fbpx
انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 5 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الاربعاء

5 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الاربعاء

1 الحكومة العراقية بين شعبوية الخطاب ومسلخ الاعتقالات هيفاء زنكنة
القدس العربي
يتم بين الحين والآخر، تسريب خبر أو صورة لا يمكن نسيانها عما يعيشه المواطن العراقي، عموما، أو المعتقلون والسجناء بشكل خاص. حيث لا يُكتفى بحرمان المعتقل من حريته، وهو المطلوب من إبقائه رهين السجن، بل يتعداه الى حرمانه من كافة حقوقه وتجريده من إنسانيته. اذ يختزل المعتقل في بلادنا، إلى «شيء» يتسلى به الجلاد أما انتقاما أو إرضاء لنزعاته السادية أو تطبيقا لسياسة حكومية منهجية. ولا يمكن التمييز بين الأسباب بسهولة إذ غالبا ما تتداخل في ما بينها حيث يعزو الساسة منهجية التعذيب الى السلوك الفردي المختل أو كما برر قادة الاحتلال الأمريكي، عند فضح جلاديهم في أبو غريب، بأنه نتيجة وجود « بضع تفاحات فاسدة»!
ورغم إدراكنا إن التعذيب ليس غريبا على العراق، الا ان الاحتلال الانكلو ـ أمريكي أضفى عليه طابعا وحشيا مستحدثا، يليق بالتطورات « الحضارية» الامريكية والبريطانية مثل استخدام الموسيقى والعري والفيديو لتصوير إجبار المعتقلين على الممارسة الجنسية، وكانت تطورات نفسانية استحدثت لكسر كرامة ومعنويات السجناء المصنفين «متعصبين أخلاقيا». وتم ذلك بالتعاون مع الجلادين المحليين الفخورين بأساليبهم التقليدية.
من بين الصور المروعة التي تم تسريبها، أخيراً، ووجدت لها حيزاً في بعض وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، وجود مئات المعتقلين، المتراصين جسديا، سواء كانوا على الأرض أو على أسرة ذات طابقين في عنبر بلا نوافذ وليس فيه سنتيمتر واحد فارغا. كيف يتنفسون؟ حركة الذراع تتطلب دفع المحيطين بمن يرغب برفع ذراعه. كل معتقل يشغل حيزاً لا يزيد على الربع متر مربع بينما توصي القوانين الدولية بأربعة أمتار مربعة كحد أدنى. هل النية قتلهم اختناقا؟ الوجوه شمعية بلا مشاعر. العيون جامدة، تحدق بلا شيء فاضحة مرحلة التشيؤ التي وصل اليها المعتقلون وهم على وشك الوصول الى نهاية يعرفونها. إنه الإعدام الذي تمهد له شعبوية الخطاب السياسي بحماس لا نظير له منذ الاحتلال عام 2003 باعتباره « مطلبا جماهيريا»، ويقف مسؤولو وزارة العدل والقضاة معتذرين من الشعب لأنهم تأخروا بتنفيذه لأسباب خارجة عن ارادتهم!
إن شعبوية الخطاب السياسي، المتبنى من قبل قائد أو حزب، يبدو ظاهريا، وكأنه إرضاء وتحقيق لرغبات الشعب، وكأنه تسليم السلطة الى الشعب، الا انه في جوهره لا يزيد عن كونه سياسة تدجين للشعوب. يتبناها الساسة أو يتزايد حماسهم لتبنيها، بشكل خاص، عندما يواجهون أزمة حقيقية قد تؤدي إلى ازاحتهم من مناصبهم ومواقع المسؤولية. حينئذ يبدأون التنقيب عميقا في الوعي الجماعي ليبرزوا الى السطح ما كان مطموراً منذ زمن بعيد أو تصنيع ما يرضي نزعات آنية يمسدون بها مشاعر الشعوب المنهكة والمنشغلة بتلبية الحاجات الأساسية فلا تعود قادرة على التفكير بما هو أبعد. يرسخونها في الوعي الجمعي عبر التكرار. وهو ما حدث في العراق بعد احتلاله. فالطائفية التي تبنتها أحزاب بلا جذور حقيقية في المجتمع العراقي، تصاعدت نتيجة ضخ الخطاب الشعبوي الطائفي ـ السياسي، اليومي، في مجتمع منغمر، بعد حروب وحصار واحتلال، بالمحافظة على البقاء، الذي يستحيل تحقيقه الا عبر الانتماء والاحتماء بهذه الاحزاب.
