انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 9 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الجمعة

9 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الجمعة

1 حكام يمتطون صهوة الأكاذيب
د. باهرة الشيخلي العرب بريطانيا

في المقابلة المطولة، التي أجراها البلجيكي بسكال فريبوس معه، يصف الروائي والرسام الأميركي هنري ميلر السياسة بأنها عمل البلهاء والأوغاد، وعندما قال له فريبوس: أنتم أيضاً تتحدثون في السياسة، أجابه ميلر: للحظة وجيزة، وإذن أنا أيضا غبي كالآخرين.. لا لست رجل سياسة.
وطفق يروي له: ذات مساء جاء حاكم كاليفورنيا جيري براون ليصافحني، دخل من هذا الباب مبالغاً في ابتسامته كما في ملصقات الانتخابات. فقلت له “سيدي الحاكم. قبل أن تعبر الباب يجب أن تعلم شيئاً: أنا أكره السياسة”، فأجابني بالمثل “أتفق معك. أنا كذلك”، لكنه كان حاكماً ويحلم أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة. إنه الشعب الذي يولي رئيساً على رأس الكارثة. لكن قبل ذلك ينبغي توفير ملايين الدولارات لتنصيب مجرم أبله أو الاثنين معاً، داخل البيت الأبيض، يا له من سيرك. هل هو كذلك في بلجيكا؟
جاء حاكم الولاية الطامع بالرئاسة إلى ميلر لغرض سياسي، ولكنه كذب في خضم العمل السياسي، عندما قال إنه يكره السياسة، ولكن ستكون كذبة الحاكم الأميركي براون بيضاء وبريئة لو أن ميلر رأى ما يجري في بلد كالعراق، وعاش تسونامي كذب حكامه، الذين بدأوا من كذبة وواصلوا أكاذيبهم وهم على كراسي الحكم وسينتهون كاذبين، فقد شرعت “المعارضة” العراقية بأحزابها السبعة التي حملتها عربة الاحتلال الأميركي تبث أكاذيبها عبر تقاريرها “المعلوماتية” إلى أجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية والإيرانية، وضاعفت نشاطاتها التجسسية في أعقاب عام 1990 وتواصلت تقاريرها طوال سنوات الحصار.
وكان أحمد الجلبي ومحمد باقر الحكيم وإبراهيم الجعفري وموفق الربيعي وإياد السامرائي في مقدمه الركب، وقد أغدقت وكالة المخابرات الأميركية عليهم بمكافآت مجزية لقاء التقارير والأكاذيب، وتم صرف مبالغ كبيرة لهم من رصيد قانون تحرير العراق.
الأكثر أهمية أن جميع رؤوس المعارضة ومن يليهم من الحواريين والأنصار اخترع كل واحد منهم لنفسه ما يسمى “السيرة الجهادية” تتحدث عن بطولات وهمية وعن مزاعم بأنهم حكم عليهم بالإعدام جراء مقارعتهم لنظام صدام حسين. وكان أولهم إبراهيم الجعفري الذي نسج رواية درامية عن جهاده وكذلك فعل نوري (جواد المالكي)، بل إن أكاذيب الجلبي لوحدها شكلت لدى الرئيس جورج بوش سبباً كافياً لشن العدوان على العراق واحتلاله، كما يبدو في الظاهر.
ينبغي أن لا ننسى أن الصفة، التي اقترنت بأكاذيب هؤلاء ضد العراق هي أنهم جواسيس بالمعنى الفقهي للكلمة، وطبقا للوقائع التي يعرفها العراقيون، وقد برهنت دولة المحاصصة أنهم كذابون بامتياز. لم ننس بعد وعود نوري المالكي وتعهداته وكانت النتيجة أن أجمع العراقيون على رفع شعار “نوري المالكي كذاب” حتى أصبح الشعار أهزوجة شعبية يرددها المتظاهرون في كل مناسبة. والأكاذيب ذاتها تجدها لدى أصحاب الفتاوى من المعممين، التي حولها الشعب الغاضب إلى نشيد احتجاجي “باسم الدين باكونا الحرامية” وغيرها.
“المعارضون الجدد” لنظام صدام حسين كانوا على دراية بأن المخابرات الأجنبية تبحث عن أي ذريعة لتدمير العراق، وتلقى أغلبهم تشجيعا من هذه الدول لتصنيع أكاذيب مقابل أموال ومنح جنسيات ووعود بمناصب بعد “تحرير” العراق، وهذا ما جرى فعلا.
تظاهرت المخابرات الأجنبية التي احتضنت هؤلاء بتصديق كلامهم، وهو، في الواقع، تشجيع لهم للمضي أكثر في صنع الأكاذيب. فهل من المعقول أن لندن وواشنطن تُصدِّقان معارضاً عراقياً ترك وطنه منذ أكثر من ثلاثة عقود يقول لهما “إن العراق يملك سلاحاً قادراً على تدميرهما معاً خلال 45 دقيقة؟” وهل من المعقول أن المخابرات الألمانية تُصدِّق أن رافد الجنابي كان خبيراً في المنشآت الكيمياوية العراقية، ويعرف لوحده أسرار الأسلحة الكيمياوية العراقية؟
المسؤولية العظمى تقع على الشعوب، الشعوب التي تتلقى كما أكبر من الأكاذيب وتقبلها وتعرف أنها أكاذيب هي الشعوب الأسهل في التلاعب بها. هذا ما يجري في العراق. إذا ما فكرنا بقلب هذا الواقع المر، الذي يمر به العراق، علينا أن نبحث في التطور الثقافي والتاريخي والنفسي والديني للشعب العراقي. الآن أصبح الدين هو السلاح السري للحكام في ديمومة الأكاذيب وتاليا استمرار تسلطهم. التعليم الجذري العميق الذي يغوص في كل الاتجاهات، والثورة الثقافية، كفيلان بقلب الواقع المؤلم.
هناك من لا يريد أن يسمع الحقيقة. هناك مَن يريد أن يسمع ما يريد سماعه وهكذا يفلت الحكام بالكذب.

2 أين أميركا في العراق؟ خيرالله خيرالله العرب بريطانيا

لا بدّ من النظر إلى ما جرى في العراق من زاوية العلاقة الأميركية – الإيرانية. هذا لا يعني أن التطورات الأخيرة التي شهدت تكليف عادل عبدالمهدي تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب الشخصية الوطنية المرموقة برهم صالح رئيسا للجمهورية ومحمد الحلبوسي (من سنّة إيران) رئيسا لمجلس النواب، كلّها سلبيات. يكفي أن يكون برهم صالح الكردي الذي يضع عراقيته فوق أي اعتبارات أخرى، رئيسا للجمهورية للقول إن شمعة أُضيئت في هذه الظلمة العراقية. لكن شخص برهم صالح وحده، بكل ما يمتلك من كفاءات وحسن نيّة ونزاهة وواقعية، لا يكفي لإخراج العراق من الدوامة التي أصبح في أسرها، خصوصا أن صلاحيات رئيس الجمهورية محدودة بموجب الدستور الجديد. معظم الصلاحيات في يد رئيس الوزراء الشيعي الذي يمارس دور القائد الأعلى للقوات المسلّحة أيضا.
