انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 7 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الثلاثاء

7 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الثلاثاء

1 صدمة البصرة بالرئاسات الثلاث
د. باهرة الشيخلي العرب بريطانيا

وكأن البصرة ما أنّت ولا توجعت ولا صرخت، وكأنها لم تعتصم ولم تتظاهر احتجاجا على الوضع المزري لإنسانها، وكأن صرخاتها ذهبت أدراج الرياح ومعاناتها أصبحت نسيا منسيا.
وسط ملهاة الرئاسات الثلاث، التي أعدتها الطبقة السياسية الفاسدة، ووسط تعتيم مقصود لطي صفحة مدينة المدن وتجاهل لوثبتها الشعبية، أصيبت البصرة بصدمة اسمها “عرس واوية”. و”الواوية”، باللهجة العراقية تعني بنات آوى، وعرس الواوية تشبيه عراقي وكناية عن الفرحة التي لا تدوم، ويقابلها التعبير المصري “يا فرحة ما تمت”.
وكان البديل الذي لجأت إليه الطبقة السياسية لائحة اغتيالات لكل من تصدر الخط الأمامي للحراك السلمي، فقد نفذت ميليشيات الأحزاب الموالية لإيران ولا تزال عدداً من تلك الاغتيالات، وأقدمت أيضاً على خطف عدد من شباب الوثبة، ويحاول عرابو الفساد إرسال أكثر من إشارة تحذير إلى البصرة وإلى بغداد وإلى عموم محافظات العراق بالتوقف عن التظاهر والكف عن الاحتجاج، أثناء عملية ترقيع الرئاسات الثلاث، لاستئناف مسلسل الفساد وتنظيم أولوية السرقات والبحث عن أبواب جديدة لمضاعفة مدخراتهم، وكأن المجرب لم يجرب بعد.
لم يشهد العراق منذ سنة الاحتلال 2003 مثل هذا التحدي، الذي بات مكشوفاً وفي وضح النهار فلم يعد أحد من الطبقة السياسية، يأبه لصوت الشعب. وأضحى العراقيون يسمون الطبقة السياسية “مستوطنين” لأنهم يستوطنون المنطقة الخضراء والجادرية في بغداد.
البصرة، حاملة هموم الوطن، حاول أهلها أن يعلنوا بكل ثبات أن المواطنة هي وحدها مرجعية العراقيين، لا الولايات المتحدة ولا إيران ولا دكاكين الفتاوى، لذلك لم يُسمع في احتجاجاتها شعار طائفي واحد، وعندما أراد دعاة إقليم البصرة رفع أصواتهم أخرسهم البصريون معبرين عن عراقيتهم الأصيلة.
بديهيات اليوم أصبحت، للأسف، تحتاج إلى براهين لإثباتها، فقد قلبت الموازين كلها، وأصبح الاحتلال يسمى تحريرا، والكتلة الطائفية أسبغوا عليها صفة الوطنية، والعميل يتبوأ مناصب كانت محترمة، والوطني الغيور أصبح مطاردا مشردا مستهدفا بالاغتيالات ومحاربا في رزقه.
المنطق الوحيد هو إما الاستسلام الأبدي والخضوع لحكم المستوطنين الغرباء، أو الثورة الشاملة لكنس هذه المخلوقات الرثة وتطهير العراق من شرورها ومفاسدها وإجراء محاكمات عادلة للاقتصاص من القتلة والحرامية، فلا سبيل أمام العراق غير خيار واحد هو طرد هؤلاء إلى حيث أتوا، فكلهم ومن دون استثناء يعلنون الولاء لقوى خارجية، وهم لو كانوا في بلد آخر لحوكموا بوصفهم جواسيس، ولكن اللامعقول تجمع في العراق منذ يوم الاحتلال.
الطبقة السياسية تمنّ على العراقيين أنها خلصتهم من صدام حسين ومن نظامه، والعراقيون يعرفون أن الولايات المتحدة هي التي فعلت ذلك، ولكن هل يعقل أن يدفع العراقيون ثمن هذا التخليص من استقرارهم وثروات بلدهم وحياتهم، التي كانت مرفهة قبل أن يهجم الجراد الجهادي ويفرّغ خزينة بلادهم بذريعة الخدمة الجهادية؟
لسان حال العراقيين يقول: نحن قبلنا وانتخبنا أناسا متعددي الجنسيات وسكتنا، ولم يعمل أحد من الذين انتخبناهم للعراق وكلهم عملوا لبلدان جنسياتهم، وحين تظاهرنا لم نتظاهر لتغييرهم وإحلال وطنيين يحبون العراق محلهم، وبلعنا حقيقة أنهم حاربوننا مع إيران وقتلوا أبناءنا وعذبوا أسرانا ويفخرون أمامنا بذلك، لم نتظاهر على ذلك ولا على دستور فصلوه على مقاييسهم، ولا على عملية سياسية حشوها بالألغام والمطبات لتفريقنا، وها هم يمارسون منذ ولّاهم المحتلون، هوايتهم في قتلنا بشتى الأساليب وسائر الطرق، وفوق هذا كله يطالبوننا بأن نحمد الله على أنهم خلصونا من نظام كان الأمن سائداً خلاله في البلاد، وكان العراقي مرفوع الرأس أينما ارتحل.
يروى أن المنصور خطب في جماعة في الشام فقال “أيها الناس ينبغي أن تحمدوا الله على ما وهبكم، فإني منذ وليتكم أبعد الله عنكم الطاعون الذي كان يفتك بكم، فقال له أحدهم: إن الله أكرم من أن يجمع علينا في وقت واحد، الطاعون وأنت، فسكت، ولم يزل يطلب عليه العلل حتى قتله”.
