12 مقالة عن العراق في الصحف العربية يوم الجمعة

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
1  لماذا مسعود؟

 

فاروق يوسفالعرب
مسعود البارزاني الذي خرج من مغامرة الانفصال خاسرا، ولو على المدى القصير، لن يخسر موقعه في زعامة الشعب الكردي.

تخلى الجميع عن مسعود البارزاني وبات الرجل وحيدا، يدفع ثمن مغامرته كما لو أنه خطط ونفذ مشروعه في غرفة مظلمة ولم يستشر أحدا في ما كان قد نوى الإقدام عليه.

 

في ما مضى كان كاكا مسعود بالنسبة لسياسيي بغداد عنوانا للحكمة ورجاحة العقل والحصافة، وهو الذي تدخل أكثر من مرة للحد من تداعيات صراعاتهم والتقريب بين وجهات النظر التي يعرف مسعود أكثر من سواه كم هي قائمة على مصالح شخصية وحزبية لا علاقة لها بأي مشروع وطني.

 

الرجل الذي دعا إلى استفتاء الانفصال، وقد أضفت عليه تلك الدعوة صفة الزعامة التاريخية بالنسبة لعامة الأكراد، كان على يقين من أن هامش المغامرة في دعوته يكاد لا يُرى.

 

لقد رفع شعار “حق تقرير المصير” وهو شعار لا يقف أحد ضده. حكومة بغداد نفسها لا تجرؤ على الاعتراض عليه، غير أن البارزاني كان يدرك أن ذلك المصير لن يكون ذا معنى من غير كركوك، المدينة الغنية بالنفط. لذلك فإن وعده بكردستان المستقلة سيكون بمثابة نفخة هواء إذا لم يتم الاعتراف، عن قناعة، بتبعية كركوك لدولته المرتجاة. وهنا بالضبط وقع البارزاني في المحظور دوليا.

 

لم يكن مهما بالنسبة له الموقف الذي تتخذه بغداد من مسألة ضم كركوك إلى مشروع الدولة الكردية. فذلك الموقف لن يتجاوز حدود الشكوى إذا ما كان الموقف الدولي، وبالأخص موقف الولايات المتحدة، مضمونا.

 

غير أن الولايات المتحدة التي صمتت حين ضم الأكراد كركوك إلى إقليمهم ستبقى على صمتها إذا ما سعت حكومة بغداد إلى استعادة المدينة النفطية.

 

وهو ما لم يكن كاكا مسعود يتوقعه.

 

من جهة أخرى فقد كان صادما أن يتخلى الفرقاء الأكراد عن البارزاني الذي كان يراهن على جبهة داخلية بدت هشة أكثر مما كان يتوقع. كان الاستعراض الشعبي ضروريا لجذب تعاطف عالمي كان الأكراد يحظون به دائما بسبب ما تعرضوا إليه من اضطهاد عبر سنوات نضالهم من أجل الحصول على حقوقهم المدنية والاعتراف بهم شعبا بخصائص ثقافية مختلفة.

 

لقد طغى الحديث عن الفساد المستشري في الإقليم الكردي من خلال اتهامات وُجهت إلى رئيس الإقليم مباشرة على محاولة استعراض وحدة الصف الكردي في مواجهة اعتراضات بغداد التي وجدت طريقها إلى الواقع من خلال استعادة القوات العراقية لكركوك وطرد قوات البيشمركة منها.

 

الأكراد المختلفون في ما بينهم لن يشعروا بأي نوع من الحزن بفقد كركوك بل إن بعضهم سيشعر بالغبطة. من وجهة نظرهم فإن الخاسر الوحيد من إفلات كركوك من القبضة الكردية هو مسعود البارزاني الذي كان حسب رأيهم المستفيد الوحيد من إيرادات المدينة النفطية.

 

كان الإجراء العراقي باستعادة كركوك مناسبة، يقول من خلالها خصوم البارزاني رأيهم فيه. وكان إعلان ذلك الرأي بمثابة الضربة التي قضت على أحلام الرجل الطامح إلى الزعامة التاريخية المطلقة.

 

غير أن كل مما جرى لا يعني أن الرجل قد أفل نجمه وانتهى دوره في قيادة الشعب الكردي وصار في إمكان خصومه أن ينصبوا بديلا عنه.

