انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 5 مقالات عن العراق في الصحف العربية اليوم الاحد

5 مقالات عن العراق في الصحف العربية اليوم الاحد

1 أيتام «الحرس الثوري» د.سالم حميد الاتحاد الاماراتية

بمجرد ظهور خبر تصنيف الولايات المتحدة الأميركية الحرسَ الثوريَّ الإيرانيَّ منظمةً إرهابيةً، قفز أحباب إيران وأنصارها في المنطقة للإعلان عن تضامنهم مع النظام الإيراني وبدؤوا العويل والصراخ، وظهر أن للذراع العسكرية الإيرانية المشبوهة حلفاء شرعوا في البكاء والحزن من أجله كما يفعل الأيتام، رغم أن خطوة تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية لا تقول إلا الحقيقة وقد تأخرت كثيراً.
حتى المجتمع الإيراني يعرف أن الكيان الإرهابي المسلح يمتص ثروة الإيرانيين ويوظفها لتمويل مشاريع وتحركات عسكرية بدوافع وخرافات أيديولوجية. فكل معارك الحرس الثوري خارج إيران قائمة على أساس نشر وتصدير الفوضى والطائفية والحروب المدمرة التي تقوض استقرار الشعوب، وتستفيد منظومة كهنة رجال الدين الذين يحرصون على الترويج في طهران لانتصارات وهمية، من نشر الإرهاب وتدمير الاقتصاد الإيراني وتجويع الإيرانيين.
كان من المنطقي أن تكون جماعات القتل والتطرف الطائفي في العراق أول الخاسرين من تقليص نفوذ الحرس الثوري، وكذلك «حزب الله» اللبناني وجماعة الحوثيين، وكل من لديهم حبل سري مع إيران التي تغذي الحروب القذرة في الشرق الأوسط، وهم حلفاؤها وأدواتها، ولن يستغرب أحد عندما يظهرون مشاعر الحزن والتضامن مع من يزوّدهم بالخبرات الإرهابية. لكن الغريب أن تضيف قطر كيانها بكل وقاحة إلى قائمة أيتام الحرس الثوري، ومثلها فعلت بدهاء وخبث تركيا.
بالنسبة لقطر نعرف أنها باعت نفسها بشكل نهائي لمن يجعلها تتنفس وتتحرك إعلامياً وسياسياً بأسلوب مضاد ومعادٍ للأمن القومي الخليجي والعربي. ومن خلال تحالفها مع إيران وتركيا، وبينهما جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة، وجدت قطر الحليف الإيراني مستعداً لاستخدام كل الأوراق الإرهابية، بما فيها ورقة التنظيمات الإخوانية، في سبيل نشر تطرفه الموازي. وهذا ما يفسر التعاون وتبادل الأدوار وحالة البكاء الجماعي التي ظهرت على وسائل الإعلام القطرية والإيرانية، تضامناً مع الذراع العسكري المستهدف.
أما الأتراك فإن أضلاع المثلث التركي الإيراني القطري تهمهم كثيراً، وخاصة في ظل مواجهة أردوغان هزات سياسية داخلية متوالية، وعلى خلفية الركود الاقتصادي وانهيار العملة التركية، حيث يظل بحاجة للمخزون المالي القطري، وللحليف الإيراني الذي يشترك مع تركيا في توظيف النقاط الساخنة خارج حدوده لإظهار نفوذه الخارجي في ساحته الداخلية المرتبكة.
ومن جهة أخرى يفضح الإعلام القطري توجهات السياسة الخارجية التي تبيع مواقف الدوحة لملالي إيران بدون مقابل. فمثلا عندما نتابع موقف إعلام قطر من حرب دعم الشرعية في اليمن، نجد أن الخطاب الإعلامي القطري يصطف بوضوح إلى جانب عملاء إيران. وبالتالي ليس غريباً أن يتضامن مع المنبع الذي يدعم الحوثيين متمثلاً بالحرس الثوري نفسه.
وبمناسبة الحديث عن أيتام الحرس الثوري، وفي ظل ما تشهده إيران حالياً من كارثة طبيعية تتمثل في الفيضانات والسيول التي كشفت عن ضعف البنية التحتية ومدى خطورة وتداعيات فساد النظام الإيراني وآثارها القاسية على الشعب الإيراني المغلوب على أمره. من ضمن الأخبار التي خرجت إلى العلن، أن تحركات الحرس الثوري وأساليبه الغريبة في إطار جهود دعم وإغاثة المنكوبين والمتضررين من السيول، قوبلت باستنكار رسمي وشعبي في إيران. وقد تمثلت جهود الحرس الثوري في دعم المتضررين من السيول باستخدام المتفجرات والألغام بكثافة، وأدى ذلك إلى تدمير طرق وجسور وسكك حديد داخل إيران، ووصل الأمر إلى استنكار الرئاسة الإيرانية أسلوبَ الحرس الثوري الإرهابي والتخريبي حتى عندما يدعي أنه يقدم المساعدة، وكانت مبرراته لاستخدام المتفجرات أنها كانت الحل الوحيد لتصريف مياه السيول!
