انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 7 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الاحد

7 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الاحد

1 أرادها الإيزيديون رمزا لهم فكانت جائزة نوبل للسلام وارد بدر السالم العرب بريطانيا
كشفت لجنة نوبل عن جائزتها للسلام إلى العراقية الإيزيدية السفيرة نادية مراد حينما فضحت سلوك داعش وإجرامه بحق الإيزيديات، عبر السنوات الماضية في حلّها وترحالها بين دول العالم وأقبية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المتعددة، حتى اضطرها الأمر وهي تعرض قضية المختطفات والأسيرات الإيزيديات في المحافل الدولية إلى أن تزور إسرائيل قبل أكثر من عام وألقت كلمة في الكنيست الإسرائيلي!
نادية مراد ضحية من ضحايا العنف الداعشي الذي استباح الأعراض بطريقة همجية، وهذا لا خلاف في توصيفه. نجحت هذه الشابة في أن توصِل صوتها وصوت المحتجزات والمختطفات إلى كل مكان، حينما تمكنت من الهرب وطافت العالم وهي تحمل قضيتها لا بوصفها الشخصي، إنما بالوصف العام لما وقع على الإيزيديات من ظلم وحيف وانتهاكات جسدية فظيعة، روتها نادية مراد في أكثر من مناسبة بطريقة أوضحت فيها الكارثة من مستوياتها الأخلاقية والدينية والأدبية المتناقضة، فلفتت الأنظار إلى هذه المشكلة في الأمم المتحدة وغيرها من المرافق الدولية المعنية بشؤون الأقليات الدينية في العالم.
عذراء سنجارعذراء سنجارس
نوبل كجائزة عالمية بمعانيها الاعتبارية والرمزية ليست هيّنة، ونعتقد أن نادية مراد تستحقها من رؤية موضوعية، فهي الصوت الواصل بين الهامشي / الإقلياتي والمركز / السلطة / الذي بقي غير قادر بكل ما يمتلكه من ثقل إعلامي ودولي على أن يوصِل المعاناة أو جزءاً منها إلى العالم الخارجي، لكن نادية مراد التي خرجت من الهامش المنسي إلى المتن الرئيسي / العالمي تمكنت في فترة وجيزة من أن تصف صورة الغزو بشكله الداعشي الذي ربما كانت تغيّبه بعض وسائل الإعلام العربية وتتبناه سراً أو علانية. عبر الشخصي / الفردي إلى الموضوعي / العام لبنات جنسها من الإيزيديات اللواتي تم انتهاكهنّ جسدياً ومعنوياً بالأشكال التي عرفناها وسمعناها وشاهدناها في مناسبات مختلفة.
يرى البعض بعد فوز نادية مراد بالجائزة النوبلية الكبيرة أنها ما يشبه “وصمة العار” على السلطة العراقية والضمير العربي بشكله الأعم، حينما تمكن/ المفرد/ من أن يصل الى هذه المنصّة الكبرى ولم يستطع/ العام / أن يوصلها أو يساهم به على أدنى تقدير، وبالتالي بقيت السلطة محاصَرة في سلبياتها الكثيرة ، بينما انتزع / المفرد / الوسام العالمي بكل جدارة، لتكون نادية مراد أول عراقية / غير عربية / تنال هذا التكريم وهذه الجائزة الكبيرة، بعدما حصلت على جوائز مختلفة وأوسمة معينة وعُيّنت سفيرة في الأمم المتحدة.
يستطيع / الهامش / الأقلياتي / أن يكوّن رأيا عاما بكل الطرق المتاحة لو توفرت له المنصّة الإعلامية الفاعلة. فالأقليات العراقية على سبيل المثال التي خرجت من نفق النظام السابق / من الهامش المغدور / إلى فضاءات أكثر صلة بالحياة والإنسانية / إلى المتن الأكثر اتساعا ورؤيا / والدين الإيزيدي بقلّة جماهيره المختفية آنذاك بسبب سلطة عليا قامعة، خرج من ذلك الحصار بعد موقعة داعش إلى العالم عبر نادية مراد وبعض الناجيات اللواتي فضحن الأساليب اللاأخلاقية لعناصر داعش وما تعرضن له من انتهاك جسدي وروحي، لكن لم تتوفر لجميع الناجيات فرصة متاحة ومناسبة بقدر ما توفرت لنادية مراد أن تعطي صورة مؤلمة من صور السبي الرهيب الذي تعرضت له النساء الإيزيديات والانتهاكات الجنسية المريعة التي طالتهن، ومراد كانت من الشجاعة أن قالت المخفي من السلوك الداعشي المجرم، وفضحت المسكوت عنه في التعامل اللاإنساني الذي مارسه داعش بحق الإيزيديات.
