انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 5 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الخميس

5 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الخميس

1 قاتلوا بلادهم ثم حكموها د. باهرة الشيخلي العرب بريطانيا

لم يكن العراقيون يصدقون قصص تعذيب الأسرى العراقيين في إيران ويعدونها نوعاً من التسقيط السياسي يمارسه صدام ضد أحزاب مناوئة له، لكنهم صدقوها بعد فوات الأوان.
مئات الجرائم ارتكبها نظام الولي الفقيه بحق الأسرى العراقيين
لم أجد في ما قرأت أو سمعت أن أشخاصاً يقاتلون بلادهم مع أعدائها وينفذون أبشع الجرائم عبر تفجيرات يستهدفون بها مواطنيهم، ثم يحكمون بلادهم ويخربونها ويسومون مواطنيها سوء العذاب والإبادة، ويظل ولاؤهم للبلد الذي قاتلوا بلادهم معه، كما يحصل في العراق الآن.
كانت هذه الحقيقة لا يعرفها إلاّ بعض العراقيين، ثم توسعت، ثم لم يبق من مكذبي هذه الحقيقة إلاّ القليل من المخدوعين، ثم جاءت مطالبة إيران للعراق بتعويضات لم يقرها قرار دولي قيمتها تريليون و100 مليار دولار، ففضح هؤلاء أنفسهم عندما انبروا بكل ما أوتوا من قوة ليدافعوا عن إيران ومطلبها رغم أنهم هم من يحكم العراق الآن.
يتناقل العراقيون هذه الأيام مقولة للرئيس الإيراني الأسبق الراحل هاشمي رفسنجاني، وأخذوا يرددونها، كمن كان نائماً واستيقظ، بعد فوات الأوان، يقول رفسنجاني “منذ أن شاهدت المعارضة العراقية الموجودة في إيران كيف تعدم الأسری العراقيين وتعذبهم أيام الحرب الإيرانية العراقية بدأت أشكك في وطنيتي وولائي لإيران بسبب ولاء هؤلاء ووطنيتهم لإيران بنحو يفوق العقل والتصور”.
ونقل الكاتب السياسي نزار السامرائي، الذي ظل أسيراً في معسكرات الأسر الإيرانية عشرين سنة، في كتابه “في قصور آيات الله” قصصاً مرعبة عن حفلات التعذيب التي كان يقيمها من جاء إلى حكم العراق من الأحزاب الشيعية للأسرى العراقيين، ويسحرك أسلوب الكتاب، فأنت عندما تقرأه تشعر وكأنك ترى فيلماً سينمائياً أو أن ما جرى يجري أمامك على أرض الواقع، وسرد الأسرى العائدون من إيران قصصاً عن التعذيب الذي كانوا يتلقونه على يد آية الله محمد باقر الحكيم، الذي قضى في سيارة ملغومة يوم 29 أغسطس 2003 بعد فراغه من صلاة الجمعة في مرقد الإمام علي بن أبي طالب في النجف، وعلى يد هادي العامري وعناصر فيلق بدر.
ربما لا يعرف الكثيرون أن مهمة تعذيب الأسرى العراقيين في إيران أوكلت إلى محمد باقر الحكيم وشقيقه عبدالعزيز، أما عمار فقد كان جندياً ضمن قوات ما يسمى “التعبئة” التي بسبب تطوعه فيها أعفي من الخدمة العسكرية بعد أن منح الجنسية الإيرانية التي تستوجب أن يخدم ضمن القوات الإيرانية.
وعندما احتاجت إيران إلى من يقوم بالتحقيق مع الأسرى وتنفيذ عمليات التعذيب استدعت محمد باقر، الذي كان مقيماً في سوريا وكلفته بتأسيس “فيلق 9 بدر” والرقم 9 يعني أنه الفيلق التاسع ضمن فيالق القوات الإيرانية.