إذا كان الحرس الثوري يتصرف بهذا الأسلوب الحربي الغبي داخل إيران، فكيف يتحرك بأتباعه وحلفائه خارجها؟ وبالطبع من أبرز تداعيات تصنيفه على لائحة المنظمات الإرهابية أن قطر سوف تكون ملزمة بضخ المزيد من الأموال لمساعدة إيران، لأن الكيان الإرهابي الذي تعرض للعقوبات يوصف بأنه دولة داخل الدولة، ويواجه التزامات اقتصادية وعسكرية لا تسمح ظروف الأتراك بالمساهمة في تغطيتها، ولن يكون أمام الدوحة سوى الاتساق مع تصريحاتها المتضامنة باعتبارها أحد أبرز أيتام الحرس الثوري وضحاياه في الوقت ذاته.
2 قراءة في بعض تاريخ «حروب العرب الباردة» وليد محمود عبدالناصر الحياة السعودية

تحدث بعض المحللين والمراقبين، في سياق حديثهم عن القمة العربية الأخيرة التي انعقدت منذ أيام في العاصمة التونسية، عن الأمل في تجاوز الخلافات العربية الراهنة التي اعتبرها هؤلاء أنها «تمثل حالة استثنائية في التاريخ العربي المعاصر». ومع اتفاق الجميع على الإعراب عن الأمل دائماً في تجاوز الخلافات العربية وتحقيق التضامن العربي لمصلحة الشعوب العربية جمعاء، فإن ما يلفت النظر في مقولة هؤلاء المحللين والمراقبين هو اعتبار الخلافات العربية – العربية هو الاستثناء مقابل اعتبار التوافق والتضامن العربي هو القاعدة في التاريخ العربي المعاصر، وهي مقولة تحتاج إلى وقفة لتمحيصها بشكل موضوعي والنظر فيها وتقييمها بتأنٍ وتعمقٍ وعبر منهج واقعي وعلمي في آن واحد.
والتاريخ يؤكد في المقابل أن أي قراءة عقلانية في العلاقات العربية – العربية في الزمن المعاصر، أي منذ نشأة النظام الإقليمي العربي، مقترناً بتأسيس جامعة الدول العربية مع اقتراب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتحديداً عام 1945، باعتبارها التنظيم الإقليمي الجامع للدول والحكومات العربية الحائزة على استقلالها السياسي الرسمي في ذلك الوقت، توضح بما لا يدع مجالاً للشك أن القاعدة كانت على مدار غالبية سنوات تلك العقود المنصرمة هي غلبة مشهد الخلافات، بل وأحياناً الصراعات، وبما وصل في حالات معينة إلى المواجهات العسكرية، فيما بين البلدان العربية، سواء كانت مباشرة أو بالوكالة على أرض طرف عربي ثالث، وأن الفترات الزمنية الأقل والأقصر كانت من نصيب مشهد التعاون أو التضامن أو السعي للاتحاد أو الوحدة في بعض الأحيان فيما بين البلدان العربية.
وسنستعرض هنا العقود الثلاثة الأولى بعد نشأة النظام الإقليمي العربي في عام 1945 لتمحيص ما تقدم، على أمل أن تتاح لنا الفرصة في مناسبة قادمة لاستعراض ما انقضى من عقود أربعة ونصف العقد منذ ذلك التاريخ في منتصف سبعينات القرن الـ20 وحتى اليوم.
وإذا عدنا إلى المشهد الأول ضمن مراحل هذا التاريخ العربي المعاصر، وهو الخاص بحرب فلسطين عام 1948، تجد أنه من المجمع عليه تقريباً هو أن أحد أهم أسباب هزيمة الدول العربية في تلك الحرب كان غياب التنسيق فيما بين الجيوش العربية المشاركة، وهو ما عكس انعدام وجود الرؤية المشتركة لدى الساسة العرب آنذاك إزاء هذه الحرب والأهداف المتوخاة من وراء المشاركة العربية المشتركة فيها، واستمرت الخلافات والاختلافات العربية بشأن التعامل مع نتائج هذه الحرب بعد انتهاء العمليات العسكرية، سواء فيما يتعلق بمحادثات الهدنة في رودس عام 1949، أم من جهة الموقف من التعامل مع البلدان والقوى الدولية والإقليمية غير العربية التي وقفت بجانب الطرف الآخر في تلك الحرب، إضافة إلى الخلافات بشأن كيفية التعامل مع الأراضي الفلسطينية المتبقية في الضفة الغربية لنهر الأردن وفي قطاع غزة، وكذلك التفاوت والتباين في معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين ووضعيتهم القانونية في البلدان العربية المختلفة التي لجأوا إليها.
