fbpx
انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 4 مقالات عن العراق في الصحف العربية والعالمية يوم الخميس

4 مقالات عن العراق في الصحف العربية والعالمية يوم الخميس

1 دراما أمريكية أم سيناريو معدّ؟
سوسن الشاعر الوطن البحرينية
كثيراً ما تصلك على هاتفك مقاطع لأفلام أمريكية قديمة تتحدث عن أمور تبدو حينها ضرباً من الخيال، ولكنك تفاجأ بدقة تطابق الأحداث الواقعية بعد سنوات من عرض تلك الأفلام، لتتساءل هل هي صدفة؟ أم سيناريوهات معدّة؟ لعن الله نظرية المؤامرة!!
أفلام تحدثت عن مستقبل العراق، أفلام تحدثت عن أحداث 11 سبتمبر، أفلام تحدثت عن ظهور داعش، إلخ… كلها انتجت قبل وقوع تلك الأحداث بسنوات، لكنها تناولتها بشيء من التفصيل يكاد يكون متطابقاً مع ما شهدناه حياً.
أتابع هذه الأيام مسلسلاً أمريكياً اسمه (homeland) أرض الوطن، مسلسل حول مكافحة جهاز السي أي إيه الاستخبارات الأمريكية للإرهاب. أنتج الموسم الأول منه وعرض عام 2011، ومن ثم الموسم الثاني عام 2012، وهكذا حتى وصلنا إلى 2018 الموسم السادس. نال عدة جوائز كأفضل مسلسل وأفضل سيناريو وأفضل ممثل وأفضل ممثلة، مسلسل قال عنه أوباما إنه من أفضل المسلسلات التلفزيونية. وصلت في متابعتي له – حتى كتابة هذا المقال – إلى الموسم الرابع.
دعْ عنك الجانب الدرامي، فتلك حكاية لوحدها إثارةً وإبهاراً وحبكةً دراميةً تجعلك لا تستطيع أن تلهوَ بشيء آخر. يشدك إلى آخر لحظة ولم تضعف الحبكة رغم المواسم الثلاثة التي شاهدتها.
دع عنك هذا الجانب، إنما ما لفت انتباهي هو الجزء المتعلق بالقصة ذاتها والتي كرست في الموسم الأول أن المملكة العربية السعودية هي مصدر الإرهاب ومنبعه وما إن عرض الموسم الثاني حتى تحولت الاتهامات للإرهابيين ومن يمولهم ومن يقف وراءهم من المملكة العربية السعودية في الموسم الأول إلى أن إيران هي مصدر رئيسي للإرهاب من الموسم الثاني أي منذ عام 2012 وحتى الثالث 2013!!
الملفت للنظر أن تفاصيل بعض أحداث المسلسل تتحدث عن اكتشافات السي أي إيه ووزارة الخزانة الأمريكية لدور الحرس الثوري الإيراني في عملية غسيل الأموال من أجل تمويل العمليات الإرهابية، ثم تناول المسلسل دور حزب الله المتنامي في دعم الإرهاب. عرض المسلسل وكان أوباما من متابعيه حسب مقابلة لبطل المسلسل ديمن لويس!!
التحول في السياسة الأمريكية حدث في عهد الرئيس ترامب بالإدارة الأمريكية أي منذ 2017 فقط أي بعد ثلاث سنوات من عرض المسلسل، حينها أصبحت إيران المصدر الأول لتصدير الإرهاب، والحديث عن الاتهامات الأمريكية لإيران بامتناعها عن التوقيع عن الاتفاقية الدولية لمكافحة غسيل الأموال وما تسربه وزارة الخزانة الأمريكية عن تقارير تتناول ضلوع إيران حدث بعد العرض مما يجعلك تتلهف على نهاية المسلسل!!
بقي أن أقول لكم إن الحلقة التي وصلت لها هي في تجنيد أحد ضباط الحرس الثوري الإيراني لصالح السي أي إيه كي يتولى التدرج في رئاسته ويعدّوه لانقلاب عسكري يطيح بنظام الملالي!!
خيال؟ ربما.. ولكن -إن عطانا الله عمر- لننتظر حتى نرى؟!!
