8 مقالات عن العراق يوم الثلاثاء في الصحف العربية

8 مقالات عن العراق يوم الثلاثاء في الصحف العربية

1 لمُّ الشمل في رحاب البيت العتيق سعيد الفرحة الغامدي المدينة السعودية

بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز تُعقد خلال الأيام المقبلة في رحاب البيت العتيق ثلاث قمم خليجية وعربية وإسلامية للتشاور حول المواضيع المتأزمة التي تحيط بالجزيرة العربية على وجه الخصوص والخطر الإيراني الذي يدفع بالمنطقة الى فوهة أزمة قد تجر العالم الى حرب كونية ثالثة.

ولأهمية التوقيت وما يتطلبه الوضع العربي من تدارس الموقف العربي الإسلامي فإن القيادة السعودية على الدوام تعمل على وحدة الصف وتوافق الآراء واتخاذ المبادرات للتصدي للأزمات.. وحتى لا يبقى أحد خارج دائرة المشاركة وتنسيق الجهود المطلوبة للتصدي للتحديات والمخاطر التي تفرضها المرحلة فإن ما تقوم به ايران وعملاؤها في المنطقة من انتهاكات للقوانين والأعراف الدولية وحرمة الأماكن المقدسة يتطلب توحيد المواقف من الدول الخليجية والعربية في المقام الأول لأن المملكة لديها الإمكانيات ولله الحمد للرد بالطرق التي يفهمها الخصوم ولكن نهجها عدم التسرع ومشاورة الأشقاء العرب والدول الصديقة لأن المصير واحد، ولكي لا ننسى أن العراق خاضت حرباً لمدة عقد من الزمن مع ايران من أجل التصدي لسياسة تصدير الثورة الذي خطط له الخميني ونظامه وبعد تجرُّعه السم في تلك الحرب استكان لفترة وعاد لمحاولة تنفيذ المخطط عن طريق الشبكات الإرهابية بواسطة عملائه في العراق وسوريا ولبنان واليمن وبعض الجيوب الخفية في دول أخرى.

وما تشهده المنطقة من حشد أمريكي ينذر بانفجار الأزمة وإدخال المنطقة في أتون حرب عالمية مدمرة ستكون كارثية على اقتصاد العالم وتعيق المشاريع التنموية في المنطقة العربية..

اليمن الذي أوصله الحوثي الى عنق الزجاجة مهما كانت نتائج الصراع القائم حاليًا بين عملاء ايران والحكومة الشرعية سيظل يعاني لفترة طويلة كما هو الحال في العراق وسوريا ولبنان التي باتت على حافة الانهيار بسبب التدخلات في شؤونها الداخلية وإنهاك اقتصادياتها وتعطيل أي محاولة لتنمية مستدامة في تلك الدول التي تعاني من الفقر والمرض وانعدام الأمن والاستقرار.

إن الواقع العربي يفرض على الجميع عدم التماهي مع السياسة الإيرانية المراوغة والتي لم يحصل منها أي عمل ايجابي يخدم الأمن والاستقرار في العالم إلا استخدام القضية الفلسطينية لخدمة مصالحها الإستراتيجية الرامية للهيمنة على المنطقة. وقد أعلنت ذلك صراحة على لسان وزير خارجيتها بأنها -إيران- تسيطر على عواصم أربع دول عربية والحبل على الجرار.. وبفضل هذه الحيثيات تفتح المجال لمزيد من الابتزاز وتصعيد الأزمات واستنزاف مقدرات الشعوب للتسليح وتعطيل مشاريع التنمية المستدامة.. والتاريخ شاهد بأنه مهما كانت التمنيات الرغبوية بأن ايران ستغير من سلوكها بدون إرغامها على ذلك فإن هذا يُعد رهاناً مآله للفشل وتلك طبيعة الأنظمة الشمولية التي تحركها الأوهام في كل تصرفاتها.

والمملكة العربية السعودية بسياستها الواقعية تضع كل شركائها أمام التحديات المفروضة على المنطقة والأمل أن تكون الاستجابة على مستوى جدية المبادرة السعودية من خلال القادة في رحاب البيت العتيق وفي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك.

حفظ الله أرض الحرمين من كل سوء ووفَّق القادة لاتخاذ القرارات السليمة لمعالجة التفكك الذي أصاب العالم العربي في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الأمة.
2 العودة إلى تصفير العداد داود الفرحان الشرق الاوسط السعودية

في ظهيرة يوم 19 أغسطس (آب) عام 2003، بعد أربعة أشهر من بدء الاحتلال الأميركي للعراق، هزّ العاصمة العراقية انفجار هائل سُمع دويه في بغداد كلها، التي تبلغ مساحتها أكثر من مائتي كيلومتر مربع. وتبين أن سيارة مفخخة استهدفت مقر الأمم المتحدة، الذي كانت المنظمة قد استأجرت مبناه كاملاً في عام 1991، بعد أن كان فندقاً بأربع نجوم يحمل اسم «فندق القناة»، نسبة إلى قناة الجيش التي تقع أمامه مباشرة. وكان هذا الانفجار هو الأكبر والأضخم منذ توقف قصف العدوان الأميركي. وأدى إلى مقتل ما لا يقل عن 22 شخصاً وجرح 100 آخرين، معظمهم من العراقيين والأجانب العاملين في المقر يتقدمهم سرجيو فييرا دي ميلو البرازيلي الجنسية والممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة الأسبق كوفي أنان. وحدث انفجار آخر استهدف المبنى نفسه في العام التالي. وتبنى الانفجارين «تنظيم أبو مصعب الزرقاوي».
وتشاء الصدف أن الصحافيين والمراسلين، وأنا بينهم، كانوا على موعد في اليوم التالي مع ممثل الأمم المتحدة للتحدث عن تطورات الأحداث، بعد سقوط النظام السابق، وبدء رحلة الألف ميل التي لا يعرف أحد متى تنتهي.
في يوم 21 مايو (أيار) الحالي، أصدر مجلس الأمن القرار 2470 لعام 2019، ونقرأ في ديباجته ونصه الأفعال الشهيرة في كل بياناته السابقة واللاحقة: «إذ يؤكد من جديد. وإذ يُعرب عن أمله. وإذ يُرحب بالجهود. وإذ يُهيب بالمجتمع الدولي. وإذ يُعيد التذكير. وإذ يُشدد على. وإذ يُشير إلى جميع قراراته السابقة ذات الصلة بالعراق، وعددها 17 قراراً»، بمعدل قرار سنوي واحد منذ 2003 إلى 2018 (أصدر في عام 2004 قرارين). والبيان يشبه افتتاحية رديئة لصحيفة تقليدية في نظام شمولي تطلق آراء عمومية يمكن أن يفسرها من يشاء كيفما يشاء.
لا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء، ليعرف أن كثيراً من قرارات مجلس الأمن الدولي حبرٌ على ورق، آخرها مثل أولها، في طريق مغلق لا منفذ منه ولا إليه. والخلاصة الأولى لقراءة القرار الأخير تفيد أن شيئاً لم يتغير منذ بداية الاحتلال الأميركي إلى هذا الصباح. وإذا كتب الله لنا عمراً فإننا سنقرأ القرار نفسه برقم جديد في عام 2050. «كلمات ليست كالكلمات» كما تقول المطربة الشهيرة ماجدة الرومي؛ «سيادة العراق ووحدته وسلامة أراضيه واستقراره وازدهاره وأمنه وإعادة الإعمار والمصالحة». ولا يغفل القرار أن يشير إلى «برنامج حكومة العراق الوطني» للتصدي للفساد، وتعزيز المؤسسات الحكومية التي تمتلك مقومات البقاء». وكله إنشاء في إنشاء.
واعتدنا في الصحف العراقية الحكومية في النظام السابق أن ننشر افتتاحية في الذكرى السنوية لثورة 17 يوليو (تموز) كل عام. وكان أحد الزملاء متخصصاً بهذا النوع من الافتتاحيات، ويتحفنا كل عام بافتتاحية عملاقة بدايتها في الصفحة الأولى، وتتمتها في صفحة الوفيات. وكنا نعجب بقدرته الفائقة في كتابة افتتاحية طولها أكثر من كيلومتر خلال أقل من نصف ساعة! وفي ساعة سلطنة مع إحدى أغاني كوكب الشرق أم كلثوم اعترف الزميل أن كل الافتتاحيات التي كتبها خلال السنوات العشر الماضية هي تكرار للافتتاحية الأولى، وكل ما كان يفعله في السنوات اللاحقة هو تغيير جملة «الذكرى السنوية الأولى إلى الذكرى السنوية الثانية أو الثالثة أو العاشرة». وفلسفته في هذا الشأن أن «القيادة» لم تعترض على الافتتاحية الأولى، ولذلك فمن الأفضل تكرارها في السنوات اللاحقة… و«يا دار ما دخلك شر»!
وهكذا نحن اليوم إزاء قرارات لمجلس الأمن، كلها تكرار لما ورد في القرارات السنوية السابقة، مع أنه تم تغيير الأمين العام الغاني كوفي أنان والكوري الجنوبي بان كي مون، ووصلنا إلى البرتغالي الحالي أنطونيو غوتيريش. وما زالت القرارات السابقة نفسها ما دامت حظيت بارتياح الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. القرارات ليس فيها أي جديد باستثناء تجديد فترة عمل بعثة «يونامي». ومصيبة المصائب، أو أم المصائب، أن قرار التجديد السنوي يصدر بناءً على طلب حكومة العراق الحالية والسابقة وقبل السابقة، وكل القرارات والإجراءات لا تتم إلا بموافقة الحكومة. وهي تُعدد المجالات التي يُطلب من البعثة تقديم المساعدة للحكومة في إطارها، وهي مجالات واسعة جداً، لكن القرار يقرن كل مساعدة بموافقة الحكومة العراقية، لذلك فإن عمل البعثة الأممية يعتمد كلياً على ما يقبله النظام الطائفي الفاسد والفاشل. عدنا إلى تصفير العدّاد مرة أخرى!
أما قضايا القمع والانتهاك الجسدي لحقوق الإنسان، والتغيير الديموغرافي، وتزوير الانتخابات، وتهريب النفط الواسع إلى إيران، وكذلك تحويل العملات الصعبة إلى طهران، وحرمان ملايين السكان، خصوصاً في الجنوب من مياه الشرب، وتردي منظومة الكهرباء في معظم المحافظات، والفساد العام، والسجون، والبطالة، وسوء التعليم، وتفشي الأمراض والأوبئة، ومخيمات اللاجئين، والتعامل الطائفي والعنصري مع العراقيين، وتحول الميليشيات المدعومة من إيران إلى دول داخل الدولة. فكلها أمور «هامشية» لا تتماشى مع «إذ يُعرب، وإذ يُرحب، وإذ يُهيب، وإذ يُعيد، وإذ يُشير، وإذ يُشدد»، ولذلك لا أثر لهذه القضايا الحساسة في أي قرار منذ 2003 إلى 2019.
أي تقرير هذا الذي لا يُشير، ولو بسطرين، إلى تصفية الأطباء والعلماء وأساتذة الجامعات والأدباء والإعلاميين وضباط وطياري الجيش السابق؟ أي تقرير هذا الذي لا يُشير إلى اغتيال المتظاهرين، واستمرار اعتقال السياسيين وقيادات الجيش السابق بلا محاكمات، والإخفاء القسري لآلاف من أبناء محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى؟
ولكي لا تصبح الأمم المتحدة شاهد زور على جريمة تدمير بلد عظيم وإبادة شعب عريق، فإن المفروض أن تُعد بعثة الأمم المتحدة المقيمة في العراق تقريراً سنوياً اعتماداً على خبرائها في مختلف المجالات، ويُقدم إلى مجلس الأمن بدلاً من تقرير الحكومة المتهمة أساساً بالعجز والفشل والفساد. فإذا كان المجلس يعتمد على ما تقوله الحكومة عن «منجزاتها»، فهذا أمرٌ يدعو إلى الشك، ففي إمكانها أن تزعم أنها أطلقت مركبة فضائية إلى كوكب عطارد لمطاردة الميليشيات، ويصادق المجلس على ما تزعمه.
ما هي الحاجة إذن إلى بعثة الأمم المتحدة؟ الصحيح أن تكتب البعثة تقريراً مفصلاً عمّا تم إنجازه، وما تعثر من الخطط.
بالإنجليزي الفصيح: القرار 2470 لعام 2019 والقرارات السابقة المشابهة لا تُقدم أي أمل للشعب العراقي، لكنها توفر فرص عمل في بعثات الأمم المتحدة فقط.
3 من يريد الحرب… أميركا أم إيران؟ د. كريم عبديان بني سعيد الشرق الاوسط السعودية