وما لا يعرفه الكثيرون أن عادل عبدالمهدي، الذي استوزر في العراق بعد الاحتلال، واحتل منصب نائب رئيس الجمهورية، التحق ضمن لجان التحقيق كونه يجيد اللغة الفارسية، ومعه الضابط الطيار الذي هرب بطائرته العراقية إلى إيران طلال العبيدي المعروف في إيران بـ”أبوحسين الطيار”، والذي قضى عشرين سنة في تعذيب الأسرى العراقيين في إيران وتولى مهمة التحقيق مع الضباط الأسرى، ثم عاد بعد الاحتلال ليعين سفيرا للعراق في صنعاء فمديراً لإدارة وزارة الخارجية.
ونفذت لجان التحقيق مع الأسرى أقذر أنواع التعذيب منها قلع الأظافر والدفن في الثلج في فصل الشتاء، والصعق بالكهرباء، أما الضرب بـ”الكيبلات” والعصي فهو مقدمات لكل تعذيب.
لم يكن العراقيون يصدقون هذه القصص ويعدونها نوعاً من التسقيط السياسي يمارسه نظام صدام حسين ضد أحزاب مناوئة له، ولكنهم صدقوها، بعد فوات الأوان، عندما أخذت هذه الأحزاب تعذبهم بأبشع مما عذبت أبناءهم الذين كانوا أسرى في معتقلات إيران، أو قصور آيات الله، كما سماها تهكماً نزار السامرائي.
وفي مقطع فيديو يتداوله العراقيون، منذ مدة، على شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر النائب الإيراني نادر قاضي بور متباهياً بقتل 700 أسير عراقي، خلال ساعات، إبان حرب الخليج الأولى، ويقول “كنت مع مجموعة مكونة من 13 شخصاً عندما وقع في أيدينا 700 أسير وقررت قتلهم وتصفيتهم وذلك من أجل الثورة ومن أجل الإمام الخميني”، ومن ثم قال مخاطبا الجالسين “ربما يكون بينكم من لم يذبح دجاجة أو خروفاً ولكن أنا عملتها من أجل الثورة والإسلام والإمام الخميني”.
وكان المنفذون مع بور، المقرب من خامنئي، والذي كان قائداً في الحرس الثوري خلال حرب الخليج الأولى، عناصر عراقية منتمية إلى الأحزاب الشيعية.
وهذه الجريمة واحدة من مئات الجرائم التي ارتكبها نظام الولي الفقيه الفاشي بحق الأسرى العراقيين، وهو نفسه النظام الذي ينبري، الآن، وكلاء إيران في العراق للدفاع عنه، بل والمطالبة بكل وقاحة بتعويضه.

وكان من أشرس المدافعين وأشدهم حماسة القيادي في المجلس الأعلى الشيخ جلال الصغير، الذي زعم أن هناك قراراً أممياً يوجب على العراق تعويض إيران، وكذلك النائبة عن ائتلاف دولة القانون عواطف نعمة، التي قالت إن “على العراقيين أن يقدموا أنفسهم قرابين في سبيل إيران لأن العراق لا شيء من دون إيران”.
وهذه ردّ عليها الكاتب والصحافي العراقي منذر آل جعفر بجملة واحدة هي “العراق كل شيء من دون إيران”.
2 عبر من الذكرى: إعدام الرئيس صدام حسين هو إعدام لطموح الشعوب في التحرر والتنمية عزيز اشيبان راي اليوم بريطانيا

كلما حلت ذكرى عيد الاضحى المبارك إلا واهتزت مشاعرنا لواقعة اعدام الرئيس صدام حسين بغض النظر عن مساوئ وأخطاء الرجل ونظامه الديكتاتوري، هناك عبر لابد من التوقف عندها لسبر أغوار أبعاد الحدث ككل.
من المؤكد ان اعدام الرجل لم يكن لاعتبارات فردية او حسابات شخصية تتعلق بشخص الرئيس، بل هناك أسباب أعمق تتعلق بالعراق كباد و حضارة و قوة صاعدة متمردة على الغرب ومؤسساته.