 

كان إجراء الاستفتاء بما يصطدم بالإرادة المحلية والإقليمية والأميركية خطأ فادحا، ولكن الأخطاء لا تُسقط الزعماء في العالم المتخلف، بل قد تزيد من جاذبيتهم فيصبحون أبطالا في عيون المعجبين بهم.

 

لذلك يمكنني القول إن مسعود البارزاني الذي خرج من مغامرة الانفصال خاسرا، ولو على المدى القصير، لن يخسر موقعه في زعامة الشعب الكردي.

 

فإذا ما عرفنا أن الرجل لا يزال رئيسا للإقليم بالرغم من أن رئاسته الشرعية فد انتهت منذ سنوات، فإن بقاءه محتفظا بمكانته في أعلى السلطة لن يؤثر عليه خطأ سيتم التعامل معه باعتباره هفوة عابرة من قبل الجهات التي تؤمن أن التفاهم معه أكثر يسرا من التفاهم مع غيره، ذلك لأنه شخص يفهم لغة المصالح. في مقدمة تلك الجهات تقف الولايات المتحدة وحكومتا بغداد وأنقرة.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتبمكان النشر
2كركوك.. نجحت صفقة سليماني وورثة طالباني

 

 

هارون محمد

 العرب [
استفتاء كردستان العراق أتاح لحكومة حزب الدعوة الحالية، أن تقدم نفسها إلى الجمهور العراقي والمجتمع الدولي، وكأنها حكومة وطنية تنشد وحدة العراق وتتصدى للتقسيم.

مهما قال أقطاب الشيعة في تبرير إرسال القطعات العسكرية وميليشيات الحشد إلى كركوك بحجة بسط الأمن وحماية الثروة الوطنية فيها، فإن التطورات السياسية التي شهدتها المدينة خلال الأيام القليلة الماضية تفضحهم وتكشف زيف ادعاءاتهم، بعد أن ظهر المستور وعرف المخفي، وبانت الصفقة المشبوهة الجديدة، وبطلها الجنرال الإيراني قاسم سليماني مع ورثة جلال الطالباني في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي هو عبارة عن لملوم من العنصريين والماركسيين الماويين والمطرودين من الأحزاب الكردية، شاركت في إنتاجه إيران الشـاه وسوريا حافظ الأسد في منتصف سبعينات القرن الماضي، واحتضنته الاشتراكية الدولية وأبرز قادتها الرئيس الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز.

 

ومن تابع تاريخ قادة الأحزاب والحركات الكردية في العراق، لا بد ولاحظ أنه ملتبس، تقاذفته أهواء شخصية ونزاعات عشائرية ومنافسات مناطقية وتدخلات خارجية وأجندة أجنبية، ولم يكن هذا التاريخ المختل في توازنه القومي الكردي والوطني العراقي، في يوم من الأيام منصرفا لخدمة الأكراد كشعب من حقه أن يعيش حياة حرة كريمة، أو العراق كبلد وحاضنة، فالقادة الأكراد السابقون والحاليون، يقدمون مصالحهم ومنافعهم على كل اعتبار، ويلجأون إلى التمرد والعصيان عندما تنخفض أرباحهم وتقل مكاسبهم، والضحية دائما هو الشعب الكردي والوطن العراقي، ووقائع الماضي البعيد والقريب خير شاهد ودليل.

 

ومشكلة القيادات الكردية تكمن في أنها تمارس السياسة وفق طريقة “البزنس”، تشهر السلاح في وجه الدولة وترفع من سقف مطالبها وتهدد وتتوعد، ولكنها سرعان ما تخفت في أول هدية دسمة تتلقاها، ولحظتها ينقلب المزاج وتطفح الوجوه بالفرح وتتلاشى الأوجاع، وأذكر شخصيا وكنت مراسلا صحافيا في كركوك عامي 1970 و1971 أنني رافقت عشرات المسؤولين إلى قريتيْ كلالة وحاج عمران لمقابلة الملا مصطفى البارزاني لمناقشته في مضامين رسائله إلى القيادة العراقية وما تحمله من مطالب ورغبات، ولكن عندما تُسلم الحقائب المنتفخة إلى أولاده وحاشيته تسود المسرات وتقام الاحتفالات.