وفي المقابل كان عاما 1955 و1956 شهدا قدراً متقدماً من التفاهمات فيما بين البلدان العربية الأساسية في النظام الإقليمي العربي، خاصة المملكة العربية السعودية ومصر وسورية، على خلفية عودة الحكم المدني لسورية مقابل تصاعد التهديدات الدولية والإقليمية لها من جهة، والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة الواقع تحت الإدارة المصرية آنذاك من جهة ثانية، والمزيد من الانفتاح السعودي على المحيط العربي من جهة ثالثة، والقرار المصري بدعم الثورة الجزائرية التي انطلقت في أول نوفمبر 1954 من جهة رابعة، ثم تتويج هذا التضامن العربي من خلال الدعم الرسمي والشعبي العربي لتصدي مصر للعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي في تشرين الأول (أكتوبر) – تشرين الثاني (نوفمبر) 1956 في أعقاب قرار مصر تأميم قناة السويس في يوليو (تموز) عام 1956.
ومن جهته، سرعان ما جاء عام 1958 بالعديد من التطورات التي كانت تبشر في بدايتها بالمزيد من التضامن العربي في ضوء الوحدة الاندماجية المصرية السورية في شهر شباط (فبراير) من ذلك العام، ثم انضمام اليمن الملكية لهما في صيغة اتحادية فيما سمي «اتحاد الدول العربية»، إلا أنه في أعقاب الوحدة المصرية السورية أوجست بعض الحكومات العربية خيفة من انعكاسات تلك الوحدة عليها وعلى مصالحها، فكان من ردود الأفعال عليها إنشاء محور عراقي – أردني في ظل وقوع الدولتين آنذاك تحت الحكم الهاشمي. كما أن انتصار الثورة العراقية في تموز 1958، وإن بشر في بداياته بتقارب مصري عراقي، فإن الخلاف بين الزعيمين عبد الكريم قاسم وجمال عبد الناصر سرعان ما أدى إلى مواجهة لم تقل حدة، أن لم تزد، عن تلك القائمة بين البلدين في زمن الملكية في العراق.
وجاء توجه القيادة المصرية نحو تبني قرارات «اشتراكية» في تموز 1961 ثم انفصال سورية وخروجها من الوحدة مع مصر في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه واستقلال الجزائر بعد أشهر من ذلك، وتحديداً في تموز 1962، ودخولها في علاقة وطيدة مع مصر الناصرية، كل ذلك أدى إلى خريطة عربية جديدة للتحالفات والخلافات، وذلك فيما أطلق عليه الكاتب وأستاذ العلوم السياسية الأميركي الشهير مالكوم كير تعبير «الحرب العربية الباردة»، وكانت نقطة البدء في انطلاق تلك «الحرب» هي الثورة اليمنية في أيلول 1962، وما أعقبها من حرب أهلية انضمت مصر للطرف الجمهوري بينما انضمت السعودية للطرف الملكي، وتجسد حول كل منهما عدد من الدول العربية، بحيث لقب بعض المحللين المجموعة المتحالفة مع مصر باعتبارها البلدان الجمهورية مقابل المجموعة الملكية الملتفة حول السعودية، بينما اعتبرها آخرون مواجهة بين البلدان العربية الثورية والتقدمية مقابل البلدان العربية المحافظة، وشهدت تلك الفترة ما سمي بـ«محادثات الوحدة الثلاثية» بين مصر وسورية والعراق، والتي لم تكلل بالنجاح.
كما أن ما تقدم لا يعني أن كل معسكر، الثوري أو المحافظ، كان متجانساً خلال تلك المرحلة من عقد الستينات من القرن الـ20، كما لا ينفي أن دولاً عربية داخل أو خارج المعسكرين دخلت في خلافات أو مواجهات منفردة مع بلدان عربية أخرى. فقد حدثت مواجهات عسكرية بين الجزائر والمغرب انحازت خلالها دول عربية لكل من الطرفين، كما أن اقتراح الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة بشأن تسوية سياسية مع إسرائيل حول القضية الفلسطينية فتح عليه الباب لسيل من الاتهامات من جانب العديد من البلدان العربية، كما أن الحساسيات المتوارثة لم تختف بشأن العلاقات الأردنية – السعودية على رغم تقارب المواقف السياسية في تلك المرحلة، كذلك لم تخل العلاقات بين مصر الناصرية وسورية البعثية من حساسيات من نوع آخر، على رغم تقارب المواقف السياسية بين البلدين آنذاك.
وجاء التضامن العربي في المحطة التالية على خلفية هزيمة عسكرية عربية كبرى في حرب حزيران (يونيو) 1967 مست بشكل مباشر مصر وسورية والأردن وأدت إلى ضياع ما كان متبقياً من أراضي فلسطين بعد حرب 1948، إضافة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، وجسدت قمة الخرطوم العربية في أيلول عودة للتضامن العربي مع الاتفاق على دعم «دول المواجهة» مع إسرائيل ماديا وسياسياً، وتخلل ذلك مصالحة مصرية – سعودية أدت إلى انتهاء الحرب في اليمن وانسحاب القوات المصرية منها، إضافة إلى مصالحات عربية – عربية أخرى جانبية وثنائية.
