انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 4 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الاربعاء

4 مقالات عن العراق في الصحف العربية يوم الاربعاء

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
1 لماذا يُقتل النساء والمثليون في العراق؟ إيلي عبدو القدس العربي
  

أغفل النقد الذي تناول دولة ما بعد صدام حسين في العراق البعد الاجتماعي للتحولات التي حصلت، خصوصاً تلك المتعلقة بالنساء والمثليين. طغيان السياسي في تحليل ما يجري، والاستغراق في مهاجمة الطبقة الحاكمة وصراع الأطراف على السلطة، حرباً وسلماً، ساعد في طمس الاجتماعي وتحديداً الفئات الضعيفة، التي يتراوح وجودها السيسيولوجي بين عدم الاعتراف والاعتراف المقنن، لتعيش بالتالي بين خيارات التخفي وخلق حيوات سرية تخشى الافتضاح كما حال المثليين، أو ضمن أدوار رسمتها القوى المسيطرة، كما حال النساء.

فالأحزاب الدينية، لاسيما الشيعية منها، تمكنت من استيعاب النساء ضمن منظومتها ومنعتهن من إنتاج أي سياق يسعين عبره لتحصيل حقوقهن، فبتنا نشاهد نائبات يستبسلن دفاعاً عن حزب الدعوة، الذي لا يقبلهن إلا ضمن شروطه وليس كما يردن، أما المثليون فبقوا خارج هذه التكتيك، باعتبار أن جميع الأحزاب تنفيهم عقائدياً وتنكر وجودهم اجتماعياً ما يحوّل هؤلاء إلى بشر غير مرئيين، ظهورهم يعادل موتهم. مفهوم الأقليات نفسه جرى حصره بالطوائف والمكونات القليلة العدد، ولم يشمل المختلف في هويته الجنسية، فطغى الكلام عن الإيزيديين والمسيحيين بأسلوب أغفل عن قصد شمول فئات أخرى لا ترتبط بانتماءات محددة. هكذا أسقط مفهوم الضحية عن الأفراد المختلفين بأنماط عيشهم وخياراتهم السلوكية، وبات حصرياً بالجماعات، فإذا قتل عراقي جرى التدقيق فوراً في هوية طائفته لجعله امتداداً لها ومنعه من أن يكون ذاتا مستقلة. إنكار فردية الضحية، قد يفسر جزئياً، السياق الذي قتل به المراهق حمودي الطيري طعناً بالسكاكين في أحد شوارع بغداد متلفظاً وهو يطلق حشرجاته الأخيرة جملة «بدي شوف أمي»، وجريمة «ملك الانستغرام» كما كان يُلقب «الاشتباه» بميوله المثلية. وقبل ذلك بعام قتل بالطريقة ذاتها كرار نوشي الملقب بـ»ملك جمال العراق» للسبب نفسه.

وسبق جريمة ذبح الطيري سلسلة عمليات قتل استهدفت خبيرات تجميل ونساء آخرهن تارة فارس التي اعترض مسلحون سيارتها في بغداد وامطروها بالنيران.

يسهل التقاط المشترك بين هؤلاء الضحايا، خصوصاً أنهم اختطوا لأنفسهم مسارات شخصية لا تناسب النماذج التي حددتها السلطة القائمة، حيث ألغت هذه الأخيرة حضور النساء الخارجات عن منظومتها، وكرست إنكار المثليين عبر دعم أدبيات في هذا الاتجاه، ما جعل التصفية الجسدية طعناً بالسكاكين مجرد فعل تقني، سبقه إمحاء على كافة المستويات.

والسلطة هنا ليست حزبا أو مجموعة أحزاب، وليست طائفة أو مجموعة طوائف وليست مليشيا أو مجموعة مليشيات، هي مركب من كل ذلك، معطوفاً عليه اجتماع منهك بفعل استبداد مديد وحصار خانق وتدخل خارجي غير مدروس، ما خلق بيئة من الفراغ الاجتماعي تستوعب كل المساوئ التي تنتجها السلطة.

قد تختلف مكونات السلطة في العراق على كل شيء، وتتناحر في ما بينها على وزارة من هنا أو منصب محافظ من هنا، وتخوض حروب أهلية لأجل ذلك، لكنها في النهاية تتفق ضد حمودي وكرار وتارة، فهؤلاء وحدهم من يشكل خطرا عليها لأنهم خارج منظومتها ويدافعون عن عادية الحياة، عادية تكرهها السلطة طمعاً في أوضاع استثنائية من حروب وصراعات وتطرف، تجعل العراقيين وقودا، وتمد من هم على كراسيهم بمناصب جديدة.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
2 في العراق شعب يعبث بأحزانه

 

فاروق يوسف

 

 العرب بريطانيا
 

يتفق الكثيرون على أن العراق لا ينتج إلا ثقافة حزينة. ما الذي يعنيه ذلك المصطلح، أقصد “ثقافة حزينة”؟ هناك مَن يسعى إلى استبدال صفة “حزينة” بـ”جادة” وهو إجراء ليس صحيحا.