في هذه السيرورة، بات من السهل على الأحزاب الطائفية تبرير كل ما يجري من فساد واعتقالات وحالات اختفاء، تحت ذريعة « الإرهاب»، برعاية الولايات المتحدة الامريكية. وبينما ينشغل الشعب بمشاهدة برامج تلفزيونية يبث من خلالها الساسة رسائلهم الشعبوية، بلغة تجمع ما بين الابتذال والبذاءة والقدح الأخلاقي، يتم تمرير قوانين تعاقب الشعب نفسه وتزيد من حالة الانقسام الديني والطائفي والعرقي والعشائري. من بين القوانين، المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، وعقوبتها الإعدام، المُسَخر لأغراض طائفية سياسية وتصفية حسابات في ظل الافلات من العقاب. فلا عجب ان يتزايد عدد المعتقلين في سجون مكتظة مثل قطيع خراف بانتظار الذبح. وهي بالتحديد الصورة ألتي استنكرتها بشدة نافي بيلاي، المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في 19 نيسان/ابريل، 2013، واصفة الاعدامات في العراق بأنها «بغيضة وقذرة وتشبه مجازر ‏الحيوانات». وهو تصريح وتوثيق يجب التوقف عنده لسببين: الأول انه وصف حال المعتقلين قبل اعلان الدولة الإسلامية وإعلان الحكومة العراقية محاربتها الإرهاب متمثلا بداعش، في حزيران/يونيو 2014، وإتهام كل معتقل بأنه « داعشي». ثانيا، ازدياد الوضع سوءا حيث « أتاحت المعركة ضد داعش للحكومة العراقية وقوات حكومة إقليم كردستان حرية تنفيذ الانتهاكات الجسيمة تحت ستار مكافحة الإرهاب» حسب التقرير الأخير لمنظمة « هيومان رايتس ووتش» الذي أكدت فيه تنفيذ القوات العراقية إعدامات غير شرعية، وعذبت، وأخفت قسراً مئات المشتبه بهم… كما عمدت القوات العراقية إلى تعذيب وإعدام الأشخاص الذين تم أسرهم في ساحة المعركة وحولها مع إفلات كامل من العقاب، وفي بعض الأحيان حتى بعد نشر صور ومقاطع فيديو عن الانتهاكات على مواقع التواصل الاجتماع». وإذا كان هناك من يُسوّغ للحكومة وميليشيا الحشد الشعبي انتهاكاتها وجرائمها بحجة محاربة داعش فان « الانتصار» عليها واستبدال حكومة حيدر العبادي بحكومة عادل عبد المهدي لم يأت بجديد، إذ يشير التقرير إلى» ان السلطات العراقية تنفذ حاليا إعدامات من دون نشر أي أرقام رسمية أو مشاركة هذه المعلومات مع الجهات الفاعلة الدولية». وهناك أخبار تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، منذ فترة، عن اعدام 70 سجينا، في يوم واحد، في سجن الحوت، بمدينة الناصرية، جنوب العراق. وهو سجن غالبا ما يتم تنفيذ الاعدامات فيه بشكل جماعي، بمباركة علنية من مجلس المحافظة ومليشيا الحشد الشعبي التي كلما تأخر تنفيذ الاعدامات، بسبب إعادة النظر بالقضايا مثلا، تهدد قوات الميليشيا باقتحام السجن وتنفيذ الاحكام بنفسها بحجة انه « مطلب شعبي».
تتغذى حكومة عادل عبد المهدي، غير المكتملة بعد، منذ ايامها الأولى على شعبوية الخطاب السياسي المناهض، ظاهريا، للخطاب الطائفي. الا ان أعداد المعتقلين الهائلة في جحيم السجون والمعتقلات، وغالبيتهم من أبناء مذهب واحد، وبتهم جاهزة حيكت ضدهم منذ غزو العراق، يثبت أنها سياسة تخدير جماعي تستخدم لمنح الحكومة صورة من يأخذ بالثأر لصالح أهل الضحايا. وقد تنجح آنياً إلا أنها ستقود، حتما، الى السقوط أكثر فأكثر في هاوية تمزيق البلاد.