واضح أن إيران سجّلت نقاطا على الولايات المتحدة في العراق. فاز الجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس″ في “الحرس الثوري” الذي يعتبر المسؤول الإيراني الأول عن ملفّ العراق، إذ لا يرسل تقاريره سوى إلى “المرشد” علي خامنئي، على المبعوث الأميركي الخاص برت ماكغورك. لم يحقق سليماني انتصارا حاسما على ماكغورك بعد، لكنّ كلّ الدلائل تشير إلى أن إيران استطاعت تحسين مواقعها في العراق بعدما فقدت الكثير في السنوات الأخيرة، أي منذ خروج نوري المالكي من موقع رئيس الوزراء في العام 2014. يكفي إيران أنّها استطاعت التخلّص من حيدر العبادي الذي اتخذ في الأشهر القليلة الماضية، خصوصا في مرحلة ما بعد الانتخابات التي أجريت في الثاني عشر من أيار – مايو الماضي، مواقف يفهم منها أنه وضع مصالح العراق فوق مصالح إيران. دفع العبادي ثمن رهانه على الدعم الأميركي وعلى وطنية عراقية، خصوصا في الأوساط الشيعية التي بدأت تظهر تذمرا من الطريقة التي أدارت بها إيران العراق منذ سلمتها إياه الولايات المتحدة على صحن من فضّة في العام 2003.
هناك الآن رئيس للجمهورية في العراق يمتلك قدرات كبيرة وصلاحيات محدودة. إنّه شخص عملي قبل أيّ شيء آخر. لا يمكن لبرهم صالح الإقدام على أي عمل متهور، خصوصا أنه مطّلع على كل الملفات، إضافة إلى أنه يعرف في العمق الأهمية الجغرافية لإيران، على الصعيد الإقليمي، بما في ذلك الحساسيات الموجودة بينها وبين الأكراد. لا يمكن القول إن برهم صالح معاد لإيران أو أنّه في جيبها، لكنّ الملفت أنّه على علاقة طيبة بالقوى الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا في الوقت ذاته.
يستطيع برهم صالح لعب دور يصبّ في إعادة الهدوء والاستقرار والطمأنينة إلى العراق في ظلّ المشاكل الكبيرة التي يعاني منها البلد. ستزداد هذه المشاكل في مرحلة ما بعد العقوبات الأميركية الجديدة على إيران التي تدخل حيز التنفيذ في الأسبوع الأوّل من تشرين الثاني – نوفمبر المقبل. سيكون مطلوبا من العراق الانحياز إلى إيران انحيازا كاملا. هذا ما رفضه العبادي. وهذا ما دفع ثمنه غاليا، أقلّه حتّى الآن. وهذا ما دفع إيران إلى تأديبه.
سيكون لبرهم صالح دور على الصعيد الوطني وإن في حدود معيّنة هي حدود صلاحياته كرئيس للجمهورية. ولكن ماذا عن عادل عبدالمهدي؟ ماذا يعني حدوث التقاء بين الأميركيين والإيرانيين والمرجعية الشيعية عند هذه الشخصية السياسية من خارج “حزب الدعوة” الذي يمتلك تاريخا حافلا بالتقلبات السياسية. بدأ بعثيا وانتهى لدى “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” الذي أسسه محمد باقر الحكيم. مرّ، مثله مثل الكثير من الشباب المتحمس الباحث عن حيثية بتقلبات. التحق بالتيار الماوي (نسبة إلى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ) الذي قاتل النظام العراقي في منطقة الأهوار جنوب العراق مطلع سبعينات القرن الماضي. بعد فشل تلك التجربة، انتقل إلى لبنان والتحق بما يسمّى “الكتيبة الطلابية” لحركة “فتح” التي قاتلت الميليشيات المسيحية اللبنانية في الجبال العالية في العام 1976 و1977. خرج بعد ذلك مع المقاتلين الفلسطينيين الذين انسحبوا من لبنان صيف العام 1982.
لا شكّ أن عادل عبدالمهدي يمتلك تجربة سياسية غنيّة. هل ستساعده هذه التجربة في تغيير شيء في العراق بعدما خبر اليسار ومغامراته وتجربة الأحزاب الدينية؟ سيعتمد الكثير على الهامش الذي ستتركه له إيران. لكن السؤال الأهمّ سيكون مرتبطا بالشارع العراقي، ومطالب الناس التي انتفضت على السلطة صيف هذه السنة. هل لدى عبدالمهدي أي حل من أي نوع لأزمة الكهرباء والمياه وللفوضى الأمنية. ما الذي سيفعله عندما سيتوجب عليه مواجهة أزمة معيشية من النوع الذي تعاني منه مدينة مثل البصرة؟
كان ملفتا أن الجنرال سليماني لعب لعبة في غاية الدهاء. أوصل عادل عبدالمهدي إلى موقع رئيس الوزراء بفضل كتلتي “سائرون” و”الفتح”، أي بواسطة مقتدى الصدر وهادي العامري، الذي هو في الوقت ذاته زعيم ميليشيا مذهبية منضوية تحت “الحشد الشعبي”. عاجلا أم آجلا، سيتوجب على رئيس الوزراء العراقي تحديد موقف من الدور الذي سيلعبه “الحشد الشعبي” في تحديد مستقبل العراق. في النهاية لا يمكن لميليشيات مذهبية حكم العراق وأن يكون الجيش العراقي مجرّد متفرّج على ما يدور في البلد، اللهمّ إلا إذا كان المطلوب تكرار تجربة إيران الفاشلة في العراق، أي تحوّل “الحشد الشعبي” إلى الممسك بمفاصل السلطة في البلد، كما عليه الحال مع “الحرس الثوري” في إيران. هل جيء بعادل عبدالمهدي لتنفيذ هذه المهمة الإيرانية؟ هل يقبل بلعب هذا الدور، وهو الذي منعته إيران في 2005 من أن يكون رئيسا للوزراء؟
يبقى سؤال في غاية البساطة. أين الولايات المتحدة في العراق؟ من الواضح أن هناك ضياعا أميركيا جعل إيران تشقّ صفوف السنّة وتأتي بالحلبوسي إلى موقع رئيس مجلس النوّاب. هذا إنجاز إيراني كبير في العراق. للمرّة الأولى هناك كتلة سنّية تابعة لها في مجلس النواب العراقي. يشبه ما فعلته إيران في العراق ما حاولت عمله في لبنان عبر تقليص عدد نوّاب “كتلة المستقبل” في المجلس النيابي، إذ ركزت بكلّ الوسائل، عبر أدواتها في الداخل اللبناني، على إنجاح مرشحين سنّة معادين للرئيس سعد الحريري، وذلك في سياق مشروعها الهادف إلى بسط وصايتها على البلد كله.