لعل السؤال الذي يشغل الرأي العام العالمي هذه الأيام يدور حول التوتر الإيراني – الأميركي المتصاعد ومن يريد الحرب، وأي طرف سيكون الخاسر، ومن سيكون المستفيد إذا اندلعت.

من الواضح أن الولايات المتحدة أبدت جدية فائقة في رغبتها لوضع حدّ للسلوك العدواني الإيراني، خصوصاً حول إنهاء تدخلاتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهذه هي الأولوية القصوى لإدارة ترمب لأنها تعدّ أن إيران باتت تعرض مصالحها ومصالح حلفائها للخطر.

ولم يعد الملف النووي الإيراني على رأس قائمة أسباب القلق الأميركي. حسب التقديرات الأولية، فإن إعادة تجهيز نظامها النووي لتخصيب اليورانيوم بنسبة عالية إلى ما كان قبل عام 2015، ليست وشيكة، خصوصاً بعد توقف صادرات النفط وقلة الموارد المالية لدفع ثمن التكنولوجيا المستوردة. كما أن نظام إيصال القنابل النووية أبعد من ذلك عن تخصيب اليورانيوم لا يمكن أن تطوره على المدى القصير. إضافة إلى ذلك، تمتلك الولايات المتحدة القدرة والإمكانات الكافية لمراقبة البرنامج النووي الإيراني سواء من خلال الأقمار الصناعية أو رصد الحركة أو الحرارة، وأي جهود أو تحركات في اتجاه الأنشطة النووية المشبوهة.

منذ اكتشاف محطات «فوردو» و«ناتانز» ومنشآت أخرى تحت الأرض في أعماق الأنفاق وتحت الجبال، طورت الولايات المتحدة سلاح اختراق عالي السرعة (HVPW)، مثل «القنبلة الحركية العملاقة – ألف باوند» الضخمة المخترقة للذخائر (MOP) المصممة لتدمير الأهداف المدفونة مثل المستودعات والأنفاق العميقة تحت الأرض.

لكن القضية التي تحتل الأولوية القصوى لدى الإدارة الأميركية الآن هي استمرار تمدد إيران ودعمها الإرهاب في المنطقة، ومنذ أن بدأ وزير الدفاع السابق الجنرال ماتيس مشروع لجم إيران وإعادتها إلى حدودها، استمر هذا المشروع حتى بعد رحيله، حيث يتفق الجنرالات الكبار في البنتاغون على أن ذلك هو الأولوية القصوى.

وفي رأيي؛ هذا هو السبب الأساسي وراء رغبة الولايات المتحدة في إرغام إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشرط قبول خطة بومبيو المؤلفة من 12 بنداً، والتي لا تشمل الردع النووي فحسب، بل في مقدمتها الانسحاب من جميع دول المنطقة، ووضع حد للسلوك العدواني ودعم الإرهاب، والتوقف عن سياسة تصدير الثورة البائسة.

من جهة أخرى، تعد تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز مجرد شعارات فارغة غير قابلة للتحقيق. إن تهديد «الحرس الثوري» الإيراني بإغلاق المضيق سيعرضها لعواقب قانونية وحقوقية جراء عرقلة الملاحة الدولية، وبالتالي ستكون يد الولايات المتحدة مفتوحة لأي خيار. هذا صحيح أن يمنح الدستور الأميركي الكونغرس سلطة إعلان الحرب لكن يستمد الرئيس القدرة على توجيه الجيش في جميع الأوقات، سواء كان هناك إعلان حرب رسمي أم لا، وفقاً لقرار عام 1973، يعترف ويعطي الرئيس سلطة تدبير الهجمات ضد الولايات المتحدة ويجعل الرئيس مسؤولاً عن قيادة القوات المسلحة.

يتراوح عرض مضيق هرمز بين 50 و90 كيلومتراً، ووفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أو معاهدة قانون البحار الدولي لعام 1982، والتي في عام 2016 انضم إليها 167 موقعاً، بما في ذلك إيران، فإن جميع الدول لديها حق الملاحة في مضيق هرمز. تنص الاتفاقية على أن مرور السفن في مضيق هرمز يحظى بدعم القواعد الدولية لسيادة السلام والأمن في الدول الساحلية، وبالطبع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سوف يتخذ موقفاً حازماً ضد هذه الخطوة، وربما يكون مصحوباً بعمل عسكري.

كما أن واشنطن قامت بقوتها الدبلوماسية بتشديد العقوبات ضد إيران، وحظرت بيع النفط الإيراني، وهذه قضايا لا تبرر لـ«الحرس الثوري» إغلاق المضيق بطرق عسكرية. هذه قضية قانونية، وإذا أرادت إيران حلها، فيجب أن تفتح معركة حقوقية مع الأميركيين في محاكم دولية.

مؤخراً جادل علي رضا تنغسيري، قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، قائلاً: «إذا منعت إيران من استخدام مضيق هرمز، فإننا سنغلقه (المضيق) بلا أدنى شك». وقال محمد باقري، رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، يوم الأحد، 8 مايو (أيار) الحالي: «إذا لم يعبر نفطنا المضيق، فمن المؤكد أن النفط من الدول الأخرى لن يعبر المضيق أيضاً». هذا يذكرنا بشعارات «الحرب… الحرب، حتى النصر» من قبل وخلال الحرب مع العراق من الجنرالات أنفسهم، لكننا رأينا أن عليهم إقناع الخميني بتناول السم.

كما أن قيام ترمب بوضع «الحرس الثوري» في قائمة التنظيمات الإرهابية العالمية التي تهدد السلم والأمن، يمنحه المبررات القانونية اللازمة للقيام بعمل عسكري ضده، وفق الدستور الأميركي، وسيمنحه الكونغرس سلطة إعلان الحرب.

لكن هناك أسباباً أخرى لعدم رغبة إدارة ترمب في الدخول في حرب مباشرة ضد إيران؛ أهمها أن الأميركيين لا يريدون حرباً أخرى بينما يشاركون في أطول حرب في أفغانستان.

كما أن لديهم وسائل أخرى غير الحرب بإمكانها كبح جماح الإيرانيين؛ من خلال استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، حيث يعتقد الأميركيون أن هذه الضغوط ستؤدي في النهاية إلى إسقاط النظام في طهران بتآكله وبتصاعد انتفاضة الشعوب في داخل إيران.

الأمر الآخر هو قرب موسم الانتخابات التي يطمح أن يفوز بها ترمب مرة أخرى ولا يريد التخلي عن وعده بالانسحاب من التدخلات الخارجية. بالطبع هذا إذا لم تقم إيران بعمل عدواني لدرجة تجعل ترمب يستطيع إقناع جمهوره الانتخابي بأن المصالح الأميركية في خطر.

