7 مقالات عن العراق في الصحف العربية والاجنبية يوم الخميس

1
متدينون فاسدون شعارهم الأخلاق
فاروق يوسف العرب بريطانيا

تفاخر مجتمعات الدول الغارقة في الفساد بتدينها مقارنة بالمجتمعات التي ترعى شؤونها دول لم يستضعفها الفساد.
أحزاب متدينة ولكنها فاسدة

في الدول التي يضعف فيها القانون أو يوضع عمليا على الرف أو يكون محض وسيلة للانتقام من الخصوم يتمّ تذكره حسب المناسبة، فإن الحديث عن الأخلاق يقوى كما لو أن المجتمع يسعى إلى تعويض ما فقده بأمنية، يعرف الكثيرون أنها حتى لو تحققت فإنها لن تحلّ مشكلات معقدة تمرّ بها المجتمعات في العصر الحديث.

وإذا ما عرفنا أن القوانين لم تسنّ لكي تكون بديلا عن الأخلاق، فإنه يمكننا أن ندرك عمق الأزمة التي تعاني منها مجتمعات صارت تعوّل على الأخلاق بعد أن فقدت الأمل بالقانون.

ومن التجارب الحية التي عاشتها مجتمعات عربية عبر العقود الماضية وصار الحاضر مختبرا لنتائجها المدمرة، يمكننا الاستدلال على أن تلك المعادلة التي تراهن على الأخلاق قد أدّت إلى تفشي ظاهرة الفساد لا في مفاصل الدولة وحدها، بل وأيضا في السلوك الاجتماعي. لقد أنتجت تلك المعادلة الخرقاء دولا ومجتمعات يمكن القول إنها صارت تبتكر طرقا وأساليب للفساد غير مسبوقة من قبل في التاريخ.

فليس غريبا والحالة هذه أن تتربع دول عربية قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم. وليس غريبا في الوقت نفسه أن تعلو لغة الأخلاق في تلك الدول عن المستوى الذي هو عليه في دول أخرى، نسب الفساد فيها منخفضة، أو على الأقل لا يشلّ الفساد حركتها وقدرتها على أن تقوم بوظيفتها.

تفاخر مجتمعات الدول الغارقة في الفساد بتديّنها مقارنة بالمجتمعات التي ترعى شؤونها دول لم يستضعفها الفساد.

فهل هناك علاقة للتدين وهي صفة لم يرد لها ذكر في الأدبيات الدينية بالفساد؟

ربما يشعر الكثيرون بالحرج إذا ما وصلوا إلى تلك الحافة الاستفهامية. غير أن كارثة الفساد التي ضربت بلدا عريقا وثريا وطيب السمعة وكريما ومعطاء وأبيّا مثل العراق توجب علينا ألّا نشعر بالحرج بحثا عن أسباب وتداعيات تلك الظاهرة الخطيرة، التي من شأنها أن تؤدّي بمجتمع رفيع في أخلاقه إلى هاوية من الانحطاط. العراق تحكمه أحزاب دينية. زعماء وأعضاء تلك الأحزاب متدينون، وفي الوقت نفسه فإنهم جميعا من غير استثناء فاسدون.

حقيقة ينبغي على المرء ألّا ينكرها؛ إن أولئك الحزبيين قد نجحوا في نشر طقوس تدينهم في المجتمع بما يتناسب مع حجم فسادهم. فكان شعار “إنما الأمم الأخلاق” مقدمة لتسليط الضوء على سير الأئمة والأولياء الصالحين التي تضج بمآثر الفضيلة والأخلاق الحميدة. الأخلاقيون في العراق، وهم متدينون من طراز نادر، استطاعوا أن يؤسسوا مدرسة جديدة في علم الأخلاق كان الفساد مصدر قوتها.

ألّا يكون المرء فاسدا في العراق وهو في موقع المسؤولية فتلك معجزة لن ترى النور. ذلك لأن آليات الحكم في العراق لا تسمح لغير الفاسدين من الوصول إلى مركز القرار.

ما صرت متأكدا منه أن تجربة حكم قوى الإسلام السياسي في العراق قد فضحت خرافة ما تنطوي عليه الدعوة لإحلال الأخلاق محل القانون من ابتذال للقيم الأخلاقية التي تمجد النزاهة وتعلي من شأن روح العدالة.

لا تختلف تلك الأحزاب في ما أقرته معيارا للحياة عما انتهجته التنظيمات الإرهابية حين فرضت الشريعة في إماراتها المؤقتة.

حزب الدعوة الإسلامي، الذي هو تنظيم متخلف في فكره وسلوكه، استطاع عبر اثنتي عشرة سنة من حكمه أن يحوّل العراق إلى محمية للفساد. غير أن نجاحه الأهمّ أنه استطاع أن ينتقل بالعراقيين من عصر القانون إلى عصر الأخلاق التي صارت واجهة للفساد.

ما لا يمكن لأحد إنكاره حقيقة أن دعاة الإسلام السياسي فاسدون. خلاصة تجربة العراق في ظل حكم الإسلاميين تقول ذلك.