مرّة أخرى، لا مفرّ من الاعتراف بأن إيران سجلت نقاطا على الولايات المتحدة في العراق. لكنّ ما لا مفرّ منه في المقابل هو التساؤل ما الذي سيؤول إليه الوضع في إيران؟ هل الولايات المتحدة جدّية في الذهاب إلى النهاية في تخيير إيران بين أن تكون دولة طبيعية في المنطقة، أو تدفع ثمن مغامراتها خارج أرضها، مغامراتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين على وجه التحديد. يبدو أن تمزيق الولايات المتحدة لاتفاق الصداقة مع إيران للعام 1955، والذي أعلن عنه وزير الخارجية مايك بومبيو لا يشير إلى أن التفاهم الأميركي-الإيراني على تولي عادل عبدالمهدي موقع رئيس الوزراء في العراق يتجاوز حدود العراق…
3 العراق… جولة كسبتها إيران!
صالح القلاب الجريدة الكويتية

مع كل التقدير والاحترام للثلاثة الذين فازوا بالمناصب الرئيسة العراقية العليا: رئاسة الدولة، ورئاسة الوزراء، ورئاسة البرلمان، فإن الواضح، وما بات مؤكداً ومعروفاً، هو أن الفوز في هذه المعركة السياسية جاء إلى جانب إيران، وأن الولايات المتحدة، التي وضعت كل ثقلها في الاتجاه المعاكس، مُنيت بهزيمة “نكراء”، وهذا يثبت أن أميركا؛ إنْ في عهد هذه الإدارة، وإنْ في عهود إدارات سابقة، لا تعرف عن هذه المنطقة في العمق إلا القشور، وأنها تجهل معظم حقائق الأمور عن المكونات الفعلية للشعب العراقي، وأيضاً لكل الشعوب الشرق أوسطية.
لقد كانت الخطيئة القاتلة التي ارتكبها الأميركيون منذ عام 2003 فصاعداً؛ إنْ في عهد بوش الثاني، وإن في عهد ذلك الخائب باراك أوباما، وأيضاً إن في هذا العهد المصاب بالارتباك والفوضى، أنهم فتحوا أبواب العراق للإيرانيين على مصاريعها، وأزالوا الحدود بين إيران وبلاد الرافدين، فكان ذلك الاجتياح العسكري والأمني والاقتصادي والمذهبي الذي بقي متواصلاً حتى الآن، والذي بالنتيجة حوَّل هذا البلد العربي إلى محمية إيرانية، وهذا يعترف به كبار المسؤولين العراقيين؛ منهم من الطائفة الشيعية الكريمة، ومنهم من الطائفة السُّنية، وأيضاً منهم من الأشقاء الكرد؛ إنْ من البارزانيين، وإن من جماعة جلال الطالباني، رحمه الله.
لقد اعتقد الأميركيون أن بقاءهم العسكري في العراق كل تلك الفترة الطويلة جعل المناخ الشعبي العراقي مناخهم، أو متعاطفاً معهم على الأقل، لذلك فقد ساد لديهم اعتقاد بأن سفيرهم في بغداد، بالاعتماد على بعض ضباط “سي.آي.أيه” وعلى بعض السماسرة المحليين الذين تحوَّلوا إلى “أغنياء طفرة”، قادر على رسم الخريطة العراقية السياسية كما يشاء، وكما يحلو له، لكن ها قد ثبت أن التغلغل الإيراني في عمق بلاد الرافدين هو المؤثر والفاعل، وهذا ما ثبت في عملية اختيار رؤساء الرئاسات الثلاث الرئيسة، وحيث خسرت أحصنة الرهان التي راهن عليها الأميركيون كلها.
والواضح مما حصل في الأيام الأخيرة أن الأميركيين وأتباعهم وسماسرتهم لم يخسروا مجرَّد جولة وفقط، لا بل إنهم خسروا معركة كاملة، مما يعني أن وجودهم في هذه الدولة العربية، وربما بالمنطقة الشرق أوسطية كلها، سيبقى وجود معسكرات معزولة، ووجود سفراء يغلقون على أنفسهم أبواب سفاراتهم، ووجود انتهازيين لا يهمهم إلا السلب والنهب والاتجار بالمحرمات والاستمرار باستغلال هبوط الدولار أو ارتفاعه، مع الحرص على أن يذهب كل ما يجمعونه إلى البنوك الغربية… وهناك معلومات تتحدث عن مليارات قد غادرت وطنها العراق دون رجعة.
فماذا يعني هذا؟… يعني أنه على الولايات المتحدة، إذا أرادت أن تبقى في هذه المنطقة الاستراتيجية، وإذا أرادت أن تهزم الروس في هذه المواجهة المحتدمة، أن تُعيد النظر في كل سياساتها الشرق أوسطية، وأن تبادر إلى استبدال أحصنتها التي توالت هزائهما في كل السباقات السابقة واللاحقة، وأن تتعامل مع شعوب وأنظمة الوطن العربي بغير أساليب “المعسكرات” والسراديب المخابراتية، بل بأساليب الشراكة في كل شيء، وليس بأسلوب التابع والمتبوع.
4 سوريا 2020 لن تكون العراق 2005 روبرت فورد الشرق الاوسط السعودية
ينتابني حزن عميق نحو الزملاء السابقين الذين يتحملون مسؤولية السياسات الأميركية إزاء المأساة السورية الراهنة. وما أسمعه منهم هو تعبير صريح عن استحالة تحقيق الاستراتيجيات والغايات الأميركية في هذا الملف الشائك للغاية. وإنني على يقين من أنهم يدركون هذا الأمر بالفعل، غير أن المسرح السياسي العالمي يتطلب منهم الإفصاح والحديث. طالما فضلت أن أبلغ الناس بما لديّ من أخبار سيئة وكنت أرغب دوماً في الاستماع إلى الحقيقة الصارخة الموجعة، ويقولون في المثل العربي الدارج: «الصراحة راحة». ولا أعتقد الآن بوجود «الصراحة» أو ما توحي به من «راحة» ضمن السياسات الأميركية في سوريا.