حقق العراق خلال حكم الرئيس صدام حسين تقدما نوعيا انعكس على نمط عيش المواطن العراقي بفعل حدوث تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية إلى درجة أن البلد أصبح يستقطب اليد العاملة من الخارج للاستجابة إلى الحركية الاقتصادية التي عرفها العراق. كان إعدامه استهدافا للإطاحة بدولة مسلمة مثلت نموذجا للتنمية لدول العالم الثالث بالارتكاز على مجهوداتها الذاتية لم يسمح لها المرور من وضع المستهلك إلى وضع المنتج تكريسا لصراع الشمال / الجنوب واستدامة لنهب خيرات المستضعفين وطمس قيمهم الثقافية.
في المجال العلمي، أولى النظام العراقي الأهمية القصوى للبحث العلمي وكان سباقا للاستثمار في الموارد البشرية بتخصيص نسبة مهمة من ناتجه الداخلي للبحث العلمي كما هو الحال بالنسبة للدول المتقدمة كاليابان. كما تمكن العراق من القضاء على الأمية والنهوض بالوعي الثقافي للمواطن العراقي. أول أيام الغزو تم تخريب ونهب الكنوز الحضارية للبلد واغتيال العلماء العراقيين ومتابعتهم بالخارج.
على الصعيد الخارجي، مثل العراق دولة ممانعة ومقاومة للإمبريالية والراسمالية والصهيونية و ناصرت العراق القضايا الاسلامي والعربية ماديا ومعنويا وعسكريا وفي مقدمتها قضية فلسطين ولم تتاجر بها ولا بالدين ولا بدماء الابرياء وحاصرت المد الشيعي في حدوده. بسقوط بغداد تعمق مسلسل التشييع في عدة دول عربية وأصبح أكثر جراة وعنفا من قبل.
هذا هو النموذج الذي تم محاربته وابادته بحجج واهية وبتامر دول إسلامية وقوى إقليمية وأي معالجة سطحية للقضية واختصارها في رجل واحد قد يكون جهلا بالحقائق والوقائع وجحودا لرجالات العراق الأبرار.
فعليا تمت بلقنة البلد وتخريبه والاجهاز على مقوماته المادية واثارة النعرات العرقية بين سكانه غير أن ذخيرته البشرية وهويته الحضارية قادرتان على النهوض به من جديد ولنا حق الاحتفاظ بكل الآمال.
3 عمائم الإسلام السياسي.. الثورة والفتنة
رشيد الخيون الاتحاد الامارات

عندما تُحدد مواقف رجال الدّين وفق الهوى الحزبي السِّياسي؛ فالمتضرر منها الدِّين والنَّاس. هذا ما نفهمه مِن خطاب عمائم الإسلام السِّياسي العِراقي، بعد أن استفزتهم التَّظاهرات التي انطلقت مؤخراً بكثافة، على الرَّغم مِن سقوط الضَّحايا، الذين كانوا صبياناً وأطفالاً لما تربع الإسلام السِّياسي على مقدرات البلاد.
كانت تلك العمائم تصرخ بالثَّورة، وأخذت تُفسر وتأول النُّصوص الدِّينية لمصلحتها، لكن ما إن انقلبت الثَّورة ضدها، أخذت تستنجد بالنصوص التي لا ترى الثورة على الحاكم، وإن كان ظالماً. وظف أحد المعممين قول علي بن أبي طالب(اغتيل40هـ) لكبح التَّظاهرات، على أن المتظاهرين «خوارج»: «لكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّه لاَ بُد لِلنَّاس مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِه الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ»(نهج البلاغة).