2 العراق: الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة من اجل تحقيق طموح الشباب في العمل والنهوض بالبلد
محمد توفيق علاوي

راي اليوم بريطانيا

تناولنا في القسم الاول والثاني عنصرين من أصل ستة عناصر من اجل فسح المجال لتحقيق طموح الشباب في العمل وتوفير فرص العمل والنهوض بالبلد، حيث يمكن الاطلاع على القسم الثاني على الموقع: https://mohammedallawi.com/2018/03/11/
ونتناول الآن ثلاث عناصر اخرى وبالذات ضرورة تشكيل هيئة عليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة كما هي ادناه:
(3) الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة: إن هذا البرنامج المتكامل بكل تفاصيله يتطلب إدارة كفوءة ونزاهة وإحساس بالمسؤولية وإشراف كامل من قبل الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، للأسف قد نفتقد في العراق في هذه المرحلة الاشخاص الذين يمتلكون الخبرة في هذا المجال؛ فلا بأس في هذه الحالة من تعيين اناس كفوئين ويمتلكون الخبرة من غير العراقيين إن لم يتوفر الكادر العراقي لحين توفر الكادر المطلوب من العراقيين القادرين على المضي بهذا المشروع؛ ونؤكد هنا ان المشاريع الصغيرة ضمن هذه الهيئة تختلف عن المشاريع المتوسطة التي تطرقنا اليها سابقاً، فإن معدل الاستثمار للمشاريع المتوسطة بحدود الثلاثمائة الف دولار للمشروع اما هنا فإن معدل الاستثمار بحدود الخمسين الف دولار، كما ان المشاريع المتوسطة هي للمستثمرين من خريجي الجامعات بالدرجة الاولى اما هنا فهي بالدرجة الاولى للمستثمرين من غير خريجي الجامعات؛ اهداف هذه الهيئة في هذا المجال تتمثل بما يلي:

رسم سياسة اقتصادية متكاملة ووضع خطة تفصيلية للنهوض بالبلد في كافة القطاعات، حيث ان الامر يحتاج إلى تخطيط دقيق لوضع برنامج الدورات القطاعية وانشاء المعاهد وتوفير الكادر التدريسي لهذه الدورات سواء كانوا من العراقيين او حتى من غير العراقيين لفترة محدودة في بداية المشروع.
الاشراف على المشاريع الصغيرة والاشراف على تأسيسها والطلب من المصرف على توفير القروض الميسرة لهذا المشروع وتبقى الهيئة حاضنة للمشروع ومتابعة لأدائه وتطوره على الاقل لفترة سنة حتى يتم تحقيق الارباح، وفي حالة عدم تحقيق ارباح يتم البحث عن الاسباب وتلافيها، وفي حالة تحقيق الارباح يتم الاتفاق على تقسيط الديون وارجاع الدين إلى البنك تناسباً مع الارباح المتحققة ليستخدم مرة اخرى كقرض للمشاريع المستقبلية. إن الكثير من القروض الحكومية اليوم في مجال المشاريع الصغيرة او الزراعة او الصناعة او غيرها تستخدم فيها اموال القرض لغير الاغراض المخصصة إبتداءً بسبب الفساد وفقدان المتابعة.
الدعوة لإنشاء منظمات المجتمع المدني القطاعية وتولي رفد هذه المنظمات (من سكرتارية وخدمات ومصاريف ضرورية وغيرها بالتمويل الجزئي او الكامل) ولا يدفع معاش للعاملين المتطوعين إلا في الحالات النادرة واحتياج تخصصات ضرورية او تفرغ للعمل وبموافقة اللجنة العليا لأن هذا العمل تطوعي حيث يكون الدوام في هذه المنظمات بشكل رئيسي في المساء وايام العطل.
يجب ان توفر الهيئة ايضاً دورات حرفية للشباب والشابات وبالذات النساء غير المتعلمات كحياكة السجاد او الخياطة او صناعة الخزف والسيراميك او الرسم والعمل في صالونات الحلاقة والتجميل او غيرها، مع توفير مستلزمات هذه الفعاليات من مكائن خياطة او افران او غيرها، فهناك الكثير من النساء الشابات من الارامل او غيرهن القادرات على العمل لتوفير مصدر رزق لهن ولعوائلهن، ولكنهن يفتقرن الى التدريب.
توفير صالات عرض وعمل معارض بشكل دوري للمساعدة على تصريف منتجات كافة الحرفيين في كافة المجالات. فضلاً عن اصدار دليل سنوي مطبوع او موقع على الانترنت للتعريف بالمهنيين الحائزين على شهادات تؤهلهم للعمل في القطاعات المختلفة.
توجد هناك الكثير من المنظمات العالمية على مستوى منظمات الامم المتحدة او الاتحاد الاوربي وما شابه والكثير من الحكومات الاوربية التي تقوم بتوفير مُنح او قروض ميسرة لمشاريع محددة او لمكائن تستورد من مُصنعين في تلك الدولة او دورات تدريبية في مجالات محددة او مُنح لمنظمات المجتمع المدني غير النفعية او مُنح للمجالات التي توفر مجال تدريب وعمل للنساء او الايتام او ما شابه، من المهم ان تتولى الهيئة توفير دورات لتوسيع ذهنية المواطنين وتعريفهم بهذه الجهات وما هو المطلوب للحصول على المُنح والقروض الميسرة او دورات التدريب وغيرها …