على سبيل المثال، صرح مسؤولون أميركيون كبار مؤخراً – مثل وزير الخارجية مايكل بومبيو، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، والمبعوث الأميركي الخاص لسوريا السفير جيمس جيفري – بأن عملية الأمم المتحدة الجارية بشأن جلب الأطراف السورية المعنية للتفاوض بشأن التعديلات الدستورية هناك ومن ثم إجراء الانتخابات العامة في البلاد، من شأنها أن تسفر عن «حل» الأزمة السورية. لكن، ما هي المشكلة القائمة في الدستور السوري على وجه التحديد؟ تنص المادة رقم 33 من الدستور الوطني السوري على أن الدولة تضمن الحريات، والكرامة، والأمن لكل المواطنين. وتنص المادة رقم 42 من الدستور على أنه لكل مواطن الحق في التعبير عن رأيه بحرية. في حين تنص المادة رقم 44 من الدستور على أن للمواطنين الحق في التجمع والتظاهر بالوسائل السلمية. وتحظر المادة رقم 53 من نفس الدستور استخدام كل وسائل وأساليب التعذيب. أما المادة الثامنة، فتنص على أن النظام السياسي في البلاد يستند إلى الانتخابات الديمقراطية. وبناء عليه، نعاود طرح نفس السؤال الفائت: ما هي المشكلة القائمة في الدستور السوري على وجه التحديد؟
قرر المسؤولون الأميركيون، الذين يعتقدون بسهولة سحب وتطبيق تجربتهم الذاتية التاريخية على بقية بلدان العالم رغم الاختلافات الثقافية والتاريخية المتعددة، أن يُمنح رئيس الوزراء السوري المزيد من السلطات والصلاحيات، في حين تُقلص سلطات رئيس الجمهورية وصلاحياته، وأنه ينبغي ألا يستند النظام السياسي السوري إلى مركزية الحكم والقيادة. ويمكنهم ممارسة الضغوط لفرض مواد جديدة على الدستور السوري تنبثق من رؤيتهم الخاصة للأوضاع هناك.
ينبغي على بعض الساسة الأميركيين الذين يديرون دفة السياسة الأميركية إزاء سوريا أن يتحلوا بقدر من التواضع: لقد مارسوا الضغوط الشديدة لأجل أن يتولى نوري المالكي رئاسة وزراء العراق في عام 2010 و2011. وأثبت التاريخ أن هذا كان من الأخطاء السياسية الفادحة التي أفضت إلى بروز خطر «داعش» في كل من العراق وسوريا لاحقاً. وينبغي عليهم إدراك حقيقة بسيطة مفادها أن «حزب البعث السوري» لا يزال على رأس الحكم في البلاد، وهو يرفض «لا مركزية» السلطة والقيادة رفضاً باتاً. وفي هذه الحالة، ليست لدى سوريا خبرات كافية في لا مركزية الحكم بالأساس. وتظهر المشاكل التي عانى منها العراق في محافظات مثل البصرة مدى صعوبة تطبيق أساليب الحكم اللامركزية.
والأهم مما سبق، وبصرف النظر تماماً عما يتعهد به الدستور الوطني السوري، فإن أجهزة الأمن السورية لا تحترم القوانين المعمول بها في البلاد. فهل نسي المسؤولون الأميركيون آلاف الصور للمواطنين السوريين الذين قتلوا تحت وطأة التعذيب من الحكومة السورية الحالية وأجهزتها الأمنية على الرغم من المادة رقم 53 في الدستور السوري آنفة الذكر؟ إن الدرس المستفاد من ذلك بسيط للغاية: لا توجد سيادة للقانون داخل سوريا والدستور منبت الصلة تماماً بواقع الأحداث التي تمر بها البلاد، إنه ليس إلا حبراً على ورق.
بعض من زملائي الأميركيين السابقين كانوا يعملون في العراق قبل 15 عاماً في أعقاب الغزو الأميركي في عهد جورج دبليو بوش الذي أطاح بنظام حكم صدام حسين هناك. ويتذكرون أن العراقيين صاغوا دستوراً جديداً للبلاد في عام 2005، ثم أجروا انتخابات عامة تفتقر إلى المثالية لكنها كانت ديمقراطية إلى حد ما. ويقول المسؤولون الأميركيون إن الانتخابات السورية المقبلة يمكن أن تتم تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، تماماً على غرار الانتخابات العراقية السابقة في عام 2005. بيد أن سوريا في عام 2019 و2020 لن تكون أبداً كمثل العراق في عام 2005، نظراً لأن الجيش الأميركي قضى على الأجهزة الأمنية الموالية لنظام صدام حسين قبل إجراء الانتخابات، لكن الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة بشار الأسد (وأعني الاستخبارات) لا تزال حاضرة وفعالة ونشطة للغاية في الواقع السوري الراهن. وليس من قبيل المصادفة أن يفوز بشار الأسد بنسبة 97 في المائة من إجمالي الأصوات في انتخابات عام 2000، ثم بنسبة 98 في المائة في انتخابات عام 2007، ومرة أخرى بنسبة 89 في المائة في انتخابات عام 2014. فهل يعتقد المسؤولون الأميركيون حقاً أن الاستخبارات السورية ستتلقى الأوامر بكل بساطة من بعض موظفي الأمم المتحدة؟ وعندما ترفض أجهزة الاستخبارات السورية تنفيذ أوامر الفرق التابعة للأمم المتحدة، هل من أحد يعتقد أن موسكو لن تستخدم حق النقض (الفيتو) مجدداً بعد أن استخدمته قبل ذلك 12 مرة لحماية حكومة بشار الأسد في المنظمة الدولية؟
فوجئت كثيراً بتصريحات السفير جيمس جيفري. اقترح أنه على غرار انسحاب الجيش الأميركي من فيتنام، يمكن لإيران سحب قواتها المنتشرة في سوريا. غير أن الجيش الأميركي أخفق في فيتنام، ولن يقاتل حلفاؤنا الفيتناميون الجنوبيون إلى جانب أحد بعد الآن. وينبغي على واشنطن إدراك أن قوات بشار الأسد، المدعومة من الحلفاء في روسيا وإيران، ستواصل القتال لإحراز تقدم في ميادين القتال. إنها حقيقة واضحة للجميع.
من الصعب أن نفهم السبب الحقيقي وراء استمرار إصدار التصريحات الغريبة بشأن سوريا من واشنطن. ولديّ بشأن ذلك تفسيران اثنان محتملان؛ الأول، أن الأميركيين كرروا نفس الفكرة السخيفة بشأن الدساتير والانتخابات في كثير من الأحيان لدرجة أنهم بدأوا في تصديق أنفسهم والدعاية الخاصة الصادرة عنهم. ولقد رأيت ذلك بعيني حال عملي في العراق بين عامي 2003 و2010. ويتناسى المسؤولون الأميركيون أن هناك فارقاً كبيراً ومعتبراً بين الأمل الموهوم والتحليل العقلاني. والاحتمال الآخر يقول إن المسؤولين الأميركيين يدركون أن الدستور والانتخابات ستمنح الجانب الأميركي المبرر المطلوب لمغادرة سوريا مع المحافظة على قدر «ما» من حفظ ماء الوجه. وربما يكون دستور «الحبر على ورق» مفيداً بدرجة كافية لواشنطن التي تعلن أنها لن تخوض حرباً ضد قوات إيران في سوريا. وهذا من قبيل التحليل الصائب وليس الوهم المأمول.