هنا تجدر الإشارة إلى أن إيران حركت جماعات اللوبي الذي يعمل لصالحها مثل NIAC وغيره، وشركات المحاماة المستأجرة لشن حملة كبيرة ضد ترمب، منذ أن جاء ظريف إلى نيويورك قبل أسابيع وبدأ يروج أن هناك من يحرض إدارة ترمب على الحرب وأن إيران هي الضحية، ويطلق تصريحات ومعلومات مضللة تتلاعب بالصحافيين والمحللين والمسؤولين الغربيين.

كما أن بعض اليسار الأميركي وبالتعاون مع لوبيات النظام الإيراني بتعليمات مباشرة من ظريف، إلى جانب بعض اليسار الإيراني التقليدي المتطرف، بدأوا كالعادة حملة بشعارات «مناهضة الإمبريالية» بحجة مناهضة الحرب، خصوصاً مع وصول حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، إلى الشرق الأوسط.

ولدى متابعتي أبعاد قضية إرسال حاملة الطائرات والسفن الحربية وباقي التجهيزات والمعدات إلى الخليج العربي، اتصلت شخصياً بصديقين مقربين لي من الطيارين الذين يعملون ضمن تلك الأساطيل، وأكد لي كلاهما أن هذه المهمة كان مخططاً لها منذ عام تقريباً، وجزء منها مكون من أربع طائرات B – 52 لمراقبة سطح المحيطات، ويمكن أن تساعد القوات البحرية في عمليات مكافحة السفن وزرع الألغام ضد عمليات نشر مناجم قوارب «الحرس الثوري» الإيراني.

إن إرسال هذه التعزيزات وكذلك إرسال الجنود الإضافيين إلى المنطقة، لا يعني الدخول في حرب مباشرة، حيث لو أرادت واشنطن ذلك فلديها القوات الكافية؛ بدءاً من الأسطول الأميركي الخامس في الخليج، المكون من مجموعة حاملة الطائرات، ومجموعة برمائية جاهزة، ومقاتلات وغواصات، إلى الدوريات البحرية وطائرات الاستطلاع والسفن اللوجيستية… وغيرها، وهي كافية لتدمير إيران. هذا فضلاً عن القوات الموجودة في قطر والعراق وسوريا وأفغانستان وتركيا وبعض دول المنطقة.

إذن إرسال هذه التعزيزات هو لاستعراض القوة لردع إيران وليس للدخول في الحرب مباشرة مع إيران كما تروج لوبيات النظام الإيراني وأجهزته الإعلامية.

أما إيران؛ فهي أيضاً لا تريد الحرب لأسباب عدة؛ أهمها عدم تكافؤ القوة العسكرية وحتمية هزيمتها أمام القوة العسكرية الأميركية. كما أن أي مغامرة لها في الخليج العربي أو في بحر عمان ستكون انتهاكاً لقانون البحار الدولي وقواعد السلوك العرفية؛ حيث يمكن أن تثير حتى غضب حلفائها، مثل الروس والصينيين.

وتعرف إيران عجزها أمام قدرات الأميركيين التي يمكنها أن تشل كل قدرات جيشها وحرسها الثوري منذ اللحظات الأولى، ولذا يطلق نظام الملالي كل هذه التهديدات والضجيج للاستهلاك الداخلي فقط، وذلك على عكس حكمة الرئيس الأميركي الراحل ثيودور روزفلت، الذي قال: «تحدث بهدوء ولكن احمل عصاً غليظة خلف ظهرك «Speak softly but carry a big stick behind you».