(4) الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، تفعيل دوره السابق وتوسيع قاعدة المواصفات القياسية العراقية: يعتبر الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية العراقي الذي اسس قبل حوالي الاربعين عاماً من اكثر الاجهزة تطوراً خلال العقود السابقة مقارنة بالكثير من الدول العربية، واما المقاييس والمواصفات العراقية والتي تم تبنيها منذ عام 1963 حين تأسيس هيئة المواصفات والمقاييس العراقية، فمع تغطيتها للكثير من المواصفات فإنها لا زالت تحتاج الى الكثير من التطوير والشمول؛ لا تبلغ المواصفات والمقاييس العراقية بضعة آلاف، في حين ان المواصفات البريطانية على سبيل المثال تبلغ ما يقارب الاربعين الف مواصفة، وهذا يتطلب تطوير كوادر الجهاز بإشراكهم في الكثير الدورات العالمية لتطوير كفاءاتهم ويتطلب رفدهم بكوادر على درجة عالية من التخصص في مجال المقاييس والمواصفات العالمية المعاصرة وخبرة في المنظمات العالمية لتطوير انظمة المقاييس العالمية كأل
(ISO- International standards Organization)
وغيرها من المنظمات العالمية. والاهم من ذلك تفعيل الدور الرقابي للجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية والذي تقلص دوره الرقابي بشكل كبير خلال فترة الحصار في فترة التسعينات من القرن الماضي. إن الشباب العاملين في المجالات القطاعية كالتأسيسات الكهربائية والتأسيسات الصحية اوالتكييف اومختلف اعمال البناء أو في الجانب الصحي وغيرها يجب ان تكون طبقاً للمقاييس التي يتبناها هذا الجهاز. إن تحقيق الاهداف اعلاه يعتبر شرط اساسي وضروري إذا أريد لعملية التنمية أن تكون متقنة لتحقيق تطور حقيقي وسليم على كافة المستويات ولكافة الحقول.
(5) انشاء مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة: حيث كما تطرقنا سابقاً يمكن ان يتم انشاء مثل هذا المصرف او اعتماد احد المصارف الحالية في تقديم هذه القروض الميسرة، فإذا تم تخصيص ملياري دولار في السنة لمثل هذه المشاريع الصغيرة لفترة ثلاث سنوات وبعدها يمكن اعتماد التمويل على تدوير الاموال من استرجاع القروض السابقة، فلو افترضنا ان معدل كلفة المشروع الواحد حوالي خمسين الف دولار، فمعنى ذلك انه يمكن انشاء اربعين الف مشروع في السنة وكل مشروع يمكن ان يستوعب بين ثلاث الى خمسة اشخاص، فمعنى ذلك توفير فرص لعمل ما يقارب المائة وخمسون الفاً إلى المائتي الف شاب وشابة في السنة من الشباب الذين لم تتوفر لهم الفرصة للدراسة الجامعية.
فضلاً عن ذلك فهناك بين المائتي إلى ثلاثمائة ألف متدرب سنوياً ضمن الدورات المذكورة آنفاً ممن لا يحتاجون إلى قرض لإقامة مشروع، بل سيكونون مؤهلين للعمل ضمن تخصصهم في مجال تدريبهم كعمل حر او كعاملين في شركات المقاولات او في العيادات الخاصة او الحكومية او غيرها من المجالات.
3 شيرازيون وخامنئيون.. والغاية الجمهور!
رشيد الخيّون
الاتحاد الاماراتية

يعتقد الشيرازيون، حسب موقع مرجعيتهم الرسمي، أن تاريخها يمتد إلى مئة وخمسين عاماً، فعلى ما يبدو فإن أي شيرازي اشتهر مرجعاً عدّوه سلفاً لمرجعيتهم، مع أن الصلات الأُسرية، حتى إذا كانت موجودة، لا تعني أنها توارث مرجعي، ناهيك عن أن «الشّيرازي» لقباً يحمله أشخاص مختلفون في الدين والمذهب. حمله محمد علي الشِّيرازي (أعدم 1850) المعروف بـ«الباب»، صاحب البابية التي تطورت إلى «البهائية» على يد حسين النُّوري (ت 1892)، والمعروف بـ«البهاء»، والفكرة نبعت من نيابة المهدي المنتظر، التي تُغري سياسياً بالانفلاق والافتراق، وما الفرق بين النِّيابة التي تُعين الفقيه حاكماً باسم الإمام، والنيابة التي تطورت إلى ديانة؟! فالمنبع واحد! هذا وشيراز مدينة خصبة إلى جانب المراجع الدينية ولدت الشعراء والفنانين والفلاسفة، مِن سعدي الشِّيرازي (ت 691هـ)، وحافظ الشِّيرازي (ت 792هـ)، إلى ملا صدر الشيرازي (ت 1572م)، من سُنّة وشيعة.

