5 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم السبت

1 الرشوة عادت لعراق لم يعرفها.. والشيباب العراقي فقد الثقة بالنخبة السياسية.. وسيعزف عن التصويت
محمد توفيق علاوي
راي اليوم بريطانيا

غادرت العراق إلى لبنان بداية عام 1977 وسافرت بعدها الى دولة عربية، وفي الحدود طلب مني الضابط العسكري امراً، ولكني لم اكن افقه لهجته، فأعاد طلبه فقلت: لا افقه ما تقول، فقال: ( إني اقول لك أكرمني) فعرفت قصده، ولكني تفاجأت، فهو ضابط عسكري على كتفه عدة نجوم، فأعطيته مبلغاً من المال لا استطيع ان اتذكره، وعندما التقيت بمضيفي في ذلك البلد واخبرته بالحادثة وكم دفعت، قال: لقد دفعت له مبلغاً كبيراً، فقلت له لم يسبق لي ان دفعت رشوةً في حياتي، فنحن في العراق لا نعرف هذا الامر ……….. بعد هذه الحادثة بثلاثين عاماً رجعت الى العراق و توليت وزارة الاتصالات فأصبت بصدمة كبيرة لم اكن اتوقعها، فقد وجدت الرشوة والفساد ضارب بأطنابه في كافة مؤسسات الدولة وكافة مناحي الحياة، وتساءلت بيني وبين نفسي ( هل هنالك امكانية لإصلاح الوضع في العراق الجديد والنهوض بالبلد؟ )…….
هذا الامر قادني الى إجراء تجربة ميدانية لعيِّنة صغيرة لا تعكس صورة الواقع بشكل كامل ولكنها قد تعطي صورة مقربة لمعرفة نسبة الاكفاء والمخلصين لبلدهم، حيث بدأت بعمل احصائية للنزيهين والاكفاء من الكادر المتقدم في الوزارة ممن هم قريبون علي ويمكنني معرفتهم [ وجدت إن عدد هذا الكادر المتقدم حوالي الخمسين موظفاً وعاملاً واستطيع ان اقول بكل ثقة ان عدد النزيهين والمخلصين فيهم لا يقل عن عشرة موظفين، وهذا لا يعني ان الاربعين الباقين ليسوا نزيهين ولكن لم تكن لي معرفةً تفصيلية بهم لكي ازكيهم كما أزكي العشرة الذين ذكرتهم، اما الكفوئين منهم كفاءة عالية فيبلغ عددهم ايضاً حوالي عشرة موظفين، كل هذه الاعداد هي اعداد مقربة، المفارقة الغريبة التي اكتشفتها ان ثمانية منهم مشتركين في النزاهة والكفاءة، فإثنان من الكفوئين فقط كانوا يفتقدوا للنزاهة؛ استناداً الى هذه الاعداد وتحويلها الى نسب مئوية استطيع ان اقول، ان نسبة النزيهين حوالي 20٪ والكفوئين حوالي 20٪، ونسبة من يجمع بين الكفاءة والنزاهة حوالي 16٪، لا أريد ان اكون متفائلاً ولكن اقول إن اقل نسبة لمن يجمع بين الكفاءة والنزاهة لا يمكن ان تكون اقل من 10٪ ]
استنادا الى الارقام اعلاه فإن عدد سكان العراق بحدود 36 مليون نسمة، إن نصف هذا العدد هم في سن العمل، اي حولي 18 مليون انسان، فإن كان من يتمتع بدرجة عالية من النزاهة والكفاءة من هؤلاء لا تقل نسبتهم عن 10٪ اي حولي مليوني شخص، وإن افترضنا ان ربع هذا العدد اي حولي نصف مليون شخص يمكن ان يكونوافي المواقع القيادية والمفصلية والمؤثرة في مؤسسات الدولة، فإن العراق يمكن ان يكون في القمة، سيكون متميزاً في نهضته وتطوره ونموه وتقدمه وازدهاره. وهذا لا يعني ان ال 90٪ يفتقرون للنزاهة والكفاءة، ولكي نكون منصفين فإني اتبنى وجهة نظر أحد الباحثين الاجتماعيين (جون ستاموز) حيث يصنف الناس إلى خمسة اصناف بالنسب التالية؛ 10٪ اناس جداً جيدين، و25٪ اناس جيدين، و50٪ اناس يريدوا ان يكونوا جيدين ولكنهم يتأثرون بالظروف الخارجية والجو العام للمجتمع، و10٪ اناس سيئين، و5٪ اناس مجرمين، واظن ان هذه النسب تنطبق إلى حد بعيد على المجتمع العراقي.
لو قارنا العراق بتركيا فنجد ان مجمل الناتج القومي التركي يبلغ 10،800 دولار للشخص الواحد في السنة لعام 2014 الذي يعتمد بالدرجة الاولى على الصناعة والزراعة، اما في العراق فإن مجمل الناتج القومي يبلغ 6،800 دولار للشخص الواحد الذي يعتمد بالدرجة الاولى على النفط الذي يمثل 60٪ من مجمل الناتج القومي. يمكننا مقارنة العراق بتركيا حيث كان وضعها الاقتصادي متدهوراً بشكل كبير في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ولكن حدثت طفرة اقتصادية في تركيا بعد عام 2002 حينما تولى حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، وبدأت تظهر آثار تلك الطفرة منذ عام 2008 ووصلت الى القمة عام 2012، ونحن في العراق يمكننا خلال عشر سنوات بخطة اقتصادية مدروسة وحكام نزيهين ومخلصين لبلدهم تقليد التجربة التركية، فإن تمكنا من تحقيق ما حققوه فمعناه تحقيق ناتج قومي اجمالي يفوق الناتج القومي الاجمالي المتحقق اليوم من النفط، وبالتالي نستطيع ان نقول وبكل ثقة ان العراق يمكن ان يكون افضل مما كان، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بوضع خطة اقتصادية مدروسة ومحكمة واستبدال المفسدين والجهلة من الطبقة الحاكمة الحالية بالكفوئين والمخلصين والذين يمكن ان يتجاوز عددهم النصف مليون انسان كما ذكرنا آنفاً، ولكن كيف السبيل لتحقيق ذلك ؟