وهكذا هو فعل الطغاة على مر الأزمنة والدهور، وهكذا تفعل الطبقة السياسية عندما تغتال ناشطي البصرة أو تختطفهم. إنه ابتلاء، كما قال ذلك الرجل للمنصور، ولكن بطواعين لا بطاعون واحد ولا بطاعونين، غير أن عرس “الواوية” سينتهي ليبدأ عرس العراق، لا عرس البصرة وحدها.
2 عبد المهدي وكرة النار العراقية غسان شربل الشرق الاوسط السعودية
قبل شهور قليلة، لم يكن متوقعاً أن يُستدعى عادل عبد المهدي لتشكيل الحكومة العراقية رغم حضوره الطبيعي في نادي السياسيين العراقيين البارزين. والأسباب كثيرة. ساد انطباع أن حزب «الدعوة» الذي فاز بهذا المنصب لفترة طويلة عبر نوري المالكي وبعده حيدر العبادي لن يترك هذا الموقع المفصلي في الدولة العراقية. وثمة من اعتقد أن العبادي هو صاحب الحظ في ولاية جديدة، لأن الانتصار على «داعش» تحقق خلال توليه رئاسة الوزراء. وهناك من رأى أن العبادي يشكل الصيغة المثلى للتعايش بين النفوذ الإيراني والنفوذ الأميركي على أرض العراق.
ولعل عبد المهدي كان مسلّماً بهذه المعطيات. فقبل شهور كتب مقالاً في جريدة «العدالة» التي يشرف عليها ضمّنه اعتذاراً مقدماً عن تولي منصب رئاسة الوزراء لو كُلّف بها. تحدث عبد المهدي عن عدم توافر الشروط الضرورية للنجاح بسبب المحاصصة واللااستقلالية والصراعات وغياب الرؤية والخطة والمنهج. وبدت القراءة واقعية، فالوضع العراقي شديد التعقيد والتوازنات العراقية بالغة الصعوبة. لكن التوازنات التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة والتمزقات القائمة بين المكونات وداخلها شاءت أن تستقر كرة النار بين يدي عبد المهدي بعد انتخاب برهم صالح رئيساً للجمهورية.
لا غرابة أن يتهيب عبد المهدي المهمة الجديدة. فهو شريك في عهد ما بعد صدام حسين ويعرف ملفات هذا العهد وويلات الممارسات التي أضافت إرثاً ثقيلاً إلى الإرث الذي خلّفه عهد صدام. فمن حضوره المبكر في مجلس الحكم إلى توليه وزارة المال ومنصب نائب رئيس الجمهورية وحقيبة النفط، كان عبد المهدي على تماس يومي مع الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تكشف بوضوح أن الذهاب فيها إلى نهايتها يشبه السير في حقل الألغام من دون بوصلة موثوقة.
كان المعارضون العراقيون يحاولون إقناع العالم وإقناع أنفسهم أن مشكلة العراق تختصر في وجود مستبد اسمه صدام حسين. وأن شطب المستبد سيغرق المكونات العراقية في الغرام والوئام. وأن الانتخابات ستفتح الباب لقيام دولة تستحق التسمية ومؤسسات عصرية منتجة تساعد في استرداد المواطن العراقي من مشاعر القهر والتغييب لتشركه في ورشة وطنية تعيد إلى المواطن كرامته وشروط العيش الكريم، وإلى العراق وحدته وموقعه في المنطقة والعالم. وسرعان ما تبين أن القوى السياسية العراقية لم تكن جاهزة للقيام بمهمة بهذا الحجم ومن هذا النوع. أصيب المنتصرون بجشع لا تحتمله عملية إعادة ترميم المعادلة الوطنية، وأصيب الخاسرون بإحباط قاتل عطّل قدرتهم على الانضواء في صيغة تحد من خسائرهم. واستمرت المشكلة حاضرة رغم دورات انتخابية عدة لم تنجح في تلميع صورة العملية السياسية وإنقاذ المؤسسات من هشاشتها.
يدرك عبد المهدي أن العراق يحتاج إلى عملية إعادة إعمار هائلة. لا بد من إعادة إعمار الإرادة الوطنية العراقية كي تسترد البلاد حصانة تفتقدها منذ إسقاط نظام صدام حسين. والطريق الوحيدة لإنجاز هذه المهمة هي إعادة تأهيل معادلة التعايش بين المكونات. إعادة التأهيل على قاعدة المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات بعيداً عن منطق الغلبة وقيام المكون القوي بالاستئثار وانتزاع حق تعيين ممثلين للمكونات الأخرى. لا بد من عودة حقيقية للشراكة الشيعية – السنية في الحياة اليومية وفي القرارات الكبرى أيضاً. ولا بد من إحياء الشراكة العربية – الكردية استناداً إلى روح الدستور ونصوصه. ولو قامت الحكومات المتعاقبة بواجبها في صيانة هذه الشراكة لما انهار الجيش العراقي في الموصل على نحو ما شهدنا، ولما تجددت لغة المواجهة بين بغداد وأربيل.
لا تقل مهمة الحكومة الجديدة عن استرداد العراق واسترداد العراقيين. إعادة تركيز المؤسسات العراقية تحت مظلة الدستور هي المقدمة الضرورية لوقف الاختراقات الخارجية للجسد العراقي. من غير المنطقي أن يبقى العراق أشبه بساحة للتجاذب الإيراني – الأميركي على أرضه. تزداد أهمية هذه الخطوة إذا أخذنا في الاعتبار أن العلاقات بين واشنطن وطهران تتجه إلى فصل جديد ساخن، خصوصاً بعد بدء العقوبات النفطية في الأسبوع الأول من الشهر المقبل. إن السماح باستمرار سياسة تحريك البيادق على الرقعة العراقية ينذر بإلحاق أضرار كبرى بأمن العراق واقتصاده.