نادية مراد أرادها الإيزيديون رمزا فكانت الرمز بجائزة نوبل في آخر المطاف.
2 العراقيون الإيزيديون.. اعتراف دولي ولو متأخر رشيد الخيون
العرب بريطانيا

تُعد الإيزيدية إحدى ديانات العراق الرئيسية، وعندما نقول رئيسية فمعنى ذلك أنها لم تتحول من مذهب أو تنشق من ديانة أُخرى، مثلما حاول عدد مِن الكُتاب، الأولين والمتأخرين، القول بأنها انحراف عن ديانة الإسلام، وآخرون اعتبروها انحرافا عن المسيحية، وهذا ما تعرضت له الديانة الصابئية المندائية، ومع اختلاف الآراء فيها، إلا أنها تُعد بطقوسها ووجودها العام مِن ديانات العراق الحيَّة، اتخذت مِن سنجار والشيخان وقصبات أُخرى من العراق داراً لها، حيث معبدها الرئيس “لالش” يقع في وادٍ مِن وديان شيخان، ويعتبر الإيزيديون في أدبهم المنقول والمكتوب أنها أرض ذلك المعبد “خمير الأرض”، وهم كبقية الأديان يعتبرون أنفسهم أصحاب الديانة الحق، لهم أعيادهم وصلواتهم وتقاليدهم الدينية، وتراتبهم الاجتماعي، لهم أمراء وشيوخ دين (أمير شيخان) و(بابا شيخ).
تعرض الإيزيديون منذ زمن بعيد إلى اضطهادات جمة، بسبب ديانتهم، وعلى وجه الخصوص في العهد العثماني، حتى وصل الحال إلى تخريب معبدهم المقدس لالش، وتحويله إلى مدرسة إسلامية، وصدرت فتاوى لإبادتهم. لم يجر ذلك بسبب اختلاف الديانة، وإنما له علاقة بطبيعتهم الدينية، والتي تُحرم على الإيزيدي أن يؤدي طقوسه أمام الغرباء، وبهذا المنطق أجبروا على التجنيد الإجباري، أو ما عُرف بالسفر برلك (النفير العام العثماني)، ثم مشاكلهم العديدة مع الحكم العراقي، فالجبال والوديان تُغري بالعصيان.
أكثر ما يؤلم الإيزيديين أنهم تعرضوا إلى تنكيل ثقافي، إن صحت العبارة، وذلك بتكريس الاسم “يزيديون” على أنه ارتباط بيزيد بن معاوية، المتوفى سنة 64 هـ، وعلى أنهم عبدة الشيطان، مع أن فكرتهم عن الشيطان، أو إبليس، خاصة، ربما العديد من الصوفيين قد مارسوها، فهم لا صلة أصلا لهم بيزيد ولا عبادتهم للشيطان، إنما من ناحية العبادة يعبدون الله، والاسم منحوت من إزيدا، أي الله، وهم إيزيديون أي الإلهيون، وتلك قصة طويلة.
في الوقت الذي لم تعترف الدولة العثمانية حتى خروجها من العِراق (1918) بهم، ولا بالصابئة ولا بالبهائية، اعترفت الدولة العراقية الحديثة بالأديان كافة، وخُص الإيزيديون بفصل من فصول الدليل العراقي لسنة 1936، ولهم ما عليهم كباقي الديانات، غير أن الموقف الاجتماعي منهم ظل مسلوباً فكرة أنهم يعبدون الشيطان واسمهم منحوت من يزيد بن معاوية، بينما لو كان الأمر أنهم “أمويون” مثلما طُرح الموضوع على أساس قومي، لتأكيد عروبتهم، لكان الأنسب أن يُنسبوا لمعاوية لا ليزيد.