استند هذا الرَّجل، الذي استلم السُّلطة بشعار الثَّورة، وهو اليوم لا يراها حقَّاً على اعتبار أنها «فراغات سياسية طالما حذر منها الأئمة… تصبير الإمام لا بد للناس مِن أمير بر أو فاجر، حتى لو ظالم». حذر من التَّظاهرات لأنها تُهيج الفتنة: «إخوان، الفتن فيها طبيعة خداعة، وهذا الخداع الموجود شلون(كيف) نتخلص منه، أنا أرجع وأقول: الفتن أدواتها وأسلحتها هي أمراض سلوكية». لكن عندما كان هو وأمثاله ثوريين، لم تكن ثورتهم مرضاً سلوكياً، إنما، حسب الولاية الفقهية، تمهيد لدولة العدل والقسط!
هنا تأتي خطورة تولي رجل الدِّين منصباً سياسياً، أو تُتأمر بأمره ميليشيا، يُحرم ويُحلل حسب المصلحة، فهو مع الثَّورة، لا يصفها بالفتنة، إذا كانت بمصلحة حزبه، ويراها فتنة خداعة إذا مست حظوته مِن السُّلطة. كان يُحرض النَّاس على الثَّورة والانفلات، ويدفعهم إلى حمل السِّلاح، دفاعاً عن حقوقهم المهضومة، بينما عندما انعكست الآية صار يدعو إلى الصَّبر، ويُحذر ممَن سيأتي خلفاً له، على أنه الشَّرَّ بعينه. تراه يخاطب الناس مِن منبر الهيمنة باسم الدِّين: «أخطر الخطر، كثير مِن النَّاس يقولون: نحن ما ماخذين حقوقنا ميخالف(لا يُخالف) ما ماخذين حقوقكم، لكن أليجي(الذي يأتي) راح يرجع لكم حقوقكم؟!». فهل سأل هذا الخطيب نفسه عندما انتسب إلى حزب إسلامي ثوري، هل سيعطي النَّاس الحقوق، وها هو قد تسلم السُّلطة، وأخذ يقلب النَّص مِن الثَّورة إلى المهادنة.
معلوم أن الأئمة بعد الحُسين(قُتل61هـ) تبنوا نشاطاً فقهياً بعيداً عن السَّياسة، وانحصرت الثَّورة عند الإسماعيلية والزَّيدية، أما مَن يريد جعل لهم حراكاً سياسياً، فهو لا يريد غير تبرير إسلامه الحزبي، والأئمة ومراجع الدِّين الأوائل والأواخر في قضية الدخول في السياسية الثَّورية، أقرب إلى فقهاء السُّنَّة في الموقف مِن الثَّورات، وأغلب الظَّن أن نتائج الثَّورات كانت كارثية على الدِّين والمجتمع، فالثُّوار أنفسهم، حلوا محل الحاكم، وزادوا فساداً على فساده، وأيضاً يحصل ما سماها صاحبنا بـ«الفراغات السِّياسية». لهذا اتخذوا موقفاً منها، وهو إذا كان الأمر بين مفسدتين، مفسدة الحُكم ومفسدة الفوضى، فيُصبر على الحاكم.
إضافة إلى كلمة عليّ بن أبي طالب، التي تُفسر أنها ليست مع الثَّورة، لأنها قيلت ضد مَن ثاروا عليه، ورد في التقليد الإمامي عن جعفر الصَّادق(ت148هـ): «من تعرض لسلطان جائر فأصابته بلية لم يؤجر عليها ولم يرزق الصَّبر عليها»(الطُّوسي، تهذيب الأحكام). كذلك ورد في شأن الثَّورة وعدم جوازها في غيبة المهدي: «كلُّ رايةٍ تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت، يُعبد مِن دون الله عزَّ وجل»(الكُليني، الفروع مِن الكافي).
في شأن الموقف من الحكم ظهر حرص أئمة السُّنة على البقاء على الحاكم، مهما كانت أحواله، وأغلب الظن أيضاً، أنها أول ما وردت مدونة في كتاب قاضي القضاة أبي يوسف الأنصاري(ت182هـ): «إنما الإمام جُنَّة يُقاتل من ورائه ويُتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً، وإن أتى بغيره فعليه إثمه«(كتاب الخراج). أجد صاحب المنبر، الذي استنجد بعليٍّ بن أبي طالب، بعد أن صارت التظاهرات ليست لصالحه، اتفق مع خطاب ابن تيمية(ت728هـ) في شأن محاربة الإمام الجائر في الفتنة: «لهذا أمر النبي(ص) بالصَّبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم، ما أقاموا الصَّلاة. وقال: أدوا حقوقهم، وسلوا الله حقوقكم»(الفتاوى الكبرى).