إلا أن هذا التضامن سرعان ما تعرض إلى هزات، من جهة بسبب انقلابات عسكرية في السودان وليبيا أتت بضباط ذوي توجهات ناصرية على الحكم، ما أدى إلى إحياء مخاوف قديمة لدي أطراف عربية من محور ثوري عربي جديد بقيادة جمال عبد الناصر، كما اندلعت اشتباكات بين المقاومة الفلسطينية، التي نشأت عام 1965 على رغم «الحرب العربية الباردة»، وبين كل من الجيش اللبناني والجيش الاردني، وإن كانت الأولى انتهت موقتاً من خلال اتفاق القاهرة عام 1969، بينما تطورت الثانية إلى أن وصلت الأزمة ذروتها في أيلول 1970، وانتهت بقمة عربية في القاهرة ووساطة مصرية ناجحة، ولكنها انتهت بوفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر. وتخلل ذلك استقلال اليمن الجنوبي من الاحتلال البريطاني ونجاح الماركسيين في السيطرة على السلطة هناك ودعمهم تمرداً مسلحاً في إقليم «ظفار» العماني، ما أوجد هواجس جدية لدي السعودية وسلطنة عمان وبقية الأطراف العربية في الخليج، المستقلة حديثاً آنذاك.
وإن كانت الفترة ما بين 1969 و1972 شهدت محاولات اتحادية ووحدوية عربية، تمثلت في «ميثاق طرابلس» بين مصر والسودان وليبيا ثم «اتحاد الجمهوريات العربية» بين مصر وسورية وليبيا وأخيراً مشروع «الوحدة الاندماجية» الذي لم يكتمل بين مصر وليبيا عام 1972، فإن محوراً مصرياً سعودياً سورياً من جديد كفل النجاح للتحضير لحرب أكتوبر 1973، والتي شهدت إحياءً للتضامن العربي، سواء من خلال الدعم المادي والسياسي والعسكري لدول المواجهة العربية أم عبر توظيف سلاح النفط للضغط على أطراف دولية بغرض تعديل مواقفها إزاء الصراع العربي الإسرائيلي في ذلك الوقت.
إلا أن هذه الحالة سرعان ما تراجعت بعد انتهاء حرب 1973 ومع بداية العملية السياسية الهادفة لتسوية ذلك الصراع والتي أعقبت انتهاء العمليات العسكرية مباشرة، وهو ما تزامن مع تصاعد الخلاف المصري السوري بعد اتفاق فك الاشتباك الثاني بين مصر وإسرائيل في أيلول 1975، ولكن تمثل التطور الأهم في ذلك العام نفسه في اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية وما استتبعها من حالة استقطاب بين الأطراف العربية الرئيسية حول من يدعم من على الساحة اللبنانية، التي تحولت إلى ساحة تصفية حسابات فيما بين أطراف دولية وإقليمية عدة، بما فيها أطراف عربية، وذلك على رغم قمة مصرية سورية بوساطة سعودية – كويتية عام 1976 والاتفاق العربي على إرسال قوات ردع عربية إلى لبنان كان قوامها القوات السورية، التي كانت قد دخلت لبنان بالفعل في حزيران 1976 بدعوة من الرئيس اللبناني آنذاك.
وهكذا رأينا، أنه على مدار أكثر من ثلاثة عقود، منذ نشأة النظام الإقليمي العربي عام 1945، كانت الصفة الغالبة على معظم مراحل تلك الفترة هي الخلافات، وأحياناً الصراعات، بل أحياناً المواجهات العسكرية، المباشرة أو بالوكالة، فيما بين البلدان العربية، وإن كانت فترات التضامن والتوافق العربي، مع محدوديتها النسبية، ارتبطت بأوقات الأزمات الكبرى، خاصة أنها ارتبطت في أغلبها بالمواجهات الحربية العربية – الإسرائيلية، ولكنها لم تستمر طويلاً بعد انتهاء العمليات العسكرية في تلك المواجهات. ويملي ما تقدم أن تكون البدايات الجديدة لبناء حالة تضامن عربي مبنية على أرضية مختلفة ومنطلقات جديدة تستوعب دروس الماضي وتسعى لتجنب تكرار أخطائه وسلبياته وأوجه قصوره.
3 عن الحرس «الإرهابي»… لا «الثوري»
إميل أمين الشرق الاوسط السعودية

قُضي الأمر وتلقت طهران الضربة القاصمة والحاسمة والأولى من نوعها من قبل واشنطن تجاه دولة أجنبية، فلم يحدث أن صنفت واشنطن جيش دولة مغايرة فصيلاً إرهابياً دفعة واحدة، كما حدث مع «الحرس الثوري» الإيراني، الذي أضحى «الحرس الإرهابي».
حكماً لم ينشأ القرار الأميركي من فراغ؛ فأيادي «الباسدران» ملوثة بكثير من الدماء الأميركية؛ سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وبحسب البيانات الأميركية، فإن النظام الإيراني تسبب في مقتل 603 من الأميركيين في العراق، كانوا يؤدون الخدمة العسكرية منذ عام 2003.