أولاً: يجب ان يكون التغيير بالطرق الديمقراطية وهي طريقة الانتخاب. نعم من الافضل ان يكون انتخاباً مباشراً للحاكم التنفيذي الاول في البلد، كأن يكون رئيس الوزراء او رئيس الجمهورية، حيث لا نمر بمخاض صعب لاختيار رئيس الوزراء كل أربع سنوات، وتدخُّل الكثير من الدول ونشوء الكثير من التحالفات، وقد يأتي رئيس وزراء خلاف ارادة الشعب، ولكن هذا الامر يحتاج الى تغيير الدستور، لذلك حتى يكون طرحنا واقعياً وممكن التنفيذ، فإننا سنتبنى الطرح على الواقع الحالي، اي انتخاب اعضاء البرلمان ومن ثم انتخاب رئيس الوزراء من قبل البرلمان.
ثانياً: المواطن يعيش حالة من الاحباط، لقد فقد ثقته بأغلب السياسيين والطبقة السياسية الحاكمة، لقد كانت نسبة المصوتين في بغداد على سبيل المثال أكثر من 70٪ عام 2005، ثم هبطت الى اقل من 65٪ عام 2010 ثم اقل من 55٪ عام 2014، اما في عام 2018 فالمتوقع ان تكون نسبة المشاركة متدنية بشكل كبير جداً ولعلها تبلغ 40٪ او حتى اقل ( الاستبيانات لمنظمات المجتمع المدني الاخيرة تبين ان المصوتين ستتراوح نسبتهم بين 38٪ إلى 45٪)، اي ان نسبة الصامتين الفاقدين ثقتهم بالمرشحين او بمجمل العملية السياسية ستكون بحدود 60٪ او اكثر، والسبب إن المواطن يريد الاتجاه نحو التغيير، ولكن من ينتخب؟ ماهي الضمانة ان لا تكون الوجوه الجديدة سواء كانت شابة او غير شابة ان تكون كالوجوه السابقة؟ وإن لم تكن، فما هي الضمانة عندما يصبح الانسان في المنصب أن يتغير ويغدو همه الاساس مصلحته الشخصية والحصول على المال والمنافع بأي طريق غير شرعي ويغدوا مثل الآخرين؟ لهذا السبب فإني اتوقع إعراضاً عن الانتخابات القادمة بشكل كبير. ولكن يبقى السؤال: ما هو الحل ضمن هذا الواقع؟
ثالثاً: هناك تساؤل؛ اين تصب مصلحة الطبقة السياسية الفاسدة في مجمل الانتخابات القادمة؟ إنهم يخشون من المستقبل، سيقل عدد المؤيدين لهم، وسيتجه بعض الناس لانتخاب البدلاء من الوجوه الجديدة، ولكن مع هذا سيبقى لهم عدداً لا بأس به من المؤيدين ممن لديهم مصالح معهم، لقد قاموا باستغلال مناصبهم فعينوا المئات من المواطنين في الوزارات المختلفة، وزعوا الاراضي، تبرعوا بأموال الدولة وما سرقوه بفسادهم، او لعلهم تصرفوا بطائفية او عرقية مقيتة مدمرة للبلد ولكنها قد تصب لمصلحتهم الذاتية بسبب جهل الكثير من المواطنين؛ هذه السلوكيات والتصرفات جعلت لهم عدداً محدداً من المؤيدين، ولكنهم ايضاً يخشون من الوجوه الجديدة، لعل بعض تلك الوجوه تكسب تأييداً يفوق عدد مؤيديهم؛ لذلك فإن مصلحتهم تتحقق بأبعاد الناس عن انتخاب الوجوه الجديدة؛ او بالأحرى ابعادهم عن الانتخاب، وهذا لا يتحقق إلا بصد الناس عن الانتخاب، فكلما قلت نسبة المنتخبين كلما زادت حظوظهم بالنجاح.
المواطن العراقي يعيش حالة من الاحباط ولا أمل له بتغيير الوجوه الكالحة من السياسيين المفسدين، لذلك فإنهم غير مندفعين للانتخاب وسيعرض الكثير منهم عن الانتخاب، ولكن يجب ان لا يخفى علينا ان هناك صنف من السياسيين يخططون بطرق خبيثة لتوجيه الناس للإعراض عن الانتخاب؛ فقد اطلعت مؤخراً على منشور يتداول بشكل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي يزعمون فيه ان قانون سانت ليغو سيوفر المجال لفوز المرشحين الذين لديهم تسلسلاً في اول القائمة وهم عادةً من الفاسدين حسب ادعائهم، وان المواطن حتى لو انتخب وجهاً جديداً في آخر القائمة فإن الاصوات ستذهب للفاسدين في اول القائمة، وهذا الافتراء الذي لا صحة له والذي يستغل جهل الناس بقانون سانت ليغو فيه وضوح ان لا ينتخب الناس الوجوه الجديدة في آخر القائمة؛ لقد اطلعت على منشور سابق يزعمون انه لو بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات بحدود 20٪ فإن الامم المتحدة ستلغي الانتخابات، هذا الامر لا علاقة له بالأمم المتحدة بالمرة، وإن افترضنا ان عدد المنتخبين بلغ اقل من 1٪ فإن الانتخابات ستكون صحيحة وسيؤخذ بنتائجها لأنه لا يوجد في الدستور فقرة تحدد نسبة عدد المنتخبين. من الواضح ان هناك منهجاً مبرمجاً يتولاه السياسيون المفسدون أنفسهم لثني الناس عن الانتخابات. وعلى المواطن ان يعي ذلك.
2 موعد مع الأمل
د. محمد عاكف جمال
البيان الاماراتية