تأثراً بما ورد لجميل صدقي الزَّهاوي(ت1936) في هذا الشأن، قالها دفاعاً عن السلطان العثماني ضد الدَّعوة الوهابية:«مَنْ كان يؤمن بالنَّبي محمدٍ/وبما أتى من منزل القرآن/علـم اليقين بأنه في دينه/وجبت عليه طاعة السُّلطان»(عزَّ الدِّين، الشعر العراقي الحديث).
لسنا بصدد الوقوف مع أو ضد الثَّورات والسُّلطات، بقدر ما نلفت النَّظر إلى التَّلاعب بالدِّين، حسب الموقف الحزبي، فالمطالبة بالحقوق، لدى عمائم الإسلام السِّياسي وأفنديته: فتنة قاتلة هدامة إذا كانت ضدهم، وثورة شريفة منقذة إذا صارت لصالحهم! لهذا ندعو إلى عتق الدِّين مِن السِّياسة.
4 لماذا لا يقلّد خامنئي… الخُميني خيرالله خيرالله الراي الكويتية

أمام إيران طريقان للرد على العقوبات الاميركية. يتمثّل الطريق الاوّل في القبول بالواقع الجديد والرهان على امكان عقد صفقة مع إدارة دونالد ترامب. هذا الطريق لن يكون متاحا الّا عبر حوار صريح من دون شروط مسبقة وفي ظلّ المباشرة في تطبيق العقوبات الاميركية الجديدة التي يبدو أنّها بدأت تفعل فعلها.
الطريق الآخر هو طريق التصعيد. وهذا يعني استخدام إيران لأوراقها في العراق وسورية ولبنان واليمن… وكأنه لا يكفي ما لحق بهذه الدول وشعوبها من أضرار ودمار وبؤس ومصائب بسبب المشروع التوسعي الإيراني والاستثمار الخطير في إثارة الغرائز المذهبية.
لا وجود لأي معنى سياسي للكلام الإيراني عن رفض أي حوار مع واشنطن في ظل العقوبات الاميركية. لولا العقوبات التي دخلت حيز التنفيذ في الايّام القليلة الماضية، لما كان هناك أصلا أي كلام أيراني عن حوار أو حتّى رغبة في الحوار. كلّ ما كان مطلوبا، إيرانيا، من إدارة ترامب، في مرحلة ما قبل العقوبات، هو التصرّف على طريقة إدارة باراك أوباما. لسوء حظ إيران، تغيّرت الادارة في واشنطن. الى إشعار آخر، ترامب ليس أوباما. قد يتبيّن في النهاية أنّه أسوأ منه، لكنه شخص مختلف كلّيا عنه. لم يعد هناك في واشنطن من يعتقد أن الملفّ النووي الايراني يختزل كل مشاكل الشرق الأوسط وأزماته وان دفع كلّ الاثمان المطلوبة من أجل التطبيع مع ايران هدف بحدّ ذاته. لم يعد هناك في واشنطن من هو مستعد لاسترضاء ايران بأي شكل وبأيّ ثمن من أجل الوصول الى اتفاق في شأن ملفّها النووي. هناك إدارة قررت الانسحاب من الاتفاق المتعلّق بالملف النووي الايراني من منطلق أنّه «الأسوأ» بين كل الاتفاقات التي توصلت اليها أميركا في يوم من الايّام.