يحاول الشيرازيون -يخالفون بقية المرجعيات بحصر المرجعية في الأسرة- الانتساب إلى محمد حسن الشيرازي (ت 1895) صاحب فتوى «التِّنباك» (1892-19891)، وعدوا محمد تقي الشيرازي (ت 1920) مِن إرث مرجعيتهم أيضاً، والمرجعيتان المذكورتان مقطوعتان توجهاً وتكويناً عما يُعرف بـ«الشيرازية» اليوم.

كانت بداية المرجعية الشيرازية، المقصودة حالياً، بمحمد بن مهدي بن حبيب الشيرازي (ت 2001)، والذي أَطلق عليه مروجو مرجعيته «سلطان المؤلفين»، لكثرة كتبه، ومنها موسوعة الفقه التي وصلت إلى 111 مجلداً، ولا يضاهي بهذا العدد غير «بحار الأنوار» لمحمد باقر المجلسي (ت 1699)، ومعلوم أن الرسائل الفقهية في الغالب تنهل من بعضها بعضاً.

انفجرت أخيراً المواجهة بين المرجعية الشيرازية، ممثلة بأخي المؤسس صادق الشيرازي، مع ما يمكن تسميته بالمرجعية الخامنئية، فخامنئي يمثل مرجعية سياسية وفقهية قائمة بذاتها، وهو يتصرف بأموال «الخمس»، ويمثل نيابة المهدي المنتظر في السلطة.

تضخمت المرجعيتان، الشيرازية والخامنئية، فاختلفت المسارات والاتجاهات، دعا محمد الشيرازي إلى «شورى المراجع»، معتمداً الشورى أساساً لدور المرجعية في السياسية، وله «كتاب السياسة»، الذي ضم أفكاره بخصوص الشورى، التي تُخالف «ولاية الفقيه المطلقة»، تلك الشورى التي قمعها الخميني عند التخلص من كبار المراجع الذين ساندوا الثورة.

كذلك أطلق الشيرازي ما يُعرف بـ«المرجعية الميدانية». ففي كتابه المذكور حرّم العمل الحزبي، ما لم يكن مشروطاً بقيادة الفقيه العادل، قال: «الحزب إذا كان مقدمة البرلمان، الذي يحكم حسب الآراء والأهواء كان حراماً» (كتاب السياسة)، لكنه أجاز تأسيس «منظمة العمل الإسلامية» التابعة لمرجعيته، وبأسماء متعددة، أجاز ذلك لأنه اعتبر نفسه «الفقيه العادل»!

وعن طريق هذه المنظمة تورط الشّيرازيون بأعمال عنف، وبكربلاء مقر المرجعية، قبل الانتقال إلى قمّ، والبداية كانت في عاشوراء (1979) عندما هاجم أحد أعضائها موقعاً مكتظاً بكربلاء، قُتل فيه أحد المحسوبين على النظام آنذاك (قيادي في المنظمة، جريدة المؤتمر، العدد 89 في 3/2/ 1995)، وهذه أول بادرة لتطبيق فتوى «التمترس»، قبل تنظيم «القاعدة» بكثير، ومثلما تفهمها «السلفية الجهادية»، كذلك طبقها حزب «الدعوة الإسلامية» بتفجير السفارة العراقية ببيروت (1981)، ومعناها أن تحقيق إصابة الهدف تبرر قتل العشرات.

ثم تبنت المنظمة تفجير الجامعة المستنصرية (1980)، وكانت ردة الفعل عليها أن اغتيل حسن الشيرازي أخو مؤسس الشِّيرازية ببيروت، واشتد الفتك بالإسلاميين عموماً داخل العراق. يقول أحد قياديي المنظمة: «إن المنظمة هي التي خططت ونفذت عمليتي المستنصرية في محاولة لاغتيال طارق عزيز، ثم قمنا بإطلاق النار على مسيرة الجنائز.. لكنها ارتكبت خطأً، إذ تَكشَّف لها أمر خطير غير متوقع، وغير محسوب، وهو أن النظام بعد الحادث أوغل في الدماء والقمع والتهجير» (العجلي، الخريطة السياسية للمعارضة العراقية).

وعلى ما يبدو، تركت الشيرازية العمل السياسي التنظمي، واتجهت لجذب الجمهور الشيعي بالمبالغة في الطقوس الحسينية، وكان ذلك أحد الخلافات مع المرجعية الخامنئية التي حرمت التَّطبير واستخدام الزَّنجيل في عاشوراء (1997). كذلك أخذت الشيرازية تُشدد على الخطاب الطائفي عبر فضائياتها، كأسلوب لكسب العوام. وهي تتخذ من الساحة العراقية، المفتوحة والمنفلتة، مكاناً لإشاعة أسلوبها هذا، حتى وصل الحال إلى زحف الشباب على البطون، وتناول التراب والطين، وما يُعف عن ذكره.