غير أن أقسى ما عانى منه الإيزيديون، في العقد ونصف العقد الماضيين، هو تعرضهم لهجمات إرهابية منظمة ومستمرة، راح ضحيتها الآلاف منهم، بين قتيل وجريح وأسير، وتعرضت النساء إلى الاغتصاب والأسر والبيع في أسواق النخاسة الحديثة، ففي واحدة من الهجمات دمرت قريتان وما فيها، وهما من القرى ذات الكثافة الإيزيدية، أما جريمة العصر فحصلت بعد اجتياح الموصل (يونيو 2014) مِن قبل جماعة داعش، حيث دمرت سنجار وما فيها، وسط دهشة العالم لما يجري من تنكيل بهم على أساس الاضطهاد الديني.
نقلت ابنتهم الناشطة المدنية نادية مراد مأساة قومها إلى العالم، بعد لقاءات توفرت لها مع رؤساء دول، وتوج نشاطها بالحصول على جائزة نوبل للسلام (مناصفة)، ولنا النظر إلى هذه الجائزة كرد اعتبار لنادية نفسها، والتي تعرضت للاغتصاب والبيع، ورد اعتبار لديانتها وقومها، الذين ضاقت بهم الملاجئ، حتى تحولت كثافتهم من العراق إلى بلدان الغرب، وعلى وجه الخصوص ألمانيا.
لقد هزت مآسي الإيزيديين العالم، عندما مورست ضدهم تقاليد الحروب الدينية، والتي كانت تحصل قبل ألف عام ويزيد، الاستيلاء على البيت وأخذ النساء والأطفال أسرى، والعالم يعيش التطور العلمي والحضاري في القرن الواحد والعشرين. كانت الجائزة اعترافا دوليا صادقا، ولكنه متأخر.
3 منصة لتكريم المنتصر
مشرق عباس الحياة السعودية

بدا السؤال ملحاً خلال الأيام الماضية في شأن العاصمة التي انتصرت في سباق اختيار الرؤساء الثلاثة في العراق، هل بالفعل فرضت طهران حلفاءها في قصور الرئاسة ببغداد؟ أم أن واشنطن كسبت ختام لعبة الروليت العراقي وشكلت حكومة تتفق مع توجهاتها؟.
وهذا النوع من الجدل على رغم أصوله التي تمتد إلى عام 2003، فإنه أصبح أخيراً أكثر وضوحاً وحساسية مع تفاقم الأزمة بين العاصمتين، وتوجه واشنطن إلى فرض المزيد من العقوبات على طهران، بما وضع بغداد أمام اختبار حقيقي للمصالح الوطنية، وفيما إذا كانت ستتحول إلى أداة لتنفيذ العقوبات، أو أداة لإحباطها وإفشال أغراضها.
وأصبح الجدل محرجاً للجميع، عندما اعتبرت إيران أن فوز رئيس البرلمان العراقي الحالي محمد الحلبوسي بمنصبه يمثل «صفعة لأميركا!»، وهو الافتراض الذي على أساسه تمت إعادة صوغ معادلات الربح والخسارة، من دون معاينة الحقائق على الأرض لا على صفحات الجرائد والتسريبات الإعلامية.
والواقع أن لا الحلبوسي كشاب قادم من الفلوجة يمكن عده حليفاً تقليدياً لإيران، ولا منافسيه يمكن اعتبارهم حلفاء لأميركا، لكن هذا المعيار جاء استناداً إلى تحالف الكتلة السياسية التي رشحته «المحور»، مع الطرف الشيعي الأكثر قرباً من إيران (البناء- الفتح مع دولة القانون)، وهو الأمر الذي سيتخذ طابعاً مربكاً بإضافة «الحزب الديموقراطي الكردستاني» المعروف بعلاقاته الوطيدة مع واشنطن، إلى التحالف الذي منح الحلبوسي أصواته.
الإرباك، بلغ ذروته في لحظة انتخاب برهم صالح عن «الاتحاد الوطني الكردستاني» وهو الحزب المعروف بعلاقاته التاريخية مع إيران، رئيساً للجمهورية، وفشل مرشح «الديموقراطي»، الذي شيدت الولايات المتحدة على أرض مدينة أربيل، معقله التقليدي، أكبر قنصلية أميركية في الشرق الأوسط، فؤاد حسين في نيل المنصب، فلم يكن من المعقول أن حزب بارزاني، الذي عقد صفقة مع حلفاء إيران المفترضين في رئاسة البرلمان، سينال دعماً أميركياً لنيل المنصب!، كما لم يكن منطقياً أن برهم صالح المعروف بتوجهاته الليبرالية وصداقاته الغربية، والذي نال دعم تحالف «الإصلاح» (الصدر والحكيم والعبادي) سينال دعماً إيرانياً!.