باختصار شديد، ثمة واقع جديد ليس في استطاعة ايران تغييره. في اطار هذا الواقع، لم يعد الجانب الاميركي مستعدا للتغاضي عن التصرفات الايرانية خصوصا في سورية حيث كانت ايران وميليشياتها المذهبية تسرح وتمرح الى ان جاء من يقول لها ان عليها الابتعاد خمسة وثمانين كيلومترا عن الجنوب السوري، فاذا بها تبتعد مئة كيلومتر. الأكيد انّه لا يزال هناك وجود إيراني في الجنوب السوري وفي دمشق نفسها، لكنّ هذا الوجود لم يعد مكشوفا كما في الماضي. صار على الايرانيين والتابعين لهم التخفي خلف بزات الجيش السوري والالوية التابعة لبشّار الأسد.
هناك مرحلة جديدة اطلّت برأسها في اليوم الذي اعلن فيه ترامب في مايو الماضي الانسحاب من الاتفاق النووي تاركا للاوروبيين تقليع شوكهم بيدهم وللروس البحث عن كيفية الوصول معه الى صيغة تفاهم تتعلق بكيفية معالجة الوجود الايراني في الداخل السوري. كيف ستتعاطى ايران مع هذه المعطيات الجديدة التي ترافقت مع تدهور سعر صرف الريال الايراني من جهة وتذمر اجتماعي على كلّ المستويات من جهة أخرى؟ تستطيع ايران التعلّم من تجربة عمرها ثلاثين عاما. في مثل هذه الايّام من العام 1988 قرّر آية الله الخميني تناول «كأس السم». أوقف حربا مع العراق استمرّت ثماني سنوات. جعلت الواقعية السياسية الخميني يتخذ وقتذاك مثل هذا القرار الصعب الذي كان معناه هزيمة إيرانية وشبه انتصار للعراق في الحرب المكلفة التي خاضها الجانبان وكلفت مئات آلاف القتلى والمعوقين وخراب مدن بكاملها ومليارات الدولارات. كانت النتيجة وصول الجانبين الى طريق مسدود. كانت حربا عبثية، اللهمّ الّا اذا استثنينا ان العراق منع بتلك الكلفة الضخمة اجتياحا إيرانيا أيديولوجيا لأراضيه، وهو اجتياح ما لبث أن تحقّق بفضل الاميركيين في العام 2003. في تلك السنة، دخل قادة الميليشيات المذهبية العراقية، الذين حاربوا العراق وجيشه، الى بغداد على دبابة أميركية واعلنوا انتصارهم على البلد الذي يفترض انّهم ينتمون اليه.
ما الذي يمنع القادة الايرانيين الحاليين، على رأسهم «المرشد» علي خامنئي من ان يحذوا حذو الخميني الذي استطاع في النهاية الانتقام من العراق وهو في قبره. استطاع ذلك بعد المغامرة المجنونة التي ارتكبها صدّام حسين باحتلاله الكويت في أغسطس من العام 1990، فاتحا الأبواب على مصراعيها امام انهيار العراق وصولا الى الوضع الذي وصل اليه اليوم.
استسلم مؤسس «الجمهورية الإسلامية» في ايران امام العراق بعد القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بوقف الحرب العراقية – الايرانية. كان كافيا ان يسقط صاروخ انطلق بـ«الخطأ» من قطعة حربية أميركية هي «فينسينز» طائرة ركاب إيرانية من طراز «ايرباص» فوق مياه الخليج كيف تصل الرسالة الى طهران. فحوى الرسالة ان ايران تستطيع تحقيق انتصارات على العراق والاستفادة الى حد كبير من الأخطاء السياسية التي يرتكبها شخص مثل صدّام حسين لا يعرف الكثير عن موازين القوى الإقليمية والدولية، لكنّها لا تستطيع الدخول في أي مواجهة مباشرة من ايّ نوع مع اميركا. هذا ما استوعبه الخميني، الذي غطّى حصول ايران على أسلحة إسرائيلية في حربها مع العراق، استيعابا جيّدا.