2 الأكراد وخديعة الانسحاب الأميركي توماس كابلان واشنطن بوست

«أصدقاؤنا الوحيدون هم الجبال». هكذا يقول المثل الكردي الذي يلخص سجل الازدواجية والخيانة الطويل من قبل الحلفاء الذي بات يطبع تاريخ هذا الشعب الشجاع. هذه المجموعة العرقية، التي يبلغ تعدادها 30 مليون نسمة تقريباً، تعيش على المناطق الحدودية بين إيران والعراق وسوريا وتركيا. ولكن أكراد سوريا هم الذين تكبدوا أحدث خديعة عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب في 19 ديسمبر الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من سوريا، حيث كانت «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد من بين أكثر شركاء أميركا فعالية في القتال ضد إرهابيي تنظيم «داعش».
ترامب قال في البداية: «إن ألفي جندي أميركي سيغادرون سوريا في غضون 30 يوماً»، ولكنه وافق، على ما قيل، على طلب البنتاجون بشأن انسحاب تدريجي على مدى أربعة أشهر. وبالتالي، فإن الخيانة ستحدث بالحركة البطيئة.
غير أن على غرار أشقائهم في العراق «البشمركة»، فإن الأكراد في سوريا يمكن أن يكونوا نموذجاً في التطبيق الفعال لخطاب أميركا الذي يحث أصدقاءها في المنطقة على تولي مزيد من القتال الفعلي بينما تقوم الولايات المتحدة بتدريبهم ومساعدتهم.
ومثلما لفت إلى ذلك كاتب «واشنطن بوست» ديفيد إيجناتيوس في مقال له في 23 ديسمبر الماضي، فإن الأكراد وحلفاءهم بسطوا سيطرتهم على 30 في المئة من سوريا واستولوا على مدينة الرقة، التي كان تنظيم «داعش» قد اتخذ منها عاصمة له – وتكبدوا خلال تلك الفترة مقتل 4 آلاف رجل وامرأة وجرح 10 آلاف آخرين. وعلى سبيل المقارنة، فقدت الولايات المتحدة ثلاثة جنود خلال فترة الأربعة أعوام تلك، وفق البنتاجون. وقد أخبر القائد الكردي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» الجنرال مظلوم عبدي «إجناتيوس» بأن إعلان ترامب الانسحاب كان «شيئاً لم نكن نتوقعه البتة».
والواقع أن من بين الفصائل التي تخوض الحرب الأهلية السورية، التي بدأت في 2011، يمكن أن يكون من الصعب أحياناً تمييز من هم «الأخيار» – إلا حينما يتعلق الأمر بالأكراد. فبينما كانوا يخوضون حرباً لسنوات ضد «داعش» في شمال شرق سوريا، حكم أكراد سوريا سكاناً يناهز تعدادهم مليوني نسمة بقدر من الاحترام للحرية الدينية، والمساواة بين الأنواع، وحقوق الأقليات غير معهودة في ذاك الجزء من العالم. ولكنهم مكروهون من قبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بسبب ارتباطهم بالانفصاليين الأكراد في تركيا. ومع انسحاب الولايات المتحدة، فإن من شبه المؤكد أن إردوغان سيشن حملة عسكرية منسقة ضد الأكراد في سوريا. ولهذا، فإن الخطوة المتهورة لترامب من المحتمل أن تدفعهم إلى أحضان الرئيس السوري بشار الأسد هرباً من الإبادة.
وعندما تُكتب تفاصيل هذه الحلقة المؤسفة، سيستطيع المؤرخون الوقوف على التباين الكبير بين الرئيس الأميركي وزعيم بلد حليف للولايات المتحدة.
فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومنذ وصوله السلطة في 2017، عمل على زيادة الدعم الفرنسي لأكراد سوريا و«قوات سوريا الديمقراطية». وسخّر قوات برية وجوية إضافية للائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة. وفي مارس الماضي، استقبل قادةَ «قوات سوريا الديمقراطية» في باريس، مشيداً بتضحيات جنودها في القتال ضد «داعش». وبعد إعلان ترامب عن تغيير موقفه في ديسمبر، سارع ماكرون إلى طمأنة «قوات سوريا الديمقراطية» بأنه لن يحذو حذو ترامب في قراره الانسحاب.