مرت منذ بضعة أيام الذكرى الخامسة عشرة للغزو الأميركي الذي أسقط الدولة العراقية، بكامل مؤسساتها، ليعيد بنائها وفق الرؤى الأميركية، وبأيدي قوى المعارضة للنظام السابق، على أسس جديدة ظاهرها ديمقراطي، إلا أن جوهرها غير ذلك تماماً.

ظل قرار الحرب على العراق موضع اهتمام طوال السنوات المنصرمة؛ فوفق استبيان أجراه مركز الأبحاث والدراسات الأميركي «بيو» أواسط مارس المنصرم اتضح أن الرأي العام الأميركي يزداد انقساماً في الموقف من القرار، فقد اعتبر (48%) ممن اشتركوا في الاستبيان أن قرار الغزو كان خاطئاً.

في حين كانت نسبة هؤلاء في الشهر نفسه من عام 2003 (22%) فقط. هذه الصحوة أو النضوج لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، إلا أنها لا تشجع الإدارة الأميركية على الإقدام على اتخاذ قرارات مشابهة لا تتمتع بشعبية في الداخل.

من جهة أخرى، لا تتوافر لدينا أرقام مماثلة تشير إلى مواقف العراقيين من قرار غزو بلادهم، ولكن الأحداث والمآسي التي مر بها البلد منذ ذلك الحين تتحدث عما جعله الغزو الأميركي ممكناً:

اقتتال داخلي، ظاهر أحياناً وخفي في أحيان أخرى، على أسس عرقية وطائفية مزقت النسيج المجتمعي، أمراض قديمة مدمرة تعود للظهور وتفعل فعلها في تمزيق البنية المجتمعية، أمراض مدمرة أخرى ولدت لحماية وشرعنة فساد غير مسبوق على جميع المستويات..

هذا بعض ما ترتب على الغزو الأميركي، إلا أنه ليس كل شيء؛ فالانسحاب الأميركي المبكر خلف فراغاً أمنياً كبيراً، دفع العراق نحو محنة أخرى بظهور تنظيم داعش الذي ألحق على مدى أربع سنوات أبلغ الأضرار بمدنه واقتصاده وبنيته المجتمعية إضافة إلى الخسائر البشرية.

خمس عشرة سنة، أسهمت في تشويه صورة العراق، وشعبه، ودوره الحضاري عبر التاريخ، من خلال سياسات غير مسؤولة لم يكن هاجس الوطنية العراقية هو ما يحركها، ففشلت في مقاربة القضايا الملحة، وأججت الصراعات الداخلية بدل إطفائها، وفاقمت من عزلة العراق عن محيطه العربي.

إن ما تحمله إرهاصات الحاضر من دلالات عن صورة المستقبل فيه بعض مما يستوجب التوقف عنده لأنه إيجابي، إذ لم تتعرض أحزاب الإسلام السياسي، بهوياتها المختلفة، لاختبار مصداقية دعواتها على أرض الواقع في أي بلد، كما تعرضت لهذا الاختبار في العراق وخرجت منه فاشلة بامتياز.