لماذا لا يسير خامنئي على خطى الخميني؟ لماذا لا يقلّده؟ ليس عيبا الاستسلام امام قوة كبرى مثل الولايات المتحدة. سبق لألمانيا ان فعلت ذلك، كذلك اليابان. في النهاية، يبقى ترامب رجل صفقات. يمكن لإيران ان تراهن على صفقة ما معه وذلك قبل ان تؤدي العقوبات الاميركية التي ستدخل في نوفمبر المقبل الى نتائج اكثر خطورة في الداخل الايراني نفسه؟ المسألة مسألة وقت فقط قبل ان نكتشف ما اذا كانت ايران ستعتمد الواقعية التي مهّد لها الخميني قبل ثلاثين عاما… ام ستسير في التصعيد، أي في اعتبار العراق وسورية ولبنان واليمن، وحتّى قطاع غزّة، «ساحات». يمكن استخدام هذه «الساحات» امّا للتحايل على العقوبات الاميركية وتجاوزها وامّا لخلق حروب تعتقد ايران انّها تؤذي الاميركيين. لن يخرج مثل هذا الطريق الشائك ايران من ازمتها، التي هي ازمة داخلية قبل ايّ شيء آخر، لا خلق مشاكل كبيرة في العراق ولا تعطيل تشكيل حكومة في لبنان ولا التحرش بـ«القوة الدولية» في جنوب لبنان، كما حصل قبل بضعة ايّام، ولا تنفيذ انسحاب ملغوم من الجنوب السوري… ولا التهديد بتعطيل الملاحة في البحر الاحمر او اغلاق باب المندب.
يفترض الّا يشكل الاستسلام للولايات المتحدة عقدة في العام 2018 وذلك بعد سابقة الاستسلام امام العراق. لا عيب في توفير حدّ ادنى من الرفاه للشعب الايراني، الذي يريد العيش بامان والاستفادة من ثروات بلاده مثله مثل بقية شعوب العالم المتحضر، بدل خوض مغامرات خارجية لا فائدة منها لا تخدم في نهاية المطاف سوى إسرائيل. تحوّلت اسرائيل بفضل ما قامت به ايران في سورية الى اللاعب الأساسي والمحوري فيها في ضوء التحالف الذي يجمعها بكل من روسيا وإدارة ترامب. هذا واقع آخر لا بد لإيران ادراك ان لا مفرّ من الاعتراف به!
5 التلاعب بـ «سنّة» العراق مشرق عباس الحياة السعودية

من الضروري التذكير أولاً بأن الحديث عن قوى وأحزاب «سنية» في العراق، فرضته الأحزاب التي طرحت نفسها باعتبارها «سنية» وحملت شعار الدفاع عن السنة، ليكون معادلاً موضوعياً لشعار «الدفاع عن الشيعة» الذي حملته قوى شيعية وما زالت.
وبالتأكيد يجب الإشارة في المقابل إلى قوى وشخصيات «سنية» دخلت الانتخابات عبر قوائم مختلطة، وهي تشكل اليوم رقماً أساسياً في كتل سياسية مثل «النصر» و «الوطنية».
لكن مسألة المناطق السنية التي لم تخرج بعد من تداعيات حرب «داعش» ولم تفق من صدمة الخراب التي آلت إليها هذه الحرب، ولم تحص ضحاياها ومهجريها ومنكوبيها بعد، ولم تودع خيم النزوح، مختلفة تماماً عن قضية الصراع السياسي الذي تخوضه «الأحزاب السنية» لتقسيم مناصب بغداد والحصول على وجاهة هنا ووزارة هناك.
ولا إضافة جديدة إذا قلنا، إن تمكن أي شخصية «سنية» من نيل منصب ما، لن يقدم ولن يؤخر شيئاً في حياة الناس، ولن يحرك ملف المناطق السنية، واحتياجاتها وأولوياتها، ولن يقود إلى حمايتها من كوارث جديدة، وقد كانت تورطت بالكوارث التي مضت.