لم يعد سراً أن العراق تعرض في حقبة ما بعد صدام إلى عملية نهب غير مسبوقة ضاعفت المشكلات الناجمة أصلاً عن الخسائر التي ألحقتها بالبلاد مغامرات صدام العسكرية. وليس طبيعياً على الإطلاق أن نشهد هذا القدر من الفقر والبطالة وتردي الخدمات في بلاد يفترض أنها عائمة على حقول من النفط. والمهمة ليست سهلة على الإطلاق، فشبكة المصالح التي أسستها سنوات الفساد والفاسدين تضرب جذوراً عميقة في النفوس والمؤسسات. لكن عبد المهدي مطالب بالاستقواء بالمواطنين الذين عانوا الأمرين من غياب الشروط البديهية للعيش، وبينها المياه الصالحة للشرب والكهرباء. لن يستورد عبد المهدي وزراء من كوكب آخر. سيأتي بهم من القوى السياسية، لكنه مطالب بأن يتشدد في رفض الفاسدين الذين يعتبرون الدولة منجماً مباحاً لأبناء عائلاتهم والفريق الذي ينتمون إليه.
يعرف عادل عبد المهدي العراق. ويعرف الرياح التي تلاطمت على أرضه. مر في البعث وغادره. ومر في الشيوعية والماوية وغادر. ومر في الاتجاه الإسلامي عبر «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية»، وهو الآن في موقع المستقل. جرب الأفكار وجرب العواصم. بعد بغداد أقام في دمشق وبيروت. ثم في باريس وطهران. دراسته الاقتصاد السياسي في فرنسا تؤهله للتعامل مع المشكلات المطروحة على طاولة حكومته. إقامته في كردستان العراق في التسعينات تعينه على تفهم هواجس الأكراد ومشكلاتهم.
يعرف عبد المهدي قصة العراق. كان حاضراً في اللحظات المفصلية. ذات يوم قرر الحاكم المدني بول بريمر إقناع عدد من أعضاء مجلس الحكم أن صفحة صدام قد طويت. واصطحبهم إلى مبنى مطار بغداد. أيقظ الجندي الأميركي صدام الممدد على سريره فرأى نفسه أمام أحمد الجلبي وعدنان الباجة جي وعادل عبد المهدي وموفق الربيعي والجنرال سانشيز قائد القوات الأميركية في العراق. كان صدام مكابراً خلال اللقاء لأنه يقاتل الأميركيين كما قال. ولم تغب العبارات القاسية. قال الربيعي لصدام: «أنت ملعون في الدنيا والآخرة»، فرد عليه: «اسكت يا خائن يا عميل». ربما لم يخطر في بال عبد المهدي يومها أنه سيستدعى ذات يوم لتضميد جروح أكثر من عهد وأن تَسلُّم رئاسة الوزراء في العراق الحالي يشبه تسلم كرة من النار.
3 الحشد الشيعي من التمويل السري إلى الاستحواذ العلني سعيد الحمد الايام البحرينية

هل هناك علاقة مرسومة مسبقاً بين الانهيار الهش والضعيف للجيش العراقي وقواته التي كانت مرابطة في الموصل وبين الظهور المباغت والقوي لمليشيات الحشد الشيعي التي استعادت في ظرف أيام معدودة نسبياً ما عجزت قوات الجيش العراقي عن صده وانهارت أمام «داعش» خلال بضع ساعات فقط.
وما هو الدور الذي لعبه نوري المالكي والذي كان وقتها في 2014 رئيساً للوزراء، فساهم في سقوط الموصل وسيطرة «داعش» أمام انهيار المؤسسة العسكرية والامنية هناك، ما شكل مناخاً يطالب بإيجاد او بتأسيس وتشكيل «بديل» ونضع بديل بين مزدوجين كبيرين للجيش والقوى الامنية التي خرجت مهزومة وبسمعة سيئة لدى جميع المواطنين العراقيين الذين انطلت عليهم اللعبة الكبيرة والخدعة الخطيرة فقبلوا وتقبلوا نفسياً الحشد الشيعي بوصفه المنقذ من خطر «داعش» التي انهارت واستسلمت هي الاخرى أمام الحشد الشيعي في سيناريو مشابه لسيناريو انهيار الجيش العراقي أمامها، لينتصر الحشد ويبرز و«يشرعن» استمراره بديلاً ليس للجيش، ولكن للقوى والفعاليات والمكونات في القرار والخيار وتحديد معالم المسار.
سؤال؟! كيف لمليشيا «الحشد الشيعي» ليس لها وجود قبيل شهور معدودة أن تتصدر المشهد السياسي، وأن تكون القاسم المشترك والرقم السياسي الصعب الذي لم تستطع جميع القوى والاحزاب والتيارات التي سبقته أن تتجاوزه او تهمشه بل جميعها كان وما زال يسعى لكسب وده ورضاه والدخول عن طريقه.
حسب تقارير منشورة منها تقرير لسكاي نيوز عربية ان مصادر التمويل السرية تماماً وهي غير مصادر التمويل الايرانية كشفت عن صفقات مخجلة اخلاقياً ودينياً اندفع اليها الحشد المذكور ليملأ خزائنه بالمال الحرام عن طريق مفردات خمور ومخدرات وصولاً الى البغاء السري الكبير ومواخير، كما ذكر تقرير سكاي نيوز، وهو التقرير الذي نستطيع من خلاله الوقوف على مدى قوة المال الذي يلعب به الحشد الشيعي في الساحة السياسية العراقية فيصنع قرارها بالتوافق او بالأدق حسب التوجيهات الصادرة اليه من طهران.
يذكر التقرير أن فتوى السيد السيستاني والتي عرفت فقهياً بـ«الجهاد الكفائي» دفعت بشباب العراق الى الانخراط في عدد كبير من فصائل المليشيات، وتشكلت منها كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، واستفادت منها منظمة بدر وغيرها، وتوحدت جميعها.