وخلال زيارته الجنود الفرنسيين في تشاد في ديسمبر الماضي، عبّر ماكرون عن أسفه الشديد للقرار الأميركي قائلاً: «إن قوات سوريا الديمقراطية تحارب الإرهاب الذي شن هجمات ضد باريس وأماكن أخرى… وأدعو الجميع ألا ينسوا ما قامت به»، مضيفاً «أن نكون حلفاء يعني خوض القتال جنباً إلى جنب».
موقف ماكرون هذا يذكّر بالدعم الذي قدمته «دانييل ميتيران»، زوجةُ الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران، للأكراد أثناء تعرضهم لهجوم من صدام حسين في بداية التسعينيات. فبعيد الائتلاف الذي قادته الولايات المتحدة وطرد قوات صدام من الكويت عام 1991، حثّ الرئيسُ جورج بوش الأب العراقيين على الإطاحة بصدام. فلبّى الأكرادُ في الشمال والشيعة في الجنوب دعوةَ بوش. ولكن المساعدة الأميركية المتوقعة لم تصل أبداً، لتعقب مرتكبي الجرائم. ثم ساعدت «دانييل ميتيران» الغاضبة على شن حملة ناجحة لتأمين منطقة يحظر فيها الطيران فوق شمال العراق لحماية الأكراد. ونجت من انفجار قنبلة استهدف موكبها أثناء زيارتها المنطقة في 1992.
وإلى اليوم، تُعرف دانييل ميتيران بلقب «أم الأكراد». ويطلق اسمها على المدارس والطرق عبر كردستان، ذات الأغلبية الكردية. وهناك فتيات كرديات يسمين باسمها تيمناً بها وتكريما لها. تكريم كردي من المحتمل أن يُسبغ على ماكرون أيضاً يوماً ما. ولكن ترامب؟ الواقع أن المرء ما زال يحدوه الأمل في أن يغيّر موقفه بشأن الانسحاب، وأن يدرك أن تنظيم «داعش» لم يُهزم بعد، مثلما يزعم، وما زال لديه 14 ألف مقاتل في سوريا، مثلما أقرت بذلك حكومته في أغسطس الماضي. والواقع أن مع مرور كل ساعة، يَضعف موقفُ الأكراد، غير أنه لم يفت الأوان بعد كي تغيّر واشنطن مسارها، وتعيد التأكيد على دور أميركا، وتمد يد العون لحلفاء أميركا الأوفياء.
برنارد هنري ليفي: فيلسوف فرنسي وناشط سياسي
3 هل غير النظام البرلماني دولة العراق؟
مشرق عباس الشرق الاوسط السعودية

الكل يسأل الكل في العراق، والكل يعترف بانه لايمتلك اجابة، فان تكون التجربة السياسية قد فشلت برمتها، وان تكون القوى والاحزاب قد عجزت عن انتاج نظام سياسي يتلاءم مع ظروف مابعد الحرب على “داعش”، وان تكون الدولة حائرة في توصيف نفسها وفلسفتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وان لايكون ثمة عقد محدد بين الشعب والسلطات التي تصدت لقيادته، فكل ذلك يتطلب العودة الى الاسئلة البديهية.
ومن تلك الاسئلة الاولى حديث متقطع يرتفع ثم يخفو عن طبيعة النظام السياسي العراقي، واذا كان بالفعل هو السبب الجوهري لكل العجز عن الانجاز والارتباك في تحديد الاولويات، بل واليأس احياناً امام مهمات من المفترض ان تكون حلولها بديهية بدورها مثل القضاء على الفساد وترطيب البيئة السياسية المتوترة.
ويبدو ان الوقوف اليوم لمحاكمة تجربة النظام البرلماني برمتها، وتحميلها مسؤولية كل الخراب الحالي، امر خطير، ولايمكن التسليم به تماما، في ضوء حقائق تتعلق بطبيعة التطبيقات العملية لهذا النظام، والضغوط والظروف غير الطبيعية التي رافقت صوغه، وعجز القوى المختلفة عن تطويره وتقويمه وسد نواقصه، وتدعيم آلياته، لكنه مع كل ذلك سؤال بديهي لم تتم الاجابة عنه خلال السنوات الطويلة الماضية.