ينتظر البعض ببعض التفاؤل والأمل يوم الثاني عشر من مايو المقبل، موعد الانتخابات التشريعية الثالثة، وبظنهم أن الوقت حان لترجمة التذمر العام من سوء الأوضاع إلى فعل تغييري، يبعد النخب السياسية، المسؤولة عن الفساد والتفريط بحقوق الإنسان، عن المشهد السياسي.

الانتخابات المقبلة لن تقرر مستقبل العراق بشكل مباشر، بل تقرر ذلك التحالفات، التي بدأ التحضير لها بحماسة؛ فالخارطة الانتخابية ستفرز واقعا مختلفا عن انتخابات عام 2014 أو التي سبقتها.

فقناعة الجميع اليوم أنه لن تكون هناك فرصة لحزب واحد، أو تكتل انتخابي معين، في الفوز بما يمكن من الاستئثار بالحكم كما حصل في الماضي؛ لذا تم فتح بوابات الصفقات بين النخب السياسية التقليدية مبكرا تمهيداً لتحالفات تبرم بعد الانتخابات لتكريس الاستئثار بالحكم.

هناك وجوه آثرت الاختفاء أو الابتعاد عن المسرح السياسي، أو ربما اختارت أدواراً أخرى من خلف الستار لأنها لم تعد مقبولة لدى الناخب العراقي، كما أن بعض الأحزاب اتخذت إجراءات تجميلية لصورتها بإقصاء بضعة فاسدين، دون أن تمس برموز الفساد الكبيرة التي حصنت نفسها، وتتمتع بغطاء سياسي وأمني.

في ضوء التدخلات الإقليمية المفضوحة، من الصعب جداً تقبل فكرة أن انتخابات مايو المقبل ستكون نزيهة، وأن الأيادي المسؤولة عن تداول مدخلاتها ومخرجاتها قد غُسلت بمياه طاهرة.

فقد بدأ المال السياسي يقوم بدوره، وافتتحت أسواق بيع الأصوات الانتخابية على نطاق واسع لعدم وجود إجراءات رادعة قوية، فالأجواء السياسية في العراق لم تمسسها بعد أدوات مكافحة الفساد رغم كثرة الدعوات والمناشدات لذلك.
3
الكرد بين سندان السنّة والمطرقة الشيعية!
محمد واني الجريدة الكويتية

الإشكالية السياسية الأساسية في العراق تكمن في أن كلاً من الشيعة والسنّة يرى نفسه أحق وأجدر بقيادة البلاد والعباد دون الآخر، إما بحجة الأكثرية السكانية كما يدّعي الشيعة، وإما بحجة أنهم أهل الحكم والسياسة ولهم تجربة طويلة في إدارة البلاد وبدونهم لا يمكن أن تنجح أي حكومة كالسنّة.

تتمتع المجتمعات العراقية بتركيبتها التاريخية المعقدة بمزايا فريدة لا تشبه أيا من المجتمعات الأخرى في الشرق الأوسط، وقد أشار الكثير من علماء الاجتماع العراقيين وغير العراقيين إلى ذلك، وبينوا صعوبة فهم الإنسان العراقي لأول وهلة من دون التعمق في أبعاده التاريخية والنفسية، فالمجتمع السني في العراق يختلف عن المجتمعات السنية الأخرى في البلدان العربية، من ناحية حسه القومي المرتفع، فتراه إسلاميا متطرفا في إسلاميته أو منتميا إلى أحد الأحزاب الإسلامية، لكنه مع ذلك يحمل فكرا قوميا متعصبا ويدخل مع الشعوب الأخرى مثل الكرد في صراع قومي مرير، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشيعي العراقي، فتجده بحكم قربه من مراقد الأئمة ومسرح الأحداث التاريخية المؤلمة (الكوفة، النجف، كربلاء، السامراء، الكاظمية)، ووقوعه تحت أضواء المراجع العليا المباشرة، أكثر تشددا وتمسكا بطائفته من الشيعة الموجودين في البلدان الأخرى، وأكثر اندفاعا نحو نشر التشيع وتشكيل الميليشيات على أساس طائفي، والأكراد العراقيون أيضا يختلفون عن أقرانهم في إيران وتركيا وسورية ثقافيا وقوميا، فهم يمتلكون مقومات دولة من مؤسسات وبرلمان وحكومة معترف بها داخليا وخارجيا في حين يفتقد الأكراد الآخرون هذه المزايا.