ورغم اليافطة الشعبوية المموهة «الحشد الشعبي» التي رفعوها لإخفاء الطابع الطائفي الصاعق لتكوين الحشد وفئاته إلا أن الشعب العراقي وقف على حقيقة هذا الحشد مبكراً، وبدأ يرتاب ويتوجس، ثم تأكد أن هذا الحشد هو البديل الأقوى للجيش والمنافس الأبرز للقوى العراقية الاخرى بما أعاد إنتاج حكاية تكوين حزب الله اللبناني وبما ذكرهم بسيناريو هيمنته على لبنان.
هادي العامري قائد الحشد الشيعي هو ايضا قائد منظمة بدر العسكرية، وقاتل مع الجيش الايراني ضد العراق أثناء الحرب العراقية الايرانية، وبالنتيجة فهو موالٍ شديد الولاء والانتماء للنظام الايراني الحالي، ويساعده في القيادة كتائب له أبو مهدي المهندس او جمال جعفر محمد او جمال ابراهيمي، كما يسمى في ايران التي قاتل في صفوفها هو الآخر ضد العراق.
وهكذا استلم مندوبو ايران، وبالأدق مندوبو النظام الايراني قيادة حشد طائفي حتى النخاع ليمثل النظام الايراني على خارطة عراقية مضطربة وعلى أرض عراقية تكتنز أكبر ثروات الوطن العربي الطبيعية.
وهكذا يستمر بإيغال شديد هذا الحشد الطائفي في اللعب بثلاث ورقات محرمة من بينها ما أشارنا اليه سابقاً الاتجار في الرقيق الابيض والمخدرات والخمور والولاء لايران والتمويل منها، واللعب بورقة الطائفية، حيث انتهكت قوات الحشد حياة أبناء السنة في المناطق الموصلية وما جاورها حسب تقارير دولية موثوقة.
4 بداية واعدة في العراق لكن التحديات كبيرة حميد الكفائي الحياة السعودية

بعد مرور خمسة أشهر على الانتخابات النيابية في العراق، توشك الأزمة السياسية على الانفراج بعد اكتمال انتخاب الرئاسات الثلاث، على رغم ما شاب العملية من خلافات وصراعات وإحباطات. وفي الوقت الذي رافقت عملية انتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية خلافات حادة وتناحرات سياسية، مر تكليف رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، بهدوء ولاقى ترحيباً كاملاً من الأطراف السياسية بمختلف تلاوينها.
الترحيب السياسي العراقي والدولي بتكليف عبد المهدي يبشر بخير، وهو يحصل لأول مرة لزعيم عراقي منذ التغيير عام 2003. وعلى رغم أن عبد المهدي يتمتع بمزايا لا يشاركه فيها أحد من أسلافه، من مؤهلات اقتصادية مرموقة وتجربة سياسية حافلة وثقافة واسعة وفهم عميق للسياسة الدولية، وإجادة تامة للغتين الفرنسية والإنكليزية، إلا أن القبول المطلق والترحيب الواسع اللذين لقيهما عبد المهدي ليسا بالضرورة مرتبطين بجدارته ومزاياه ومؤهلاته، فالرجل ليس طارئاً على العملية السياسية كي يكتشفه العالم فجأة، بل مشارك فيها بقوة منذ عام 2003، وكان قد تنافس على رئاسة الوزراء عام 2006 وتفوق عليه إبراهيم الجعفري بصوت واحد.
لم تشهد الساحة العراقية تفككاً كالذي أفرزته الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها أكثر من عشرين تحالفاً سياسياً، حاز أكبرها، «سائرون»، بزعامة مقتدى الصدر، 54 مقعداً، بينما حصل تحالف «النصر» بزعامة حيدر العبادي، على 42 مقعداً، غادر نصفه إلى كتلة منافسة بُعيد إعلان النتائج. تحالف «الفتح»، بزعامة هادي العامري، حاز 47 مقعداً، ما مكّنه من المنافسة على رئاسة الوزراء، إذ شكل مع «دولة القانون» و «المحور»، كتلة «البناء» التي ادعت أنها الأكبر في أول جلسة للبرلمان. لكن تحالف «الإصلاح» الذي ضم «سائرون» و «النصر» و «الوطنية» و «الحكمة»، قد أعلن هو الآخر في الجلسة ذاتها أنه الكتلة الأكبر. ويحصل هذا الإرباك لأول مرة، فلم تتنازع كتلتان من قبل على موقع الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة. وعلى رغم أن تحديد الكتلة الأكبر يبدو سهلاً، إذ يمكن حسم الموقف بإجراء حسابي بسيط، إلا أن المواقف المتذبذبة لبعض النواب أَوهَم كلا الكتلتين بأن عدد أعضائها أكثر من الأخرى، ولم يعرف حتى الآن أي الكتلتين أكثر عدداً، إن افترضنا أنهما كتلتان حقيقيتان وليستا مجاميع غير متجانسة من النواب الباحثين عن مكاسب.
هذا التناحر بين الكتل السياسية وخلافاتها الحادة وتنافس زعمائها الشديد، جعل الجميع يبحث عن منقذ يمكن أن يرضي الأطراف كافة ويكون مقبولاً لدى المجتمع الدولي واللاعبيْن الرئيسييْن في العراق، إيران والولايات المتحدة. وهنا برز اسم عادل عبد المهدي باعتباره الشخص الوحيد الذي يتمتع بكل هذه المزايا. وفعلاً، اقتنع الجميع بأنه رجل المرحلة. ولكن، هل اقتنع الفرقاء حقا بتسليمه مقاليد الأمور والتسليم بما يفعل مستقبلاً، أم إنها هدنة لفترة وجيزة تبدأ بعدها التناحرات والتنافس على السلطة؟
المعروف عن عبد المهدي أنه لا يكترث للمنصب، وقد استقال من منصبين رفيعين، نائب رئيس الجمهورية عام 2011، ووزير النفط عام 2016، من دون تردد بعد أن أدرك أن المنصب لا يسمح له بتحقيق الإنجازات التي يطمح إليها. ويخشى البعض من أنه قد يلجأ إلى الاستقالة إن لم يتعاون معه الآخرون، لكنه هذه المرة يمتلك زمام المبادرة وفي إمكانه أن يعلن للشعب العراقي من هم الذين يعرقلون أداءه مهماته.