ولأن المعايير قد انفرطت وتداخلت في لحظة انتخاب رئيس الجمهورية، فإن اختيار عادل عبد المهدي كرئيس وزراء مكلف، دفع بنظام التأويل الثنائي (الإيراني– الأميركي) إلى أقصى مراحل إحراجه، فكيف يمكن أن يكون الرجل مرشحاً عن «البناء» و «الإصلاح» معاً، وباستخدام المقاربات المشكوك بصدقيتها يصبح السؤال: كيف يمكن أن يكون مرشحاً لطهران وواشنطن معاً؟.
وبملاحظة تعليقات سابقة بهذا الشأن، فإن إيران لم تكن ترغب أبداً بحكومة عراقية محسوبة على حلفائها، وإن التهليل الإيراني لاختيار رئيس البرلمان، لم يكن إعلان نصر، بقدر ما كان ارتباكاً حقيقياً في صلب السياسة الإيرانية تجاه بغداد، التي على رغم كل نواقص حكامها، وتاريخ استسلامهم لفرضية كلية القدرة الإيرانية، قد أصبحت عملياً لاعباً أو تحاول أن تفعل، وأن الخيارات الإيرانية لم تعد حاسمة، ليس بسبب التداخل الأميركي الصريح، بل لأن نمط خيارات عراقية بدأ يتخذ طابعاً صريحاً.
قد نكتشف أن الحلبوسي على سبيل المقاربة، أكثر انسجاماً مع واشنطن من طهران، وقد يكون انتخابه بلا عائد حقيقي لأي طرف، أو أنه كان بداية صفقة لم تكتمل، وقد يكون انتخاب برهم صالح لحظة تمرد للنواب العراقيين على صفقات زعماء كتلهم، وعلى واشنطن وطهران معاً، ويمكن في هذا الصدد تعريف عادل عبد المهدي، بأنه خيار الاضطرار السياسي داخلياً وخارجياً، أمام موجه احتجاج شعبية متصاعدة، وشروط قاسية وضعها السيستاني لمعايير رئيس الحكومة.
لن تنتظر طهران من الرؤساء الثلاثة أكثر من محاولة إقناع أميركا باستثناء بغداد من ترتيبات العقوبات، ولن تجازف بدفع الحكومة العراقية للانتحار أمام المذبح الإيراني، ليس من باب الغرام السياسي، بل لأنها ستصطدم برفض أقرب حلفائها لهذا الخيار، ولن ترغب واشنطن بأكثر من حكومة عراقية مستعدة لتطبيق العقوبات، مع الوعد باستثناءات تقابلها المزيد من الإجراءات للحد من نشاط المسلحين، وربما للمرة الأولى لن تنصب في العراق منصة لتكريم العاصمة المنتصرة بتشكيل حكومة بغداد.
4 عادل عبد المهدي: الرفيق – الأخ، والفرد – المواطن حازم صاغية
الحياة السعودية

كانت النخبة العراقيّة من النخب المشرقيّة التي بكّرت نسبيّاً في إدراك ما تأخّرت عنه النخبة السوريّة: أنّ هناك قضيّة وطنيّة وديموقراطيّة للعراقيّين، وأنّ هذه القضيّة ليست إسلاميّة ولا عروبيّة ولا فلسطينيّة. في هذه القضايا الأخيرة كانت تصبّ الجهود في الوقت الضائع، أو المعلّق، أي قبل اكتشاف القضيّة العراقيّة وخصوصيّتها.
لصدّام حسين «فضل» مزدوج في ذلك: من جهة، بالغ في استخدام العروبة وفلسطين والإسلام، وخاض حروباً شديدة الكلفة باسمها. لكنّه بالغ أيضاً في قهر العراقيّين وتنفيرهم من هذا الوعي الزائف الذي نفاهم فيه. من جهة أخرى، سقط قبل زملائه الباقين، فأتاح للعراق أن يظهر على حقيقته، إن بوصفه وطناً أو بوصفه جماعات متناحرة تعيق الوطن.