إذاً كل مجتمع من المجتمعات الثلاثة التي يتشكل منها العراق له شخصيته المستقلة وثقافته وطموحه ورؤيته المتباينة للسياسة والدين، لا يمكن ترويضه أو إخضاعه لأيديولوجية الدولة وسياساتها من خلال القوة والقمع بسهولة، وقد حاول “صدام حسين” فرض سلطة “الدولة القومية” وإجبار الشعوب والمجتمعات العراقية على الانصهار في بوتقة الدولة الواحدة والسياسة الواحدة، ومارس كل ما يخطر على قلب بشر من قتل وتنكيل ومقابر جماعية بهدف فرض الأمر الواقع على تلك المكونات والمجتمعات المتباينة، لكنه أخفق ولم يستطع بلوغ هدفه، واستمرت المحاولات على المنوال نفسه من الحكام الجدد لإضفاء حالة الهيمنة على مؤسسات الدولة طابعا شرعيا من خلال تجسيد شعار الأغلبية السياسية أو الوطنية على أرض الواقع بعد أن استحوذوا على الأغلبية البرلمانية (180 مقعداً من مجموع 328 مقعداً).

ولو أقر هؤلاء ومعهم حكام العراق منذ تأسيسه بحقيقة؛ أن العراق عبارة عن فسيفساء “مجتمعية” لا يسكنه مجتمع واحد ولا شعب واحد، بل مجتمعات وشعوب ذات خصوصيات مختلفة، فلو اعترفوا بهذه الحقيقة لحلت مشاكل كثيرة ما زالت عالقة حتى الآن، ولوضع العراق على الطريق الصحيح.

والإشكالية السياسية الأساسية في العراق تكمن في أن كل مكون من هذه المكونات- الشيعية والسنية بشكل خاص- يرى نفسه أحق وأجدر بقيادة البلاد والعباد دون الآخر، إما بحجة الأكثرية السكانية كما يدّعي الشيعة، وإما بحجة أنهم أهل الحكم والسياسة ولهم تجربة طويلة في إدارة البلاد وبدونهم لا يمكن أن تنجح أي حكومة كالسنّة.

وبين الطرفين “اللدودين” الساعيين إلى الحكم، يبقى الكردي هو الطرف الخاسر دائما، ولم يأخذ منهما غير الظلم والمرارة والقسوة البالغة، ففي تجربة حزب البعث العروبي خرج بالمقابر الجماعية والقصف الكيماوي ومجازر الأنفال، وخرج من تجربة الأحزاب الشيعية بالتجويع والحصار الشديد منذ أربع سنوات عجاف، وما زال الحبل على الجرار!
4 دولة الظلّ الصدرية في العراق
عصام الخفاجي

الحياة السعودية

في كتابه «تاريخ العراق»، يشير تشارلز ترب إلى أن السلطة فيه ظلت طوال قرن بيد «دولة ظلّ» تتخفّى وراء المؤسسات الرسمية المعروفة. دولة الظل هذه تنبني على أساس مصالح وعلاقات استزلام بدأت مع الضباط العثمانيين الذين أسّسوا العراق الحديث، مروراً بالإنكليز وحكم البعث ووصولاً إلى دولة ظل تقوم أعمدتها على حزب الدعوة وشبكات المصالح والزبائن الملتفة حوله.

لا أظنّ أن كثيرين ممّن قرأوا تاريخ العراق الحديث سيختلفون على أن الإنكليز مارسوا تأثيراً في نظام الحكم الملكي. ميدان الاختلاف المشروع سيكون حول عمق هذا التأثير وإن كان يصل إلى حد توصيفه بـ «دولة ظل». كما أن الخلاف قد يطاول تقييم مفاعيل النفوذ الإنكليزي سلباً أو إيجاباً.

دولة الظل البعثية أخذت بالترسخ منذ مجيء الحزب إلى الحكم عام 1968، بل إن أجنّتها كانت قائمة قبل ذلك. «جهاز حنين» السرّي الذي أنشأه صدام حسين حين كان الحزب خارج السلطة، تحول إلى «مكتب العلاقات العامة» التابع له بصفته نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة الحاكم، ليتحول عام 1971 إلى جهاز المخابرات العامة. و «لجنة متابعة الاتفاقيات» التي رأسها هو أيضاً كانت هي، لا وزارة النفط، من يرسم سياسة العراق النفطية. و «مكتب الثقافة والإعلام» الذي ترأسه منذ 1973 كان هو، لا وزارة الإعلام أو وزارة الثقافة، من يقود آلة الحقن الآيديولوجي. وبعد تولي صدّام حسين الرئاسة كانت ثمة مكاتب تابعة لديوان الرئاسة توازي كلاً من الوزارات القائمة. وفي موازاة القوات المسلحة النظامية تم إنشاء «الحرس الجمهوري»، ليتبعه بعد ذاك «الحرس الجمهوري الخاص».

دولة الظل هي غير «الدولة العميقة» التي باتت مصطلحاً شائعاً يتطلّب التمييز بينهما معالجة مستقلة. دولة الظل هي ابنة نظام سياسي مؤدلج تنهار بانهياره. أمّا الدولة العميقة فهي كيان يبلور مصالح مشتركة تستعصي على التغيير السياسي.