لم يكن احتجاز حسين الشّيرازي نجل المرجع صادق الشِّيرازي بإيران لهذا السبب، إنما تعاظم جمهوره وإعلامه ليصف خامنئي بـ«الفرعون»، فبرزت المنافسة على الجمهور بين المرجعيتين، هذه تُطلق الطقوس وبأحط مغيبات العقل، وتلك تُلهم الجمهور بالمقاومة أو الممانعة، داخل إيران وخارجها. مع أنهما يلتقيان بالممارسة والتقليد، التمادي بالطقوس والتمادي بتكريس فكرة الحاكمية الإلهية عبر نيابة الإمام.

نبع الاثنان في العمق الإيراني، والعراق ميدان النزاع، على أرضه تدور الدوائر. نعيد التذكير بقول نجيب الدين العاملي (ت 1640)، بعد عودته إلى بلاده من إيران الصفوية: «ضاعت الأوقات في أرض العجم/ فتدارك بعضها قبل الندم» (علي مروة، التشيع بين جبل عامل وإيران).
4 على ترامب في سورية التنبه لأخطاء أوباما في العراق عام 2011
توم روغان
واشنطن إكزامينر

يجب أن يتنبه ترامب، الذي يستعد لسحب القوات الأميركية عن الأرض في سورية، لما حدث عقب انسحاب الرئيس السابق باراك أوباما المتسرع من العراق، فقد أدى انسحاب أوباما إلى تزايد التأثير الإيراني في السياسات العراقية، مما أجج بالتالي السياسات الطائفية الشيعية ضد السنة، وفي المقابل ساهمت هذه السياسات في تعزيز بروز “داعش” وأرغمت أوباما على العودة إلى العراق.

يمثّل قرار أوباما عام 2011 ما فضلته الحسابات السياسية المحلية على الأمد القصير (تمكن أوباما من الترشح، مستنداً إلى برنامج بعنوان “أخرجتنا من حرب بوش”) لا متطلبات الأمن القومي (دعم حكومة عراقية متعددة الطوائف تحرم المجموعات الإرهابية من استخدام أراضيها كملجأ).

من المؤسف أن ترامب قد يكرر، على ما يبدو، الأخطاء عينها، ولكن ثمة خمسة أسباب منطقية ملزمة تؤيد إبقاء القوات الأميركية في سورية في الوقت الراهن وقد حددتها إدارة ترامب بحد ذاتها:

الأول الحد من تأثير إيران المخرّب في سورية، والثاني الإطاحة بالأسد من السلطة، والثالث نزع سلاح برنامج سورية الكيماوي، والرابع إعادة المهجرين والنازحين إلى منازلهم، والخامس إنزال هزيمة دائمة بـ”داعش”، و”القاعدة”، وغيرهما من المجموعات الإرهابية العابرة للحدود.

تُعتبر كل هذه الأولويات مهمة لمصالح الولايات المتحدة القومية.

في مسألتَي المهجرين والنازحين والأسلحة الكيماوية، أعربت إدارة ترامب عن قيادة أخلاقية بمواجهتها عملية تسميم الأمة التي يقودها الأسد، لكن سحب القوات الأميركية من سورية سيبعث إلى الأسد برسالة مفادها أن الولايات المتحدة موافقة الآن على قتله شعبه، ولا شك أن آلافاً آخرين سيموتون.

على نحو مماثل، إن كنا نهتم بإلحاق هزيمة دائمة بـ”داعش” و”القاعدة”، فلا نستطيع بكل بساطة حزم حقائبنا والمغادرة. يعمل تنظيم “داعش” اليوم على إعادة تشكيل صفوفه، وقد أعرب عن قدرة مذهلة على إعادة بناء كوادره في ظل غياب الضغط الخارجي.

هل يود ترامب أن يكون الرئيس الذي أنزل الهزيمة بـ”داعش” وسمح له بالنهوض مجدداً من تحت الرماد؟ لا شك أن موقف الأسد الطائفي في البنى السياسية السورية سيظل عقبة كبيرة أمام أي ترتيب سياسي في المستقبل يعزل النفوذ الإرهابي. وتؤدي القوات الأميركية هنا دوراً كبيراً لأنها تساهم في التأثير في الحكومة الروسية ودفعها إلى الاستنتاج أن من الضروري استبدال دميتها، الأسد، في دمشق.

علاوة على ذلك ستحاول حكومة أردوغان أيضاً استغلال أي انسحاب أميركي بغية سحق الأكراد في شمال سورية، وفي الوقت الراهن، يشكّل الجيش الأميركي القوة المعرقلة التي تردعه.

أخيراً، نصل إلى تأثير الوجود الأميركي على الأرض الذي يعوق الجهود الإيرانية الرامية إلى إنشاء خط إمداد رئيس مجاور بين طهران وجنوب لبنان، إذا رحلت الولايات المتحدة يطلق غيابنا يد أتباع آية الله ويسمح لهم بمواصلة زعزعة السياسات الإقليمية.

من الضروري أن يسأل ترامب نفسه عما إذا كان خطاب حملته أكثر أهمية من الحرص على حماية الأولويات الأميركية، وعند تأمله هذه المسألة، عليه أن يتذكّر أيضاً أن خسائر القوات الأميركية اليوم قليلة ومتباعدة، تماماً على غرار ما واجهته هذه القوات في العراق عام 2011.