بالطبع هناك من بقي طويلاً يعارض صدّام باسم عروبة أخرى وإسلام آخر، وبدرجة أقلّ فلسطين من طراز مختلف. وكان النظامان الخمينيّ «الإسلاميّ» والأسديّ «العروبيّ» مصدراً فاعلاً في استئناف الخديعة التي تؤجّل الوعي الوطنيّ العراقيّ. ما عزّز إغراء هذين النظامين على المعارضين العراقيّين أنّهم منفيّو نفي بلديهما، وأنّ معارضة صدّام غالباً ما اصطبغت بالتمزّق الأهليّ السنّيّ– الشيعيّ والعربيّ– الكرديّ، حتّى حين كانت تُحوّر تعبيرها عنه وتُموّهه.
عادل عبد المهدي، الذي سيشكّل الحكومة الجديدة في بغداد، يختصر هذه العمليّة المديدة من نفي الوعي ومن الردّ على الواقع الوطنيّ بإنكاره الأيديولوجيّ: في شبابه كان رفيقاً بعثيّاً، مثله مثل صدّام حسين، يستهويهما تذويب بلدهما العراق في كلّ عربيّ أكبر ترسمه الغيوم والضباب. حاكميّة العراق وديموقراطيّته ورفاه شعبه لم تكن هموماً: وحدة العرب هي ما يتكفّل بذلك. في مرحلة تالية، وعلى جناحي القوميّة والشعبويّة، صار عادل رفيقاً ماويّاً في «الحزب الشيوعيّ- القيادة المركزيّة»، الذي خاض «انتفاضة الأهوار» في أواخر الستينات، ساعياً إلى الالتحاق بنماذج «حرب الشعب» في كوبا وفيتنام. في طور لاحق، في بيروت، عاش الرفيق عادل في أجواء المقاومة الفلسطينيّة، وحركة «فتح» تحديداً، إلى أن نشبت الثورة الإيرانيّة في 1979 فبدأ تحوّل «الرفيق» إلى «أخ»، وللماويّة و «فتح» قدرة هائلة على تحويل الرفاق إلى أخوة. وما إن تمّت له الأخوّة حتّى وجد نفسه في «المجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة»، وهو الحزب الدينيّ والعائليّ الذي تأسّس في طهران نفسها. لقد ضمّ «المجلس الأعلى» منفيّين يعانون في إيران تمييزاً سببه أنّهم عرب، بعدما عانوا في العراق تمييزاً أشرس بوصفهم شيعة.
وهي على العموم تغريبة تصحّ في جيلين على الأقلّ من «المضروبين بسيرةٍ» أوّل أبطالها الزير سالم، وآخرهم مَن لا يعلم بهم إلاّ الله. في السيرة هذه اتّهامات كثيرة بالعمالة والخيانة، مصحوبة بدم أكثر. أمّا أن ينتهي ترحال الرفيق– الأخ عند محطّة الفرد– المواطن، وينتهي معه أدب التشهير المقرون بالجريمة، فهذا ممّا سيُسأل عنه عادل عبد المهدي وقد صار رئيس حكومة: هل بات هو نفسه يريد ذلك؟ وهل إذا أراد سيسمح به ذاك التضامن الوثيق بين التفتّت الداخليّ للعراق والتدخّل الخارجيّ فيه؟
5 إبّان معركة رئاسة العراق شيرزاد اليزيدي الحياة السعودية

خلال تغطية قنوات التلفزة التابعة للحزب الديموقراطي الـــــكردســـتاني المـــؤتمـــر الصـــحافي لمـــرشـح الحزب لرئاسـة جــــمهورية الـــعراق، نقلت على الهواء مباشرة في الوقت عينه خطابات لقادة الصف الأول في الحزب خلال تجمعات انتخابية في كردستان. ولعل ما يلفت النظر في شكل فاقع حجم الاختلاف والازدواجية بين لسان حال الحزب في بغداد ولسان حاله في كردستان.
فمن كان مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية فؤاد حسين يجهد في بغداد لتسويق نفسه والالتفاف على أسئلة محرجة له ولحزبه حول الاستفتاء وحول توصيف الحزب للدولة العراقية بالمحتلة الغاشمة، بينما في المقلب الآخر ثمة تكرار لتلك الشعارات ذاتها التي كان يطلقها الحزب إبان حملات التحضير للاستفتاء العام الماضي، حيث التجييش القومي العاطفي من دون حسابات سياسية عقلانية.