2 الغموض الخلاق بدل الفوضى الخلاقة فاطمة عبدالله خليل الوطن البحرينية

أطل علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أسابيع بتصريح مفاجئ لنا في الشرق الأوسط ولمرافقيه ولوزير خارجيته ودفاعه، بل إنه فاجأ بتصريحه حتى ابنته وزوجها كما قال بعض الساخرين، إذ قال في تصريحه هذا إنه سيسحب القوات الأمريكية من سوريا. عندما نفكر في الأمر، صحيح أنهم ألفا رجل فقط، لكن هذا العدد هو من يسند ظهر الأكراد الذين وقعوا بين النيران التركية والعراقية والسورية منذ عقود طويلة. ترامب لم يعط أية تفاصيل عن ماهية الانسحاب، غير أن الآلة الإعلامية في الغرب والشرق أبرزت المحللين، حيث يدلي كل منهم دلوه بشأن تأثير ذلك على دول نحو الأردن والعراق ولبنان وتركيا، وحتى إسرائيل، وتوسع بعض المحللين في طرح أسباب لها علاقة بتوقيت الانسحاب.
لقد تمحورت أغلب الأسئلة الحادة حول المستفيد من الانسحاب، إذا ما كانت أمريكا نفسها التي ملّت من الإنفاق على الصراعات وتريد الدخول مع حلفائها بطريقة تجارية لدفع تكاليف الصراعات؟ أم إن إسرائيل هي المستفيد، فسحب التواجد الأمريكي يمنح الصهاينة ذريعة الدفاع عن أنفسهم كما يريدون وفي أي وقت؟ أم إن الانسحاب أتى لمصلحة تركيا حتى تنهي صراعها في شمال سوريا مع الأكراد؟ أم لأن واشنطن تتقاسم المصالح مع موسكو فتركت لها سوريا التي ينتصر فيها حليفهم الأسد؟ أم إن واشنطن قدرت أنها قضت على «داعش» ولا داعي لبقائها لمزيد من الوقت؟
ثم فجأة.. أعلن ترامب وقف وتيرة الانسحاب السريعة، وبدأ يضع أعذاراً كثيرة كتعهده ببقاء القوات الأمريكية لهزيمة تنظيم الدولة «داعش»، ثم تعهد للأكراد بحمايتهم، ثم بالتلميح إلى أنه يستمع لآراء مستشاريه رغم استقالة أهمهم، ثم التلميح إلى أنه قرر الانسحاب، لكن ذلك ليس لابتزاز دول المنطقة للحصول على المزيد من الأموال لدفع مخصصات الوجود الأمريكي في سوريا والعراق ودفع رواتب للعاملين هناك.
يعول البعض على شعار ترامب الانتخابي «أمريكا أولاً»، وأنه ينوي تطبيقه فعلياً، لاسيما وأنه أوفى بالكثير من الوعود الانتخابية التي أطلقها، وأولها الخروج من الاتفاق النووي مع إيران، هذا وأوفى أيضاً بوعده بشن حرب تجارية مع الصين وها هو يكاد يركعها ويدخلها في ركود اقتصادي، كما أوفى بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وأوفى بقوانين الهجرة، وهو يخوض الآن حرب الجدار العازل مع المكسيك.
* اختلاج النبض:
يرى بعضهم أن تصريحات ترامب مضللة، وأنه لا يريد الانسحاب من سوريا ولكنه يريد المزيد من المكاسب من خلال استثمار رأس مال صغير هناك، هم ألفا جندي فقط، وهو بذلك يثبت نفسه كرجل أعمال ناجح، لكنه يتدثر بلباس أمريكي جديد هو الغموض الخلاّق استكمالاً للفوضى الخلاقة التي لم تحقق أهدافها كلها.
3 تهنئة المسيحيين.. العودة للشروط العُمرية رشيد الخيّون الاتحاد الاماراتية

أثار الشيخ مهدي الصميدعي مفتي الدِّيار العراقية ما لم يثره السابقون واللاحقون ضد مواطنيهم المسيحيين، وذلك في خطبة الجمعة، في جامع أم الطبول وسط بغداد: «لا تشاركوا النصارى الكريسماس، لأن هذا معناه أنكم تعتقدون بعقيدتهم». ورد هذا مع أن العراق من أكثر الدول بحاجة إلى التسامح، والمشاركة في الأفراح والأتراح هي أُس المواطنة، فلا قيمة للمواطنة، أو الشراكة في الوطن إذا كان الإقصاء الدِّيني يُحدد المشاعر والعلاقات.