استدارة استراتيجية انقضاضية عنيفة مثّلها قرار الرئيس ترمب، وقد أضحى الرجل مطلق اليد في رسم معالم وملامح السياسة الخارجية لبلاده، لا سيما بعد أن برّأ روبرت مولر ساحته… استدارة تبدأ طريق القارعة الكبرى المنتظر أن تحل بالملالي مع مايو (أيار) المقبل.
قبل أن يمضي ساكن البيت الأبيض في طريق فرض عقوبات جديدة في ذكرى مرور عام على انسحاب بلاده من الاتفاقية النووية المعيبة لصاحبها باراك أوباما، ها هو ينقضّ كالنسر الجارح على الخنجر الإيراني المغروس خارجياً في الإقليم والعالم، والمثير للقلاقل، والراعي للإرهاب.
«الحرس الإرهابي» الإيراني هو التمثل المؤكد لذراع الخميني؛ تلك التي حلم منذ أيام ثورته البائسة بأن ترفع علم طهران على العواصم العربية؛ الأمر الذي تحاول جاهدة حتى الساعة إدراكه؛ من بغداد إلى بيروت، ومن صنعاء إلى دمشق.
قرار ترمب زلزال لو يعلمون، وهم بالفعل كذلك، لا سيما أن المهمة الأولى لتلك الفرقة تتجاوز الداخل إلى الخارج، وتتنوع مهامها بين الولاء المطلق لمرشد الثورة، ودعمه، وصولاً إلى تعزيز الاستثمارات المالية، وترويج المخدرات، وتهريب الأسلحة والنفط، بغرض مواجهة العقوبات الأميركية الآنية وما يليها.
حين كان مايك بومبيو مديراً للاستخبارات المركزية الأميركية، أشار أكثر من مرة إلى أن «الحرس الإرهابي» الإيراني يسيطر على نحو 20 في المائة من اقتصاد البلاد، ولهذا كان من الطبيعي أن تفرض وزارة الخزانة الأميركية في يناير (كانون الثاني) الماضي عقوبات على شركات طيران إيرانية، مثل «ماهان»، و«قشم»، بسبب تقديمها الدعم الجوي لميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، أو مدعومة منه داخل سوريا.
لا يخشى ترمب تهويمات الإيرانيين وتهديداتهم، وهو يعلم أنه مع القرار الذي تم التوصل إليه، وربما على غير رغبة كاملة من كبار مسؤولي الاستخبارات الأميركية ووزارة الدفاع، أنه قابض على جمر المواجهة إلى أبعد حد ومد، وهو يدرك أن الإيرانيين لن يرفعوا سقف المواجهة إلا «كلامياً»؛ وإن شئت الدقة فقل «إنشائياً»، أما الواقع العملي فلا يوفي لهم، بل يخلفهم، وميزان الانتباه العسكري لن يمكّنهم أبداً من اللجوء إلى ما يعرف في العلوم الاستراتيجية بـ«خيار شمشون»، ذلك لأن واشنطن قادرة على إرجاع إيران إلى الوراء ثلاثة قرون لا ثلاثة عقود، حال فقدت اتزانها أو عرّضت أرواح الأميركيين للخطر في الشرق الأوسط، أو غرب آسيا، كما هدد بذلك تصريحاً لا تلميحاً محمد علي جعفري قائد «الحرس» الإيراني الإرهابي.
لا يعني القرار الأميركي تفويضاً أميركياً باستخدام القوة المسلحة تجاه «الحرس الثوري» في الحال أو الاستقبال القريب، لكنه يخلع طوقاً فولاذياً محكماً من حول رقبة قاسم سليماني وأتباعه شرق أوسطياً وعالمياً… طوقاً يقطع عنهم إمدادات الأموال التي تمكّنهم من الدعم اللوجيستي الماكر والشرير، ويمنع أي مواطن أميركي أو مقيم على الأراضي الأميركية من تقديم أي نوع من الدعم لإيران. ويذهب بعض المسؤولين الأميركيين إلى أن التصنيف «الإرهابي» الأخير، قد يشمل 11 مليون عضو من المجموعة الإيرانية والمنظمات التابعة لها، بما في ذلك ميليشيا الباسيج الكبرى.
قبل أربع وعشرين ساعة من توقيع الرئيس الأميركي القرار الذي سيدخل حيز التنفيذ فعلياً في 15 أبريل (نيسان) الحالي، وبحسب وكالات الأنباء الإيرانية، كان المختصون في إدارة المحافظ المالية لـ«الحرس الإيراني»، يسعون سريعاً جداً إلى بيع أسهمهم في أكثر من 5 مؤسسات وبنوك يديرونها، توقّياً للشر المستطير الآتي من وراء الأطلسي.
الارتدادات التي ستضرب سليماني وصحبه جراء الوصمة الأخيرة كارثية، وقد بدأت ملامحها تتجلى في الضائقة المالية لـ«حزب الله»، أما الوقع الأشد؛ فسنراه عما قريب في اليمن حكماً، حيث الحوثي لا يزال حجر عثرة في طريق سلام اليمن واستقراره، وقد تجلت من بين كلمات بومبيو قبل أيام نظرته الحاسمة والحازمة للرجل بوصفه «إرهابياً»، وأن الملاحقة الأميركية له ولجماعته لن تهدأ أو تستكين.