هل غير النظام البرلماني الدولة العراقية؟ كان يجب ان يفعل، وكان يجب لدولة تنتقل من ارث قرن كامل من القوانين والاليات والانظمة المكيفة لخدمة نظام رئاسي شمولي يتخذ القرار فيه من شخص واحد، ان تعيد صوغ نفسها لتتكيف مع النظام الجديد، وكانت نحو 13 عاماً من التطبيق الفعلي للنظام أكثر من كافية لتحقيق ذلك.
يقول وزير عراقي محنك وصاحب تجربة ادارية طويلة، ان آليات عمل الوزارات العراقية قائمة على نظام شديد المركزية يضع الوزير بمنزلة الرئيس المطلق المتحكم، وان محاولات تغيير قوانين الوزارات التي تمت بعد 2003 لم تغير في هذا الواقع شيئاً بل انها ربما زادت تعقيده، بما سمح لوزراء بتحويل وزاراتهم الى ضيعات لاحزابهم ومكوناتهم وحتى عائلاتهم، في مقابل ان النظام لايمنح رئيس الوزراء نفسه مثل هذه الهيمنة، ما دفع برؤساء حكومات سابقين الى محاولة تأسيس دولة ظل للاستحواذ على قرار كل وزراة من وزيرها عبر ما باتت تعرف اليوم بـ”الامانة العامة لمجلس الوزراء”، او حتى من خلال الهيئات المستقلة التي وجد رئيس الحكومة مدخلاً لتصبح تحت هيمنته.
تلك مقاربة واحدة من بين مقاربات لاتقل أهمية، تخص عجز الوزارات عن التكيف مع اللامركزية مثلاً، وتمنع النظم والقوانين والثقافات عن التكيف مع دور البرلمان كسلطة اساسية لصنع القرار، وايضاً قيادة توجهات الحكومة وخطوطها العامة ومراقبتها ومحاسبتها وتغييرها اذا تطلب الامر، حتى ان صلاحيات رئيس الجمهورية المحددة في نطاق الدستور، لايتم فهمها على مستويات ثقافية وشعبية مختلفة ، فالرئيس في رؤية معظم العراقيين مازال عليه ان يكون صاحب القرار التنفيذي ورأس السلطة.
ليس الأمر لعباً بالمحظورات، فامام بلد يتم استباحته بشكل منتظم على يد بيئة سياسية غارقة في الفساد والفوضى والصراعات والتسقيط المتبادل، ليس ثمة بديهية، والاصل هو العودة لمناقشة اسس كل هذا الارتباك ومواجهة الاسئلة الصعبة والاجابة عنها بشكل جماعي.
ومن الغريب ان تكون أكثر الاسئلة صعوبة هي أكثرها بديهية مثل : هل تكيف العراقيون على كل المستويات مع طبيعة النظام البرلماني بعد 13 عاماً من تطبيقه؟ وماهي المحاذير التي تمنع تطويره او تغييره اذا تطلب الامر؟ ولماذا تخشى الاحزاب السياسية مواجهة الجمهور بحيرتها امام التضارب الصارخ في فلسفة الدولة الادارية وفلسفتها السياسية؟ وماهي آليات التغيير آلامنة والمطمئنة للجميع اذا حصلت قناعة التغيير؟
ليس لدى احد في العراق الوقت للاجابة .. فالكل مشغول بالتنابز بالاسئلة، كما التنابز بالاتهامات، وتدوير الحيرة وتوريثها للاجيال القادمة.
4 لمياء الكيلاني تغادر قبل إكمال المشروع حميد الكفائي الحياة السعودية

أول لقاء جمعني بالدكتورة لمياء الكيلاني، عالمة الآثار العراقية التي رحلت قبل أيام، كان أواسط التسعينيات عندما ألقت محاضرة عن الآثار العراقية في ديوان الكوفة في لندن، تحدثت فيها عن تهريب الآثار من العراق وبيعها في الخارج وكيف يمكن العراق استعادتها حتى بعد بيعها لأنه ليس لأحد حق بيعها. وبعد أن أكلمت محاضرتها، ناقشتها في مسألة التهريب التي كنت أعتقد بأنها كانت منظمة وتجري بموافقة متنفذين في النظام العراقي، فهكذا قرأت في تقارير نشرتها صحف أجنبية رصينة. رفضت لمياء فكرة قيام النظام نفسه بتهريب الآثار وقالت إن هذا غير ممكن وشرحت الأسباب. أخبرتها بأن لدي دليلا على تورط النظام في التهريب، فطلبت أن تراه وأعطتني رقم الفاكس كي ارسله، وفعلا أرسلت لها تقرير جريدة الهيرالد تربيون ومازلت احتفظ به مختوما بختم الفاكس.