ما قاله مفتي الدِّيار ليس جديداً، جاء فقرة مِن فقرات «الشُّروط العُمرية»، أو «العهد العُمرية» أو «أحكام أهل الذِّمة»، مثلما ورد عنواناً لكتاب ابن قيم الجوزية (ت751ه)، وفصل من فصول كتاب الخميني «تحرير الوسيلة»، ففي الكتاب الأخير ورد: «يكره السلام على الذمي ابتداءً، وقيل يُحرم، وهو أحوط. ولو بدأ الذمي بالسلام ينبغي أن يقتصر في الجواب على قولك (عليك) ولا تلحقها بمفردة سلام! وينبغي أن يقول عند ملاقاتهم: السلام على مَنْ اتبع الهدى، ويستحب أن يضطرهم إلى أضيق الطُّرق».
تعد تلك الشروط بواحد وعشرين شرطاً، كلها ليست مناسبة للبلدان المختلطة دينياً، مثلما هو العراق، ففيها على غير المسلمين اتخاذ أرصفة الطُرق، ولا يستخدمون في دوائر الدولة، ولا يدخلون حمامات المسلمين، وأن يميزوا بثياب خاصة، فحسب شرط التحية المذكور، كأن هناك حرباً معهم، صحيح أنها سميت بالعُمرية، لكن ابن قيم الجوزية نفسه قال: «وشهرة هذه الشروط تُغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول» (أحكام أهل الذِّمة). ظلت هذه الشروط مطروحة كقانون، نفذه حُكام وغض عنه الطرف آخرون، ومعلوم أن أشهر من طبقها هو جعفر المتوكل (ت247ه)، بينما رفض الناصر لدين الله (ت622 هـ) الأخذ برسالة ابن فضلان (ت631 هـ)، رئيس ديوان «الجوالي» (أهل الذِّمة) القاضية بتطبيقها رسمياً على غير المسلمين.
دخلت المسيحية العراق منذ القرن الميلادي الأول، وخلال عهود الدولة العراقية الحديثة لم يُعرف أن خطيباً أو فقيهاً، ومن أي مذهب أو طائفة، حذر المسلمين مِما حذر منه الشيخ الصميدعي، وبهذه العلانية وهو مفتي الديار العراقية، وهنا نُذكره بما حصل بالمناطق التي هيمنت عليها جماعة «داعش»، التي اختصرت المسيحيين بالحرف (ن) أي النَّصارى، ومعلوم أن «داعش» مثلما ضد المسيحيين كذلك ضد المسلمين، ولا أظنها قد رضت للشيخ الصميدعي أن يتولى منصباً مثل هذا، فهي إضافة إلى عدم اعترافها بدولة عراقية، أو غير عراقية، لا تعترف بالمنصب نفسه، فالمفتي عندها هو أمير المؤمنين نفسه، مثلما الحال مع «طالبان» و«داعش».
لقد فسحت الديمقراطية المشوهة للشيخ الصميدعي، وكل المتشددين، خرق قانون الدَّولة نفسه، فالقانون العراقي قبل (2003)، ودستور (2005) يمنعان التحريض ضد دين أو طائفة، والخطاب كان خطاباً تحريضياً، فعندما تُحرم تهنئة فئة دينية بعيدها يذهب المتلقي إلى أن هؤلاء ليسوا مواطنين، وليس مِن حقهم العيش بين المسلمين، لأنهم أعداء طالما احتفظوا بديانتهم. هنا نُذكر بالشخصيات غير المسلمة التي تسلمت مراكز سيادية في الدولة العراقية، يأتي اسم وزير المالية «ساسون حسقيل»، ووزير الإعلام «روفائيل بطي»، ووزير المالية «يوسف غنيمة»، ووزير الإعلام ثم الخارجية طارق عزيز، ووظائف كبرى في شتى المجالات.
استفاد الشَّيخ الصميدعي مِن الحرية، المفسوحة له بلا حدود، ومِن منصبه كمفتي رسمي، أن يُصرح بهذه الكراهية، ولو حصل بيده لأعاد تطبيق «الشُّروط العُمرية» مثلما طُبقها حُكام سابقون، وسيلعب دور رئيس الجوالي ابن فضلان مع خليفة عصره، مِن دون حساب الزَّمن.