وفي النهاية، لا يريد الطرفان الحرب، لكن أميركا تعوّل على التغيير من الداخل؛ وهو الخيار الصحيح، لأن الشعوب الإيرانية جاهزة للتغيير، وأثبتت خلال العام الماضي أنها مستعدة للتضحية للتخلص من نظام قمعي فاشل وفاسد، دمر حياتهم وسرق حياة الأجيال خلال 40 عاماً من الحكم الكهنوتي، لكنهم بالتأكيد يحتاجون إلى مساندة ودعم المجتمع الدولي، خصوصاً دول المنطقة المتضررة من شرور نظام الملالي الإرهابي.
4 إيران مصغرة في أكثر من مكان
سام منسى الشرق الاوسط السعودية
بين عصا العقوبات التي ترفعها الولايات المتحدة في وجه إيران وجزرة دعوتها للجلوس إلى طاولة المفاوضات من جديد، وعلى الرغم من التوتر المتصاعد والمواجهات بين الطرفين سياسياً وحتى ميدانياً، ينتظر المراقبون متى ستقرر إيران التفاوض وليس إذا كانت ستقرر ذلك استناداً إلى مؤشرات عدة تدل أن هذا هو الخيار الوحيد أمامها. ومع ذلك، لا نستطيع التغاضي عن إمكانية انزلاق الطرفين إلى نزاع عسكري غير مقصود.
مفاوضات أم حرب، أو لا مفاوضات ولا حرب؟ التكهنات كثيرة، ويبقى التفكير في مآلات هذه الاحتمالات لجهة خروجها بالتسوية التي تنتظرها الولايات المتحدة، خصوصاً في ملف توقف النظام الإيراني عن دعم الإرهاب وتغيير ممارساته في المنطقة فيما باتت تُعرف بسياسة تفجير الشرعية في أكثر من دولة عبر إيصال إلى البرلمانات أحزاباً مدججة بالسلاح.
إن التبصر في هذه المسألة يتطلب النظر إلى المشهد الأوسع إقليمياً ودولياً ومحاولة معرفة ملامحه وإذا ما كانت تميل الدفة باتجاه حصول التسوية المنشودة أو عدم حصولها.
على الصعيد الإقليمي، يبرز مشهد دول عدة تحتضن «إيران مصغرة»، إذ نجحت طهران في استنساخ نظامها فيها وباتت مؤسسات الدولة تتعايش مع تنظيمات محلية خارجة عن الدولة تفوقها قوة، وتمكن معظمها من اكتساب شرعية عبر صندوق الانتخابات وأصبح لاعباً رئيساً في رسم السياسات الداخلية والخارجية للبلاد. الأمثلة الأبرز لهذه التنظيمات هي «حزب الله» اللبناني و«الحشد الشعبي» في العراق و«الجهاد الإسلامي» في غزة، تليها ميليشيات الحوثي في اليمن و«حزب الله السوري» وتنظيمات أخرى كثيرة. لن ندخل في نقاش حول خطر هذه التنظيمات على النسيج الاجتماعي أو كيانية الدول وسيادتها، إنما نشير إليها للدلالة على أن إيران باتت مزروعة في المنطقة عبر شبكة من التنظيمات المحلية تأتمر بأوامرها. كل هذا في ظل انهيار النظام الإقليمي التقليدي في المنطقة وعدم بلورة نظام إقليمي جديد يلعب دور الضابط فيها حتى باتت دولها مبعثرة الصفوف، حليفة ومتنافسة في وقت واحد، ولم يعد من جامع يشد أواصرها غير احتواء إيران.
على الصعيد الدولي، المشكلة الأبرز هي فقدان الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة مصداقيتها، والأدلة على ذلك كثيرة. في سوريا، بدأ الأمر مع إدارة أوباما حين تراجع عن تهديداته لنظام الأسد بضربات موجعة إذا ما انتهك «الخط الأحمر» واستخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه. واستتبع ذلك انسحاب شبه كامل من الأزمة السورية، ما فتح الباب أمام التمدد الإيراني والنفوذ الروسي. إن السكوت الأميركي والأوروبي حتى الدولي عن التصعيد العسكري الروسي اليوم في إدلب لإسقاطها بالتقسيط كما جرى في حلب، والاتهامات الجديدة باستعمال السلاح الكيماوي، دليل آخر على فقدان القوى الغربية مصداقيتها.
في لبنان، تُرك «حزب الله» على غاربه لعقود وعقود حتى أصبح دولة ضمن دولة. وبعد اندلاع ثورة الأرز وتحرر البلاد من وصاية سوريا مع خروج جيشها، فشلت الولايات المتحدة في تأمين ما يلزم من دعم لهذه القوة التغييرية الديمقراطية، فسقطت أمام «حزب الله» وسقط معها لبنان في قبضته من جديد.
في العراق، قدمت أخطاء واشنطن المتتالية بلاد الرافدين إلى إيران على طبق من ذهب، وسمحت للأخطبوط الإيراني بالإمساك بالمفاصل السياسية والأمنية في بغداد.
في اليمن، وعلى الرغم من الحرب التي يخوضها التحالف العربي بدعم من التحالف الدولي ضد ميليشيات الحوثي، لا تزال هذه الأخيرة تشكل تهديداً كبيراً لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لا سيما مع امتلاكها ترسانة عسكرية كبيرة زُودت مؤخراً بصواريخ باليستية، وباتت كـ«حزب الله» طرفاً في المعادلة الإقليمية يتم التفاوض معه كأي قوة شرعية وحتى تتغاضى عنه الأمم المتحدة.
على المقلب الفلسطيني، وعلى الرغم من أن غزة تحت حكم حركة «حماس»، فإنه بإمكان «الجهاد الإسلامي» في أي وقت أن يجرها إلى حيث لا تريد، دفاعاً عن المصالح الإيرانية.
أما تركيا، فقد وقّعت على صفقة صواريخ «إس 400» مع روسيا على الرغم من كل التحذيرات الأميركية، آخرها ما تحدثت عنه وسائل الإعلام عن إمهال واشنطن أنقرة أسبوعين للتراجع عن هذه الصفقة. وبالنظر إلى تاريخ أميركا مع التحذيرات «والخطوط الحمر»، نرجح أن شيئاً لن يحصل.
بعيداً عن المنطقة وفي حديقة الولايات المتحدة الخلفية، فنزويلا، هددت أميركا بالتدخل عسكرياً دعماً لخوان غوايدو ضد نيكولاس مادورو. دخل هذا التهديد غياهب النسيان ليقتصر الرد الأميركي على فرض عقوبات مالية، فيما مادورو لا يزال في السلطة، ما دفع غوايدو إلى خيار المفاوضات، في خطوة تهدد بفقدان المعارضة زخمها وحتى انقسامها. من جهة أخرى لم تسفر المفاوضات مع كوريا الشمالية عن أي تقدم ملموس بشأن نزع السلاح النووي ودخلت في مأزق يبدو أنه غير قابل للحل. أما العلاقات التجارية مع الصين، فلا تزال هي الأخرى موضوع أخذ ورد ولم يتم التوصل إلى الاتفاق التجاري الموعود مع جينبينغ.
بالنسبة إلى روسيا، وعلى الرغم من عودتها إلى الساحة الدولية كلاعب مهم، لا بد من الإشارة إلى نقطة غاية في الأهمية: لا يمكن لأي دولة أن تدخل مصافّ الدول الكبرى باقتصاد ضعيف، وهذا الأمر ينطبق عليها. روسيا هي نمر، إنما نمر من ورق، يضاف إلى ذلك صعوبة أن تلعب دوراً في ظل غياب رؤية استراتيجية شاملة. فموسكو تريد أن تكون على صداقة مع إسرائيل وإيران والسعودية وتركيا وقطر في آن، وهذا التنافر في الموقف يؤشر إلى غياب المصداقية.
بين إيران المصغرة المزروعة في أكثر من مكان في المنطقة وفقدان الدول الكبرى مصداقيتها وفعاليتها وسط كثرة الكلام وانعدام التنفيذ، وفي ظل فقدان النظامين الإقليمي والدولي لضابط يتمتع برؤية شاملة ويعمل على حل الأسباب لا مواجهة النتائج، من الصعوبة بمكان تصور أن تفضي أي مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى التسوية المستدامة المرجوة. فكما فشلت واشنطن مع كوريا الشمالية في نهج فرض الالتزام بالمطالب أولاً لرفع العقوبات ثانياً، قد تفشل مع إيران، لا سيما أنه في الحالة الإيرانية، التقيد بهذه المطالب يعني أن تطلق طهران النار على رأسها. وحتى الحرب غير المرجحة أساساً ستفشل إلا إذا كان هدفها اقتلاع النظام الإيراني وكانت محصنة بدعم دولي وهذا قد يكون متعذراً، وستواصل إيران خوض حروبها خارج حدودها عبر أذرعتها الأخطبوطية المنتشرة في المنطقة.
في ظل هذه المشهدية، يؤمَّل أن تنجح القمتان الطارئتان، العربية والخليجية، التي دعت إليهما السعودية في بلورة موقف عربي واضح موحد لمواجهة التهديدات، يستند إلى قراءة واقعية جديدة للمشهد الأوسع ويقارب أسباب المشكلات، لا نتائجها، بعيداً عن أي رهانات على الخارج، علّه يجد السبل لوقف تصعيد قد يعرّض المنطقة في لحظة للمزيد من الكوارث.
5 مخاطر حرب أميركية على إيران
د.أسامة نورالدين
الوطن العمانية
يكاد يجمع الخبراء والمحللون المتابعون للتوترات المتزايدة ما بين الولايات المتحدة وإيران على أن الولايات المتحدة لن تقدم على شن حرب على إيران، ليس لأنها عاجزة عن القيام بذلك، ولكن لأن إيران لا ترغب ولا تسعى للدخول في مواجهة مع الأميركان، وأنها لذلك ستعمل جاهدة من أجل أن تفوت الفرصة على الإدارة الأميركية الحالية للقيام بتلك العملية التي من شأنها أن تقوض أسس الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم، والنظام الإيراني يجيد تلك اللعبة، وقد سبق وأن جربها مع العديد من الإدارات الأميركية والنظم الغربية في السابق، ونجح في نهاية المطاف في أن يوقع على اتفاق يحقق مصالح مختلف الأطراف وفي القلب منه إيران.
ولكن ماذا لو لم تذعن الإدارة الأميركية الحالية لصوت العقل، وضربت برؤى المؤسسات الأميركية الرافضة لشن تلك الحرب عرض الحائط، ولم تسمع لوجهات نظر شركائها الغربيين والدوليين الذين يتوجسون خيفة من تلك الحرب على مصالحهم في المنطقة والعالم، ومضت قدما في توجيه ضربة خاطفة للنظام الإيراني، معتقدة أنها بذلك تستطيع تحقيق نصر سريع يصب في صالح الرئيس ترامب ويدفع بالجمهور الأميركي للالتفاف حوله في الانتخابات الرئاسية القادمة.
في الحقيقة تستطيع الإدارة الأميركية القيام بتلك الضربة، وهي تملك من القوى العسكرية والدعم الإقليمي ما يمكنها من توجيه تلك الضربة للنظام الإيراني، وهي صاحبة خبرة وسوابق عديدة في هذا المجال، حيث سبق وأن أسقطت نظام طالبان، كما وأسقطت كذلك الرئيس العراقي صدام حسين، إلا أن نظرة سريعة على نتائج تلك الحروب والتدخلات الأميركية في شؤون الدول الأخرى، واستخدام قوتها العسكرية لإسقاط الأنظمة المعادية، يبين لنا خطورة هذه الخطوة ليس فقط على الولايات المتحدة وإنما على مستقبل النظام العالمي.
فرغم إسقاط نظام طالبان في عام 2001 إلا أنه حتى اليوم ما زالت أفغانستان ومنطقة وسط آسيا لا تنعم بالاستقرار، ووصلت الولايات المتحدة بعد ما تكبدته من خسائر مادية وبشرية لسحب قواتها والاعتماد على أعداد قليلة في حربها مع نظام طالبان، بل ولم تجد أمامها بدا في نهاية المطاف سوى التفاوض مع نظام طالبان، باعتبار أنه لا بديل عن التعامل معهم من أجل التوصل لحل سياسي نهائي في أفغانستان، الأمر نفسه بالنسبة للعراق الذي أدى سقوط نظامه السياسي لصراعات طائفية ومذهبية لم تنتهِ، ووصلت فيها الأمور لدرجة نشوء تنظيم من أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم وهو تنظيم داعش، لنصبح في مواجهة ليس فقط القاعدة التي ما زالت المجتمعات العربية تعاني بسببها، وإنما كذلك داعش الذي تسبب في تدمير البنية التحتية العراقية والسورية وتكبيد العالم العربي والإسلامي خسائر فادحة في الأروح والممتلكات، بعد أن دفع العالم للتكتل ضده بهذا الشكل الذي سبق وأن رأيناه وأدى إلى التدخل في شؤوننا واستنزاف ثرواتنا تحت مزاعم محاربة الإرهاب.
وما حدث في أفغانستان والعراق، سوف يتكرر في إيران ويحقق نفس النتائج بل وأخطر من ذلك، فإيران ليست العراق ولا أفغانستان، وهي تملك عناصر داعمة لها في مختلف الدول العربية، ويمكنها في حال أرادت أن تشعل الصراع في المنطقة، وفي هذه الحال لن نكون أمام داعش واحدة بل عشرات التنظيمات الخطيرة التي يصعب التعامل معها.
ليس هذا فحسب، بل وعلى فرض نجاح الإدارة الأميركية في إسقاط النظام الإيراني، هل ستستقر الأمور في المنطقة أو حتى في إيران، الإجابة التي تثبتها الحقائق التاريخية هي لا، إذ سبق وأن جربت الولايات المتحدة إسقاط النظام المعادي لها في دولة هاييتي بزعم رغبتها في إقامة نظام ديمقراطي حقيقي، وكانت النتائج كارثية لأنها فشلت في النهاية في تحقيق ذلك وعادت هاييتي بعد أن عانت الفقر والتردي في مختلف المجالات للحكم الديكتاتوري المستبد من جديد.
لذلك فإن خطورة التعدي على إيران تفوق بكثير المكاسب المؤقتة التي يمكن تحقيقها من وراء تلك الحرب، سواء على المستوى الإقليمي أو حتى على المستوى الدولي، ما يحتم على المجتمع الدولي أن يضع حدودا لتهور الإدارة الأميركية الحالية ويحول بينها وبين المضي قدما في الضغط على النظام الإيراني بهذا الشكل الذي نراه يجر المنطقة والعالم إلى المجهول.
6 من أدب المقاومة العراقية
وليد الزبيدي الزطن العمانية