كانت المسألة الجوهرية مابعد الحرب على تنظيم «داعش» تتعلق بإعادة صوغ منظومة الحكم العراقية التي قاد فشلها، وفسادها، وتقمصها الأدوار الطائفية، إلى منح «داعش» حدود المناطق السنية، وكان خطاب القوى السنية حتى إلى لحظة الانتخابات الأخيرة، يتحدث عن هذا المعنى، الذي تحول إلى مطلب أساسي للقوى الشعبية العراقية في كل مدن العراق، وفهم الجميع أن محنة «داعش» كانت محنة العراق وليس السنة وحدهم، وأن تحصين البلاد من «داعش» آخر يتطلب حلولاً مؤلمة، تعيد الاعتبار لـ «المواطنة» وتقضي على التمييز الحزبي أو المذهبي أو القومي، وتعامل العراقيين كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وفيما غيرت قوى سياسية «شيعية» من منطلقاتها السابقة، وبدأت الحديث عن إحياء مفهوم الدولة، وتشكيل حكومة قوية فعالة وعادلة لاتتبنى التخندق المذهبي، توجهت «القوى السنية» على الفور للحديث عن المناصب وتقسيمها كترجمة وحيدة لـ «حقوق السنة»!
مع تشكيل عدد من تلك القوى تحالف «المحور» وضع جانباً ملف المناطق السنية وإعمارها والقوانين التي يجب إعادة صوغها، والعدالة الانتقالية الواجب تطبيقها، والمصالحة التي يجب أن تبنى على أسس الثوابت الوطنية، للحديث عمّن سيتولى منصب رئيس البرلمان؟، وكيف سيتم ضمان منصب نائب رئيس الجمهورية؟، ولمن ستؤول حصة وزارة الدفاع، والوزارات والمناصب الأخرى؟، إلى درجة أن الخلافات داخل هذا المحور باتت حول هيئات ومديريات يجري تقسيمها، وصارت المفاضلة للانضمام إلى الكتلة الأكبر مع هذا الطرف الشيعي أو ذاك، تتعلق بمن يمنح المناصب الأكثر، حتى إن بعضهم يقول إن «توجهات أي طرف شيعي ورؤيته لبناء الدولة وحماية المستقبل ليست معياراً للمفاضلة بقدر ماسنحصل عليه من مزاد الحكومة».
وبالطبع إن هذا المنحى ليس جديداً، وليس سنياً، بل إنه يمثل جوهر العملية السياسية التي يتم التمسك بها على رغم مخرجاتها المأساوية، التي يعترض عليها السنة قبل غيرهم.
يعتقد «زعماء»، احتلوا الشاشات سنوات ببكائيات حول الظلم الاجتماعي للسنة، وغياب العدالة في الحكومات السابقة، بأن القضية يمكن أن تختصر بجلسات مصالحة بين الخنجر والعامري وبين النجيفي والكربولي وسليماني، وأن بإمكانهم تعريض أهلهم مرة أخرى إلى مواجهات دفاعاً عن هذه الدولة أو تلك! مازالت حسابات غالبية السياسيين العراقيين بسنتهم وشيعتهم وكردهم، لاتضع اعتباراً للشارع العراقي كانعكاس صريح لحسابات دول الجوار التي لاتكف عن معاملة أرض الرافدين العصية كملعب لطموحات وأحلام إمبراطورية على رغم إدراكها خطورة هذا النهج على المنطقة وعلى العالم. لكن حراك الشارع يصبح أكثر وعياً ويتطور ليتخذ أشكال مواجهة أكثر خطورة على الشركات الحزبية التي تستهين به وتقلل من شأنه، وإن كان هذا الحراك قد تمحور في المناطق الشيعية آخيراً، فإن أصوله ومتبنياته تمتد إلى كل مدن العراق بكل أديانه وقومياته ومذاهبه، ومن يهدر فرصة الإصلاح اليوم ويستهين بقدرات شعبه، سيجد نفسه عاجلاً لا آجلاً أمام استحقاقات هذا الإهدار.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top