صحيح أننا خسرنا يوم الجمعة أميركياً قرب منبج، لكن تضحية ذلك الجندي تشدد على جوهر هذا المقال: لا تقتصر أهمية وجودنا على العمليات العسكرية بل تشمل أيضاً ما لهذا الوجود من قوة محتملة وتأثير سياسي، فتشكّل منبج في النهاية مفترق طرق للقضايا المهمة التي تخاطر الولايات المتحدة بخسارتها في سورية.
5 ايران تستخدم نموذج حزب الله للهيمنة على العراق وسورية رانج علاء الدين – صحيفة (نيويورك) – الأميركية

تزايد القلق العالمي من أن الولايات المتحدة ستتخذ إجراء عسكريا ضد إيران الآن بعد أن عيَّن الرئيس ترمب جون بولتون مستشارا للأمن القومي. ولطالما شجَّع بولتون على تغيير النظام في إيران، وحث على تفجير إيران واتخاذ سياسة أميركية أكثر حزما ضد التوسع الإيراني في الشرق الأوسط.
لقد زادت إيران من نفوذها في المنطقة منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية وصعود «تنظيم داعش».
حشدت إيران عشرات الآلاف من مقاتلي «حزب الله» والميليشيات الشيعية الأخرى من العراق وباكستان وأفغانستان للقتال إلى جانب قوات بشار الأسد. ولعبت هذه الميليشيات دورا حاسما في هزيمة الجماعات المعارضة السورية.
ولقد درَّبت إيران تلك الميليشيات والمجموعات لاستغلال الفوضى وملء الفراغ من خلال توفير الخدمات والأمن للمجتمعات اليائسة في كثير من الأحيان. وقد ساعد «فيلق الحرس الثوري الإسلامي»، الذي يشرف على هؤلاء الوكلاء، على استمالة المنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية المحلية أو الاستيلاء عليها كطريقة لاكتساب الشرعية والشعبية. ولقد أمَّنت إيران تقديم المساعدات من خلال هؤلاء الوكلاء.
يُسيطر وكلاء إيران في العراق على قوات «الحشد الشعبي»، وهي منظمة تطوعية تضم 100 ألف مقاتل، تم تأسيسها في عام 2014 بعد أن استولى داعش على الموصل وإنهار الجيش العراقي. دفع الضغط الإيراني الدولة العراقية التي كان يهيمن عليها الشيعة إلى إضفاء الشرعية على القوة في عام 2016، وتزويدها بموارد مالية كبيرة وأسلحة ثقيلة.
إن الدوافع الشيعية لإيران في سورية مدفوعة بالخوف من أن الإطاحة بنظام الأسد سيكون تهديدا وجوديا للمذهب الشيعي، وهو الخوف الذي تُشجع عليه طهران. وتبني إيران شبكات اجتماعية ودينية تتمحور حول عقيدة الشيعة ودعمها للثيوقراطية الإيرانية. ومن خلال الدعم التقني والاستخدام المتطور للدعاية، تضخم إيران صوت وكلائها.
في غضون ذلك، ستلتزم إيران بالعمل على إعادة صياغة الدول والمجتمعات وفقا لمصالحها وإيديولوجيتها. وكما فعلت في العراق ولبنان، من المؤكد تقريبا أن تحول إيران وكلاءها في سورية إلى مكونات راسخة تماما لأي نظام سياسي ينبُع من أنقاض الصراع. وسيشكل هؤلاء الحلفاء الإيرانيون مستقبل الدولة السورية والمشهد السياسي في الشرق الأوسط بأكمله.
يمكن للولايات المتحدة تغيير مسار الأحداث إذا التزمت بالبقاء في سورية، وعلى انتشارها الحالي للقوات الأميركية، ورعاية شراكات طويلة الأمد، لضمان عدم ترك مصير سورية والمنطقة لإيران ووكلائها.