يُصنّف كتاب “كاميرا الحب والحرب” لمؤلفه الأستاذ مكي النزال ضمن أدب المقاومة العراقية، وقبل الحديث عن شذرات من هذا المنجز الإبداعي، لا بد من التعريف بالكاتب، الذي عاش أتون حرب شرسة بين مقاتلي المقاومة في العراق وقوات الغزو والاحتلال الأميركي في العراق، فقد شهدت مدينته الشجاعة ـ الفلوجة ـ كما يعرف الجميع أشرس المعارك بين أبناء ورجال ونساء المقاومة وقوات الاحتلال، وكان الصديق النزال شاهدا ومعايشا ومراقبا للكثير من المعارك التي بكى فيها الغزاة وعاشوا أقسى الظروف وأصعبها كما جاء في مذكرات وروايات الكثير منهم، أولئك الغزاة الذين دفعهم قادتهم لمدينة الفلوجة، ورغم أن الأستاذ النزال يرسم صورا عميقة وشفافة في الوقت نفسه للفعل المقاوم الهائل في جميع أنحاء العراق الذي هبّ لمقارعة الغزاة ومنازلة المحتلين، إلا أنه يعطي خصوصية لمدينة الفلوجة من خلال استعارته للكاميرا في توثيق الوقائع وتأشير لحظات الشجاعة للمقاومين في هذه المدينة، ذلك لأن الكاتب من أبناء المدينة أولا، ولأن مؤسسات إعلامية عالمية كثيرة استعانت به لتزويدها بقصص ووقائع حرب المقاومة ضد الغزاة، فوثق بكاميرته وسطر بقلمه، ونشر القليل من كثير زاخر في هذه الرواية.
وكما هو معروف للجميع، فإن مدينة الفلوجة قد استعصت على الغزاة الأميركيين وجيوشهم الجرارة بعد أن منعهم المقاومون في داخل المدينة من دخولها في معركة نيسان ـ أبريل الشهيرة في العام 2004، كان ذلك بعد مرور العام الأول على غزو العراق، إذ سجلت الفلوجة السبق في منع القوة الأكبر في العالم من دخول مدينة بسيطة لا تتجاوز مساحتها الخمسة كيلومترات، ومقابل القاصفات والمدافع العملاقة والجيوش الأميركية وتلك التابعة لحكومة المنطقة الخضراء لم يمتلك المقاومون إلا الإصرار والإيمان بقضيتهم وبأسلحة بسيطة هزموا تلك القوات التي أخافت العالم وزرعت الرعب في قلوب أنظمة وحكومات قوية في مختلف أرجاء المعمورة.
يقول مكي النزال في مقدمة كتابه “شهدت قصصا لا تكفي لسردها مجلدات من الكتب، ولا تغطيها مئات الأفلام في مدينتي (الفلوجة) التي اتخذت مقاومة المحتلين سبيلا لإرضاء ربها ورفعة مجدها.
حرص الأستاذ المبدع مكي النزال على تغطية مشهد الاحتلال من جوانب عديدة، بما في ذلك دور الإعلام العالمي في العمل لصالح الاحتلال وتجاهله لمنجز المقاومة في العراق الذي وثقته الكاميرات وما أكثر ذلك، يقول في أحد الحوارات:
صورتهم وأرسلت الصور إلى وكالات الأنباء، لكني أعلم أنهم لن ينشروها.
الإعلام مجرم أكثر من الجنود. هيا بنا نختبئ ونستعد فقد انتهينا من نصب العبوة التي ستنسفهم.
لقد استمتعت شخصيا بهذا العمل الأدبي الذي غطى ولو مساحة بسيطة من أرض شاسعة جدا عنوانها “منجز المقاومة العراقية الهائل”. شكرا للأستاذ المبدع مكي النزال.
7 إسرائيل أم إيران: مَنْ عدوّ العرب؟
جوزيف مسعد
الاخبار اللبنانية

من هو عدو العرب الرئيس، إسرائيل أم إيران؟ لم يُطرح هذا السؤال في العالم العربي بتاتاً قبل عصرنا الحالي. فلطالما فهم معظم العرب بأن العرب ككل، بمن فيهم أوّلاً الفلسطينيون، وأيضاً اللبنانيون والسوريون والمصريون والأردنيون، هم ضحايا للعدوان الإسرائيلي. والأمر الذي لا يعيه معظم الناس بنفس الدرجة، بالإضافة إلى ذلك، هو استهداف إسرائيل للتنوّع الديني والإثني في العالم العربي لحشد الكراهية الطائفية والإثنية، التي استهلّتها أولاً عبر استهدافها لليهود العرب بغرض تجنيدهم في مشروعها الطائفي والاستعماري، وعبر دعمها كذلك لكلّ القائمين على المشاريع الطائفية والإثنية الانفصالية في المنطقة كحلفاء لطائفيتها.

أدّى قيام إسرائيل كمستعمرة استيطانية عام ١٩٤٨ إلى إدخال دولة مفترسة وشرسة في قلب العالم العربي، بدأت بالإغارة على جيرانها وغزوهم منذ لحظة ولادتها دون كلل. فبعد استيلائها على معظم فلسطين، قامت إسرائيل بين عامي ١٩٤٩ و١٩٥٥ بشنّ غارات لا تُعدّ ولا تُحصى عبر الحدود على كلّ جيرانها، توّجتها بالمشاركة في العدوان الثلاثي على غزة ومصر عام ١٩٥٦. ومنذ تلك اللحظة، قامت إسرائيل باجتياح مصر ولبنان وسوريا والأردن وشنّ العديد من الغارات عليها، إضافة إلى الغارات التي شنّتها على تونس والعراق والسودان، فضلاً عن إسقاطها لطائرة ركاب ليبيّة عام ١٩٧٣. وقد مارست عدوانيتها هذه بالتزامن مع اضطهادها المستمرّ للشعب الفلسطيني عبر تهجيره عن وطنه، وسرقة أراضيه، واحتلاله عسكرياً، وإخضاعه لقوانينها العنصرية الاستعمارية. وقد جنَت إسرائيل نتيجة ذلك كراهية كل العرب وغضبهم، باستثناء بعض طغاة العرب ممن تآمروا معها على شعوبهم.
أمّا إيران، فلم تقُم بغزو أيّ بلد عربي، بل على العكس، فهي من تعرضت للغزو من قِبل ديكتاتور العراق الأسبق صدام حسين، الذي شنّ حرباً عليها بالنيابة عن عائلات النفط الخليجية الحاكمة والمصالح الإمبريالية الغربية، والتي شعرت بالتهديد من انتصار الثورة الإيرانية التي عزلت الشاه في عام ١٩٧٩. أمّا شاه إيران، الذي انتشرت في عهده الأيديولوجيا العنصرية والشوفينية الفارسية الكارهة للعرب التي تغلغلت في الثقافة الإيرانية، فقد كان حليفاً مُهاباً لعائلات النفط الحاكمة. وقد طالب الشاه بضمّ أجزاء من أراضي دولة الإمارات العربية إلى إيران، وقام باحتلال بعض جزرها في عام ١٩٧١. كما دأب الشاه على المطالبة الرسمية حتى عام ١٩٧٠ بضم البحرين بأكملها والزعم بأنها جزء من إيران. ومع ذلك، لم تقف مطالبه الشوفينية والإمبريالية عقبة في طريق التحالف السياسي والعسكري الحميم الذي قام فيما بينه وبين الدول العربية الخليجية، بل إنه حظي بتغطية إعلامية مميزة في وسائل إعلامها.
وتبعاً للاستراتيجية الإسرائيلية لتقسيم العالم العربي تقسيمات طائفية وإثنية، فقد قامت الدعاية السياسية لنظام صدام وعائلات النفط أثناء حربهم على إيران في عقد الثمانيات – حرب راح ضحيتها أكثر من مليون إيراني وأربعمئة ألف عراقي (وكانت أغلبية الجيش العراقي الذي حارب إيران تتكون من العراقيين الشيعة) – بالتشديد الشوفيني على فارسية إيران (رغم وجود الكثير من المواطنين عرب الإثنية فيها)، وعروبة العراق ودول الخليج العربية (رغم اشتمال معظمها على مواطنين فارسيي الإثنية)، لكنها لم تتضمن أبداً دعاية طائفية ضد الشيعة، ولم تقم دعايتها بتقديم إيران البتة على أنها عدو العرب الرئيس ولا قارنتها بالعدو الإسرائيلي.

لماذا يقبل الفلسطينيون وباقي العرب دفع ثمن الحفاظ على عروش حكّام الخليج على حساب حقوقهم؟