ظننت حينها بأن لمياء تدافع عن النظام ولا ترغب في إدانته، ولكن عندما تحدثت مع صديقتنا المشتركة، ميسون الدملوجي، أخبرتني بأن لمياء تخشى أن تتكلم ضد النظام لأنها دائمة التردد على العراق وهي لا تتوقف عن ذلك حتى في أحلك الظروف لأنها تريد التواصل مع المتاحف العراقية والمدن الأثرية، ولن تدع أي شيء يمنعها من زيارة العراق، فحياتها كلها مبنية على الآثار وحضارات العراق. وأضافت الدملوجي «لمياء لا تقل عنك حماسة لإسقاط النظام، لكنها لن تفرِّط بعلاقتها الحميمة بالآثار العراقية».
وبعد سنوات على تلك المحاضرة، وقبيل سقوط صدام حسين بأيام، دعتني «بي بي سي» للحديث عن احتمالات التغيير المقبل في العراق فلبيت الدعوة. وعند وصولي إلى مبنى بوش هاوس وجدت القاعة ممتلئة بالصحفيين والممحررين من منتسبي أقسام «بي بي سي». ووجدت أيضا محاضرا آخر دُعي لمشاركتي المنصة، وذاك المحاضر كان لمياء الكيلاني. تحدثت أنا بلغة الأحلام وكيف يجب أن يكون عليه العراق كما تخيلته، بل توهمت بأن النظام كان العقبة الوحيدة في طريق تقدم العراق، «وعندما تزول فإن العراق سيصبح دولة قوية متماسكة ومتطورة خلال سنين قلائل». كانت لمياء تبتسم كلما تحدثت بأحلامي، أو بالأحرى بأوهامي، عن العراق. أخيرا تحدثت لمياء وقالت سأحدثكم بما لم يتحدث به صديقي حميد الذي اختلف كثيرا معه في هذه المواضيع علما أنني أتمنى من أعماقي أن يتحقق ما قاله، فأنا اريد العراق أن يكون كما يريده صديقي ولكن الأحلام تختلف عن الواقع.
تحدثت لمياء بالواقع وقالت إن العراق يعاني من إنقسامات مجتمعية وثقافية ودينية حادة، والمرحلة المقبلة خطيرة والتأريخ ينبئنا بأن هناك أرضية خصبة للحروب والاقتتال بين مكونات المجتمع، وأن العائق أمام هذا الاقتتال «الأخوي» كان نظام صدام الصارم. أما وقد زال الآن، فإنه لم يعد هناك من عائق يمنع الناس الغاضبين من بعضهم بعضا من الاقتتال وهذا ما سيحدث في رأيي، وآمل ألا يحدث. وبينما كانت لمياء تتحدث، كنت استشيط غضبا من كلامها وتوقعاتها المتشائمة. وخلال تلك الندوة ظللتُ متمسكا برؤيتي الموغلة في التفاؤل، بينما ظلت لمياء متمسكة بتشاؤمها.
سقط النظام وذهبنا إلى العراق وهناك التقيت لمياء يوم أزيلت تماثيل صدام من واجهة القصر الجمهوري. كنت حينها ضمن طاقم الحكومة الجديدة، وكانت لمياء هي الأخرى مستشارة في وزارة الثقافة. كنت سعيدا بسقوط تماثيل صدام وتمنيت أن تُدمَّر فورا، لكن لمياء كانت تصر على الاحتفاظ بها. فعدنا أنا وإياها إلى جدلنا القديم. سألتها لماذا نتمسك بذاكرة سيئة وتماثيل تذكرنا بمجرم؟ قالت انت لا تدرك أهمية هذه التماثيل الآن لأنك غاضب من أفعال صاحبها، لكن الأجيال المقبلة تريد منا أن نترك لها أثرا عن هذه المرحلة وهذا من حقها، وكما ترك لنا الأولون آثارهم، فإن علينا أن نحفظ آثار هذه الحقبة وإن كانت مريرة. وأضافت «هذا التمثال عديم القيمة الآن، لكن قيمته لا تقدر بثمن بالنسبة للأجيال المقبلة». لم تقنعني لمياء حينها وبالتأكيد لم أقنعها.