 

ويبدو أن مسعود البارزاني الذي عاصر الأحداث وشارك فيها منذ نهاية الستينات لم يتعظ من التجارب السابقة، عندما أصر على شمول كركوك والمناطق المتنازع عليها باستفتاء الخامس والعشرين من الشهر الماضي، ونسي حقبة الدم بين حزبه وغريمه الاتحاد الوطني في معارك “أم الكمارك” التي لملمت أطرافها مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية عام 1998 في واشنطن.

 

استغل البارزاني فشل حكومة حزب الدعوة وإخفاقاتها في الإصلاح والتغيير، وتحدى رئيسها الضعيف حيدر العبادي، دون أن يضع في باله أن هناك دولة عميقة يقودها من خلف الستار زعيم الحزب نوري المالكي المدعوم إيرانيا، وهي التي تحكم وتتحكم في العراق، وهي أيضا جزء من مشروع إيراني واسع لا يقتصر على العراق وإنما له امتدادات في سوريا ولبنان والخليج واليمن، وليس من السهل أن تتخلى طهران عن مكتسباتها في المرحلة الراهنة في ظل أوضاع رخوة يشهدها العراق والمنطقة.

 

لقد عقد الاستفتاء الكردي في كركوك والمناطق المتنازع عليها، الأزمة العراقية وحمّلها أعباء جديدة ستكون لها تداعيات ونتائج خطيرة على المدى المنظور، وأخطر ما فيها أن الاستفتاء أتاح لحكومة حزب الدعوة أن تقدم نفسها للجمهور العراقي والمجتمع الدولي، وكأنها حكومة وطنية تنشد وحدة العراق وتتصدى للتقسيم، رغم أنها طائفية من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، ولا يهمها ما يجري في العراق ما دامت مصالح الحزب الحاكم وحلفائه مؤمنة.

 

إن سير الأحداث في كركوك وتحديدا منذ تنصيب حكومة حزب الدعوة برئاسة إبراهيم الجعفري في الثالث من مايو 2005، أفرز تعاونا بين الطرفين الشيعي والكردي، في كتابة الدستور الحالي المائع والملغوم، الذي تولى رئاسة لجنة صياغته همام حمودي وهو ملا شيعي لا علاقة له بالقوانين والدساتير، في حين كان نائبه القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني فؤاد معصوم (الرئيس الحالي) المتخصص في فلسفة إخوان الصفا، لا يفقه هو الآخر في القوانين والنظم الدستورية، في وقت تمكن جواد المالكي قبل أن يتحول إلى نوري لاحقا، من فرض نفسه على اللجنة كممثل لحزب الدعوة وصار مقررها، حيث أصر الثلاثة على أن تتألف اللجنة من 70 عضوا مقسمين إلى 28 شيعيا و15 كرديا و8 سنة عرب زيدوا إلى 12 في ما بعد، وتوزع الباقون الـ15 على ما سمي في حينه بممثلي الطيف الاجتماعي العراقي وغالبيتهم من الشيعة والأكراد والأقليات.

 

وعندما حاول ممثلو السنة الاستعانة بخبراء في القانون الدستوري لمعالجة الأخطاء والثغرات في مسودة الدستور وكان في ذهنهم منذر الشاوي أستاذ القانون الدستوري في جامعة بغداد ووزير العدل الأسبق، هاج ممثلو الشيعة والأكراد عند سماعهم الخبر، وتم اغتيال اثنين من أعضاء اللجنة هما مجبل الشيخ عيسى وضامن العبيدي ومعهما المستشار القانوني عبدالعزيز إبراهيم، وبعدهم لقي عضو اللجنة حسيب عارف مصرعه أيضا. واتفق الشيعة والأكراد على صياغة المادة الـ140 الخاصة بكركوك والمناطق المتنازع عليها، ووضعت ثلاث آليات لتنفيذها (التطبيع والإحصاء السكاني والاستفتاء) التي غيبت بتفاهم الطرفين على إبقاء الأوضاع في كركوك تحت هيمنة الاتحاد الوطني الكردستاني.

 

والمعلومات المتسربة من السليمانية تشير إلى أن محافظ كركوك الجديد سيكون لاهور جنكي الطالباني ابن شقيق جلال الطالباني، بعد تعيين راكان الجبوري محافظا بالوكالة، ليكون الأول محافظا أصيلا والثاني نائبا أو وكيلا. وكأننا يا كركوك لا رحنا ولا جينا.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
3  البارزاني.. نهاية أوهام الانفصال أمين بن مسعود  العرب
 

البارزاني أراد أن يدخل التاريخ من بوابة صانع الدولة الكردية ومفجر الانفصال، غير أن كافة رهاناته كانت مجانبة للحقيقة ولواقع الحلفاء الذين اختفوا وراء غبار المعركة في كركوك تاركين البارزاني والبيشمركة يواجهان مصائر المهزومين.