فسياسيو العراق الحاليون على سبيل المثال ليسوا جادين في ما يقولون وما يفعلون، بالرغم من أن أفعالهم وكلامهم يقودان دائما إلى نتائج حزينة. إن لم يكن التهديد بحرب طائفية، فالأقل هو الفقر والجهل والحرمان من نعمة النظر إلى الحياة باعتبارها حقا لا يُمس والتعامل معها على أساس كونها مسألة لا يمكن تقويضها بسبب خلاف عقائدي. أن يكون المرء جادا فذلك ليس شرطا يملي عليه الحزن.

في المقابل فإن السعداء ليسوا بشرا غير جادين. هناك خلط عظيم بين المفاهيم يتطلب تفكيكه القيام بعمليات تأمل وتفكير في القواعد والأسس التي تستند إليها تلك المفاهيم. الشعب العراقي حزين لأنه سيء الحظ وليس لأنه شعب جاد.

فلو وضعنا الأربعمئة سنة من الظلام العثماني جانبا، فإن القرن العشرين الذي ابتدأ بالاحتلال البريطاني وانتهى بالاحتلال الأميركي لم يكن زمنا مضيئا إلا في فواصل استثنائية، قُدر للتنويريين فيها أن يضعوا أكفهم المضيئة على المسافة التي كانت تفصل بين العراق والعصر. كان العراق في سبعينات ذلك القرن قريبا من مغادرة موقعه في صفوف دول العالم الثالث، غير أنه سرعان ما انتكس في نهاية ذلك العقد ليعود أدراجه، بلدا للمناحات والبكاء الجماعي والمآتم والفواجع.

من الضروري أن أذكّر بقرار أصدره الرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر (حكم ما بين سنتي 1968 و1978) ينص على منع الغناء الحزين انطلاقا من كون ذلك النوع من الغناء لا يتناسب مع الوضع الإنساني الذي يعيشه العراقيون وكان وضعا يدعو إلى التفاؤل. كان الرجل محقا. طبعا ذلك القرار يبدو مضحكا على مستوى ثقافي غير أنه كان قرارا صائبا على مستوى الفهم السياسي.

عاش العراقيون الكثير من الأزمنة العبثية التي لا يمكن اعتبارها جزءا من التاريخ، تاريخهم وتاريخ العالم على حد سواء. ذلك لأنها كانت أزمنة خاوية، خالية من أي فعل يؤكد وجودهم. لا معنى مثلا للزمن الذي يمتد ما بين 1991 و2003. وهو زمن الحصار الظالم الذي فُرض على الشعب العراقي بحجة معاقبة النظام السياسي بعد غزوة الكويت.

لم يكن العراقيون، يومها، يفعلون شيئا سوى محاولتهم البقاء على قيد الحياة. لقد تم استدراجهم إلى الفخ الرث القديم الذي اعتقدوا أنهم غادروه حين سقطت الإمبراطورية العثمانية وتم إنشاء الدولة العراقية بكل ما حفلت به من مشاريع تنمية وإعمار وقانون وتمدن وتعليم وتنظيم وبناء المجتمع على أسس عصرية، يمكن من خلالها الانتقال بهم إلى مرحلة المواطنة المسؤولة عن حماية مكتسباتها.

لقد غدرت التحولات السياسية بالعراقيين. كان صراع الأحزاب واحدة من الضربات الموجعة التي وجهت إلى المجتمع العراقي لما انطوى عليه ذلك الصراع من قسوة، وصلت إلى درجة تمزيق العائلة الواحدة.

تاريخيا يمكن الحكم على ذلك الصراع بأنه كان صراعا عبثيا من أجل سلطة آلت إلى قطاع الطرق والمرتزقة واللصوص والأفاقين وأبناء الشوارع والرافضين لمفهوم الوطن العراقي. هل تمكن العبث من الشعب العراقي؟

ذلك سؤال ينبغي النظر إليه بطريقة جادة. ذلك لأن الكثير من المثقفين يشعرون بالحزن لما انتهت إليه الأوضاع في بلادهم، غير أنهم يعزفون عن الاعتراف بحقيقة ما جرى، وبالأخص إذا ما تعلق الأمر بمسؤوليتهم التي عبروا عنها من خلال مواقف ليست مشرفة، كما هو موقفهم من الغزو الأميركي واحتلال العراق ووقائع الحرب الأهلية وما رافقها من قتل وتهجير وتدمير للمدن.