5 أهلا برئاسات العراق الجديدة
عبد الرحمن الراشد الشرق الاوسط بريطانيا

وفق الأعراف السياسية في النظام العراقي الجديد، الذي بدأ تطبيقه منذ 2006، وقع اختيار أغلبية البرلمان على الدكتور برهم صالح رئيساً للجمهورية والدكتور عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء. وانتهت فترة إدارة حيدر العبادي رئيس الوزراء، التي نجحت في إنقاذ البلاد من التنازع الخطير الذي كان يهدد وحدة العراق حينها.
المحاصصة السياسية في العراق خلقت أعرافاً وليست قوانين تقضي بمنح الرئاسة للأكراد، ورئاسة الحكومة للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة. وليست بالنموذج السياسي الجيد، بل إن هذا النموذج يعزز الانقسام والطائفية والعرقية وقد يحمل في داخله مشكلات أكبر، لكنه رغم هذه المحاذير والثقوب، يظل هو القارب الذي يمكن أن ينقل العراق بسلام إلى الضفة الأفضل مستقبلاً. وانتخاب صالح وعبد المهدي خطوة إيجابية جداً، يمثلان ثنائية معتدلة مطلوبة في زمن الفوضى التي تحيط بالعراق، خاصة في الجارتين سوريا وإيران، وكذلك مع بقايا الفتنة اليقظة والنائمة داخل العراق، من جماعات إرهابية وميليشيات مسلحة.
كثيرون تنفسوا الصعداء بعد حسم التنافس وإعلان النتائج الرئاسية. وكلنا نتوق لأن نرى العراق مستقلاً عن التدخلات الخارجية ويتفرغ للتطوير الداخلي؛ عراق مستقل موحد عزيز، به تستطيع منطقة الشرق الأوسط أن تغلق جبهة من جبهات الفوضى التي تهدد الجميع أيضاً. نريد للعراق أن ينضم إلى مجموعة الدول المستقرة، ويلتفت إلى التنمية وتلبية حاجات مواطنيه الذين يعيشون في بؤس وحال صعبة، ليس من اليوم بل من أربعين عاماً.
فالاستقرار مشكلة العراق الموروثة منذ إسقاط النظام في مطلع الألفية، وقد زادت الصعوبات مع الفوضى وغياب السلطة المركزية وبسبب الإرهاب والتدخلات الخارجية وتزايد نفوذ الميليشيات المسلحة. ووفق آخر الإحصاءات الأخيرة، فإن عدد سكان العراق تجاوز الثمانية والثلاثين مليون نسمة، وبالتالي تزداد مشكلاته، وقد يحتاج إلى عشرين سنة من أجل تأمين حاجاته الأساسية من كهرباء وماء، وإنجاز البنية التحتية من طرق ومطارات وغيرها. فقد كان عدد السكان في عام 1979، مع تولي صدام حسين الحكم، 12 مليون نسمة وقد وجه الإنفاق نحو عسكرة الدولة والحروب.
بانتخاب صالح وعبد المهدي عّم المنطقة الارتياح، لأنه كان هناك قلق حقيقي من أن تتعطل العملية الانتقالية السياسية، ويحدث فراغ، ويتم التنازع على السلطة وتنقسم البلاد، وتأتي التدخلات الخارجية، وسيناريو سلبي آخر، أن تنتخب شخصيات ذات ولاءات أو ميول مرتهنة للخارج مثل إيران، ويقع العراق في ورطة كبيرة خاصة مع تطبيق العقوبات الأميركية على إيران. عرفنا الدكتور برهم صالح شخصية سياسية مجربة بعلاقاته الإيجابية الواسعة مع كل القوى الإقليمية والدولية. أيضاً الدكتور عادل عبد المهدي الذي تكرر ترشيحه في السنوات الماضية. ورغم الاحتجاجات الطبيعية والمتوقعة في نظام المحاصصة والتنافس الحزبي والإقليمي داخل العراق نفسه، فسيحتاج الأكراد إلى إصلاح علاقتهم مع المركز بعد محاولة الانفصال الفاشلة، وستحتاج بغداد إلى قيادة واضحة الرؤية بسياسة تبحر بها بعيداً عن الضغوط الإيرانية التي تجرب الاستفادة من العراق كامتدادها الجيوسياسي، لتكون مطية سياسية في مواجهة القوى الإقليمية، ومطية اقتصادية لغسل أموالها وبيع نفطها وكسر المحظور من الواردات، ومطية عسكرية لفيلق القدس وبقية قوى الحرس الثوري الإيراني الذي نجح جزئياً في استخدام بعض الميليشيات العراقية عسكرا رخيصين له يحاربون بالنيابة عن نظام خامنئي في سوريا واليمن وغيرهما.
الخلاف الأميركي الإيراني – على مخاطره وسيئاته – يمثل فرصة رائعة ونادرة للقيادة العراقية الجديدة للإبحار بالبلاد بعيداً عن المطامع الإيرانية. الجميع سينتظر سماع السياسة الجديدة من القادة الجدد في بغداد، والحديث بوضوح وجدية أن العراق للعراقيين ولن يكون طرفاً في النزاع ولن يسمح بأن يكون ممراً للحرس الثوري ولا سوقاً للتهريب.

6 إيران بين حرب من الخارج أو انفجار في الداخل هدى الحسيني
الشرق الاوسط بريطانيا
تعهد قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد علي جعفري بالانتقام للذين سقطوا في الأحواز، وحذر «الأعداء» من «تدمير صاعق». ويوم الاثنين الماضي أطلقت إيران 6 صواريخ «أرض – أرض» باتجاه «مواقع التكفيريين» شرق الفرات في سوريا، سقط أغلبها في كرمانشاه بإيران.
تحاول إيران باستمرار قصف من يقف في طريق طموحاتها، وبعد عملية الأحواز ساد اعتقاد بأنها ستحاول أكثر. لكن منذ بدء الثورة الإيرانية والنظام يدعم كل منظمة إرهابية في المنطقة تزعزع الأنظمة التي تريد إيران إسقاطها. اللافت أن عملية الأحواز نجحت، ومجرد خروج الإيرانيين باتهامات سخيفة يعني أن العملية أضرت بشيء هم حساسون تجاهه.
وقعت عملية الأحواز والإيرانيون «يحتفلون» بذكرى بدء الحرب العراقية – الإيرانية. كان الاستعراض كأنهم انتصروا في الحرب ضد العراق؟ هم في الواقع لم ينتصروا في تلك الحرب، باستثناء أمر واحد؛ أن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لم يستطع إسقاط تلك الثورة. هم يعتقدون أنهم نجحوا في منعه من تحقيق إسقاط النظام الثوري آنذاك.
أقول لمحدثي المؤرخ الغربي، إن صدام حسين نجح في وقف تصدير الثورة كما كان يطمح آية الله الخميني؟ فيجيب: ربما أخّر الأمر، لكن انظري ماذا يحدث الآن. لم يتوقفوا عن التمدد، بل سيطروا إلى حد ما على لبنان، وجزئياً على اليمن، ويسببون مشكلات جمّة لدول الخليج. حاول صدام إيقاف تصدير الثورة، لكنه عاد. لقد أخّره.