أما الدعاية الحربية الصدّامية، فقد قامت على استعادة تاريخ فجر الإسلام عبر إطلاقها اسم «قادسيّة صدام» على الحرب التي شنّها صدام على إيران، لتذكير الشعوب العربية بمعركة القادسيّة بين العرب والإمبراطورية الساسانية التي هَزم فيها العرب المسلمون في عام ٦٣٦ ميلادي الفرس الزرادشتيين، والذين يُطلق عليهم عادة اسم «المجوس» في الأدبيات العربية. وقد قام صدام بنعت الإيرانيين بالـ«مجوس» في دعايته الحربية، إلا أنه لم يعرّفهم كـ «شيعة» البتة.
أدّت الحرب إلى إفلاس العراق الثري وتحولت الانتصارات المبكرة للجيش العراقي إلى هزائم في نهاية الحرب التي دامت ثماني سنوات، ما أشعل في صدام نقمة على عائلات النفط التي هجرته بعد أن خاض هذه الحرب للحفاظ على عروشها. فقام صدام باجتياح الكويت عام ١٩٩٠ للتعبير عن نقمته، وهو ما أدى إلى الاجتياح الأميركي لمنطقة الخليج عام ١٩٩١ وإلى اجتياح العراق عام ٢٠٠٣، قتل الجيش الأميركي أثناءه مئات الآلاف من العراقيين. أقامت إيران على عجالة صلات حميمية مع حكّام العراق الجدد، وهم من الطائفة الشيعية، قام الاحتلال الأميركي بتنصيبهم كواجهة للاحتلال، تبعاً للاستراتيجية الإسرائيلية. وأصرّت سلطات الاحتلال الأميركي على ترتيبات طائفية وإثنية للحكم في عراق ما بعد الغزو، والتي قام بالتخطيط لها المحتل الأميركي وخبراؤه البيض العنصريون.
أرهبت هذه العلاقات العراقية-الإيرانية أنظمة الخليج، لا سيما المملكة السعودية، التي قامت على الفور بشنّ حملة طائفية على إيران وعلى الشيعة ككل، عرباً كانوا أم فُرساً. وفجأة تعرّضت الشعوب العربية منذ ٢٠٠٤ لهذه الحملة الشوفينية غير المسبوقة التي تتّهم إيران والشيعة بأنهم العدو الرئيس لكلّ العرب وبأنهم، وليس إسرائيل، مَن يستحق غضب العرب وكراهيتهم. وبعد خمس عشرة سنة على انطلاقها، كلّفت هذه الحملة مئات الآلاف من الضحايا العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين الذين تمّت التضحية بهم على مذبح عائلات النفط، وتطالب اليوم الشعب الفلسطيني بالتخلّي عن كل حقوقه كثمن يتوجب دفعه للحفاظ على عروشها.
افتتح الحملة الملك عبدالله الثاني، ملك الأردن وحليف أنظمة الخليج، عندما أعلن في ٢٠٠٤ نشوء ما أسماه بـ «الهلال الشيعي» (وهو تعبير استشراقي ربما قامت شركة أوروبية أو أميركية باجتراره لبدء الحملة) يمتدّ من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان. قامت الحملة بالتحريض على الشيعة في البلاد العربية وإيران وبدأت بالزعم أنهم «أسوأ» من المستعمرين اليهود الإسرائيليين. أما أن إسرائيل كانت من أقرب حلفاء الشاه وعدواً للثورة الإيرانية، فلم يكن محض صدفة.
وهكذا بدأت المحاولات الدؤوبة لتحويل إسرائيل وإعادة تشفيرها بأنها ليست عدو العرب الرئيس وبأن إيران والشيعة هم عدوهم الرئيس بلا منازع. وأُطلقت الحروب في لبنان والعراق وسوريا للقضاء على التعايش والسلم الطائفي عبر العالم العربي ولتعزيز الهيمنة الإسرائيلية. أما إسرائيل، وهي المروِّج الرئيس على الساحة العالمية للحملة العنصرية والشوفينية ضد الشيعة والتي طردت من لبنان في عام ٢٠٠٠، فقد قامت بغزو لبنان من جديد في عام ٢٠٠٦ للقضاء على حزب الله، وهو المكوِّن الرئيس والأكبر للمقاومة اللبنانية التي هزمت إسرائيل في عام ٢٠٠٠، لكن إسرائيل هي من هُزم. فزعت عائلات النفط وراعيها الغربي من هزيمة إسرائيل وإذلالها، وشرعوا على الفور في تمويل وتسليح جماعات طائفية كارهة للشيعة في العراق ولبنان، ومن ثم منذ ٢٠١١ في سوريا، وبعد ٢٠١٥ في اليمن، والتي عاثت وتعيث فساداً وأدت إلى قتل مئات الآلاف من العرب من جميع الطوائف، وجهّزت البيئة المجتمعية لظهور داعش والرعب الذي جلبه داعش معه. وفي هذه الأثناء قام أعداء حماس الفلسطينيون المتحالفون مع المملكة السعودية بتظاهرات وصفوا فيها منظمة حماس السنية بأنها «شيعية».
وفي عام ٢٠١٩، تم إعلان إسرائيل على أنها الحليف الرئيس لكل العرب ضد إيران، كما أكّد مؤتمر وارسو الذي عُقد في شباط/فبراير الماضي على ذلك بكل وضوح. وقد أعلن بنيامين نتنياهو في حينها بأن الدول العربية المشاركة «تجلس معاً مع إسرائيل في سبيل دفع المصالح المشتركة بشنّ حرب على إيران». أما العقبة الوحيدة التي وقفت في طريق دمج إسرائيل الكلّي في هذا التحالف الجديد فلم يكن سوى الشعب الفلسطيني.
وإضافة إلى الرعب والقتل الطائفي الذي أطلقت عائلات النفط له العنان في لبنان وسوريا والعراق واليمن، فإن على الشعب الفلسطيني أيضاً، كما أسلفنا، أن يدفع الثمن المطلوب لهزيمة التهديد الإيراني المزعوم لعروشها. وقد أصبحت عائلات النفط نتيجة هذه المعادلة الرعاة المحليين لـ«صفقة القرن» التي أطلقها دونالد ترمب، والتي تصرّ على تصفية كلّ الحقوق الفلسطينية بشكل نهائي، وعلى أنه ينبغي على مبدأ الاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين وسوريا وأراضي الجنوب اللبناني أن يكون مقبولاً، ومعترفاً به، بل أن يكون موضع احتفاء كل العرب.
ولكن لماذا يقبل الفلسطينيون وباقي العرب دفع ثمن الحفاظ على عروش حكّام الخليج على حساب حقوقهم وحياتهم؟ فعلى الرغم من عدم قدرة إيران، في أسوأ الأحوال، على ما هو أكثر من تهديد عروش أنظمة النفط المكروهة في العالم العربي، فإن إسرائيل ما فتئت تواصل تهديد كل الشعب الفلسطيني، بل الشعوب العربية قاطبة. فإن كانت الطريقة الوحيدة لإقناع العرب بتهديد إيراني متخيَّل ممكنة عبر الحملة الكارهة للشيعة التي شُنّت منذ عام ٢٠٠٤، فإن التهديدات الإسرائيلية الحقيقية للغاية والموضوعية لكل العرب لم تتوقف للحظة منذ ولادة المستعمرة في عام ١٩٤٨. أما الرهان على جعل العرب يرون تهديدات إيرانية غير موجودة ومحاولة إعمائهم عن التهديدات الإسرائيلية الحقيقية فهو رهان محفوف بالمخاطر ومجازفة غير محسوبة في أحسن الأحوال، بغضّ النظر عمّا يحظى به من حملات ترويجية في وسائل الإعلام العربية المملوكة من عائلات النفط. ولن تستطيع فطنة ترامب التجارية – أو عدم فطنته – التقليل من هذه المخاطر.
8 حربان في وقتٍ واحد
عامر محسن
الاخبار اللبنانية

في لحظةٍ ما، حين تراقب ما يجري في العالم الأوسع، ونُذر الصراعات وسحب التغيير، قد تنسى نفسك للحظة وتصيبك الحماسة وأنت تنتبه الى أنّنا دخلنا، من غير شكٍّ، في «أزمنةٍ مثيرة» سنعيش فيها ما تبقّى من حياتنا، بحسب التعبير الصيني الشهير (قرأت عن عبارة «عسى أن تعيش في أزمنة مثيرة» أنّها تستخدم كدعوة لشخصٍ تحبّه، وقرأت في مكانٍ آخر أنّها تطلق كلعنة). بالمعنى الفكري على الأقل، فإنّ المراحل التي يتفكك فيها الإجماع، وتظهر التناقضات، وتبدأ الشروخ بالظهور في العالم، هي ذاتها المراحل التي تشهد انتعاشاً للفكر السياسي والطروحات الجديدة، ويتمّ فيها نقض «البديهيات» التي لم تعد صالحة لتفسير ما يجري. من هذه الزاوية، فإنّ أسوأ الحقب قطّ بالنسبة الى الجدل السياسي والحيوية الفكريّة هي تحديداً مرحلة «الهيمنة المطلقة» التي عرفناها لثلاثين عاماً أو يزيد، وولد أكثرنا خلالها ولم يعرف غيرها. ولكنّك سرعان ما تنتبه الى أنّك – بالمعنى الشخصي والمباشر – موقعك هو في قلب الميدان الذي قد يشهد انفجار هذه «الأحداث» وتحوّلها الى عنفٍ وحروب، إذ إنّك تقطن بالتحديد بين حجرَي الرّحى.