بقيت التقي لمياء في المناسبات الثقافية والمؤتمرات الدولية، وبمرور الزمن تأثرت بشخصيتها الهادئة المحببة وبدأت أقترب من رؤاها الثقافية وعثرت في مكتبتي على كتاب «أول العرب» الذي ألفته مع المفكر سالم الآلوسي، ولم أكن قرأته حينها. أخذت لمياء تدعوني إلى الجلسات الثقافية الاجتماعية التي التي تعقدها في منزلها شمالي لندن، وهناك التقيت شخصيات ثقافية سامقة منها عباس الكليدار ورفعة الجادرجي وآخرون من قوميات وثقافات مختلفة.
جمعت لمياء صفات إنسانية نادرة. فقد كانت عالمة بحق في الحضارات العراقية والتراث الإنساني عامة، وتمتعت بثقافة عالية وتعليم متميز، إذ حصلت على أعلى الشهادات من ثلاث جامعات بريطانية مرموقة هي لندن وأدنبرة وكامبريدج، وعاصرت طه باقر، أهم عالم آثار عراقي، وتتلمذت على يديه وعملت معه. وعلى رغم إنشغالها، كانت تحب الإختلاط بالناس من كل القوميات والمستويات الثقافية، تقيم الولائم لهم في بيتها وتعد الطعام لضيوفها بنفسها.
تنتمي لمياء لأسرة دينية بغدادية معرووفة تتحدر من الشيخ عبد القادر الكيلاني، إمام الطريقة القادرية، وكان أجدادها نقباء الأشراف وزعماء الطائفة السنية، وقد ترأس أحدهم، عبد الرحمن النقيب، أول حكومة في العراق المعاصر. أخبرتني لمياء بأن زعيم الطائفة الشيعية آنذاك، أبو الحسن الأصفهاني، كان يقيم في منزل عائلتها عند زيارته بغداد، وهو مؤشر على التفاهم والتعايش بين الطائفتين السائد آنذاك. لكنها، مع هذه الخلفية العلمية والدينية والاجتماعية المرموقة، عاشت حياة مدنية متواضعة مع زوجها الأردني، جورج الوِر، الذي سبقها إلى العالم الآخر.
تمتعت لمياء بعلاقات وطيدة مع المؤسسات الآثارية الغربية وبفضلها أصبحت الوفود العراقية الآثارية تستقبل بحفاوة في العواصم الغربية ويحصل معها تعاون مثمر ساهم بشكل فاعل في رصد الآثار العراقية المسروقة واستعادتها. نجحت في ربط المتاحف العراقية بالمؤسسات الغربية ولفت انتباه العلماء الغربيين لأهمية العراق التأريخية. أسست جمعية أصدقاء متحف البصرة الحضاري وعملت مع المتحف البريطاني على انتقاء القطع الأثرية المناسبة لعرضها فيه. آخر مشروع اضطلعت به وداهمها الموت قبل إكماله كان تأليف كتاب عن المتحف العراقي، وقد استضافها متحف متروبوليتان في نيويورك لسنة كاملة من أجل إجراء هذا البحث.
كان رحيل لمياء المفاجئ صادما للأوساط العلمية والثقافية والاجتماعية العالمية. على المستوى العلمي، فقد العراق والعالم باحثة متمرسة وعالمة متميزة كرست حياتها للبحث العلمي المجرد من الأهواء. وعلى المستوى الاجتماعي، فقدت العائلة الكيلانية أهم رموزها ووارثة مجدها ومديرة أوقافها المعتمدة. وعلى المستوى الثقافي، فقدت الأسرة الثقافية العراقية شخصية محبوبة ورصينة ومتواضعة ومتوازنة وفاعلة. المكانة العلمية والاجتماعية والثقافية التي بلغتها لمياء صعبة المنال، ولا أتوقع أن أحدا يمكنه أن يملأ الفراغ الذي خلّفته.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top