تصدع «الحرس» الإيراني يعني أن مرتكزاً عميقاً ضمن سياقات ونطاقات الثورة الإيرانية غير المباركة داخلياً؛ قد اهتز، وإذا اصطحب ذلك بعقوبات اقتصادية في الطريق حتماً، فإن المصير لن يطول، خصوصاً في ظل تساؤل الشارع الإيراني عمّن جعل واشنطن عدواً لشعب كان من أخلص أصدقائها قبل أربعة عقود.
4 العراق والتحرر من الحرس الثوري
حامد الكيلاني
العرب بريطانيا

صرح المرشد الإيراني، علي خامنئي، بأن الولايات المتحدة لن تتجرأ على شن هجمات ضد الحرس الثوري، متجاهلاً أن الهجمات بدأت عملياً في إعلان الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، ثم دخول العقوبات الاقتصادية حيز التنفيذ رغم الاستثناءات المؤقتة لبعض الدول ومنها العراق.
الرئيس الإيراني حسن روحاني سبق وأن رد سبب إخفاقات حكومته إلى وجود حكومة أخرى يقودها حراس الثورة بما يمتلكونه من قوة وسلاح ونفوذ اقتصادي وسيطرة على الإعلام. بمعنى أن العقوبات كانت خطوة لتصعيد مرتقب في متناول الإدارة الأميركية باتجاه أدوات الإرهاب للنظام استجابة لما تتعرض له الشعوب الإيرانية في الداخل أو في تداعيات الدول التي امتدت إليها أذرع الحرس الثوري بصفة ميليشيات منفردة أو جماعات مسلحة تحت عناوين الأحزاب والعمل السياسي.
قرار الرئيس دونالد ترامب إدراج الحرس الثوري على لائحة المنظمات الإرهابية كان حاضرا في رؤية المجتمع الدولي منذ سنوات، وفي ذهن الباحثين بالشأن الإيراني خاصة من الإيرانيين الذين كانوا جزءاً من نظام ولاية الفقيه واكتشفوا الكارثة مبكراً بما ذهبت إليه إيران في حرب الثماني سنوات ثم المنطقة بأسرها بعد الاحتلال الأميركي للعراق بما نتج عن تهور الإرهاب الإيراني إثر توقيع الاتفاق النووي في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما.
منذ 40 سنة جربت الشعوب الإيرانية إرهاب نظامها، يوم زج الحرس الثوري بالفتيان من طلاب المدارس، ليفتح بهم حقول الألغام على جبهات الحرب مع العراق، ومعهم راكبي الدراجات النارية، مقابل وعود الخميني بمفاتيح جنة المشروع الطائفي المتطرف الذي تجرع فيه النظام الإيراني السم، ولم يتحقق إلا بخدمات الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003.
الحرس الثوري الإيراني تأسس في أبريل 1979 بعد ثلاثة أشهر فقط من تسلم الخميني للسلطة، وسرعان ما تحول من واجبات حماية النظام إلى تصدير الثورة في بدائل تجارية ومالية ومشاريع اقتصادية متنوعة ساهمت في التربح على حساب الشركات الصغيرة والكبيرة بامتهان المقاولات وامتلاك المطارات السرية وأرصفة الموانئ وغيرها، بما مكنه من تدريب العناصر الإرهابية في معسكرات خاصة إضافة إلى تمويل نشاطات تلك العناصر في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية.
العراقيون يلتفتون وراءهم متطلعين إلى 16 سنة من سنوات الاحتلال من دون أن يتمكنوا من تشخيص نوعية النظام السياسي الذي يتحكم بمصائرهم ومواردهم، إذ ليس للنظام رأس ليتوجهوا إليه بالاحتجاجات في عرض مطالبهم كما حدث مع انتفاضة الشعوب الإيرانية المستمرة منذ ديسمبر عام 2017 وهي الانتفاضة التي ساهمت في تأسيس قواعد لمواقف دولية تدعم حق التظاهر وحق الشعوب في الحياة الحرة، ومن تلك الانتفاضة تطور موقف الدولة العظمى والتحالف الدولي في الحرب على الإرهاب باعتبار إيران الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم.
لذلك فإن ما يحصل في بعض الدول العربية من متغيرات مصدرها الاحتجاجات والإصرار على استمرارها وتصاعدها، يثير التساؤل في تطلعات أهل العراق وحيرتهم من أمر هوية نظامهم السياسي، لهذا تتسم احتجاجاتهم بالتظاهر ضد نظام مجهول رغم أن بيده السلاح والعنف والقمع والكواتم والمال.
الواقع أن الاحتجاجات في العراق لا يرادُ لها أن تشير إلى الاحتلال الإيراني ودور الحرس الثوري الواضح من خلال تصريحات الميليشيات واستنفارها السياسي والأمني والإعلامي ضد قرار إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية.