فهل نجح حزب الدعوة في تشكيل دولة ظلّه في عراق ما بعد 2003؟ دولة الظل بحاجة إلى أن تحتكر الحركة السياسية للسلطة، أو أن تحتكر التسيّد على طائفة كبيرة كما حزب الله في لبنان. وهذا ما استمات ويستميت نوري المالكي لتحقيقه.

في العراق اليوم أجنّة لدول ظلّ. والتعددية القائمة اليوم هي تعددية أمراء حرب لكل منهم إقطاعيته التي تحميها قوته المسلّحة ويثريها مكتبه الاقتصادي وتدافع عن مصالحها وزاراته.

ولعل ما يجعل الانتخابات البرلمانية القادمة في العراق ذات أهمية قصوى لحركات الإسلام الشيعي هو سعي كل منها إلى تشكيل كتلة تمتطيها تكون هي الواجهة المشرعنة لدولة ظل تسعى إلى إقامتها. يعوّل كثيرون على أن البرلمان المقبل سيكون معلّقاً، أي أن أيّة كتلة لن تستطيع تشكيل حكومة بمفردها وستضطر إلى التحالف مع كتل أخرى لتؤمّن لنفسها الغالبية المطلوبة لنيل الثقة. لكن هذا الاحتمال، إن تحقّق، لن يكون كافياً لإبعاد شبح دول الظل عن المشهد الراهن.

شبحان يلوحان في الأفق منذ الآن: المالكي والصدر. شبح المالكي لا يحتاج إلى تفصيل. تحالفه مع قائمة الحشد الشعبي المحتَضَن من إيران يعني أن يتكوّن حرس ثوري عراقي يُخضع القوات المسلحة لسطوته ويحصّنه من سلطة قضائية أثبتت ولاءها لها لكنها قد تجد نفسها مرغمة على فتح ملفّات فساده. وبوسع أي متابع نزيه إعداد لائحة اتهام توصل عقوبته إلى المديات القصوى.

شبح الصدر، الذي يرجّح أن يتحالف مع العبادي بعد الانتخابات، يبدو أكثر مراوغة. الصدر يبدو نقيض كل ما يمثّله المالكي. يدفع الرجل أنصاره إلى التظاهر ضد الفساد والمطالبة بمعاقبة الفاسدين، يطالب الدولة ببسط سلطتها كاملة ويتبنّى مشروع دولة يدير التكنوقراط وزاراتها.

كل ما سأورده هنا معروف لمعظم العراقيين والمتابعين لشؤونهم: سرايا السلام العسكرية التابعة لمقتدى الصدر باتت القوة المسلّحة الوحيدة غير الخاضعة لسلطة الدولة إذ هي ليست جزءاً من الحشد الشعبي المقنّن وإن شكلياً. ومع هذا فهي تفرض سلطتها على مدينة سامرّاء السنّية منذ سنتين. سلطة قتلت قائد لواء من القوات المسلّحة النظامية قبل أسابيع حين خرق حدود دولتها. لوحات سيارات سرايا السلام لا تحمل اسم المدينة، بل تحمل اسم دولتها «سرايا السلام». والصدريون يسيطرون على مطار النجف الذي أعلن مسؤول لجنة تقصٍّ رسمية أنه لم يسلّم الخزينة الاتحادية أو المحلّية ديناراً واحداً منذ افتتاحه. والمفاوضات في شأن بسط سلطة الطيران الاتحادية عليه لا تزال جارية منذ أشهر.

ومع هذا تسير جمهرة بلهاء وراء مقتدى كداعية لبناء دولة ذات هيبة تحارب الفساد. كان الحراك المدني الذي انطلق ضد الفساد يحشد ما لا يزيد عن مئة ألف. لكنه كان قوة ضاغطة أجبرت البرلمان ورئيس الوزراء على استضافتهم والإعلان عن تأييدهما مطالبهم. وحين دعا الصدر أنصاره إلى الانخراط في هذا الحراك، تحول الحراك إلى قوة جماهيرية مهدّدة لا ضاغطة فحسب. لكن الحراك المدني، وإن لم يطرح برنامجاً عملياً لمحاربة الفساد، فإنه كان يتعامل معه على الأقل كجريمة تتوجّه أصابع الاتهام فيها إلى متّهمين يرفع المتظاهرون أسماءهم ويطالبون بمحاكمتهم. مع نزول الصدريين إلى الساحة لم يعد ثمة متّهم. طوال أكثر من ثلاث سنوات ظل المتظاهرون يهتفون ضد فساد يهتف حتى أكثر الفاسدين ضدّه. لم تسعَ كتلة الصدريين في البرلمان إلى استجواب أي مسؤول. لم يكلّف الصدر تكنوقراطه بإعداد لائحة اتّهام بحق أي مسؤول. ولا يعود الأمر هنا إلى قلّة تجربة الرجل أو عفويته. زلاّت لسان بسيطة كانت كافية ليدرك الجمهور أي داهية يقودهم وكم يحتقرهم، إذ أعلن أنه نصح أبرز أعوانه بالإبتعاد عن الأضواء موقتاً حتى تخفت المطالبات بمحاسبته كرمز للفساد. وهذا ما حصل بالفعل.