الفرصة المتاحة لعبد المهدي الآن تاريخية ونادرة، وعليه استثمارها لتحقيق إنجازات حقيقية ترسِّخ النظام السياسي وتضع الاقتصاد العراقي على السكة الصحيحة. مثل هذه الفرصة توفرت لسلفه، حيدر العبادي، عام 2015، لكنه أضاعها. ما يحتاج إليه عبد المهدي هو الإتيان بخبراء من أصحاب التجارب الناجحة، لإدارة الدولة. يجب أن يعيد النظر في التعيينات السابقة للمناصب المهمة، ابتداءً من المناصب العليا كرؤساء المؤسسات المستقلة والقضاة والسفراء، إلى وكلاء الوزارات والمفتشين والمستشارين والمديرين وأساتذة الجامعات وكبار الضباط. هذا لا يعني أبداً أن هؤلاء جميعاً غير صالحين وغير أكفاء ويجب إقصاؤهم، لكن معظم التعيينات منذ عام 2003 هي تعيينات سياسية وقرابية، لم تحصل حسب الكفاءة، بل حسب الولاء الحزبي والشخصي، وإن لم تتغير هذه الإدارات الفاشلة فإن أي تغيير في قمة الهرم لن يكون مجدياً. يجب التأكيد هنا أن حيدر العبادي لم يكن سيئاً بل كان مقيداً.
كل شيء الآن مواتٍ لإحداث تغيير جذري وشامل، فالشعب العراقي غاضب ويتظاهر منذ تموز (يوليو) الماضي ضد الفساد والبطالة وسوء الخدمات، والكتل السياسية تدرك أنها لا تستطيع أن تحكم بالطريقة السائدة منذ 15 سنة، والمرجعية الدينية أعلنت أنها تساند خطوات جريئة للنهوض بالبلد واجتثاث الفساد. عادل عبد المهدي أهل لهذه المهمة الصعبة وجدير بها وأقول هذا الكلام عن معرفة دقيقة بالرجل فقد تعرفت إليه على صفحات هذه الجريدة في تسعينات القرن الماضي، إذ كنا نكتب في الباب الاقتصادي، كما عملنا معاً في مجلس الحكم، ثم في وزارة المال وأستطيع القول أنه يمتلك رؤية رجل الدولة الذي يذهب إلى أمدية بعيدة من أجل إحداث التغيير المنشود.
التحديات كثيرة وكبيرة وملحة، فالأداء السيئ للحكومات المتعاقبة أوصل الأوضاع إلى مستويات خطيرة من العجز والتدهور. الحكومة المرتقبة ستكون بمثابة خلية أزمة تعمل على حل المشكلات المتراكمة، ولكن عليها ألا تهمل الجوانب الاستراتيجية البعيدة الأمد. يجب أن يتغير التفكير السائد حول دور الحكومة، وهذا يحتاج إلى عمل ثقافي دؤوب تضطلع به ابتداء وزارات التربية والثقافة والداخلية. يجب خلق البيئة الملائمة للاستثمار وإرساء الأسس القانونية التي يحتاج إليها القطاع الخاص كي يأخذ دور الحكومة في الكثير من القطاعات الخدمية. لا يمكن أن تبقى الحكومة المسؤول الأول عن التوظيف، فمثل هذه الحكومة (الأبوية) لم يعد موجوداً في عالمنا. الحكومة تشرِّع القوانين وتشجِّع الاستثمارات وترعى المبادرات وتدير الأمن وتفعِّل القضاء وتراقب الأداء الاقتصادي العام، لكنها لا تتدخل إلا عند حصول تشوهات أو أزمات، والاقتصادي عادل عبد المهدي، العارف بتفاصيل الاقتصاد الحديث، أفضل من يديرها، لكنه لن ينجح إذا لم يتمتع بالدعم السياسي اللازم ويحظى بالرقابة البرلمانية المسؤولة. إنها فرصة تاريخية للعراق إن أحسن السياسيون استثمارها.
5 بغداد تسقط معادلة «لا غالب ولا مغلوب» جورج سمعان الحياة السعودية

إيران لم تربح في العراق. ولا الولايات المتحدة ربحت أيضاً. لعبة التوازن القائمة منذ الغزو الأميركي لا تزال مستمرة. لكنهما لم يخسرا. الخاسر هو قوى الإسلام السياسي بشقيها الشيعي والسني. الخاسر هو «حزب الدعوة» الذي استأثر بالحكم إلى حد كبير منذ 2005. وتوالى على رأس السلطة التنفيذية أبرز رموزه إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وحيدر العبادي. والخاسر أيضاً «الحزب الإسلامي» الذي يشكل واجهة لحركة «إخوان العراق». لم يعد يمسك بمفاتيح السلطة الاشتراعية بالتفاهم مع القوى الشيعية المرتبطة بطهران. وهذا تطور لافت. التوافق الداخلي بين القريبين من إيران وأولئك المحسوبين على الولايات المتحدة أنتج هذه التركيبة الجديدة. ولم تكن المرجعية في النجف بعيدة من الترتيب. تغيرت الوجوه، وإن لم تتغير القواعد التي طبعت صيغة الحكم و «المحاصصة». القوى والفصائل المرتبطة بالجمهورية الإسلامية هللت لفوز مرشحها محمد الحلبوسي برئاسة مجلس النواب. لكنها لا يمكنها أن تعتبر فوز برهم صالح برئاسة الجمهورية وكذلك تكليف عادل عبد المهدي تشكيل الحكومة الجديدة فوزاً لها وهزيمة لواشنطن.