هو الفرق بين النجاح في إجراء استفتاء تقرير المصير وفي إنجاز “الاستقلال” عن الدولة المركزية، الذي يلخص بشكل من الأشكال المشهدية في منطقة كركوك بشكل خاص وفي إقليم كردستان بشكل أعم.

 

أن يفرض مسعود البارزاني الأمر الواقع من حيث إجراء استفتاء تقرير المصير فهذه مسألة إجرائية ولوجستية تعود إلى مقدمات ومقومات اللحظة، ولكن أن يحول الاستفتاء إلى استقلال حقيقي وواقعي فهنا بالضبط تكمن القدرة على قراءة التوازنات في الإقليم أولا، وميزان القوى مع بغداد ثانيا، وكافة العواصم الإقليمية التي تمثل جغرافيات الطوق على كردستان ثالثا.

 

ما لم يفهمه البارزاني من الدرس الكاتالوني ومن خطاب رئيسه كارليس بوتشيمون أمام البرلمان الأسبوع الفارط أن الاستفتاء استحقاق محلي وتعبير عن رغبة غالبية الأصوات في البقاء أو الانفصال، في حين أن الاستقلال بمعناه الدستوري والقانوني والاقتصادي مسألة تشارك محلي وتفاهم إقليمي واستشارة مع القوى الدولية.

 

كان بإمكان الاستفتاء أن يكون ورقة ضغط قوية من أربيل ضد بغداد لتحصيل صلاحيات دستورية وتشريعية جديدة يحتاجها الإقليم، كتلك المرتبطة بتصدير النفط إلى دول الجوار دون عودة إلى بغداد، وكان بالإمكان أن يكون الاستفتاء أو مجرد التلويح بإجرائه “غنيمة حرب” استراتيجية وسياسية لكافة أكراد الشرق الأوسط، حيث تفرض على الدول المركزية في إيران وسوريا وتركيا استجابة أوسع وأفضل للمطالب الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد في تلك الأماكن.

 

ولكن مسعود البارزاني أراد أن يدخل التاريخ من بوابة صانع الدولة الكردية ومفجر الانفصال، غير أن كافة حساباته كافة رهاناته كانت مجانبة للحقيقة ولواقع الحلفاء الذين اختفوا وراء غبار المعركة في كركوك تاركين البارزاني والبيشمركة يواجهان مصائر المهزومين والمخذولين.

 

كشفت معركة كركوك، والتي سيطر خلالها الجيش العراقي ومجموعة من ميليشيات الحشد الشعبي في أقل من 24 ساعة على المطار وأبرز حقول النفط، ما حجبته احتفالات الاستفتاء ومهرجانات التصويت.

 

عرّت معركة كركوك درجة التباين السياسي صلب الإقليم، حيث لا تزال الصراعات على أشدها بين الجناح السياسي والعسكري لآل البارزاني من جهة، والذراع العسكرية والسياسية لعائلة الطالباني من جهة ثانية، وعلى امتداد التباينات والاختلافات تقف مدينة السليمانية معقل جلال الطالباني والخزان الانتخابي للاتحاد الوطني الكردستاني موقف من “قلبه مع الاستفتاء وسيفه ضد الانفصال”.

 

حجم الاختلاف بين أربيل والسليمانية أكبر من مجرّد تباين سياسي في الرؤى والأطروحات، التباين بين أربيل والسليمانية لا بد من وضعه على مشرحة الخيارات الاستراتيجية والاصطفافات الإقليمية مع تركيا وإيران، والكاريزما السياسية وسطوة العائلة على الأحزاب السياسية، وتحويل ريع الإقليم من النفط إلى خزان انتخابي للعائلات الحاكمة في كردستان فارضة بذلك ثنائية التمديد والتوريث لذات الوجوه والألقاب.