إن عملية الأحواز أدت إلى إرباك كبير داخل القيادة الإيرانية، وكان أحد أعضاء مجلس الشورى اتهم الأجهزة الأمنية بالتقصير، حيث رفض القنّاصون إطلاق النار على المهاجمين لأنه لم تصدر إليهم الأوامر بذلك. لكن إيران في السابق تجاوزت إرباكات أكثر خطورة، لأن «الثورة الخضراء» عام 2009 كانت أكثر إحراجاً للقيادة الإيرانية. إذا تكرر ما وقع في الأحواز مضافاً إليه الوضع الاقتصادي، عندها سيكمن الخطر. وحسب محدثي: إذا أراد العالم إضعاف النظام الإيراني فيجب أن يلم بكل المشكلات التي يعاني منها، وحالياً توجد 3 عناصر: الموقف الأميركي، والعجز الأوروبي عن التعويض، وما تقوم به إسرائيل في سوريا. وإذا ما أضفنا إلى ذلك انتفاضة وطنية في عربستان، فسيكون كل هذا أخطر مما رأته إيران سابقاً.
إن الاتفاق النووي وعد إيران بتقوية ضخمة لاقتصادها، وهذا الوعد في حد ذاته كان له تأثير كبير، حيث إن كل طرف افترض أن إيران ستزدهر اقتصادياً، وهذا الافتراض جلب استثمارات إلى إيران، إضافة إلى التفاؤل داخل إيران وباتجاه إيران. وما يحدث أخيراً أن كل شيء يسير في الاتجاه المعاكس، والإشارة «الإيجابية» لذلك هي انهيار الريال الإيراني تجاه الدولار. إذا تقلصت قدرة الناس على شراء ما يحتاجونه وخسرت مقدار الثلث، رغم أن الريال خسر أكثر، فعلينا أن نتذكر أن داخل إيران مشكلات تسبب بها سوء الاقتصاد منذ زمن. ونأخذ على سبيل المثال اثنتين: النسبة المرتفعة من مدمني المخدرات، والنسبة العالية من انتشار الدعارة. نضيف إلى هذه الأمور، ردود فعل بعض الشابات اللاتي صرن يتمردن على أوامر المؤسسة الدينية. ويبقى أن السبب الأساسي لهذه المشكلات اقتصادي.
يجب ألا ننسى ما حدث ويحدث في البصرة بالعراق؛ من إحراق للقنصلية الإيرانية، ثم إن التحدي الإيراني بافتتاح قنصلية جديدة لا يلغي الفعل الحقيقي، ودعوات أهل البصرة: «إيران بَرّة بَرّة»… وتلا كل ذلك ما وقع في الأحواز. إنهم من الإثنية نفسها الشيعة العرب. وكما يقول محدثي: لم نصل بعد إلى النقطة التي نقول فيها إن النظام يواجه واقعاً خطيراً، قد يواجه ذلك قريباً، لكنه حتى الآن قادر على تجنبه. يتذكر نقاشاً شارك فيه عام 2011 – 2012 حول مصير بشار الأسد، حيث قال الجميع إنه انتهى، لكنه يعترف بأن المشاركين لم يأخذوا بعين الاعتبار الوحشية التي سيلجأ إليها النظام، وكذلك التدخل الروسي.
الآن، إذا تدخل الصينيون بتغييرات اقتصادية ضخمة في إيران، فهذا لن يحل المشكلة؛ لكنه سيخفف من وقعها ولو لفترة. لذلك فإن الوضع في إيران جدّي جداً، ولكن ليس ميؤوساً منه.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإنها لا تلعب دوراً كبيراً؛ الشيء الوحيد الذي يستطيع الروس فعله الآن هو تزويد الإيرانيين بأسلحة متقدمة، والمشكلة في إيران الآن ليست عسكرية، ثم إنه لا يستطيع الروس منع إسرائيل من قصف المواقع الإيرانية في سوريا. روسيا لا تستطيع أن تعوض إيران اقتصادياً، لأنها هي ذاتها ليست في وضع جيد.
وأسأل محدثي عما إذا كانت الولايات المتحدة تعطي الصين حرية التحرك في إيران في حين يشن الرئيس دونالد ترمب حرباً تجارية عليها، ويجيب بأنه لا يعتقد أن واشنطن تستطيع منع بكين من جعل الأمور صعبة بالنسبة لها في إيران. وإذا نجح الأميركيون في إضعاف الصين اقتصادياً، فعندها لن يرغب الصينيون في تحويل كثير من الموارد إلى إيران.
ومن ناحية أخرى، وفي رد فعل، هل يمكن لإيران أن تجعل «الحياة جحيماً» للأميركيين في العراق؟
يجيب: قد تحاول، لكنها لن تنجح، لأن في العراق قوى؛ بينها شيعية، لديها أسبابها والرغبة في عدم سيطرة إيران على العراق. لذلك، إذا حاولت إيران، وانطلاقاً مما رأينا في مواقف الرئيس ترمب، فإن محاولاتها في العراق لن تثنيه، بل على العكس ستقوي من عزيمته ضدها.
من ناحية أخرى؛ يستبعد محدثي أن يكون للوضع الإيراني الآن تأثير مباشر على «حزب الله» في لبنان. لكنه يعترف بأن هناك فرقاً كبيراً بين ما إذا كان «حزب الله» وحده، وأنه يقف مع سوريا ضد إسرائيل، لأن إسرائيل تستطيع أن تردع «حزب الله»، وإذا لم يجدِ الردع، فيمكن لإسرائيل أن تعيث خراباً في لبنان، وإذا ثبتت إيران نفسها في سوريا، فعندها القوّتان؛ «حزب الله» وإيران، يمكن أن تجعلا إسرائيل تدفع ثمناً مرتفعاً جداً. ولهذا، فإن الإسرائيليين مصممون على منع إيران من إقامة بنى تحتية عسكرية لها في سوريا. أما بالنسبة للوضع الاقتصادي، فإن «حزب الله» يحصل على الأموال عبر أنشطة كثيرة؛ منها تجارة المخدرات، واستعمال أموال تتحرك من الغرب من قبل الشيعة إلى الحزب. لذلك من يقول إنه إذا أوقفت إيران تمويل «حزب الله» غداً، فإنه سينتهي، هو على خطأ، لأنه على المدى القصير لا يعتمد الحزب كلياً على إيران، ولأن «حزب الله» يمتلك ترسانة كبيرة. التأثير الكبير هو إذا لم يكن لإيران تأثير ووجود ونفوذ على مستوى كبير في سوريا، أو إذا انتهت قدرتها على نقل الأسلحة والصواريخ من سوريا إلى «حزب الله» في لبنان.