الصورة أكثر تعقيداً. لا يمكن اعتبار صالح أو عبد المهدي في صف إيران، وإن لم يكونا في صف خصومها. للرجلين تجربة وثقافة سياسيتان لا تسمحان لهما بالمجازفة في مواجهة الولايات المتحدة، ولا بإدارة الظهر لرغبات الجمهورية الإسلامية. وهما يتمتعان بعلاقات مع كل الأطراف المعنيين بالشأن العراقي، في الداخل والخارج. حتى رئيس البرلمان لا يمكنه تجاهل موازين القوى داخل مجلس النواب. فإذا كان تلاقي الكتلتين الكبريين «سائرون» و «الفتح» رجح كفته، فهو يعرف أنهما تقفان في الخط الأمامي، واحدة بمواجهة تدخل إيران والأخرى بمواجهة تدخل أميركا. بل كلتاهما وجهت رسائل ودية حيال واشنطن غداة الانتخابات في أيار (مايو) الماضي، أي أن اصطفاف الكتل داخل قبة البرلمان لا يسمح بتجاهل حضور هاتين الدولتين. فالإدارة الأميركة التي تخوض صراعاً حاسماً هذه المرة مع طهران لن تسحب قواتها التي عادت إلى العراق تحت راية «التحالف الدولية» لمحاربة تنظيم «داعش». بل ستتمسك بهذه القوات تمسكها ببقاء قواتها في سورية حتى إخراج «الحرس الثوري» والميليشيات الموالية له من سورية. ستحرص على مواصلة حربها على الإرهاب التي لم تنته. كما ستواصل تدريب القوات العسكرية التي أعادت تأهيلها بالتفاهم مع حيدر العبادي. وباتت تشكل قوة وازنة بمواجهة الميليشيات التي أطلقها الجنرال قاسم سليماني ورعاها.
يصعب على الحكومة العراقية المقبلة أن تطلب من القوات الأميركية مغادرة البلاد. بل ربما كان من مصلحتها بقاء هذه القوات، أياً كان الغطاء سواء مواصلة الحرب على بقايا «داعش» أو تدريب القوى العسكرية الوطنية، وذلك لإقامة توازن بين فصائل «الحشد الشعبي» التي يمكن إيران أن تمارس عبرها ضغوطاً على الحكم. ولا يخفى أن هذه تراهن على العراق للتحايل على العقوبات. وقد فعلت ذلك في السابق، أيام ولايتي زعيم «دولة القانون». وأفاد «الحرس الثوري» من حضوره الطاغي ليس في الساحة السياسية فحسب، بل في مكاتب الحكومة وإداراتها من أجل تمويل عملياته داخل العراق وخارجه. وتدرك إدارة الرئيس دونالد ترامب أن سياسة العقوبات التي تهدد بها بعض فصائل «الحشد» قد لا تثمر ما تشتهيه. فعمل قياداته محصور بالميدان الداخلي، في أروقة البرلمان عبر أكثر من كتلة، وفي دوائر الحكومة التي امتلأت بهم طوال نيف وعقد من حكم «حزب الدعوة»، وفي المؤسسات المدرسية والدينية… لذلك، يبدو شبه مستحيل إخراجهم من الساحة السياسية. لذا، يتعذر على العراق أن يقطع علاقاته مع الجمهورية الإسلامية شريكه التجاري الكبير، والذي يستقبل من مواطنيها أكثر من ثلاثة ملايين يحجون سنوياً لزيارة مقامات الأئمة في بغداد والجنوب خصوصاً. كما أنه يعتمد عليها في توفير نحو ثلثي الكهرباء عبر واردات الغاز الطبيعي. علماً أن انقطاع الكهرباء كان بين الأسباب البارزة لانفجار الاحتجاجات في البصرة الشهر الماضي.
ميزان القوى في الداخل العراقي يميل لمصلحة إيران، بوجود قوى الميليشيات التي كان لها الدور الكبير في قمع الاحتجاجات في البصرة. لكن هذا الخلل يصححه الشارع الذي عبر عن رفضه الأحزاب الدينية تماماً كما عبر عن تبرمه من الطبقة السياسية وآليات توزيع المناصب والمكاسب. تجلى ذلك في تدني نسبة المشاركين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفي تقدم القوى التي تعارض التدخل الإيراني. وكانت أحداث البصرة وحرق مقر القنصلية الإيرانية خير تعبير عن رفض هذا التدخل. هذا الخيط الدقيق الذي تقف عليه العملية السياسية في بغداد قد يكون الرئيس برهم صالح خير من يحافظ عليه. فهو «رفيق» الرئيس الراحل جلال طالباني الذي عرف في كثير من المناسبات، عبر علاقاته الممتازة مع كل من طهران وواشنطن، كيف يحافظ على هذا الخيط للحؤول دون كسر هذا التوازن وإدخال البلاد في المحظور. ورئيس الجمهورية الجديد قادر على أداء هذا الدور، وسيطاً بين قوتين تخوضان صراعاً حاسماً. وليس عادل عبد المهدي أقل قدرة على أداء مثل هذا الدور. فحتى حيدر العبادي أحد قادة «حزب الدعوة» لم يجازف في إغضاب الولايات المتحدة. بل كانت المفاجأة أنه أثار حفيظة طهران طوال أربع سنوات. وكان آخر فصول مواقفه إعلانه التزام حكومته العقوبات الأميركية مقدماً مصالح بلاده على ما عداها من مصالح الآخرين، وإن حاول بعد ذلك تلطيف خطابه أو توضيحه. ولا تعوز رئيس الحكومة المكلف الخبرة الديبلوماسية والتجربة السياسية والحزبية المتنوعة لنهج سياسة تجنبه السير فوق حقل الألغام التي يزخر بها العراق… إلا إذا كان المنخرطون في الصراع على العراق يصرون على إسقاط معادلة «لا غالب ولا ومغلوب»!