 

لم يكن أكراد العراق على قلب واحد في الاستفتاء، سعت الماكينة الدعائية إلى تصوير هذا الاستحقاق على أنه أمل “الشعب الكردي” في الانعتاق ونيل حقه في تقرير المصير، ولكن الزمن الاستراتيجي والتكتيك السياسي أسقطا قناع الإجماع، واتضح أن دعوات التأجيل والتحاور اللامشروط مع بغداد على مستقبل الإقليم كانت أكثر نضجا وعمقا.

 

أخطأ البارزاني في قراءة تداعيات الاستفتاء وإعلان الانفصال والشروع في التحضير للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الإقليم، ولم يحسن استقراء الموقف التركي.

 

فلم تشفع المئتا شركة مالية تركية المستوطنة للإقليم ولا الـ1300 مؤسسة كردية تركية ولا الاستثمارات التركية البالغة 40 مليار دولار ولا القاعدة العسكرية التركية في بعشيقة لاسترضاء رجب طيب أردوغان، لتعلن أنقرة رفض الاستفتاء جملة وتفصيلا وتلوح بإغلاق الحدود مع الإقليم.

 

صحيح أن أردوغان لم يفعلها بعد، ولكنّه أبرق للبارزاني برسالة واضحة مفادها أنه سيضاف إلى قائمة الأصدقاء المغدورين من السلطان العثماني، وأن على البارزاني أن يقرأ استتباعات سياساته قبل أن يضع حلفاءه بين فرضية الانكشاف الاستراتيجي وخيار التضحية بحليف غير مضمون.

 

تدريجيا يتحوّل الإقليم إلى نموذج “الكيان المغلق” حيث تطوّقه الدول الأربع من كافة المنافذ البرية وتفرض عليه حظرا جويا كاملا وتقطع منه وإليه خط أنابيب النفط شريان الحياة الرئيسي في كردستان.

 

وفي سياق مثيل، تصبح التضحية بالملكة للحفاظ على الملك في رقعة الشطرنج واحدة من أهم الخيارات الموجودة، ولئن سلمنا بأن درة التاج في كردستان كامنة في الوضعية الخاصة للإقليم ضمن الفضاء العراقي، فلن نجانب الصواب إن اعتبرنا أن التضحية ستكون بمسعود البارزاني الذي وضع الإقليم والأكراد في وضعية المهزوم عسكريا والمخذول سياسيا.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
4 هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي

 

 

خيرالله خيرالله

الري العام الكويتية
 

 

لا الاستفتاء الكردي «صار من الماضي»، كما يقول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ولا خسارة الاكراد لكركوك مجرّد «انتكاسة»، كما يقول مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان في العراق. ما حصل في كركوك هزيمة بكلّ معنى الكلمة لا اكثر ولا اقلّ.

 

لا تمنع الهزيمة التي لحقت بقوات البيشمركة في كركوك من القول ان الاستفتاء الكردي ليس من الماضي، لانّ المشروع الكردي ما زال حيّا يرزق في ظلّ ظروف لا يمكن ان تجعل من انبعاثه مسألة وقت ليس الّا. ما يهزم المشروع الكردي المنادي بالاستقلال هو قيام عراق ديموقراطي في ظلّ دولة مدنية يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الدين والمذهب والقومية. لا يمكن لمشروع يقوم على انشاء دولة دينية يكون «الحشد الشعبي» عمودها الفقري جعل المشروع الكردي موضوعا منسيا او طيّ صفحته نهائيا. ما يشجع على القول ان المشروع الاستقلالي الكردي ما زال حيّا يرزق اكثر من ايّ وقت انّه ليس لدى حكومة بغداد، في ظلّ تركيبتها الحالية والذهنية التي تتحكّم بها، ما تقدّمه للاكراد، لا اليوم ولا غدا.

 

كان الاتفاق في مرحلة ما قبل سقوط نظام صدّام حسين على قيام «دولة فيديرالية» في العراق «ذي الأكثرية الشيعية». حصل الاكراد في المؤتمر الذي عقدته المعارضة العراقية في لندن في ديسمبر 2002 على «الفيديرالية» في مقابل الاعتراف بوجود «أكثرية شيعية». كان المؤتمر برعاية أميركية – إيرانية في الوقت ذاته. كانت ايران من تكفّل بحضور قسم من المعارضة الشيعية، المؤتمر، عبر الاتيان بعبدالعزيز الحكيم الى لندن. كان في الطائرة ذاتها التي جاءت من طهران الى العاصمة البريطانية الحكيم واحمد الجلبي وعدد لا بأس به من زعماء الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران، إضافة الى الزعيمين الكرديين بارزاني وجلال طالباني، الذي توفّي قبل أسابيع قليلة نتيجة اصابته بجلطة.