بعد نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ أي مع بداية عام 2019 ستكتشف أوروبا محدوديتها تجاه الأضرار التي ستسببها المقاطعة الأميركية. وإذا زادت المشكلات الاقتصادية داخل إيران، فسنلاحظ أن مشكلة واحدة تلد مشكلات أخرى.
العالم لا ينتظر حرباً ضد إيران، بل سيراقب كيف ستتفجر إيران من الداخل، أو أنها ستضعف إلى درجة أن تدخلها في الدول الأخرى من أجل السيطرة سيكون أكثر صعوبة. وسوف نرى كثافة في النقاشات، وربما الصراعات الإيرانية الداخلية. لكن علينا أن نتذكر أن إحدى وسائل الراديكاليين في إيران لتجنب هذا الضعف، ستكون الدفع نحو حرب أو مواجهة. ربما قد نواجه إجراء راديكالياً من إيران لمنع التراجع. قد يحاول الراديكاليون القيام بعملية كبرى في سوريا، أو الرد عسكرياً على ما تقوم به إسرائيل في سوريا، أو تكثيف إطلاق الصواريخ من الحوثيين في اليمن باتجاه منطقة الخليج، أو إطلاق صاروخ «أرض – بحر» لإصابة ناقلة نفط في شمال باب المندب… قد نرى تصعيداً محدوداً من أجل منع الإضعاف التدريجي. لكن إذا نجحت المقاطعة الأميركية، فسينجح إضعاف النظام الإيراني، حتى يجلس على طاولة مفاوضات جديدة وموسعة.

7 العراق الجديد وانهيار التدخلات في شؤونه افتتاحية اليوم السعودية
يتضح للعيان بعد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وعلى رأسها رئيس الجمهورية أن الوقت قد حان لانتشال هذا القطر العربي من أزماته التي كانت مستعصية على الحل، والأمل معقود بعودة العراق إلى حظيرته العربية والإسلامية والدولية بعد صراعات داخلية دامية وتدخلات في شؤونه لاسيما من النظام الإيراني الإرهابي الذي أراد بسط هيمنته ونفوذه على أرض العراق والتحكم بصنع قراراته، وهذا ما كان يحدث حيث لم يكن للعراقيين يد للتصرف في شؤونهم وكان حكام طهران بتدخلاتهم السافرة في شأنه يحشرون أنوفهم في كل ما يتعلق بمصير العراق ومقدراته وحرية أبنائه وسيادته، وهو تدخل طالما حذرت منه دول العالم بأسرها، وقد جاء الوقت اليوم للتخلص من الكابوس الإيراني المقيت وانعتاق هذا الشعب الحر من تدخلات نظام إيران في شؤونه، فلطالما ذاق الأمرين من الأزمات الطاحنة التي كادت أن تأتي على الأخضر واليابس في هذا البلد بسبب التدخلات الإيرانية السافرة في شأنه، كما أن العراق كان مسرحًا لمنظمات إرهابية عديدة عاثت خرابًا وفسادًا وتدميرًا في منشآته ومؤسساته وقتلت الآلاف من الأرواح العراقية البريئة ضمن سلسلة من العمليات الإرهابية الشريرة التي عانى العراق منها كثيرًا. الوقت الآن قد تغير تمامًا بعد التغييرات التي حدثت في هيكل الحكومة العراقية، ولا مجال بعد اليوم لعودة هذا القطر إلى أزماته الطاحنة السابقة، فكل الدماء الجديدة في الحكومة المشكلة مصممة على إعادة بناء العراق من جديد بطريقة تخلو من التدخلات الأجنبية في شأنه، وتخلو من عبث الإرهابيين وتدميرهم لهذا البلد الذي يتوق اليوم لصنع قراراته من قبل رجالاته الأوفياء بعيدًا عن أي شكل من أشكال الاستقطاب والتدخلات وفرض الآراء التعسفية على حكومته الجديدة التي تنظر بعيون مملوءة بالأمل إلى صناعة غد جديد لعراق جديد يتعطش للحرية والاستقرار والأمن، بعد سنوات عجاف من الحروب والأزمات الطاحنة التي أنهكت مفاصل الجسد العراقي وكادت أن تدخله في نفق مظلم لا بصيص لأية أنوار في نهاياته المعتمة، فالتطلع إلى بناء غد عراقي مشرق جديد هو ما يراود ساسته بعد تشكيل حكومتهم الجديدة وإعادة النظر في كل الأحوال التي عاشها العراق سابقًا والعمل على تغييرها إلى الأفضل والأمثل. الأمة العربية تتطلع اليوم إلى العراق بعيون متفائلة في التغيير، وهو تفاؤل يراود أبناء شعب العراق بكل أطيافهم ومشاربهم، فقد عانوا الأمرين من الظلم والجبروت والتعسف من قبل النظام الإيراني الدموي الجائر، ومن قبل الميليشيات الإرهابية التي تسللت إلى أراضي العراق لتعيث فيه فسادًا وتخريبًا، وتعمل مع حكام طهران على طمس هوية العراق وانتمائه العربي، غير أن تلك المحاولات تتهاوى اليوم في ظل الرغبة الصادقة من قبل كافة العراقيين لبناء وطنهم من جديد بطريقة ترسم له إنشاء صروح استقراره وأمنه وسيادته وتقرير مصيره على تراب أرضه الوطني.
8 ضحايا العزل السياسي في العراق احمد صبري
الوطن العمانية

”إن الشروع بحملة وطنية ودولية باتت ضرورية لإنصاف المتضررين من قوانين الاجتثاث والعزل والانتقام لرفع غبن القوانين وآثارها التدميرية على المجتمع وحقوق الإنسان، في محاولة لتعطيل هذه القوانين وتداعياته التي تحولت إلى سيف مسلط على رقاب المشمولين بهذه القرارات لأن السكوت على هذه الممارسات الانتقامية سيشجع القائمين على تنفيذها لتوقع أفدح الخسائر بشرائح أخرى…”
يتصدر العراق قائمة الدول التي تعاني من ظاهرة العزل السياسي والاستهداف والانتقام والاجتثاث، الأمر الذي أدى إلى إيقاع أفدح الخسائر المادية والبشرية والإنسانية بملايين العراقيين ما أثار قلق منظمات حقوق الإنسان التي عدت ما يتعرض له المشمولون بالعزل السياسي بأنهم ضحايا لسياسة ممنهجة تستند إلى الكراهية والانتقام على خلفية سياسية تهدف إلى حرمان هؤلاء من حقوقهم المدنية التي كفلتها القوانين.
لقد تعرضت مجاميع كبيرة من نخب العراق وعلمائه من شرائح مختلفه بعدغزو العراق واحتلاله عام 2003 تعرضت حملة ممنهجة من قتل وتهجير واجتثاث وفصل تعسفي من وظائفهم، وهي أكبر عملية إقصاء تعسفي في التاريخ الحديث بسبب فكرهم السياسي استنادا إلى قانون المساءلة والعدالة كغطاء للعزل والإقصاء لرجال الدولة العراقية الذي كان لهم الدور في الحفاظ على وحدته والحفاظ على ثروته والدفاع عن حدوده.