إن خطأ الفقهاء، وعلى الخصوص في منصب الإفتاء، له تأثيره البليغ، لأنه يتحدث باسم الدّين، مستغلاً منابر المساجد، وها هي الكراهية تصدر مِن أحد أكبر مساجد بغداد «أُم الطبول»، فكيف يُراد للمواطنة أن تسود، والنَّاس تُقاطع بعضها البعض على أساس الاختلاف الديني أو المذهبي؟! الأمر الآخر كيف يستوعب مسيحيو العراق وغير المسلمين عامة تحريم معايدتهم بأعيادهم؟! فما قيمة المواطنة لديهم وخطاب الإقصاء يُلاحقهم، بأمر لم يحدث ضدهم إلا في زمن الحرية المطلقة للخطاب الديني، وكأنها لا تعني الحرية السياسية، الملتزمة بقيم التعايش والتسامح، إنما حرية هدم المواطنة أيضاً.
ما تفوه به مفتي الدِّيار العراقية نغمة جديدة وخطيرة، في الصلات بين الأديان على أرض العراق، وكأن لم يكفِ مسيحيي العراق تفجيرات كنائسهم واغتيالات رهبانهم، وتشتتهم خارج العراق، بعد تحطيم مؤسسات الدولة، والتي أنهت معها الالتزام بالقوانين الخاصة باحترام الأديان.
إنها حيرة الألباب، أن يصل العراق إلى هذا الدرك، وأرضه أول ما ألفت تعدد الأديان والمذاهب، بينما دول لم تألف الاختلاط الديني، مِن قبل، نجدها تتبنى الحوار الدِّيني، وقوانينها تُعاقب كُلّ مَن يدعو إلى الكراهية. بعد العبارات التي ألقاها مفتي العراق، مِن حقِّ غير المسلمين القول: «إذا لم يكن للمرئ في دولة مرئ/ نصيبٌ ولا حظٌ تمنى زوالها» (الثَّعالبي، يتيمة الدَّهر).

4 العسكر يغادرون إدارة ترمب… وبومبيو يتوجه للمنطقة مينا العريبي الشرق الاوسط السعودية
يستهل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عامه الجديد بجولة مفصلة إلى المنطقة؛ حيث يبدأ اليوم الثلاثاء جولة تضم 8 عواصم عربية، من المرتقب أن تشكل فصلاً جديداً في المساعي الأميركية لبلورة استراتيجية أكثر وضوحاً للمرحلة المقبلة.
تأتي زيارة بومبيو تزامناً مع مغادرة كل من الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس منصب وزير الدفاع الأميركي، والجنرال المتقاعد جون كيلي منصب كبير موظفي البيت الأبيض. وبعد أن كان ماتيس وكيلي من أبرز الوجوه التي يمكن الاعتماد عليها لترويض سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، باتت الإدارة الأميركية خالية من كبار الشخصيات العسكرية المتقاعدة. بعد عامين من توليه مقاليد الحكم، لم يعد ترمب الرئيس المدعوم من قبل العسكر، فكل من الجنرال إتش آر ماكماستر والجنرال كيلي والجنرال ماتيس، الذين تبوأوا مناصب رفيعة في إدارة ترمب، وكانوا يعدّون صمام الأمان في إدارته، غادروا الإدارة.
يصل بومبيو إلى المنطقة وأسئلة كثيرة تحوم حول سياسات ترمب الخارجية، خصوصاً استراتيجيته العسكرية؛ فقد جاءت استقالة ماتيس من منصبه الشهر الماضي بعد إعلان ترمب المفاجئ سحب القوات الأميركية من سوريا، لتليها بعد أيام تسريبات بأن ترمب ينوي سحب الآلاف من القوات الأميركية من أفغانستان. كما أن ترمب اقترح أن تتولى تركيا مسؤولية محاربة «داعش»، وعبّر عن دعمه الغزو السوفياتي لأفغانستان، قائلاً إنه يمكن لكل من روسيا وباكستان والهند لعب دور هناك. لا شك في أن هذه التصريحات تدل على نية ترمب سحب قوات بلاده ودعم دول أخرى لملء الفراغ. ولكن في الوقت نفسه، يسعى دبلوماسيون ومسؤولون أميركيون إلى طمأنة الحلفاء والإدلاء بتصريحات بأن الولايات المتحدة لن تنعزل عن العالم.