والحال أن الشاشة وَيَا للمفارقة تعرض وفِي اللحظة ذاتها موقفين متناقضين لحزب يظهر بوجهين وبلسانين يناقض كل منهما الآخر، ويكشف انعدام المبدأ والخفة واستغباء الناس والقوى السياسية إن في كردستان أو في العراق. فالحزب الذي استمات للظفر بمنصب رئيس الجمهورية في سياق دعاواه الانتخابية الكردستانية، يواصل اجترار خطاب الاستفتاء الفاشل والمولود ميتاً، في محاولة للدفاع عن نفسه نتيجة الكوارث التي جرها على الكرد ليس في العراق فحسب، بل في عموم المنطقة، بفعل ذاك الاستفتاء المسلوق سلقاً وفق مزاج شخصي عصابي وبقرار أحادي حزبي غير محسوب وغير مكترث للتداعيات والنتائج، وكأن كردستان تقع في المريخ وليست محكومة بجملة عوامل ذاتية وموضوعية وبظروف داخلية وإقليمية ودولية غير مواتية البتة لإجراء الاستفتاء. وهذا ما خلّف نكبات وعواقب وخيمة على القضية الكردية في المنطقة ككل.
أما في بغداد وبين الأوساط العراقية فيعتمد الحزب خطاباً مغايراً ومتنصلاً من الاستفتاء، كما ورد مثلاً لا حصراً على لسان فؤاد حسين حين تهرب من الإجابة عن سؤال يطاول توصيف حزبه لمدينة خانقين التي يتحدر منها بأنها محتلة، ما يكشف أننا حيال خطاب مزدوج ومغرق في الانتهازية بلا حدود، غايته القصوى مراكمة المكاسب والمنافع الحزبية ولو على حساب وحدة الصف الكردي وعلى حساب التوافق الاستراتيجي مع الاتحاد الوطني الكردستاني الناظم لوحدة إقليم كردستان، وصولاً إلى محاولة بناء مشيخة قبلية في كردستان عبر الاستحواذ على مختلف المناصب والمفاصل الرئيسة إن فيها أو تلك الخاصة بالكرد في بغداد. لكن حسابي الحقل والبيدر غالباً ما يتعارضان، وهو أيضاً ما كانت عليه الحال هنا.
6 السعودية.. والتطورات في العراق عبدالعزيز بن عثمان بن صقر عكاظ السعودية

خبر سار وتطور إيجابي أن تنجح آلية السياسة العراقية بعد تردد وصراع في ملء فراغ المناصب السياسية القيادية الثلاث الكبرى في العراق، بدءًا بمنصب رئيس البرلمان، ومرورًا بمنصب رئيس الجمهورية، وأخيرًا منصب رئيس الوزراء والذي يعد أهمها وأكثرها حساسية. والمهم في الأمر هو أن التجربة الأخيرة، كسابقاتها، في اختيار القيادات السياسية العليا كرست وعززت ظاهرة المحاصصة الطائفية والعرقية في توزيع مناصب الدولة، وتبنت بشكل فعلي ورسمي التجربة اللبنانية التي سبقتها، والتي كانت تعد دوما تجربة خاطئة، في تعزيز مبدأ المحاصصة الطائفية والدينية على حساب الهوية والانتماء الوطني، وإضعاف اللحمة الوطنية وزعزعة هيبة وسلطة الدولة.
ورغم عدم حال الرضا العربي، وبينه الموقف السعودي، لاستنساخ العراق للتجربة اللبنانية، فإن المملكة قادرة على التعايش مع اختيار الشعب العراقي، واحترام هذا الاختيار لكونه من الشؤون الداخلية للعراق، والمملكة تحترم، بشكل صارم، مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين واحترام سيادة واستقلال الدول الأخرى.