لست أهدف من كل ما سبق إلى حشد الأدلّة التي قلت إنها متاحة لمن يريد، بل القصد أن أتساءل عن سر هذا الانجذاب إلى حركة يقودها شخص لا يختلف عن غيره من أفراد الطبقة الحاكمة سياسياً والمتحكّمة اقتصادياً.

ظاهرة مقتدى الصدر أقرب من حيث البنية والتوجّه والزئبقية إلى اليمين المتطرف منها إلى حركات الإسلام السياسي. حركة تستمد قوّتها من الإسلام السياسي الشيعي لكنها تطرح شعارات توحي بأنها تميّز بين الدين والدولة. حركة تبدو رافضة مبدأ ولاية الفقيه فإذا بها رافضة ولاية الفقيه خامنئي ومذعنة لولاية الفقيه الصدر (مقتدى أعلن قبل أيام أن بقاء القوات الأميركية في العراق بحاجة إلى «تكليف شرعي»، أي إلى فتوى). يخاطب مقتدى الصدر جمهوره كما يخاطب دونالد ترامب جمهوره: خطاب غير ديني لكن كل مفردة فيه محسوبة لكي لا تغيظ المتعصبّين. مقتدى وترامب خبيران في استخدام مفردات عامّية فظّة توحي لجمهوريهما أن القائد واحد منهم، لكنه في الوقت نفسه قائد متميّز عنهم، قائد كان بوسعه تحقيق مكاسب شخصية لولا أنه آثر خدمة الجمهور، قائد يوحي لجمهوره بأنه خارج مؤسسة الحكم يشكو ممّا يشكون منه، يعاني من السياسيين وتجاذباتهم وصراعاتهم. قائدان سوبر رأسماليان يشكوان من إثراء الغير. مقتدى ابن البيئة العراقية. كان صدّام حسين يقول، وهو يحكم قبضته على سلطة الدولة وثروتها: «نصفي في المعارضة ونصفي في السلطة». نصفه في المعارضة حين يشعر بأن ثمة ما يشكو الناس منه فيستبقهم مؤيداً، وقد يودي بحياة مسؤول محلي يلقي اللوم عليه.

والأمر المثير والمحزن أن هذا الافتتان بحركة تتغيّر أهدافها وأساليب عملها وفقاً لحسابات قائدها لم يعد مقصوراً على جمهرة من بسطاء الشيعة، بل إن مثقّفين وسياسيين مدنيين انغمروا منذ عامين على الأقل في التنظير لضرورة التحالف معها لكي ينتهي الأمر، والانتخابات البرلمانية على الأبواب، إلى أن يفكّ الحزب الشيوعي ارتباطه بتيار مدني ديموقراطي لعب دوراً أساسياً في تأسيسه لكي ينخرط في حركة «الجماهير» الصدرية. أضع «الجماهير» بين مزدوجين، لأن هذه المفردة الهلامية هي مفتاح العلاقة المتشابكة والإشكالية بين اليمين الشعبوي واليسار الشيوعي منذ أكثر من قرن. «الجماهير» هي المفردة التي يسعى كل ديكتاتور إلى أن يبقيها خائفة، خائفة من المستقبل، عاجزة عن تلمّس مصالحها وإيجاد الحلول لها من دونه، خائفة من فقدان القائد. الجماهير هي الكتلة التي استغل مقتدى وترامب عداءها للسياسيين وفسادهم لكي يحوّلاه من عداء لنظام سياسي مشوّه ينتج ويحمي الفساد في مؤسسات التشريع والتنفيذ والقضاء إلى عداء لنظام يقوم على التعددية والفصل بين السلطات بوصفه مشتّتاً الجهود وعاجزاً عن الحسم. ومن يمتلك القدرة على الحسم غير قائد حاسم متعال على المصالح الشخصية؟ أي حاكم لا يريد بسط سلطة الدولة إن كان هو المتحكّم بالدولة؟ أي حاكم لا يريد حكومة تكنوقراط إن انفرد في الحكم؟ التكنوقراط عند ذاك هم الروبوتات الذين يحرّكهم مالك المشروع.