وفي اتصال مع عدد من الصحافيين لشرح خلفية جولة وزير الخارجية الأميركي في المنطقة، قال مسؤول أميركي إن هناك رسالتين أساسيتين وراء زيارة بومبيو؛ «أولا، أن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط»، و«ثانياً، النظام الإيراني يشكل خطراً على المنطقة» وأن بلاده ستعمل مع دول المنطقة لمواجهة طهران. كلتا الرسالتين كررها مسؤولون أميركيون خلال الأشهر السابقة مراراً. ولكن ما لم يعد واضحاً ما السياسات التي تنوي الولايات المتحدة تطبيقها لتحقيق هذه الأهداف؛ فبينما يطلق ترمب تصريحاته المثيرة للجدل، يقوم دبلوماسيون مخضرمون بجهود دبلوماسية لتهدئة الأوضاع وإنهاء صراعات قائمة، مثل السفير السابق جيم جيفري الذي تولى ملفي سوريا ومكافحة «داعش»، وزلماي خليل زاد الذي بدأ عملية معقدة للتفاوض مع حركة «طالبان» في أفغانستان، بالتشاور مع كل من الرياض وأبوظبي.
إذا كان الهدف مواجهة «داعش» وإيران في المنطقة، بإعلان ترمب المفاجئ الانسحاب من سوريا، فلقد تلقت كل جهة متطرفة في سوريا دعماً جديداً، فباتت المسألة مسألة وقت. الوجود الأميركي العسكري في سوريا ليس كبيراً، ولكنه يدل على التزام ولو جزئياً من الولايات المتحدة بهذا الملف. وكلما كانت واشنطن موجودة عسكرياً في بلد ما، يبقى انتباهها السياسي مرتبطاً بذلك الوجود. ولكن الانسحاب، وبطريقة مفاجئة، يأتي ليتوج عاماً من التحرك الأميركي للتراجع عن الموقف ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وإذا كانت إيران تخشى مواجهة داخل سوريا، فقد أصبحت اليوم في موقف انتظار الانسحاب الأميركي كلياً.
ومن غير المعلن ما إذا كان بومبيو ينوي زيارة العراق؛ بعد أن زاره رئيسه نهاية العام الماضي من دون لقاء أي مسؤول عراقي. ومن التقليدي أن تبقى زيارات المسؤولين الغربيين إلى العراق غير معلنة؛ فمن الصعب التكهن باحتمال زيارة وزير الخارجية إلى البلاد في هذه الجولة المهمة. ولكن إذا كانت واشنطن حقاً جادة في مواجهة إيران وإثبات وجودها في المنطقة، فلا يمكن لها تجاهل العراق وقيادته.
أما الملف اليمني، فبعد الانفراج الأولي في السويد الشهر الماضي والتوصل إلى اتفاق مبدئي على تحرير الحديدة وإيصال المساعدات للشعب اليمني عبر مينائها، تراجعت الآمال هذا الأسبوع مع التعنت الحوثي. وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن بومبيو سيبحث الملف اليمني في السعودية والإمارات، بما في ذلك سبل دعم المبعوث الأممي مارتن غريفيث. وبالطبع؛ الجهود الأميركية لمواجهة إيران تعني الانتباه إلى الحرب في اليمن.
ولكن يأتي بومبيو إلى المنطقة وحكومته مكبلة الأيدي بعد قرار الكونغرس الأميركي وقف الدعم العسكري في اليمن. وهنا مرة أخرى تثار أسئلة حول الاستراتيجية العسكرية الأميركية بينما منصب وزير الدفاع شاغر.
ومن المتوقع أن تثار القضية الفلسطينية مع بومبيو خلال جولته، خصوصاً في الأردن، وأيضاً من قبل المسؤولين العمانيين الذين عبروا عن رغبتهم في المساعدة بملف المفاوضات. ولكن منذ تولي ترمب الرئاسة، بقي الملف الفلسطيني في البيت الأبيض. وأكثر من مرة أكد بومبيو أنه لن يتدخل فيه، ومن المتوقع أن يعبر عن الموقف نفسه خلال جولته هذه. واستبق بومبيو إلى المنطقة مستشار الأمن القومي جون بولتون الذي زار إسرائيل وتركيا هذا الأسبوع. وفي إسرائيل، عبر بولتون، المعروف بمواقفه المتشددة، عن الدعم المطلق لإسرائيل، بينما سربت مصادر إسرائيلية طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من بولتون إعلان واشنطن الاعتراف بالجولان المحتل جزءاً من إسرائيل ضمن الصفقة المرتقبة في سوريا.
المواقف الأميركية المعلنة حول المنطقة بشكل عام مبنية على 4 أسس بغض النظر عمّن يشغل المكتب البيضاوي في البيت الأبيض: مواجهة التطرف، والعمل على مواجهة إيران، والعمل على خفض أسعار النفط، والدفاع عن إسرائيل. ولكن خلال الأشهر المقبلة، سيكون على ترمب توضيح كيف سيحمي تلك المصالح ويبقي على وعوده الانتخابية بسحب القوات الأميركية ووضع «أميركا أولاً» داخلياً. فمع بداية هذا العام بدأ العد التنازلي لانتخابات الرئاسة الأميركية، وسيكون انتباه ترمب مركزاً على الفوز بتلك الانتخابات قبل أي اعتبار آخر.