يدرك رجال إدارة الرئيس ترامب حقيقة المشهد السياسي في العراق واستحالة رفع يد إيران عن بغداد. لكنهم بالتأكيد يراهنون على فاعلية العقوبات وحزمتها المقبلة التي تدخل حيز التنفيذ مطلع الشهر المقبل، والتي بدأت تؤرق النخبة الحاكمة بسبب تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما عبر عنه صراحة المرشد الأعلى للجمهورية السيد علي خامنئي. تحدث للمرة الأولى عن المرحلة الصعبة التي تمر بها بلاده. لم يحدث أن شهدت طهران مثل هذه الضغوط الخارجية والداخلية. صحيح أنها تنشر أذرعها في عدد من البلدان العربية لكن هذه الأذرع تواجه حرب استنزاف مفتوحة لا قدرة لاقتصادها على تحمل تبعاتها. في اليمن، تتصاعد الحرب على الحوثيين. ويتفاقم الغضب الشعبي عليهم في صنعاء وغيرها من المدن والدساكر التي يسيطرون عليها، ويتعمق الخلاف الدموي بين صفوفهم. أما الحضور الإيراني في سورية فيواجه تحديات تتضارب فيها مصالح قوى كبرى إقليمية ودولية. يكفي أن إدارة الرئيس ترامب تصر على خروج القوات الإيرانية والحليفة من بلاد الشام، بعدما بدلت سياستها حيال هذا البلد وعززت قواعدها العشرين وممثليها الديبلوماسيين. وقد لخص جيمس جفري الممثل الأميركي الخاص إلى سورية الصورة في هذا البلد، قائلاً أن الثلاثي السوري (النظام) – الإيراني – الروسي يسيطر على نصف الأراضي السورية ونصف السكان. لكنه لا يملك السيطرة على حقول النفط والغاز. «إنهم يجلسون على كومة من الركام من دون بصيص أمل».
لكن هذا التفاؤل الأميركي تقابله في دوائر سياسية وإعلامية مخاوف من أن تتعزز قبضة المتشددين على القرار في طهران. وأن يفيد «الحرس الثوري» من الحصار الاقتصادي، كما فعل في السابق، من خلال الإطباق على قطاع النفط واللجوء إلى التهريب والتحايل على العقوبات في أكثر من ساحة إقليمية. وهو ما لجأ إليه في العراق قبل سنوات. وتدرك طهران أنها لا يمكن أن تعتمد على تعويض ما ستخسر نتيجة العقوبات من شركاء وحلفاء آخرين. وقد أقر مجلس الشورى قبل أيام قانون مكافحة الإرهاب، الأمر الذي ينزع من يد واشنطن ذريعة لممارسة مزيد من الضغوط عليها وفق ما صرح وزير الخارجية محمد جواد ظريف. ولم يقفل المرشد قبل أيام باب الحوار مع الولايات المتحدة، ولكن ليس مع هذه الإدارة على حد قوله. هل يثمر تصاعد العقوبات وتصميم الرئيس ترامب وارتفاع النقمة الشعبية في الشارع الإيراني ليونة متدرجة من جانب التيار المحافظ؟ هل يعتبر هذا التيار من تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي؟
6 «درسوا في جامعات الغرب» حازم صاغية الحياة السعودية

في الترحيب باختيار برهم صالح رئيساً لجمهوريّة العراق، وتكليف عادل عبد المهدي تشكيل حكومته الجديدة، تحضر عبارة تتكرّر في أشكال عدّة: لقد درس في جامعات الغرب. الشيء نفسه سبق أن قيل حين كُلّف عمر الرزّاز تأليف الحكومة الحاليّة في الأردن. هذه العبارة يصحّ فيها أنّها سيف ذو حدّين. فهي تتسلّل من تحت طبقات الكلام التي تراكمت في العقود الثوريّة والانقلابيّة على أنواعها، لتعيد ربطنا بالزمن «النهضويّ»، حين وُصف «العلم» بقاطرة التقدّم وشرطه الشارط. أمّا الشقّ المتعلّق بالغرب من الموضوع فـ «نهضويّ» أيضاً: ألا تبدأ قصّة «النهضة» برمّتها مع سفر رفاعة رافع الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وسواهما إلى الغرب؟ وهذا، بدوره، يتضمّن ميلاً كافحتْه العقود الأخيرة، مفاده التعامل مع الغرب، لا بوصفه مصدر عدوان ونهب واستعمار، بل بوصفه مصدر معرفة وتمكين. ومن هذا التماثل ينبثق تماثل بسيط آخر: فنحن أيضاً مجتمعات طبيعيّة تعافت من نزاعاتها، لا ينقص إلاّ تحسينها بأيدي عدد من المتعلّمين النزهاء الذين جاؤوا من حيث تحسّنت الأمور.
في هذا جميعاً، تُسبَغ ضمناً على الدراسة في جامعات الغرب (وأحياناً يقال: في أحسن جامعات الغرب) فضائل أخلاقيّة تجعلها ضمانة ضدّ الفساد وشهادة حرص على المال العامّ. كما تنمّ العبارة عن حنين إلى أزمنة عاشها بعضنا القليل وسمع بها، أو قرأ عنها، بعضنا الأكبر. أمّا الوجه الآخر للحنين هذا فاحتجاجٌ على زمن حلّ فيه الضابط ورجل الأمن والداعية العقائديّ والمليونير المشبوه محلّ خرّيج الجامعات الغربيّة.