المطلوب تحقيقه من مثلث القيادة العراقية العليا الجديد اليوم يمكن اختزاله في كلمة واحدة لها تشعبات متعددة وهي كلمة «الاستقرار». وتحقيق الاستقرار له متطلبات متعددة تتضمن تحقيق استقلال الدولة وضمان استقلالية قراراتها السياسية، ما يعني إنهاء النفوذ والتسلط الإيراني على مسار السياسة العراقية، ويعني استعادة سلطة وهيبة الدولة أمام نفوذ الميليشيات والجماعات الطائفية المسلحة وضمان احتكار السلاح بيد الدولة فقط، بما يضمن تحقيق إصلاحات إدارية جذرية تنهي حالة الفساد المستشري وسرقة المال العام، ومحاربة ظاهرة الانفلات الأمني وانتشار جماعات الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وكذلك إنهاء سلطة العشائر التي استفحلت في حياة المواطن واستحوذت على سلطات الدولة في مواضع متعددة، وبناء قوات مسلحة وأجهزة أمنية مهنية محترفة ذات هوية وطنية تدين بالولاء للوطن، بعيدا عن الانتماءات والولاءات الطائفية أو العرقية، ويعني ما هو أكثر من هذا وهو توفير الحاجات الأساسية للمواطن العراقي الذي عانى الويلات خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية.
التزام القيادة العراقية الجديدة بهذه المتطلبات ليس لتحقيق مصالح السعودية، أو لتحقيق مصالح أي دولة عربية أخرى، بل لتحقيق مصلحة العراق الذاتية ومصالح شعبه في المقام الأول، كما سينتفع الآخرون، وفي مقدمتهم جيران العراق من الدول العربية من تعزيز استقرار الدولة وتثبيت أمنها وسيادتها واستقلال قراراتها السياسية. لذا ما تتمناه المملكة العربية السعودية من القيادة العراقية الجديدة ليس بالكثير، بل ما يمثل السلوك والمسار الطبيعي لأي دولة من دول العالم ذات قيمة وحظوة كدولة العراق ذات المكانة التاريخية والحضارة العريقة والتميز الإقليمي.
ما حدث خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية هو خضوع العراق العربي لاحتلالين خارجيين شرسين ومدمرين، الأول رسمي ومرئي وعلني وشاخص وهو الاحتلال العسكري الأمريكي المتمثل بالجندي، والدبابة، والطائرة الأمريكية، هذا الاحتلال الذي جثم على أرض العراق وخنق شعبه لسنوات طويلة، والثاني وهو الاحتلال الإيراني غير الرسمي للدولة والسيطرة على مقدراتها، وهو الاحتلال الأشد والأكثر تدميرا وعبثية. وعلى القيادة العراقية الجديدة الاعتراف بصوت عالٍ بوجود احتلالين، الأول وهو الأمريكي وربما يكون زائلا وذا تأثيرات محدودة على مسيرة الدولة وحياة المواطن، ولكن يجب الاستمرار في محاربته واحتواء آثاره السلبية، والثاني وهو الاحتلال الإيراني الذي تسرب إلى جميع مفاصل الدولة وزوايا اتخاذ القرار في العراق، وهو الأخطر والأكثر استمرارًا وتأثيرًا، فهذا الاحتلال تمكن من بناء أسس قوية وجذور عميقة داخل البيت السياسي العراقي، وكرس آليته الأساسية القائمة على متانة الولاء الطائفي، وتمكن من قتل الانتماء الوطني العراقي، وتصفية الهوية والانتماء القومي العربي لشعب العراق، وتهميش تاريخ وحضارة العراق العريق، وما نقوله عن الدمار الذي أحدثه الاحتلال الإيراني للعراق لا يشكل إلا جزءا يسيرا من الحقيقة الكاملة، ومن الصورة الخفية والمخفية لهذا الأخطبوط الذي سخر جميع إمكاناته وقدراته للاستحواذ على واحدة من أهم الدول العربية من حيث المكانة والقدرات والموارد الطبيعية والبشرية.
الأسئلة المشروعة اليوم والتي تتردد في العالم العربي هي: هل ستعمل القيادة العراقية الجديدة على تحقيق «الاستقرار» بجميع متطلباته، وهل ستكون راغبة ومستعدة وقادرة على دفع الثمن المطلوب لمهمة تحقيق الاستقرار. هل تحرير العراق من السيطرة الإيرانية سيكون أحد أهدافها المعلنة، أو غير المعلنة؟ المملكة، وجميع الأشقاء العرب، سيباركون هذا التوجه، وسيكونون على أهبة الاستعداد لمد يد الدعم والمساعدة للعراق الجريح والمحتل، ولكن ستبقى المبادرة الحقيقية والأساسية وبشكل حصري لتحقيق هذا الهدف بيد القيادة العراقية، لذا نقول للقيادة العراقية الجديد إن أشقاءكم في العالم العربي، والمملكة العربية السعودية وجميع دول مجلس التعاون الخليجي، في انتظار المبادرة المباركة للشد على أيديكم، ومباركة توجهاتكم لإعادة بلدكم إلى دورها الطبيعي في المنطقة والعالم، إذ نقدم لكم التهنئة بتوليكم المناصب القيادة في العراق، نذكركم أن مع المنصب تأتي المسؤولية، ومسؤوليتكم الكبرى التي تنتظركم هي إنقاذ بلدكم من الاحتلال المعلن وغير المعلن، ونحن على يقين أنكم ستولون مصلحة بلادكم جل اهتمامكم، وسيكون شعبكم أمام أعينكم، وفقكم الله إن كانت مصلحة العراق واستقلاليته وسيادته ورفاهية شعبه ستكون هي دليلكم وهمكم الأول والأخير.