5 حروب ترامب والإنكفاء الأميركي حميد الكفائي الحياة السعودية

يعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالة فريدة في السياسة العالمية وربما مدرسة جديدة في السياسة، من يدري؟ فمنذ توليه الرئاسة وحتى اليوم وهو يخلق خصوما كي يحاربهم وينتصر عليهم، ولم يترك دولة حتى الآن لم يغضبها، بما فيها أقرب حلفاء أمريكا في أوروبا وآسيا. وتقوم سياسة ترامب أساسا على إهانة الطرف المقابل وإخافته وجعله يذعن له كي يبدو منتصرا أمام جمهوره، لكن ذلك يأتي دائما على حساب قوة الولايات المتحدة وريادتها العالم الحر.
ومن أوائل الذين حاربهم ترامب مذ كان مرشحا هم الصحفيون الأميركيون إذ دأب يشير إلى وسائل الإعلام بأنها “إعلام الأخبار الكاذبة” والصحفيين بأنهم “مروجو الأخبار الكاذبة” وسبب ذلك هو أن الصحافة الحرة لا تستطيع أن تصمت أزاء أخطاء ترامب وأقواله المنفلتة، ولأن سلطته على الصحافة معدومة، فقد أخذ يصمها بالكذب واختلاق الأخبار كي يوهم أتباعه بأنه يتعرض لحملة تشهير بسبب تبنيه مبدأ “أمريكا أولا”. وفي خضم حربه مع الصحافة، فإنه يخوض أيضا حربا مع خصومه في الحزب الديمقراطي الذين اتهمهم بكل التهم المتاحة لديه وبطريقة غير مألوفة في السياسة الأميركية. وبعد أن رسَّخ خصومته مع الديمقراطيين والصحافة، انتقل بسلاسة وسهولة بالغتين إلى حلفائه الجمهوريين، فأصبح كل من يختلف معه في الرأي، مثل وزراء خارجيته ودفاعه وعدله السابقين، رِكس تيلارسون وجيمز ماتيس وجيف سيشنس، ومستشاريْه للأمن القومي السابقين، مايكل فلين وهربرت ماكماستر، فإنه يصبح شخصا غبيا أو كسولا أو متعاليا أو جاهلا بالمصلحة الأميركية.
أما مبعوثه إلى العراق، برت ماكغورك، الذي استقال بعد قراره المفاجئ الانسحاب من سوريا، فقد ادعى عدم معرفته!
وقد تكون حروب ترامب الخارجية الأكثر خطورة، إذ بدأها مع المكسيك عبر خطته المبتكرة لبناء جدار على حدودها، متوقعا من المكسيك أن يدفع الكلفة! وأعقب ذلك تشجيعه بريطانيا على مغادرة الإتحاد الأوروبي واحتضانه المتشددين المناهضين للاتحاد، من أمثال بوريس جونسون ونايجل فراج، وإطلاقه الوعود بأن التجارة الأميركية مع بريطانيا سوف تزدهر بعد مغادرة الأخيرة الاتحاد الأوروبي، وربما ساهم ذلك في ترجيح كفة المنادين بالانسحاب من الاتحاد في استفتاء عام 2016 والذي أحدث تراجعا اقتصاديا حتى قبل الانسحاب.
من العوامل التي عززت الثقة بإدارة ترامب هي تولي جون ماتيس وهربرت ماكماستر أهم منصبين أمنيين في البلد لأن الرجلين خبيران متميزان في هذا المجال ويحظيان بثقة الأميركيين، لكن مغادرتهما منصبيهما قد أفقدت الرئيس أهم عوامل الثقة بإدارته. كما إن سبب استقالة ماتيس، وهو ازدراء الرئيس للحلفاء، أكد للكثيرين بأن ترامب يسير في طريق خطير سوف يدفع حلفاء أمريكا إلى التفكير بجدية برسم مسار مستقل لهم، سواء في المجال الاقتصادي أو العسكري أو السياسي.