الصين
ما كاد الناس يستوعبون فكرة أنّ هواتف «هواوي» الصينيّة سوف تُعزل عن برامج «غوغل» وتطبيقاتها حتّى رشح أنّ نطاق العقوبات الأميركية ضدّ الشركة الصينيّة أكبر وأوسع. الشركات الأميركية التي تزوّد «هواوي» بمعالجاتها ومعدّات أخرى بالغة الأهمية – لا فقط للهواتف، بل ايضاً لشبكات الاتصال التي تبنيها «هواوي» حول العالم – سوف تُمنع من التعامل مع الصينيّين. المسألة بالنسبة الى «هواوي» ليست هيّنة: حتّى لو خرجت بنظام تشغيل خاصٍّ بك ومستقلّ عن «اندرويد» (و«هواوي»، كما ذكرنا سابقاً، تعمل على برنامجٍ بديلٍ من هذا النوع – اسمه «هونغمِغ» – تحسّباً لهذا اليوم منذ عام 2012، السنة التي مُنعت فيها من دخول السوق الأميركي)، فأنت لن تقنع الناس بسهولة، وبخاصّة خارج الصين، بالتخلّي عن كامل تقديمات «غوغل» وتطبيقاتها (من «غوغل بلاي» الى البريد الالكتروني الذي يعتمده أكثر الناس حالياً). منع الشركة الصينية من الحصول على قطعٍ أساسية لتصنيع هواتفها وشبكاتها – كالمعالجات – يخرّب كامل سلسلة الانتاج.
على الهامش: لو أرادت إدارة دونالد ترامب أن تمضي الى النهاية في خطّة «العزل التكنولوجي» للصّين، فإنّ المسألة ستزداد تعقيداً ولن تكون هناك بدائل سهلة، بل اشتباك تجاري وقانوني يشبه ما يجري منذ سنواتٍ مع إيران. على سبيل المثال، شركة «هواوي» تنتج ايضاً معالجات لحسابها حتّى لا تعتمد حصريأً على مزوّدين أميركيين مثل «كوالكوم» و«برودكوم»، ولكن هذه الشرائح – كما تنبّه «ذا ايكونوميست» – يتمّ صنعها أساساً عبر شركة تايوانيّة، من السهل أن يطالها الحظر الأميركي. شبكات الانتاج في هذه المجالات التقنية معقّدة وفيها أكثر من «عنق زجاجة»، إلى درجةٍ تجعل أي حرب عقوباتٍ كارثيّة وبالغة الكلفة على كامل القطاع. كمثالٍ آخر، حتّى لو أرادت الصين الاستثمار في بناء معامل صينيّة تنتج الشرائح الدقيقة والمعالجات المتقدّمة لحسابها، فإنّ هناك شركةً واحدة في العالم بأسره، هي هولنديّة، تصنع وتورّد الى هذه المعامل معدّات «الحفر» (etching) البالغة التعقيد، وهي تنحت شرائح السيليكون على مستوى ميكروسكوبي ضمن أنماط معيّنة. وهناك شركتان فحسب، والاثنتان في أميركا، تنتجان الماكينات التي «تصبّ» المعادن في هذه النتوءات، ليتحوّل لوح السيليكون الى شبكة من مليارات الترانزيستورات. سيكون على الجميع أن يختار مكانه في هذا العالم الجديد، والتكيّف مع واقع الحرب التجاريّة والعوائق التكنولوجية سيكون طويلاً ومكلفاً. على المقلب الآخر، يجب أن لا ننسى أن الشركات الأميركيّة التي سيُمنع عليها التعامل مع الصين لا تريد مثل هذه الاجراءات، وبعضها – مثل «نيوفوتونيكس»، التي تصدّر معدّات دقيقة لبثّ الاشارات في شبكات الارسال – تعتمد بشكلٍ كليّ على الزبون الصيني، وقد تواجه الإفلاس من دونه.
ولكنّ المسألة تتجاوز «هواوي» وسوق الهواتف؛ فترامب قد أعلن بوضوح – وقراراته الرئاسية الأخيرة لم تكن سوى بناءً على تراكم – نهاية الرأسمالية المعولمة كما نعرفها، وبداية حربٍ طويلة مع الصّين. وما يجري الآن هو مجرّد مقدّمة وبداية (الصينيّون التقطوا الرسالة، إذ تخبّر الوكالات أن التلفزيون الرسمي في الصّين – حين تعرقلت المفاوضات حول الجمارك وأخذ الأميركيون موقفاً تهديدياً – غيّر جدول برامجه وبثّ أربعة أفلام «معادية لأميركا» خلال فترةٍ قصيرة. وهذا كلّه قبل قرارات «هواوي»). النشرات الاقتصادية التقليدية (مثل «بلومبرغ» و«فاينانشال تايمز» و«ذا ايكونوميست» وغيرها) لا تملك بعد «اللغة» لمناقشة ما يجري وتفسيره، وهي قد منّت النفس مطوّلاً بأن تكون كل هذه الخطوات هي محض مناوراتٍ قبيل توقيع اتفاق تجاري جديد وعودة الأمور الى طبيعتها – والمسألة تزداد صعوبةً حين تكون الصين هي من يريد اللعب وفق قوانين التجارة والتبادل الحرّ، فيما أميركا هي من يفرض الحمائية والمقاطعة تحت حجج الأمن القومي.
كما يقول ستيف بانون في خطاباته مؤخّراً، فإنّ ترامب يريد «تصحيح» جملةٍ من الافتراضات الخاطئة قامت عليها السياسة الأميركية تجاه الصين منذ عقود، ولم يعد في الوسع تجاهلها بعد أن أصبح «الصعود الصيني» تهديداً ماثلاً وحقيقياً (وهذا الاعتقاد يتشارك فيه، اليوم، الجمهوريون والديمقراطيون). أحد هذه الافتراضات هو فكرة أنّ النظام الصيني «سيتغيّر» تبعاً لتحرير الاقتصاد والازدهار والنموّ (المعنى هنا ليس «التحوّل الديمقراطي»، بل أساساً أن يتمّ التخلّي عن القطاع العام، وتترك الدولة «القمم الحاكمة» في الاقتصاد للبرجوازية المحلية، وتحرّر القطاع المالي والمصرفي والعملة لتندمج الصين بشكلٍ حقيقي، وغير قابل للتحكّم فيه، في المنظومة المالية المعولمة). ومنها أيضاً افتراض أنّ الصّين – لأنها انطلقت من حالة فقر وتخلّف – سوف تنمو في البداية، ولكنّها ستصطدم سريعاً بسقفٍ ويتباطأ نموّها، ولن تعبر الى مجال التقنيات العالية، ولن تشكّل منافساً للاقتصادات المتقدّمة (بل إنّ التوسّع النسبي في السوق الصيني سيجعله زبوناً مربحاً للشركات الغربية الكبرى).

الخسارة الحقيقية عند الايرانيين هي ليست في أن تحصل الحرب، بل في أن يستمرّ الوضع القائم

من هنا، عام 1978 أو في التسعينيات أو في 2001 – السنة التي وافقت فيها أميركا على دخول الصين الى منظمة التجارة العالميّة – كان من المفهوم أن ترى واشنطن في الانفتاح على الصّين غنماً، وأن تكون هي من يدفع الصين الى استقبال الشركات الأميركية وفتح سوقها لأمثال «غوغل»؛ ولكنّ الآية قد انقلبت بشكلٍ كاملٍ اليوم، وهذا يتطلّب تخلّي اميركا عن خطاب «التجارة الحرّة» وفتح الأسواق وأهمية القواعد والقوانين الدولية. حتّى نفهم مستوى التحدّي الصيني، تخيّلوا أنّ «هواوي» في ربع السنة الأخير (مع أنّها معزولة فعلياً عن السوق الأميركي الهائل والمربح) قد انتزعت مجدّداً الموقع الثاني في عدد الهواتف الذكية المبيعة عالمياً من «آبل» الأميركية. ومبيعات «هواوي» ارتفعت بأكثر من 50% في حين انخفضت مبيعات «آبل» بمقدارٍ الثلث. أكثر من ذلك، فإنّه عدا عن «آبل» و«سامسونغ» الكوريّة، نجد أن كلّ الشركات التي تحظى بحصة معتبرة من السوق العالمي هي الأخرى صينيّة. بالمناسبة، أنا أفهم أن يفضّل الناس في أوروبا وغيرها أجهزة «هواوي» و«اوبو» و«فيفو» الصينيّة، وهي أكثر تقدّماً من «آبل» وأقلّ ثمناً. والصّين أصبحت تنتج التكنولوجيا للهواتف وشبكات الاتصال وغيرها من السلع العالية القيمة محلياً وبشكل أكثر رخصاً وكفاءة من المنافس الغربي. لو أنني قرّرت شراء هاتفٍ ذكيّ اليوم، لاخترت جهاز «هواوي» P30، فهو يملك عدسة تقريبٍ لن تجد مثيلاً لها في أي هاتفٍ غربيّ، أي إن في وسعك أن تستخدم شاشة الهاتف كمنظارٍ كفوء يقرّب أي شيءٍ على بعد كيلومترات (ولكني لن أدفع ألف دولارٍ ثمناً لهاتف، ولو كان يقود الصين ماو تسي تونغ نفسه).
بتعابير أخرى، لأنّ الصّين لم «تقع» من تلقاء نفسها، وتأخذ مكاناً «مريحاً» للامبراطورية ضمن النظام العالمي، فإنّ الادارة الأميركية تريد أن تأخذ زمام الأمور بنفسها. حصل شيءٌ مشابهٌ مع اليابان في أواخر الثمانينيات، حين فرضت واشنطن على الحكومة اليابانية أن ترفع من قيمة عملتها وتخرّب اقتصادها لسدّ الفجوة في الميزان التجاري بينها وبين الأميركيين. ولكن، إن كان هذا هو الهدف من المفاوضات التجاريّة مع بيجينغ، فترامب قد فهم أنّه لن يحصل من الصين على ما قدّمه اليابانيّون، فلا توجد قوات أميركية وقواعد للمارينز في بيجينغ وشينجِن، والحكومة الصينية – هي الأخرى – تتحسّب لهذا اليوم وتنوي المقاومة.