 

تبيّن بعد اسقاط نظام صدّام ان الحقيقة الوحيدة الباقية هي الدولة الدينية في العراق. وهذا ما شكا منه بارزاني في الايّام التي سبقت إعلانه عن التمسّك بالاستفتاء الكردي وبموعده في 25 سبتمبر الماضي. لم يعد لدى بارزاني أيّ خيار آخر غير الاستفتاء، لا لشيء سوى لانّ الحكومة العراقية تصرّفت في السنوات القليلة الماضية بصفة كونها حكومة تمثّل شيعة العراق فقط. لم يستطع العبادي، الذي بقي اسير انتمائه الى «حزب الدعوة» إيجاد فارق كبير بينه وبين سلفه نوري المالكي الذي تحوّل الى مجرّد وكيل لإيران في العراق بعد اعادته الى موقع رئيس الوزراء في العام 2010. أجريت وقتذاك انتخابات تشريعية تقدّمت فيها لائحة اياد علّاوي على منافسيه. لكن تفاهما بين ايران والادارة الاميركية، مكّن المالكي من تشكيل حكومة جديدة صار بعدها تحت ايران كلّياً. حصل ذلك في ظل استعجال الرئيس باراك أوباما، الانسحاب عسكرياً من العراق بغض النظر عن النتائج التي يمكن ان تترتّب على مثل هذه الخطوة، بما فيه تسليم البلد نهائيا الى ايران.

 

اذا اخذنا في الاعتبار تسلسل الاحداث والظلم الذي لحق بالاكراد، لا يمكن الّا تبرير إصرار بارزاني على الاستفتاء وعلى موعده. لكنّ ذلك لا يمنع الاعتراف بان الرجل ادخل نفسه في حسابات خاطئة، خصوصا عندما رفض ان يأخذ في الاعتبار ردود الفعل الإقليمية والدولية على الاستفتاء.

 

صحيح ان بارزاني حرص في خطاب له عشيّة الاستفتاء على تأكيد ان رسم حدود دولة كردستان في العراق سيكون «موضع تفاوض»، لكن الصحيح أيضا انّ هذا الكلام جاء متأخراً، ويشير الى تجاهل كردي لاهمّية مدينة مثل كركوك وتعقيدات ضمّها الى كردستان. لم يكن مسموحا لسياسي في مستوى بارزاني تجاهل هذا الواقع وما سيترتب على جعل الاستفتاء يشمل كركوك التي تعوم على بحيرة نفط، فضلاً عن ان لديها تركيبة سكانية خاصة بها.

 

في موازاة ذلك، استخفّ رئيس إقليم كردستان بردّ الفعل الايراني والتركي، كما لم يأخذ في الاعتبار ان الإدارة الاميركية ليست في وارد الذهاب بعيداً في دعم الاستفتاء على الرغم من موقف إسرائيل المؤيّد له.

 

في نهاية المطاف، استطاعت ايران، التي تفاهمت الى حدّ كبير مع تركيا، توجيه ضربة قويّة للاكراد ومشروعهم الاستقلالي في كركوك. لم تكن خسارة الاكراد لكركوك بهذه السهولة متوقعة بايّ شكل. كذلك لم يكن متوقّعا اتخاذ الإدارة الاميركية موقفا محايداً من الصراع القائم بين الاكراد والحكومة المركزية في بغداد. لا شكّ ان الموقف الاميركي ساهم كثيرا في اضعاف السياسة التي اعتمدها بارزاني.

 

إضافة الى ذلك كلّه، لا بدّ من لوم رئيس إقليم كردستان على عدم ايلائه الاهتمام الكافي للانقسام القائم بين الاكراد. لا يزال هذا الانقسام قائما، وهو انقسام عميق لا يلغيه شبه الاجماع الكردي على الرغبة في قيام دولة مستقلّة. لم يعن غياب طالباني انّ الخط الذي يمثّله انتهى. لا يزال هناك تمايز، بل انقسام، بين أربيل والسليمانية. لم يستطع بارزاني تحويل نفسه الى الزعيم الأوحد للاكراد مع مرض طالباني ثمّ وفاته، خصوصا ان هناك من لا يزال يمتلك حسابات قديمة يريد تصفيتها معه مثل السيدة هيرو، ارملة طالباني. كذلك، هناك سياسيون اكراد يمتلكون رصيدا شعبيا وصدقية لديهم وجهة نظر مختلفة، كان مفترضا في بارزاني عدم تجاهلها. من بين هؤلاء برهم صالح الذي سبق وشغل مناصب رفيعة المستوى في الحكومة المركزية وفي حكومة إقليم كردستان التي كان رئيسها.