6 العراق وإيران… ملامح ما بعد 12 مايو
مصطفى فحص
الشرق الاوسط السعودية

في القرن السادس قبل الميلاد، نشر الجنرال والفيلسوف الصيني سون تزو كتابه الشهير (فن الحرب) الذي رسم من خلاله حركة الجيوش التي تتفادى المرتفعات، وتتجه دائماً نحو الأراضي المنخفضة أو المنبسطة، مشبهاً حركة سيرها بجري مياه الأنهار التي تندفع من أعلى إلى أسفل. أما حاجة الغزاة الدائمة للأراضي المنبسطة فتدخل ضمن اعتباراتهم الاقتصادية المرتبطة بحركة الإنتاج، إذ إن الأراضي المنبسطة أغنى من الهضاب والجبال ما يجعلها دائماً محط أطماع جيرانها سكان الأراضي المرتفعة نتيجة حاجتهم الدائمة للمؤن. وقد دفع العراق المعروف بأرض السواد تاريخياً ثمن أطماع جيرانه سكان هضاب الأناضول والهضبة الإيرانية الذين خاضوا عدة حروب من أجل السيطرة عليه، مستخدمين ما بحوزتهم من مبررات عقائدية، واجتماعية، ودينية وثقافية غطاءً لصراعهم الاقتصادي والجيوستراتيجي. واستمر الصراع العثماني (الصفوي – القاجاري) محتدماً على الحواضر العربية في بلاد ما بين النهرين حتى القرن التاسع عشر، إلى أن أقرّ الباب العالي للقاجاريين بنفوذهم الديني والثقافي والاجتماعي على العراق، شرط أن يمتلك لوحده القرار السياسي، ما أدى إلى حالة شبه استقرار سياسي في العراق استمرت إلى ما بعد الاستقلال حتى انقلاب 1958، الذي فتح الباب أمام استبداد العسكريتارية حتى سقوط البعث 2003 الذي سقط معه التوازن الجيوسياسي الذي حكم العلاقة بين الدول التي تشكلت على خلفية الموروث السياسي العثماني بعد الحرب العالمية الأولى، فعاد الصراع على العراق واندفعت طهران مجدداً للسيطرة عليه وضمه إلى مشروعها التوسعي.
بعد 14 عاماً على التغيير، تواجه طهران رفضاً شعبياً وسياسياً لهيمنتها على العراق، فالهوة بينها وبين النخب السياسية الشيعية العراقية تتوسع نتيجة إصرارها على رفض قراءة التحولات العراقية الجديدة المرتبطة بإعادة تشكيل الشخصية العراقية، وإعادة الدولة الاعتبار لنظام مصالحها الوطني ولموقعها الجغرافي الذي يعزز مكانتها الإقليمية من خلال تبني سياسة الحياد الإيجابي تجاه صراعات المنطقة، الأمر الذي تفسره طهران موقفاً سلبياً من قبل الحكومة العراقية ورئيسها الذي باتت خياراته الداخلية والخارجية غير معنية بالضغوط الإيرانية.
يأتي تمسك العبادي بخيار الحياد وتحويله إلى قاعدة سياسية ثابتة في علاقات العراق الإقليمية والدولية، في حال فاز بدورة ثانية، ليضاعف حجم التوتر الإيراني في المرحلة المقبلة بسبب قلقها من تداعيات مراجعة واشنطن لبنود الاتفاق النووي منتصف الشهر المقبل. وفي محاولة جديدة للالتفاف على الموقف العراقي، أرسلت طهران نائب رئيس الجمهورية إسحاق جهانغير مع ثمانية وزراء من حكومة روحاني إلى بغداد للقاء رئيس الوزراء حيدر العبادي، وعلى ما يبدو أن جهانغير نقل طلباً من قيادته للعبادي بأن يتخلى عن سياسة الحياد في الصراع بين طهران وواشنطن، مقابل دعم إيراني له للوصول إلى دورة ثانية. رفض العبادي عرض جهانغير وتمسكه بخيار الحياد قوبل بردة فعل إيجابية من قبل النجف، الأمر الذي انعكس مباشرة على مواقف القوى السياسية الشيعية المؤثرة شعبياً، فأعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في بيان له قبل أيام أن «العراق يجب أن يحافظ على استقلاليته، ويجب ألا يبقى ساحة صراع، وأن ينفتح على جميع جيرانه بالسوية»، وفي الإطار ذاته، ولكن بلغة دبلوماسية مرنة تدعو إلى الحوار بين الرياض وطهران، أكد زعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم أن «العراق الموحد المتعافي يحتاج منا أن نستكمل انفتاحنا على العالم، على قاعدة المصالح المشتركة والمتكافئة، التي تجعل العراق جسراً للمتخاصمين ومحطة التقاء الجميع، وتجنبه الآثار السلبية للصراعات الإقليمية والدولية».
يتابع الصدر والحكيم السرعة التي يتشكل بها الداخل العراقي الجديد، ويعلمان أنهما لا يستطيعان مواكبته أو الشراكة في صناعة هذه التحولات من دون شريك ثالث على الأرجح هو حيدر العبادي، الذي بات يمثل القوة التي تستطيع إنجاز المقايضة السياسية، إضافة إلى اعتباره الحل الأنسب لبناء شراكة سياسية بين الحكيم والصدر ما بعد 12 مايو (أيار)، كون العبادي سيؤمن لهما موقعاً مريحاً في السلطة التنفيذية ينسجم مع شعارات المرحلة التي يتمسك بها الناخب العراقي وتتبناها المرجعية في النجف.
يصف الكاتب والصحافي العراقي مشرق عباس مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية في 12 مايو المقبل بأنها انتخابات ما بعد الانتخابات، وبمعنى أوضح، هي نهاية مرحلة اقتراع الأفراد والانتقال إلى اقتراع الكتل التي ستتجاوز مبدأ الأحجام لصالح الموقف والمشروع، فهل ينجح الثلاثي العبادي الحكيم والصدر في حال توافقوا على فرض الأحجام والموقف معاً، أم أن لطهران رأياً آخر؟

7 مشرق عباس
مقتدى
الحياة السعودية

لا يتوقف مقتدى الصدر عن إثارة الجدل في العراق، وفي الأسابيع الأخيرة كان خصومه يتداولون ما يعتبرونها واحدة من «تقلباته العديدة» عندما قرر منع إشراك النواب السابقين من كتلته في الانتخابات ومن ثم استثنى عدداً منهم، ليعود الصدر بعد أيام نافياً الاستثناء، ومن ثم يفاجئ الخصوم وربما الأنصار بإعلان عدم دعمه لكتلة «سائرون» التي تحالف فيها أنصاره مع علمانيين وشيوعيين وقوميين.