إيران
كما قال الكثير من المحلّلين، ليس من المرجّح أن تقوم حرب فجائية بين أميركا وإيران. هذا لا يعود فقط الى طباع ترامب ووعوده الانتخابيّة، بل أساساً الى أنّ أميركا لا تخوض الحروب على هذا النحو. كلّ حروب أميركا في العقود الماضية، بما فيها حرب أفغانستان، كانت «حروباً اختياريّة»، يتمّ تقريرها والتوافق عليها قبل فترةٍ طويلة، ويجري الإعداد والتمهيد لها بشكلٍ تصاعديّ لأشهر (بعد هجمات 11 ايلول وحرب أفغانستان بأشهر قليلة، أخبرنا الأكاديمي مايكل هدسون أن خيار غزو العراق قد تمّ اتخاذه وأصبح واقعاً، ونحن ما زلنا في منتصف 2002). هذه الشروط ليست متوافرة بعد في حالة إيران.
ولكنّ الغزو ليس الشكل الوحيد للحرب. الخسارة الحقيقية عند الايرانيين هي ليست في أن تحصل الحرب، بل في أن يستمرّ الوضع القائم، أي عودة العقوبات بشكلٍ فعليّ، كما كان الحال عليه قبل 2015 وأكثر، مع التزام طهران بالاتفاق النووي. أمامنا، منطقياً، ثلاثة امكانات للمستقبل القريب في الاقليم: إمّا أن تصل إيران وواشنطن الى اتفاق جديد يعيد الاستقرار الى «قواعد اللعبة»، أو أن تتصعّد الأمور تدريجياً الى مواجهة عسكريّة، أو حالة وسطى، يزداد فيها التوتّر والوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وتشتعل أزمات ومواجهات «جانبية»، ولكن من دون حربٍ شاملة. أحداث الأسبوع الماضي في الخليج، من تخريب الناقلات الى قصف اليمنيين لمحطات الضخ في السعودية، كانت تذكيراً و«عرضاً» لهشاشة البنية التحتية للنفط، وأنّه يكفي أن تضرب هدفاً صغيراً، في مكانٍ معزول، حتّى توقف تصدير ملايين البراميل، أيّ إن أيّ حربٍ في الخليج لن تكون سهلة ومحدودة الأثر.
حتى نفهم الاطار الفعلي للمواجهة، وهي مستمرّة بين أميركا وإيران منذ عام 1979، يجب أن نعود الى الأساس. كما مع الصين، لا ينفع كثيراً أن تستمع الى ما يقوله الأميركيون في خطابهم الرسمي من دون النظر الى الظروف «البنيوية» التي حتّمت المواجهة. في دنيا العرب، كلٌّ يرى الأحداث من زاويته الخاصّة، وعبر قضيّته الصغرى، وعبر عقده وأحقاده (والناس في بلادنا، وأوّلهم النخب، يحملون كمّاً من العقد – عنصريّة وطائفية واثنية وثقافيّة، ولدى الجيل القديم، حزبيّة – تسمح ببناء سرديّات عداوة حول أيّ موضوع، وتضمن أن يظلّوا مشرذمين، باطنيّين، يصعب لمّهم في خطابٍ جامع على أي مستوى). ولكن، في صراعٍ من هذا النوع، ما يهمّ هو ليس سرديّتك الصغرى – هي قد تكون أهمّ شيءٍ في العالم بالنسبة اليك، ولكنها لا تساعد على فهم ما يجري وأسبابه وأبعاده.
بدايةً، الامبراطورية الأميركية لا تهمّها الطائفة والثقافة وشكل نظام الحكم، وليس هذا ما يقرّر موقفها من الدول. لو أنّك نظرت الى الحلف الأميركي الواسع اليوم، الى الامبراطورية وهي في قمّة نفوذها، لوجدتها شيئاً يشبه الامبراطورية الرومانية في تعدّد الأديان والأعراق والآلهة التي تُعبد تحت سقف الهيمنة (أنظمة ديمقراطية ليبرالية، أخرى ملكيّة مطلقة، ديكتاتوريات عسكريّة، حركات غيبيّة، وكلّها مدمجة في المنظومة الأميركية في سلامٍ وتسامح). الامبراطورية الأميركية تشبه، بمعنى ما، مفعول الرأسمالية كما يشرحه جيجك: ان الرأسمالية لا يهمها أن تكون علمانياً أو متديّناً، ذكورياً أو نسويّاً، أو حتى يمينياً أو يساريّاً، فهي قادرة على اختراق كلّ هذه التشكيلات وتطويعها من غير أن تفرض عليها هويّة محدّدة.
من السهل الكلام على «الهيمنة الأميركية» و«الامبريالية» ومصالح الدول الكبرى وكأنها شيءٌ مجرّد، ولكن هذا لا معنى له إن لم نفهم كيف تترجم هذه الأمور على الأرض، وكيف تتحوّل الى سياسات وحروبٍ وصراعات. «اللعبة» في الشرق الأوسط هي على النفط، هذا صحيح، ولكنّها لا تقوم على «سرقة» عوائد النفط كما يفترض البعض، والعلاقة «المربحة» مع أنظمة نفطية تابعة ليست الا جزءاً من الصّورة. يبسّط الكاتب البريطاني توم ستيفنسون (في مقالٍ أخير في «لندن ريفيو اوف بوكس») حقيقة المعادلة: هناك نفطٌ وفير في أقاليم أخرى في العالم، وأميركا نفسها لا تحتاج بشكلٍ ماسّ الى نفط الخليج، ولكنّ دولاً أخرى كبيرة (على رأسها الصين وآسيا وأوروبا) تحتاج اليه بشكلٍ ماس. وهذا النفط (على عكس نفط كندا أو فنزويلا أو روسيا) ليس تحت سيطرة قوّةٍ عظمى أو في المجال المباشر لهيمنتها. فهو إذاً مدار منافسة، يمكن أن يصل اليه الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، أو أن تسعى الصّين الى الحضور في المنطقة اليوم. بكلمات أخرى، الهدف الأساسي لأميركا هو ليس – فحسب – التحكّم في نفط الخليج أو عوائده، بل في منع أيّ قوّةٍ أخرى من الاقتراب منه والإبقاء على واشنطن باعتبارها «الضامن» الوحيد للموارد الحيوية التي تشغّل اقتصاد آسيا وأوروبا (يسمّي ستيفنسون هذا النمط من العلاقة «خوّة حماية»).
لهذه الأسباب، ومنذ اكتشاف النفط في إقليمنا، كان الهدف الأساسي لبريطانيا (وبعدها أميركا) هو أن لا يتحكّم أحدٌ – غيرها – في هذا المورد أو يتولّى حمايته، بمن في ذلك شعوب المنطقة نفسها. هذا ما جعل انقلاب مصدّق عام 1953 يستوجب ردّاً صاعقاً، ولهذا كانت ثورة 1958 في العراق مصدر قلقٍ وعداوة، وهو ما جعل أميركا تضرب العراق حين جرّب «تعديل الحدود» عام 1990، وهذا لبّ المواجهة بين أميركا والجمهورية الاسلامية في إيران، ما دامت عصيّة على الانصياع للشروط الأميركية، وليس أيّ شيءٍ آخر. أي إنّ إيران، لو قبلت بالدخول في «باكس أميريكانا» القائم (ومن شروطه أن تصادق على وجود إسرائيل، وأن تسلّم سياستك الاقتصادية والخارجية للأميركيين، وأن تصبح جزءاً من المنظومة، وتوافق على أبديّة الحدود المرسومة والانظمة القائمة) لما كان لدى الأميركيين مشكلة في أن يكون الايرانيون اسلاميين شيعة، أو أن يعتمدوا نظام ولاية الفقيه، أو أن يحوزوا برنامجاً نووياً، وصواريخ متقدّمة (ولكان الجيش الإيراني يخوض دورياً حروباً في الدول المجاورة، في العراق وأفغانستان وغيرها، بمباركة أميركية).
استطراداً، هناك خطابٌ منتشرٌ في الثقافة السياسية العربية، هو نتاج عقودٍ من التراجع والهزائم والفشل، يُرجّع الهيمنة الأجنبية والاختراق الغربي واستمرار إسرائيل الى ضعفنا وتخلّفنا وتفكّكنا (على طريقة «تسلّلوا كالنمل من عيوبنا»، ومقولات أخرى كثيرة تخدم المعنى ذاته). النقد الذاتي هنا صحيحٌ ومهمّ، ولكنّه يجب أن لا يتحوّل الى عكسه، أي احتقار النفس ولومها على ما فيها وما ليس فيها. المقصد هنا هو أنّ السببيّة قد تكون معكوسة ايضاً، أي إنّ كم الرهانات الدوليّة التي تتركّز حول منطقة الشرق الأوسط بسبب أهميته العالمية، وحجم المقدرات التي تُسخّر بهدف السيطرة عليه – واسرائيل هنا ليست التحدّي الأكبر – من الطبيعي أن يولّدا الضعف والعجز والفشل المتكرّر – وبخاصّة في وجه كيانات يافعة، هشّة، لا تملك (باستثناء تركيا وإيران ومصر) الحدّ الادنى من المقوّمات لبناء مشروعٍ مستقلٍّ يقدر على المقاومة. العيوب الذاتيّة موجودة من غير شكّ؛ ما نريد قوله هو أنّه لو سلّط المقدار ذاته من الطاقات والعنف وإرادة السيطرة على أيّ اقليمٍ آخرٍ في العالم، وسط أوروبا مثلاً أو أميركا اللاتينية أو شرق آسيا، لما كان المشهد جميلاً هناك أيضاً.

خاتمة
هذه الحروب ليست منفصلة بالكامل بعضها عن بعض، وجزءٌ أساسي منها يدور فوق الأرض العربيّة. أنت، كعربيٍّ يقف وسط هذه الدوامات، لن تقدر على حسم اتّجاه العالم، أو إسقاط الامبراطوريّة، أقصى ما يمكنك فعله هو الصمود في انتظار أن تتغيّر الظروف وتظهر قوىً جديدة وترتخي القبضة الأميركية (وبخاصّةٍ إن كان ثمن الرضوخ لا يحتمل، وهو كذلك بالنسبة الى فئات واسعة من شعبنا: الاحتلال، الحياة تحت أنظمة الذلّ والنهب، حكمٌ أبديّ بالفقر، أو حتّى الموت). الحرب القائمة بين اميركا والصين سوف تعصف بالاقتصاد العالمي، ولكنها، كما تحكم «ذا ايكونوميست»، مؤشّرٌ على نهاية عالم القطب الأوحد، وهذا حدثٌ لا يمكن توصيف أهميته ومغزاه.
وفيما تحاول أميركا خنق إيران، في وسعك أن «تنأى بنفسك» عن الأمر، وتعتبر أنه لا يعنيك (كأن النتائج لن تطالنا جميعاً)، أو حتى أن تراهن – لأسبابك الخاصة – على ضربةٍ لإيران. هذا السلوك يذكّر بنصٍّ كتبه أنطونيو نيغري، قبل أشهر، يعدّد فيه عيوب اليسار المعاصر. أبرز هذه العيوب، يقول نيغري، هو ما يسمّيه منهج «الاستعمالية» (instrumentalization) في نظرة اليساريين الى الأحداث، ومعناه أن اليساريين – بدلاً من بناء خطةٍ حقيقية – يراهنون باستمرارٍ على فعلٍ ما لا يتحكمون فيه، يأتي من طرفٍ خارجي، وأنّهم سيحسنون «استغلاله» و«تحويره» لصالحهم (هذا لا يتوقّف على السياسات الداخلية. في بلادنا، راهنت نخبٌ عربية على كلّ غزوٍ خارجي وحربٍ أهلية تحت مسميات وآمالٍ مشابهة).
حين تحتدم الأحداث، أسوأ سلوكٍ ممكن هو ما يسمّيه أحد الأصدقاء منطق «التذاكي» هذا: أنّك «لن تتورّط» وتتحمّس، وستترك غيرك يقاتل وأنت تخرج سالماً، وأنّك ستحفظ نفسك عبر الجبن وطأطأة الرأس وعدم تحدّي الرياح، وأنّ كلّ من يقول لا هو صدّام حسين وسيلاقي المصير نفسه. نوعٌ من العقلانية الزائفة أصبح راسخاً في خطابنا السياسي. المحزن في الأمر هو حين يأتي هذا السلوك من عربيّ لبنانيّ أو مصريّ أو عراقيّ، دمّرت بلاده وأحواله ألعاب الكبار؛ حين يعتقد أنّه «يلعب اللعبة» ويتذاكى، فيما اللعبة، في الحقيقة، تدور عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.