جملة من الولاءات يبدو أنها تورطت في مستنقع الإرهاب الإيراني حيث لا رجعة، وهي بهذا تكون قد وضعت نفسها على جدول الحساب بالعقوبات التصاعدية بما ينذر بالأسوأ من وضع دماء العراقيين بعد اقتصادهم في خدمة ولاية الفقيه.
العد التنازلي لخاتمة الفصل الأخير من مشروع الإرهاب الإيراني حصل منذ اليوم الأول للانتفاضة الإيرانية، وما تعرضت له من قمع في التوقيت الخطأ لتغير إستراتيجيات السياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد مجيء إدارة الرئيس دونالد ترامب، بما يُلزم حكام العراق الالتفات إلى ما ينتظرهم من مواقف دولية أو من ردات فعل شعب العراق الماثلة في المطالبة بالأقاليم وغيرها من أزمات مقبلة، بعيداً عن استجابتهم السريعة لتحقيق أمنية حسن روحاني بإقامة وحدة إقليمية ضد العقوبات.
مدى تأثير قرار إدراج الحرس الثوري كمنظمة إرهابية على العراق يدركه العراقيون، لكن لأسباب غير مجهولة يحاول زعماء العملية السياسية وأحزابها عدم الإصغاء لصوت المجتمع الدولي في الحرب على الإرهاب، مكتفين بتطبيقات المحور الإيراني لفكرة النأي بالعراق عن الصراعات وعدم تحويله منصة لأي هجمات على نظام ولاية الفقيه، دون أن يتجرأ أحدهم ليطلب من ولاية الفقيه أن تكف حرسها الثوري وأذرعه الميليشياوية عن استباحة العراق الذي صنعت منه منصة إطلاق لإرهابها ونفوذها لزحزحة استقرار المنطقة.
اجتزاء الأزمات والتصدي لها على طريقة إنشاء مجلس أعلى لمكافحة الفساد لن يساهما في التخفيف من مأساة العراق، لأن من جاء بالمحتل الأميركي أو جاء معه ارتضى قبل ذلك وبعده أن يحمل بندقية الحرس الثوري ليطلق نيرانها على أبناء جلدته من خارج الحدود ثم من داخلها.
عند المفاضلة في تقييم الأداء الحكومي يكون ما يعرف بالفساد شيئا يسيرا مقارنة بجريمة الاحتلال وما جرته من ويلات على العراق وعروبة شعبه الذي يرنو ببصره وبصيرته وبصرته وبغداده ومدنه إلى يوم الخلاص من حرس الاحتلال بصفعة واحدة.
5 في علاقة إيران بالعراق عثمان الماجد الايام البحرينية

منذ أن أطاحت الولايات المتحدة الأمريكية بحكم حزب البعث للجمهورية العراقية سنة 2003، وما اتخذ بعدها مباشرة من إجراءات حل وتصفية لمؤسسات الدولة العراقية في فترة حكم بول بريمر مثل حل الجيش العراقي وتصفية حزب البعث العراقي من الجذور وما تزامن مع ذلك من تأسيس لنظم جديدة قيل إنها تشرع لعهد ديمقراطي جديد! وما تبع ذلك من محاكمات للرئيس العراقي السابق صدام حسين مع مجموعة من المسؤولين الحكوميين ومن ثم إعدامهم في عام 2006… منذ ذلك العهد، والحكومات العراقية المتعاقبة، باستثناء حكومة إياد علاوي، تتحفنا بغريب سلوكها وجنون تصرفاتها في شأن علاقتها مع نظام الملالي في إيران من جهة، ومع مكونات شعبها وجيرانها العرب من جهة أخرى، إذ لا أحد يعلم إلى أي سقف يمكن أن تصل إليه هذه العلاقات مع حكم الملالي هناك، وإلى أي مدى من التهلهل ستبلغه علاقاتها مع الدول العربية الشقيقة والجارة منها على وجه التحديد.
فبالأمس القريب جداً زار الرئيس حسن روحاني العراق ووقع على اتفاقيات كان الهدف الرئيس منها التخفيف من الصعوبات الاقتصادية المترتبة على العقوبات القاسية – وأرجو أن تكون خانقة إلى حد موت النظام – التي تفرضها الولايات المتحدة على حكم الملالي في طهران، وهو هدف وجد في رغبة حكام العراق الجدد – الذين لا تعرف كيف يرتقون إلى السلطة ولا كيف يمارسونها- في إرضاء سادة طهران خير معين ليحصل الإيرانيون على كل شيء في مقابل خروج الجانب العراقي من هذه الاتفاقيات بقبضة من الريح، إذ لم يجنوا أي شيء مما وُقِّع كما يقول العراقيون أنفسهم.