تعامل أولئك المثقفون بنوع من العدمية التي انطوت على الكثير من النزعة الانتهازية. ولم يقدروا أن العراق الذي قدم لهم الكثير لا يستحق ذلك الجحود والخذلان والخداع.

ربما كان علي أن أدافع عن الشعب الذي وقع ضحية مكائد مثقفيه الذين صوروا له الحزن صفة نبيلة يباري بها الأمم، غير أن اللوم التاريخي سيقع عليه بالضرورة لأنه لم يكتشف أن كل ذلك التاريخ من الغناء الحزين كان تمهيدا لثقافة الموت التي حرمته من التعرف على مباهج الحياة التي يتمتع بها اللصوص الذين أضفى عليهم المثقفون هالات المخلصين.

أشد ما يؤلم في تلك الحالة يكمن في حقيقة أن شعبا يعبث بأحزانه العدمية يفضل الخروج بمسيرات جنائزية مليونية إحياء لذكرى رجل ميت، على أن يخرج دفاعا عن الحياة وشروط العيش الكريم.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
3   من الجمالي إلى الجعفري

 

 رشيد الخيّون   الاتحاد الاماراتية
 

تُعد وزارة الخارجية، لأي دولة، لسان حالها وصورتها أمام العالم، وقبل معرفة وزارة الخارجية الحديثة، كان المبعوثون يقومون بمهامها، لذا كان الخلفاء والملوك والسَّلاطين يعتمدون الشخص المقتدر في المحادثات، القادر على الإقناع. كتب ابن الفراء (ت 526هـ) في صفات المبعوث ومؤهلاته، نقلاً عن وصية حكيم لأحد الملوك: «اختر لرسالتك، في هدنتك وصلحك ومهمَّاتك ومناظراتك والنيابة عنك، رجلاً حصيفاً، بليغاً، حُوّلاً قُلَّباً (يقلب الأمور ويحتال الحيل)، قليل الغفلة منتهز الفرصة، ذا رأي جزل، وقول فصل، ولسان سليط، وقلب حديد، فطناً للطائف التدبير ومستقلاً لما ترجو أو تحاول بالحزامة وإصابة الرأي» (رسُل الملوك ومَنْ يصلح للسفارة).

ذكرنا ما تقدم، بمناسبة قدوم العراق على تشكيل حكومة جديدة، فلابد أن يُنظر بدقة لمَن يُكلف بوزارة الخارجية، والنظر إلى وزراء عظام مثَّلوا العراق في المحافل الدولية أحسن وأرقى تمثيل، وفي مقدمتهم محمد فاضل الجمالي (ت 1997)، الذي وقَّع باسم العراق على «ميثاق الأمم المتحدة» (1945)، وكان موظفاً كبيراً في الخارجية. فبعد السنوات الأربع الأخيرة التي مثلها، آخر وزير خارجية، إبراهيم الجعفري، لم يُقدم الصُّورة التي يجب أن يمثل فيها بلاده، لذا عُدَّ من أضعف وزراء الخارجية العراقيين على الإطلاق، فالرجل كان في وادٍ ومهام الخارجية في وادٍ آخر، لا يميز بين محفل دولي أو إقليمي ومحاضرة كان يُلقيها على مجموعة متدينة مِن أتباع حزبه، أو موعظة في مجلس، فلم يستطع مغادرة الدور الذي كان يقوم به قبل زمن السلطة.

وعلاوة على ذلك لم يمثل مصالح العراق في المحافل الدولية، بقدر ما مثل مصالح دولة أُخرى. ولعلها أول مرة في تاريخ الخارجية العراقية، بل وتاريخ العالم، أن يُصرح وزير الخارجية بما يُخالف تصريح رئيسه رئيس الوزراء، والحادثة مشهورة بخصوص كيفية التعامل مع الحصار على إيران، فحيدر العبادي كان مع مصلحة بلاده، بينما وزيره في الخارجية مع مصلحة الولي الفقيه!

تولى أمر وزارة الخارجية العراقية في العهدين الملكي (1921- 1958) والجمهوري (1958-2003) تسعة وأربعون وزيراً، وتكررت أسماء بعضهم أكثر من مرة، على أربع وستين وزارة. كان الأول في العهد الملكي ياسين الهاشمي (ت 1937)، فأول وزارة خارجية تشكلت (1924)، وليس مِن تاريخ تشكيل الدولة العراقية (1921)، وآخر وزراء ذلك العهد محمد فاضل الجمالي (ت 1997)، شغل هذه الوزارة خمس مرات، وفي إحداها جمع بينها وبين رئاسة الوزراء، وظل وزيراً حتى سقوط العهد الملكي (1958).