وفي مقابل هذه الحملة المتواصلة لإيقاع أفدح الخسائر بنخب ورجال العراق يؤكد القائمون على القرار السياسي في العراق أنهم يسعون إلى تحقيق المصالحة الوطنية للحفاظ على الأمن والسلم المجتمعي وتحقيق التوازن السياسي، إلا أن هذه التصريحات ذهبت أدراج الرياح وأعيدت الأمور إلى المربع الأول، وكأننا في الأيام الأولى للغزو والاحتلال، حيث الأوامر التي ترد من خارج الحدود إلى جهات خارجة عن القانون لتتولى التصفيات الجسدية لرجال مشهود لهم بالكفاءة والإبداع والنزاهة والحرص على المال العام.
وما يعزز النهج الانتقامي ومصادرة الحقوق صدور القانون رقم 72 لسنة 2017 والخاص بمصادرة ممتلكات 52 شخصية وحجز ممتلكات (4257) من رجال النظام العراقي السابق دون أي سند قانوني يؤكد استمرار الكراهية والانتقام.
وأدت هذه السياسة الانتقامية ومخاطرها على السلم المجتمعي ومستقبل العراق إلى تنادي مجموعة من المهتمين بحقوق الأنسان وفضح ما يجري في العراق من استهداف وعزل سياسي ومصادرة للحقوق لتأسيس رابطة الدفاع عن ضحايا العزل السياسي في العراق تتولى التعامل مع القانون المذكور وتداعياته من النواحي القانونية والإنسانية والسياسية، ووضع حد للتعامل اللاإنساني وغير القانوني والإقصائي لوضع المجتمع الدولي أمام حقائق ما يجري بحق شريحة تعرضت للظلم والانتقام والعزل من دون أن يلتفت العالم لتداعيات هذه السياسة التي شملت ملايين العراقيين.
إن الشروع بحملة وطنية ودولية باتت ضرورية لإنصاف المتضررين من قوانين الاجتثاث والعزل والانتقام لرفع غبن القوانين وأثارها التدميرية على المجتمع وحقوق الإنسان في محاولة لتعطيل هذه القوانين وتداعياته التي تحولت إلى سيف مسلط على رقاب المشمولين بهذه القرارات؛ لأن السكوت على هذه الممارسات الانتقامية سيشجع القائمين على تنفيذها لتوقع أفدح الخسائر بشرائح أخرى وتفتح الباب أمام تكريس هذه الظاهرة في الحياة السياسية التي سيكون الخاسر الأكبر فيها العراق ونخبه وعلماءه وتفادي المحرضين عليها من المساءلة القانونية.
9 اختيار برهم صالح انتصار لوحدة العراق حمادة فراعنة صحيفة الدستور الاردنية

تعرفت على الرئيس برهم صالح، والتقيته غير مرة من خلال الدعوات والزيارات المتكررة لبغداد وكردستان من قبل صديقي حكمت محمد كريم ( ملا بختيار ) أمين سر المكتب السياسي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ووجدت لديه وفيه أنه من مدرسة الرئيس الراحل جلال الطلباني، التي تؤمن حقاً بمسألتين مترابطتين وهما :
أولاً : الحفاظ على الشخصية الكردية واستقلاليتها وهويتها الوطنية القومية ورد الاعتبار لها بما تستحق بعد ظُلم تاريخي وقع عليها من قبل ثلاث قوميات عملوا وإن كانوا منفصلين عن بعضهم البعض، عملوا على اضطهاد الكرد وحرمانهم حقهم في التعبير والهوية وسرقة تاريخهم وتشويه روايتهم وتحالفاتهم وهم العرب في العراق وسوريا وتركيا وإيران، فالكرد وأرضهم تنقسم بين البلدان الأربعة وتمزق ولائهم وثقافتهم وتشردوا مضطهدين لما تعرضوا له من حرمان حق تقرير المصير وتدمير تماسكهم بأقسى أنواع الذل والمهانة، باستثناء فترة قصيرة سعى لها الرئيس الراحل صدام حسين، حينما قرر منح الحكم الذاتي منفرداً عن باقي دول الإقليم، لإقليم كردستان العراق.
ثانياً : الحفاظ على وحدة العراق وتماسكه على أساس المواطنة والشراكة ودولة عراقية موحدة تضم قوميتين متساويتين في الحقوق والواجبات العرب والكرد، وضمن دستور ديمقراطي يكفل الموازنة بين الأغلبية والأقلية.
سمعته يقول رداً على رغبات الانفصال الكردي عن العراق وعلى فكرة الاستفتاء: « كيف يمكن المساواة بين فكرة الشراكة في دولة كبيرة قوية، وبين دولة مستقلة صغيرة محاصرة من خصوم وأعداء لن يتركوا لها فرص الحياة السوية والطبيعية «.
برهم صالح أدرك بشكل مبكر مثله مثل رفيقه ورئيسه جلال طلباني أن تركيا وإيران ضد أي نزوع استقلالي لدى الكرد، لأن ذلك سيؤثر عليهما، فإذا كان الكرد في العراق ستة ملايين، وفي سوريا مليونان، فهم في تركيا ثمانية عشر مليوناً، وفي إيران حوالي عشرة ملايين مما يعني أن فكرة استقلال كردستان العراق إذا انتصرت وتعززت ستدمر تركيا وإيران لأنها ستتسلل لهما وتدفع باتجاه استقلال الكرد لدى تركيا وإيران، كما أن الاستقلال الكردي وإن كان قضية وطنية قومية لدى الكرد، ولكنها قرار دولي، لم يكن متوفراً حتى لدى الولايات المتحدة التي رفضت فكرة الاستفتاء وهذا ما نصحتْ به واشنطن حليفها رئيس الإقليم مسعود البرزاني الذي ارتكب خطأه التاريخي بالإصرار على الاستفتاء وأدت إلى هزيمة كردستان وخسارة العديد من الإنجازات التي حققها الكرد عبر نضالهم الطويل وتضحياتهم الكبيرة .
جلال الطلباني كان يتباهى بعلاقته مع رفيقه الراحل جورج حبش، ومع صديقه نايف حواتمة فيصف نفسه على أنه لو لم يكن كردياً لكان قومياً عربياً بروح تقدمية تصر على الشراكة والوحدة والمساواة بين العرب والكرد.
نجاح برهم صالح لم يكن نتيجة التصويت فقط بل هو نتاج تاريخ ونضال وتفاهم وإصرار على العلاقة الندية المتكافئة وإرساء قيم المساواة بين العرب والكرد لدى الدولة العراقية الموحدة على أساس المواطنة والشراكة.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top