والحال أنّ السِيَر الشخصيّة لصالح وعبد المهدي والرزّاز تخدم قدراً من التفاؤل بهم، من دون أن تخدم نظريّةَ التفاؤل بمبدأ الدراسة في جامعات الغرب. فأوّلاً، يصحّ الشكّ في القدرات الفعليّة التي يتمتّع بها هؤلاء الخرّيجون النزهاء الذين صاروا سياسيّين، ما دامت مسائل السلطة السياسيّة وتقاسمها غير مبتوتة في أيّ بلد عربيّ. ونعرف أنّ أنظمة عربيّة كثيرة بالغت في ابتذال كلمة «تكنوقراطيّ» بحيث باتت تعني امتلاك مؤهّلات السلطة من دون امتلاك شيء من السلطة. وربّما كانت تجربة سلام فيّاض في رام الله أوضح تعابير هذه الحال.
يحيلنا إذاً ذاك التفاؤل، الذي قد يحظى بمبرّرات معذورة، إلى سذاجة مَن يغلق عينيه بقوّة قلبه. فنحن– فقط للتذكير– مجتمعات يستبدّ بها حكّامها إلى حدّ امتلاكها وتوريثها والعبث بحياة أبنائها، وتعصف بها هويّاتها الجزئيّة والفرعيّة فتضعها في قلب الحروب الأهليّة أو على تخومها، وتمزّقها المعارك على أنواعها مُظَلّلةً بممارسات وحشيّة وتبديد للثروات وأفكار قروسطيّة لم تتعرّض لرياح الزمن… وهذا وسواه لا يستطيع التصدّي له بضعة أشخاص متعلّمين ونزهاء يرسمهم التفاؤل بُدلاء عن حركات شعبيّة وتحويلات فكريّة واسعة ومطلوبة. أخطر من ذلك، أنّ رحلة التفاؤل بـ «العلم» الذي «يحسّن أوضاعاً طبيعيّة»، قد ينتهي بأصحابه متفائلين بـ «العمل» الذي يعيد بناء ما «هدّمته الحروب»، على ما يقال اليوم عن «إعادة البناء» في سوريّة. ولا ننسى– ولو سفّ بنا التشبيه– أنّ بشّار الأسد إيّاه كاد يصبح خرّيج جامعة غربيّة.
7 الخاتون وملكة الصحراء وليد الزبيدي الوطن العمانية

رغم أن فيلم ” ملكة الصحراء” يتوقف عند الحقبة الزمنية التي سبقت ذهاب البريطانية الشهيرة مس بيل إلى بغداد ، إلا أنه يعطي الكثير من الحقائق عن هذه الشخصية المثقفة والسياسية والدبلوماسية، وقد وصفت بالعديد من الصفات، من أبرز ذلك ” صانعة الملوك “، وهذا ما قالته في نهاية الفيلم، الذي أخرجه فرنر هرتزوغ، وأدت دور مس بيل في الفيلم الممثلة العالمية نيكول كدمان.
اللافت أن الكثير من الباحثين والسياسيين يطلقون صفة ” جاسوسة ” على مس بيل ، في حين قررت الآنسة بيل أن تخدم بلدها بكل ما تستطيع، وحتى وهي تعمل سكرتير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق، وامتلكت خبرات بالمجتمع والعشائر العربية والعراقية، وأنها بذلت جهودا كبيرة في البحث والتقصي في المجتمع في تلك الظروف بالغة الصعوبة، خاصة ما يتعلق بالتنقل في مناطق محفوفة بالأخطار، ولم تقتصر جهودها على العراق وحده، فقد بحثت في الآثار والتاريخ والمجتمع في الجزيرة العربية والأردن وسوريا، ولم تتردد في خوض المغامرة في أعماق الصحراء رغم تحذيرات القنصل البريطاني في الشام الذي حذرها من تلك التنقلات في قلب الصحراء، لكنه أعجب بها وأحبها بعد ذلك، لكنها فقدته رغم تعلقها به، وكان الرجل الثاني الذي يدخل قلبها بعد أن فقدت الدبلوماسي في السفارة البريطانية بطهران في بداية انغماسها في عوالم الشرق، عندما ذهبت إلى هناك حيث كان خالها يعمل سفيرا للمملكة المتحدة في إيران.
في العراق يطلقون عليها لقب ” الخاتون “وهو لقب يقدم لنساء المجتمع الراقيات، وما زال المثقفون والمؤرخون والآثاريون يذكرون دور مس بيل في الحفاظ على الآثار العراقية، فقد كانت أول من أسس المتحف العراقي، الذي يضم آلاف القطع الآثارية التي تؤرخ لحقب وعصور مختلفة من حضارة بلاد ما بين النهرين، وذكرها الكثيرون والألم يعتصر قلوب العراقيين عندما وجهت دبابة أميركية في أول يوم لقوات الغزو عام 2003 إلى بوابة المتحف العراقي نيرانها وقذائفها لتفتحه أمام العصابات الدولية التي تم إعدادها سلفا واللصوص والسراق من الداخل، وتسبب ذلك بخسائر هائلة في خزائن الآثار العراقية، وأعاد الكثيرون إلى الأذهان مس بيل لأنها هي التي أسست هذا المتحف في بدايات القرن العشرين.
هذا الفيلم ” ملكة الصحراء” يبحر بمن يشاهده إلى عوالم في غاية الروعة والجمال، ويبث المعلومات بهدوء وكثافة وينقلك إلى العادات والتقاليد والمعالم الحضارية والتاريخية وإلى الكثير من الآثار ، ويقدم الكثير من الحقائق خاصة للمشاهد الغربي وفي العالم عن عادات وتقاليد القبائل العربية وعلاقتها مع المرأة وتحديدا التي تأتي ضيفة .
للأسف يتوقف الفيلم عند الحقبة التي تتهيأ فيها مس بيل للانتقال إلى العراق ، دون أن يقدم شيئا عن حياتها ونشاطاتها في العراق ، ويبدو أن المخرج قد التزم بعنوان الفيلم الذي حدد حياة ملكته في الصحراء فقط.

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Top