemnian)، جزء من عائلة اللغة التيرينية، بينما تشير نظرية أخرى إلى أنها فرع مستقل من اللغات الهندو-أوروبية.
وقد تكون لغة رايتك مجرد لغة معزولة عن التأثيرات الأترورية، وقد لا نعرف أبدًا أصولها الحقيقية.