أغلب وزراء الخارجية العراقية كانوا مِن المثقفين والباحثين، ولهم دراسات أكاديمية وأدبية، ومِنهم الجمالي، لكنهم لم يستعرضوا في المحافل الدبلوماسية معارفهم، وهي حصيفة وليست واهية، ولم يعمموا مقولاتهم على السفارات كي تُحفظ من قِبل الموظفين، وكأن الخارجية برمتها غدت ملكاً للوزير، مثلما فعل آخر الوزراء بعد 2003.

جاء الجمالي والجعفري من ثقافة طائفة واحدة، الأول مِن الكاظمية والثاني من كربلاء، وتكاد المؤثرات تكون واحدة، فكيف كان الجمالي وكيف صار الجعفري؟! لا نطلب من الأخير أن يكون بوعي وشخصية الأول، لكننا نقابل بينهما كوزيري خارجية ورئيسي وزراء، كيف استفاد الجمالي من تعليمه، وعاد إلى العراق متبوئاً الوظائف الكبيرة باقتدار، كمسؤول عن التربية والتعليم ثم الدبلوماسية. كان يعمل مِن أجل عراق قوي بين الدول، لم يفرط بمصالح بلده، وإن كان هواه مع دول عظمى إذ «كان مؤمناً بالتعاون مع بريطانيا والولايات المتحدة، مع المحافظة على قدر الإمكان على مصالح العراق» (بصري، أعلام السياسة في العراق الحديث).

أصدر الجمالي عشرات الكتب، وأغلبها بعد تركه المنصب، بينما صدرت للجعفري عشرات الكتب، وهو في المنصب الحكومي، فكل عبارة قالها في محفل دعاة أو نساء ضمن دعاية انتخابية صيرها كتاباً، ويستغرب مِن وقعت عينه على أربعة مجلدات ضخام تحت عنوان «خطاب الدولة»، وقبلها مجلد ضخم «زنار النَّار»، وكأنه لا شغل للرجل إلا إصدار الكتب، لكنك لا تجد فيها سوى الأوهام على أنها ثقافة وسياسة.

يحتاج العراق إلى وزير خارجية كمحمد فاضل الجمالي، وليس لخطيب وواعظ غير منضبط كالجعفري، هذا ما تتعين ملاحظته عند اختيار وزير الخارجية الجديد، أي أن يُقدم بلاده ويعمل على تصفية الخلافات الخارجية، لا يكون موظفاً في خارجية بلاد أجنبية، وفي كل خطاب يُقدم نفسه على أنه لسان حالها.

نعود إلى وصية الأولين في مَن يمثل بلاده خارجياً: «اختر لرسالتك، في هدنتك وصلحك ومهمَّاتك ومناظراتك والنيابة عنك، رجلاً حصيفاً». لا تغلب المحاصصة على اختيار وزير الخارجية صوت وصورة الدَّولة، وهنا نذكر بقول صالح الجعفري (ت 1979): «أكلَ يومٍ ضجيج/ يقوم حول المناصب/ وأعجب الكلّ ينمي/ إلى اختلاف المذاهب»(الخاقاني، شُعراء الغري). لا يهم مِن أي دين أو مذهب أو قومية يكون وزير الخارجية، المهم أن يكون له منطق وهيبة محمد فاضل الجمالي، وعشرات الوزراء السابقين الذين ملؤوا مقاعدهم في المحافل الدولية.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
4  إرث «داعش»  مشرق عباس    الحياة السعودية
 

ليس اسهل من أن يقرر مسؤول سياسي أو عسكري أو امني، إبعاد عشرات الآلاف من عائلات عناصر تنظيم «داعش» إلى مخيمات عزل، بهدف حمايتهم من الانتقام، أو ربما حماية المجتمع من انتقامهم، لكن الأصعب هو محاولة اعادة دمجهم، حماية للجميع.

بعد أكثر من عام على نهاية وجود «داعش» الفعلي في العراق، ربما صارت مصطلحات مثل «المجاهدين» و «المهاجرين» و «الدولة الاسلامية» و «الخلافة» و «الخليفة» و «ديوان الجند» و «الحسبة» في أرشيف ذاكرة معظم سكان المناطق التي احتلها التنظيم، لكنها ما زالت في الحقيقة تشكل جوهر ثقافة مخيمات العزل الخاصة بعائلات التنظيم، ليس لأن اطفالاً ونساء وشيوخاً عزلاً ما زالوا مؤمنين بها وبمصداقية استخدامها من قبل تنظيم ارهابي، بل ببساطة لأن واقع العزلة لم يتح لهم مغادرة إرث «داعش».