اليوم، وكأني بلسان حال خامنئي يقول إن بعض الأوامر والترتيبات التي ينبغي إيصالها إلى العراقيين ويجب أن تكون ضمن برنامج عمل الحكومة الحالية قد فاتت روحاني ولم يفلح في إبلاغها؛ إذ بعد وقت قصير من زيارة حسن روحاني، يرد رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الزيارة، ولا أعلم إن كان سيوقع على اتفاقيات جديدة أم لا، ولكن الذي أعلمه ويعلمه الكل، وهو متاح للذي لا يعلمه بعد، أنه تلقى ملاحظات وتوجيهات ممن يسمى بـ«مرشد الثورة» الإيرانية علي خامنئي وليس على العراق إلا أن يأخذها في الاعتبار ويطبقها تطبيق العبد أوامر سيده. فما هي هذه الملاحظات والتوجيهات؟.
زيارة عبدالمهدي لطهران حفلت بكثير من الملاحظات والتوجيهات من الإيرانيين، من روحاني ومن خامنئي، فضلاً عمَّن التقاهم من الملالي ذوي النفوذ، غير أن من الملاحظات الفاضحة التي تُعد تدخلا سافرا في الشأن العراقي وأود التطرق إليها، ولا أعرف إن كانت السلطات العراقية لها نفس الرأي في ذلك، هو قول المرشد بصوت يفهمه رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي «إن التقارب السعودي لا يعكس حقيقة الرياض».. فهل لهذه الملاحظة من معنى غير أنه قصد بذلك إلى أن يوصل رسالة إلى حكام العراق من خلال رئيس وزرائها أن إيران غير راضية عن التقارب مع المملكة العربية السعودية. تصوروا إيران الفارسية غير راضية عن تقارب الشقيق السعودي مع شقيقه العراقي! ثم ما رأي السيد رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي في التقارب الإيراني العراقي بعد ثماني سنوات حرب طاحنة، وأكثر منها سنوات في التآمر على العراقيين، فهل هي التي تعكس حقيقة طهران؟! في رأيي أن العزة الوطنية والقومية، إن وجدت، لا تبيح لكائن من كان من العراقيين، بمن فيهم رئيس الوزراء والوفد المرافق له الصمت عن هكذا مهانة؟!
إن القول بأن العراق ينحو بنفسه عن سياسة المحاور، كما جاء على لسان مسؤولين عراقيين، فيه كثير من التجني والخلط، إذ هو قائم على شيء من التسوية في التعامل بين شقيق عربي صلاته بالعراق ضاربة في أعماق التاريخ، وبلدٍ حارب العراق مدة ثماني سنوات، ومارس ويمارس أرذل السياسات المهينة المذلة لكرامة السيادة الوطنية العراقية سواء من خلال ميليشيات الحشد الشعبي التي تمثل خطرا أمنيا حقيقيا على استقرار العراق وعلى قوة جيشها الوطني وقيمته الاعتبارية، أو من خلال إغراق المجتمع العراقي بصنوف شتى من المخدرات والحشيش، أو من خلال التدخل السافر في كل شؤون العراق الداخلية. أكان علي خامنئي سيتجرأ وهو يستضيف رئيس وزراء دولة على إبداء مثل هذه الملاحظة لو أن سيادة العراق كانت مكتملة؟ لو طُلِبَ مني إجابة عن سؤالي هذا لقلت جملتين الأولى «إن العفن من مأتاه غير مستغرب». والثانية «إن لم تستح فافعل ما شئت». وإلا كيف يزج فارسي لا علاقة له بالعروبة أنفه في علاقة تاريخية بين بلدين عربيين، بين السعودية حاضنة العروبة والعراق الذي يئن تحت وطأة النفوذ الإيراني المقيت؟!
أما التوجيه الأبوي الخارج عن الأصول الدبلوماسية الذي تلقاه رئيس الوزراء من علي خامنئي والذي يترفع فيه على أن يوازي نفسه مع رئيس وزراء دولة العراق، فهو حثه على «ضمانة خروج الأمريكان بأسرع ما يمكن، وإن تأخرتم يصبح صعبا عندما يستمر وجودهم العسكري طويلا في أي مكان».. فهل يمكن تصور امتهان أشد من هذا لسيادة دولة؟! من يُحدد مصلحة العراق؟ ثم هل على العراق أن يُعطي التبريرات للإيرانيين عن سبب وجود الأمريكان. الرئيس العراقي برهم صالح برر للإيرانيين موقف العراق من الوجود الأمريكي بالقول إن وجود الأمريكان هو لتدريب القوات العراقية وتقديم الاستشارات الحربية ضد الإرهاب وتمكينها من حسن التأقلم مع الأوضاع الإقليمية المتغيرة. فهل، بعد هذا التبرير، يمكن للعراقي أن يستشعر تكافؤً في العلاقة بين بلاده إيران؟..
خلال زيارة حسن روحاني لبغداد وزيارة عادل عبد المهدي لطهران كنت أستذكر الرئيس العراقي صدام حسين، ليس حبًا فيه ولا في نظام حكمه، وإنما كنت أعقد المقارنات بين الموقف من سيادة العراق عند العهدين، عهد المحاصصة الطائفية وعهد الدكتاتورية البعثية. ولكني لن أبوح بنتيجة المقارنة، لأني أحسب أن القارئ الكريم قد استخلص النتيجة ذاتها.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top