هل يجهل الشيوعيون تلك الحقائق؟ أخشى أن الجواب بالنفي. أزيح جانباً دوافع التواطؤ المصلحي بين قادة شيوعيين وبين الصدر وأشير إلى آفتين تتآكلان الجسم الشيوعي: أولاهما، اللهاث وراء الجماهير هلعاً من التهميش وانضواء تحت قيادة حركة جماهيرية يزيدهم تهميشاً، وثانيتهما أن التفكير الشيوعي، على رغم كل التحولات والهزات والإدعاءات، يظل يحمل تلك الجينات السامة: الانبهار بالحاكم المتسلّط لا بسلطة الدولة.
5 بازار الانتخابات العراقية

احمد صبري
الوطن العمانية

إن المال السياسي الذي يوظف في شراء أصوات الناخبين وتوظيف الإعلام لدعم مرشحين معينين يشكل بادرة خطيرة وتكريسا لهيمنة الطبقة السياسية ورموزها في المشهد السياسي، بعيدا عن الدعوات المتصاعدة لإحداث التغيير والإصلاح المطلوبين التي تتسع يوما بعد يوم، من غير أن يصغي لها القائمون على إدارة شؤون العراق، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب الانتخابات السابقة التي كرست لاحتكار السلطة بيد طبقة فشلت في مهمتها..

تميّز الانتخابات العراقية المقررة في الثاني عشر من الشهر المقبل عن سابقاتها بظاهرة شراء بطاقات الناخبين، وتحديد أسعارها تزامن مع توظيف الإعلام في مشهد ينذر بإمكانية تزوير نتائجها مبكرا.
وما يقلق منظمات مراقبة مسار العملية الانتخابية شيوع هذه الظاهرة التي باتت عاملا مساعدا لأصحاب المال السياسي والنفوذ بالحصول على أكبر عدد ممكن من بطاقات الناخبين في سعيهم للوصول إلى قبة البرلمان بأي وسيلة كانت.
وعلى الرغم من تحذيرات مفوضية الانتخابات وأصوات لمرشحين من خطورة هذه الظاهرة وخروجها عن مسارها المرسوم، إلا أنها تتسع لتتحول إلى بازار انتخابي يحدد من خلاله أسعار بطاقة الناخب التي توصل المرشح إلى البرلمان.
ولم يقتصر البازار الانتخابي على شراء بطاقات الناخبين فقط، وإنما امتد إلى شراء وتوظيف وسائل الإعلام للترويج للمرشحين وتلميع صورتهم أمام الجمهور لقاء ثمن.
من هذا الإحساس بدور الإعلام وتأثيراته المفترضة بالمتلقي استشعرت الأحزاب والكيانات والائتلافات السياسية، سواء كانت في السلطة أو خارجها بأهمية توظيفه واستخدامه للترويج لبرامجها الانتخابية واستمالة الناخب لمرشحيها.
فبات لكل حزب أو تيار وسيلته الإعلامية لتسويق مرشحيه وصناعة توجهات ناخبيه، في حين عمد سياسيون ومرشّحون إلى إغراء وسائل إعلامية التي تحظى بنسبة مشاهدة عالية داخل العراق، وأخضعوها لأجنداتهم الخاصة.
ومثلما يتم شراء بطاقات الناخبين فقد تم اخترق الوسط الإعلامي عبر المال السياسي لشراء الذمم عبر توظيفه لخدمة المرشح وتحالفه السياسي من دون مراعاة القيم المهنية، ناهيك عن الدعاية الفجة والمبالغة في تقديم المرشحين.
وبعد احتلال العراق ساد نوع من الانفلات بالمؤسسات الإعلامية، وأنتج مساحة للتشهير والتسقيط السياسي وليست للتعبير وتحول الإعلام بسبب ذلك إلى إعلام أحزاب وكتل وجهات لا تمتلك المهنية في رسالتها الإعلامية.
إن أغلب المؤسسات الإعلامية العراقية خضعت لتأثيرات المال السياسي والمحاصصة والاستقطاب الطائفي، ناهيك عن التمويل الخارجي، وأدى القصور في أداء وسائل الإعلام بمهامها إلى تراجع دورها في عملية تبصير المواطن وتوعيته وتوجيهه، وبناء المجتمع وتحصينه من فيروسات الطائفية واختيار المرشح المناسب للبرلمان.
وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة اتخذت من التغيير واختيار الوجوه الجديدة غير المتورطة بالفساد شعارا للترويج لمرشحيها، وحث الناخبين للتصويت لهم، إلا أن المشهد السياسي يتشكل بعيدا عن هذا التوجه باصطفافات طائفية قد تعيد استنساخ معظم رموز الطبقة السياسية من جديد رغم بعض المتغيرات.
إن المال السياسي الذي يوظف في شراء أصوات الناخبين وتوظيف الإعلام لدعم مرشحين معينين يشكل بادرة خطيرة وتكريسا لهيمنة الطبقة السياسية ورموزها في المشهد السياسي، بعيدا عن الدعوات المتصاعدة لإحداث التغيير والإصلاح المطلوبين التي تتسع يوما بعد يوم، من غير أن يصغي لها القائمون على إدارة شؤون العراق، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب الانتخابات السابقة التي كرست لاحتكار السلطة بيد طبقة فشلت في مهمتها، وأبقت العراقيين في مربع الفقر وعدم الاستقرار، ناهيك عن هدر المال العام وتكريسه لخدمة بقائهم بالسلطة دون الالتفات إلى حاجات الناخبين وتطلعاتهم المشروعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.