الشراكة التجارية الأميركية الصينية تمر بأصعب مراحلها في عهد ترامب الذي يبحث عن انتصارات تمكنه من البقاء في البيت الأبيض لدورة ثانية، وهو أمر يبدو مستبعدا حاليا، بل أن هناك من يستبعد إكمال الرئيس ولايته الأولى، خصوصا مع التحقيقات الجارية في قضايا كثيرة، بعضها يتعلق بصدقيته وممارساته الشخصية، والآخر يتعلق بدور روسي مزعوم في فوزه بالرئاسة.
لقد طورت الصين نموذجا اقتصاديا جديدا جعلها قوة عظمى تتحدى الهيمنة الأميركية على الاقتصاد العالمي، ولا يمكن الولايات المتحدة أن تعارض تنامي قوة الصين الاقتصادية أو تنتقص من نموذجها الاقتصادي الناجح، ولكنها لا تستطيع أن تراقب بصمت هذا النمو الصاروخي خصوصا وأن الصين تنتهك بعض القوانين الدولية كالملكية الفكرية، وتمارس القرصنة السايبرية، وتجبر الشركات العاملة فيها على نقل التكنولوجيا إليها وتفرض قيودا تجارية غير تعرفية. وقد هدد ترامب بمضاعفة التعرفات الجمركية على البضائع الصينية إن لم تعالج الصين هذه الاختراقات. لا يمكن الصين التخلي عن السوق الأميركية، لذلك أعلنت أثناء زيارة ترامب عن تنازلات تجارية لواشنطن، فاتخذت إجراءات للحد من نشاطاتها غير القانونية، مجرية تعديلات للقوانين المتعلقة بها، لكنها طلبت مهلة لتنفيذها فوافق ترامب على منحها 3 أشهر، وفي خلاف ذلك فإنه سيضاعف التعرفة الجمركية على المنتجات الصينية.
يدرك الصينيون أن ترامب محاصر داخليا وأنه يبحث عن أي نصر ولو كان شكليا كي يرفع مكانته أمام جمهوره. هناك استياء من أداء الرئيس، فالطبقة الوسطى متذمرة من ركود إيراداتها، بينما ثقة الشباب في النخب السياسية تتناقص، لذلك فإن مثل هذه (التنازلات) ستجعل ترامب يبدو منتصرا، لكنها في الحقيقة ضرورية للصين أيضا، لأنها بلغت مرحلة متقدمة من النمو الاقتصادي لا تسمح بالاستمرار في انتهاك القوانين الدولية، وإن كانت مستفيدة من ذلك سابقا، فإن الأضرار الناتجة عنه ستكون أكثر ضررا.
لن تخاطر القيادة الصينية بحرب تجارية واسعة النطاق مع الولايات المتحدة لأنها ستتضرر منها، كما أن الثقة بالحكومة، ومعها الضبط الاجتماعي، قد تختل بسهولة إذا ما حصل أي تراجع اقتصادي، لذلك فإن الصين سوف تتعاون مع الولايات المتحدة لكنها سوف تماطل من أجل كسب الزمن. بقاء ترامب رئيسا سوف ينفع الصين لأنه يبحث دائما عن انتصارات سريعة وقصيرة الأمد ولا يمتلك خططا استراتجية يمكن أن تعرقل التوسع الاقتصادي الصيني.
لقد استطاع ترامب الوصول إلى الرئاسة بأعجوبة، وقد خدمته ظروف كثيرة منها النظام الانتخابي الذي جعله رئيسا رغم أن هيلاري كلنتون تفوقت عليه بثلاثة ملايين صوت، والتوجه اليميني المتزايد عند شرائح كبيرة من الشعب الأميركي بسبب الهجرة من المكسيك، والسخط من الإنفاق الهائل على السياسة الخارجية والمغامرات العسكرية في أفغانستان والعراق، لكن هذا لا يكفي لإدامة زعامته. ومع سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، لن يتمكن ترامب من تحقيق أي من وعوده، خصوصا بناء الجدار مع المكسيك بكلفة تقارب 40 بليون دولار.
الإنكفاء على النفس بالنسبة للولايات المتحدة ليس خيارا حكيما أو عمليا، فهي تستمد قوتها من نفوذها العالمي الواسع وتقدمها العلمي والتكنولوجي المذهل، ونظامها المالي الذي يعتمد عليه العالم كله، وتنوعها السكاني والثقافي الفريد الذي يربطها بكل ثقافات العالم، وأخيرا التزامها بالديمقراطية ومبادئ الآباء المؤسسين. تخلي أمريكا عن دورها الريادي العالمي سيحجِّمها اقتصاديا ويضعفها سياسيا وعسريا.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top