لقد تسبب العجز السياسي والحزبي والفكري في العراق بعد 2003 في إنتاج عدالة انتقالية حقيقية، ونمط قانوني وانساني لدمج المخالفين في الوضع الجديد، بكل الكوارث التي اعقبت ذلك التاريخ، ويبدو من باب السخرية المرة فقط أن يسأل أحد الخارجين من رحم سياسة التغاضي وانعدام الرؤية، بحيرة عن الاسباب التي تقف خلف تبني أجيال جديدة ولد بعضها بعد الاحتلال فكر البعث، وتمجيد صدام حسين، ونخشى ان ننتظر لبضع سنوات حتى يخرج السياسي عديم الرؤية نفسه للتساؤل بالحيرة نفسها عن اسباب ولادة اجيال جديدة من المتطرفين.

ان تاريخ القهر والعزل والعقاب الجماعي للسكان بجريرة مجموعة منهم، لم يكن واضحاً للعراقيين ابان الحقب السابقة، فالماكنة الاعلامية، والازمات المتلاحقة، وستراتيجية القمع والتجهيل، لم تسمح بتداول حقيقي لاسباب انتاج مخيمات العزل واللجوء والتهجير العراقية، اجيالاً من الشباب العراقيين الأكثر عداءً وتوجساً من المجتمع الذي عاش في ظل نظام صدام حسين، كما ان استخدام هؤلاء انفسهم بعد عام 2003 لسياسة الترهيب والتخوين والتشكيك بحق عراقيي الداخل، ومنعهم من شغل المناصب الرسمية، لصالح من اطلقوا على انفسهم «مناضلي الخارج» وابنائهم واقاربهم، كان بداية نموذجية لقياس دورة العنف التي لم تتوقف منذ ذلك الحين.

لكن الاخطاء القاتلة لايمكن ان يتم السماح بها مرة ومرتين وعشرة، والفرص المهدورة لايمكن الهروب من نتائجها، ومخيمات العزل الحالية لعائلات «داعش» تحيل الى تلك الاخطاء التي يتوجب الوقوف عندها بحكمة، ومعالجتها بهدوء، وتجنب استخدامها لأعراض سياسية.

كل ذلك لاينفي، ان هذه العائلات قد تكون معرضة بالفعل الى انتقامات عشائرية او فردية في حال عادت الى مناطقها، وهذه المسألة ليست عصية امام التسوية الاجتماعية اذا ماتوفرت النية، والاهم ان عودة هؤلاء ليست الاولوية التي يجدر الانتباه اليها، وانما قبل ذلك التأهيل الصحيح، والرعاية والتعليم، خصوصاً للاطفال من تلك العائلات، والذين على المجتمع اليوم ان يحدد مستقبلهم، ومآلات توجهاتهم، قبل فوات الاوان، واهدار الفرصة التي يسبقها الزمن.

انه أمر محزن ومربك حقاً، ان يهدر مجتمع عاش تجارب مريرة من العنف ودفع اثماناً باهضة بسبب التربية الممنهجة على الشك بالآخر واهماله واقصائه وتشويه تاريخه، فرصته لكسر الدائرة المغلقة وانهاء قدرتها على انتاج المزيد من الكراهية، وهو أمر مربك أكثر عندما يتعلق بفشل دولة في تحقيق التكيف الصحي لبضع الاف من الاطفال في المجتمع.

هناك معلومات عن نية الدولة جمع معسكرات عائلات داعش المتوزعة عبر البلاد، في مدينة يتم تشييدها، برعاية اممية على اطراف الصحراء، وهذه المعلومة لو صحت فانها تنتمي الى الهروب من المشكلة بديلاً عن معالجتها مهما كانت معقدة.

ومع الاقرار بان جزءاً من المشكلة يخص آباءَ غير معروفين وربما غير عراقيين، واطفالاً لم يتم تسجيلهم في اي قيد رسمي، وزوجات تزوجن بأكثر من مقاتل، وكبار سن من الأجداد والجدات يتحملون جزءاً من مسؤولية ما آل اليه مصير عائلاتهم، لكن كل ذلك في الهامش في رؤية الأمم لمصالحها العليا، اما المتن فهو واحد، وملخصه ان هذه المعسكرات، هي حقول الغام نزرعها في صميم مستقبل هذا البلد.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top