بل إن هذا التحالف الذي أصبح محل رفض الإسلاميين كان في الأساس بمثابة تحول هائل، نسبه الخصوم خصوصاً من الإسلاميين إلى «نظرية التقلب» التي باتت التهمة الأبرز التي تواجه الصدر، فيما اعتبرها آخرون خطوة جريئة سبق إليها الصدر الآخرين ولحقوا به مرغمين، في حين نال بعض العلمانيين من أقرانهم الذين وجدوا في الصدر حليفاً واتهموهم ببيع «اليوتوبيا العلمانية العراقية» إلى «الإسلام السياسي».

الواقع أن الانتقادات التي وجهت إلى الصدر كان مصدرها في الأساس العلمانيون انفسهم قبل أن يتلقفها الإسلاميون، فالعلمانيون انتقدوه بشدة عندما كانت الميليشيات تستخدم اسمه لترويع العراقيين في سنوات الحرب الأهلية، وهم من سخروا من انضمامه عام 2010 لدعم حكومة المالكي الثانية في اللحظات الأخيرة على رغم تعهداته بعدم الانضمام إليها، وبعضهم يرفض حتى الآن تصديق المتغيرات المثيرة التي أحدثها الصدر في تياره وفي توجهاته السياسية ونمط تحالفاته وموقفه من الدولة.

لكن نظرة فاحصة على مسيرة الصدر السياسية تكشف أن انتقالاته التي بدأت بحل «جيش المهدي» عام 2008 ومن ثم رحيله عن العراق، وتماسكه رغم انشقاق تياره إلى فصائل مسلحة متعددة باتت اليوم رئيسية في المشهد السياسي، لا تحسب في خانة «التقلبات» كما يراد الترويج لها، فالطرف الحكومي الذي مثله حينذاك «حزب الدعوة» والذي مازال زعيمه نوري المالكي يستخدم مصطلح «صولة الفرسان» للترويج لنجاحه في حل «جيش المهدي»، هو نفسه من استثمر هذا الحل لدعم العناصر الأكثر تطرفاً في تيار الصدر للانشقاق عنه وتشكيل فصائل مسلحة جديدة كانت وما زالت تعمل تحت ظل الدولة ورعايتها!

الغريب أن توجهات الصدر السلمية ومبادراته التصالحية، بل وانضمامه إلى العلمانيين في ساحات التظاهر للمطالبة بالإصلاح، ولحمايتهم من التهام القوى المسلحة، قوبلت باستنكار من خصومه، وكأنما لا يراد للصدر، وهو حفيد الأسرة الدينية العريقة الممتدة في التاريخ العراقي، إلا أن يكون «زعيم ميليشيا»، وهو الاستنكار الذي قوبل به عندما رفض إرسال الشباب العراقيين للقتال في سورية، وعندما طالب بعلاقات عراقية خارجية متوازنة وغير خاضعة إلى نظام المحاور.

إذا كان نجاح الصدر في الانتقال بتيار شعبي هائل يمثل الشباب والطبقات الشعبية الفقيرة في مدن الجنوب العراقي التي كانت وما زالت مسحوقة ومهملة ومهمشة، من ثقافة العنف إلى الدفاع عن مدنية الدولة، تقلباً، فهو من أفضل التقلبات التي خدمت فرص العراق في البقاء موحداً ومتماسكاً بعد أهوال السنوات الماضية، وإذا كان من باب «التقلب» أن يرفض الصدر تملق الآلاف من الساعين إلى إعادة استخدام اسمه لترويع الناس، وتقريب شيوعيين ومدنيين مسالمين ليكونوا في صلب قراره السياسي، فإنه تقلب حميد يستحق الإشادة لا التنكيل.

ما يمكن قوله بشأن الصدر، الذي كانت لديه رؤية ثاقبة استباقية عام 2013 لما حصل بعد هذا التاريخ، وتوقعات سجّلَها عبر وسائل الإعلام لمسار الأحداث وتطورات الاحتجاجات في مناطق غرب العراق إذا لم يتم احتواؤها سلمياً، ومبادرات حاول من خلالها تدارك الانهيار الذي كاد يودي بخريطة العراق، هو أن الرجل رفض الانسياق إلى إغراء التطرف.. رفضه مراراً وتكراراً حتى في لحظة اقتحام تياره برفقة المدنيين المنطقة الخضراء، وهو الاقتحام الذي اعتُبر من جهةٍ إساءةً إلى مؤسسات الدولة، ومن جهة أخرى عُد رسالة بليغة حول حقيقة أوزان القوى في العراق وإمكاناتها فيما لو تمادت محاولات اختبارها، كمحاولات تصفية نفوذ الصدر أو إبعاده مجدداً عن التأثير في مسارات الأحداث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.