7 العراق المستقل حكومة وشعباً! د. أحمد الجميعـة الرياض السعودية

دخل العراق مرحلة جديدة من العمل الحكومي الرسمي بعد تسمية رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وقبل ذلك رئيس البرلمان، وبدأت حالة من الاستقرار والترقب في المشهد العام، ومباركة دولية وأممية على نجاح العملية الانتخابية. الصورة التي نراها وتعبّر عنها الكتل السياسية العراقية أن حكومة عادل عبدالمهدي مستقلة، وهو ما أكد عليه السيد مقتدى الصدر من عدم ترشح أحد من تحالفه في منصب وزاري، وإفساح المجال أمام خيارات عبدالمهدي بعيداً عن المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية، وهو توجه مهم في طريق الإصلاح التدريجي الذي وصفه الصدر بأنه «خطوة من العبد والباقي على الرب».
شعار الاستقلالية الذي ترفعه حكومة عبدالمهدي يواجه تحديات كبيرة جداً على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأمام تركة مثقلة بالمصالح وقصص الفساد التي لا تنتهي، واختراقات بالجملة من الأحزاب والكتل السياسية، وتدخلاً سافراً من إيران في شؤون العراق الداخلية؛ فالاستقلالية ليست كلمة نعبّر فيها عن مزايدات سياسية، أو مكاسب حزبية، أو حتى أمانٍ شعبية؛ هي أكبر من ذلك بكثير.. هي باختصار شعب ينهض بأكمله ليمنع إيران من التدخل في شؤونه، وقراره، ومستقبل أجياله، وأيضاً إرادة سياسية من أن العراق يبقى أولاً مهما كانت التحديات والانقسامات.
نعم نريد العراق بلداً عربياً موحداً في أرضه وإنسانه، ومستقلاً في قراره، وأميناً على جيرانه، وفاعلاً في محيط أمته، وناهضاً بشعبه إلى المكان اللائق بهم حضارة وتاريخاً وتنمية واقتصاداً، ولكن هذه الأمنيات لا يمكن أن تتحقق والمشروع الإيراني الطائفي الإرهابي لا يزال ينخر في جسد العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، ويزيد من أزماته واحتقانه يوماً بعد آخر.
دعونا نأخذ المشهد اللبناني شاهداً حياً على ما نقول؛ فقد رفع شعاراً طويلاً عريضاً اسمه النأي بالنفس، ومع ذلك لم يكن لبنان نائياً بنفسه عن كل ما يجري في محيطه، حيث كان حزب الله في حرب معلنة على الأراضي السورية، والسبب لأن إيران تريد ذلك، أو أكثر دقة لأن حزب الله الحاكم بأمره في لبنان ينفّذ أجندات أسياده في إيران، وأخشى أن يكون شعار الاستقلالية في العراق مثل شعار النأي بالنفس في لبنان؛ لأن إيران تمثّل العامل المشترك بينهما.
نحن نرقب حكومة عبدالمهدي على محك الاستقلال الذي رفعته شعاراً؛ فإذا تحرّك الحشد فالحكومة في الطريق الصحيح، وإذا غضب الصدر فالحكومة لم تفِ بوعودها، وهذان المؤشران كافيان للحكم الأولي، ولكن ما نتمناه أن تنجح حكومة عبدالمهدي في توازناتها السياسية المقبلة داخل العراق وخارجه، وترسم ملامح دولة العراق الذي نحلم أن نراه في أفضل حال، ويعكس ذلك مستوى علاقاته وتعاونه مع جيرانه، والسعودية أولهم.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top