 

في ضوء التعقيدات الإقليمية والدولية، ليس مفيداً الخروج باستنتاجات نهائية باستثناء ان ايران لعبت الدور الاساسي في هزيمة الاكراد في كركوك. ظهر جليّا ان لديها اوراقها التي عرفت كيف تلعبها. بعض هذه الاوراق مرتبط بـ«الحشد الشعبي»، أي بمجموعة الميليشيات المذهبية الموالية لها والتي باتت العمود الفقري للنظام الجديد في العراق. انّه العراق الذي لا يزال يقاوم وضع اليد الكاملة لإيران عليه. وبعض آخر من هذه الاوراق مرتبط بالوضع الكردي نفسه والخلافات القديمة بين أربيل والسليمانية، وهي خلافات ذات طابع عشائري وسياسي في الوقت ذاته.

 

اكّدت ايران مرّة أخرى انّها لاعب أساسي، بل اللاعب الأساسي في العراق. لكنّ الاكيد أيضا انّ صفحة المشروع الكردي لم تطو بعد. ستكون هناك جولات أخرى كثيرة، ذات طابع سياسي وعسكري، ما دام العراق يتوجّه الى ان يكون دولة دينية او دولة مذهبية على غرار ما هي ايران عليه الآن. لا شيء يطوي المشروع الكردي غير عراق ديموقراطي فيه دولة مدنية. قيام عراق من هذا النوع من رابع المستحيلات لا اكثر ولا اقلّ. ما زرعه بارزاني قد يثمر يوماً، لكنّ من المفترض برجل من هذا النوع امتلاك حدّ ادنى من الشجاعة والاعتراف بخطأ كبير في الحسابات أدى الى هزيمة وليس الى مجرّد انتكاسة في كركوك.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
 5    

ترامب يستثني «الحشد الشعبي» من الحملة على إيران

 

     راغدة درغام

 

    الحياة السعودية
 

لافت استثناء إدارة ترامب العراق عندما تُدرج الانتهاكات الإيرانية في الجغرافيا العربية وتشن الحملات على أدوار «الحرس الثوري» الإيراني في سورية واليمن ولبنان. يبدو العراق وكأنه في مرتبة مميزة لدى الرئيس دونالد ترامب بعدما أفلح رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي في كسب ثقته الى درجة تصدّره الأولوية في تلقي الدعم الأميركي حتى على حساب الأكراد الذين كانوا الحليف التقليدي لواشنطن لسنوات. لافت تعمّد إدارة ترامب غض النظر عن مشاركة قوات «الحشد الشعبي» في المعارك الى جانب الجيش العراقي لاستعادة كركوك من حكم الكرد والسيطرة على مناطق أخرى شمال العراق علماً أن لإدارة ترامب إجراءات في وزارة المالية صنّفت «الحرس الثوري» في قائمة الإرهاب ووضعته تحت المزيد من العقوبات. الواضح هو أن حال الانقسام داخل الصف الكردي وإطلاق تُهم «الغدر» و «الخيانة» عامل رئيسي في ما آلت اليه الأمور في كردستان العراق الى جانب غطرسة القيادات المتقاتلة. الواضح أيضاً أن إدارة ترامب غضبت من رفض مسعود بارزاني صفقة تأجيل إجراء الاستفتاء لسنة التي افتخرت بإبرامها واعتقدت انها أفضل الخيارات لأنها قنّنت العملية في مشروع قرار في مجلس الأمن – فقررت أن تتركه ليتحمل مسؤولية أخطائه بمفرده. المشهد العراقي اليوم يفيد بأن سرّاً ما يمتد كخيط خفي ليس فقط في كردستان وإنما في كل أنحاء العراق حيث تتداخل علاقة حيدر العبادي مع إيران و «الحشد الشعبي» مع علاقاته مع دولٍ خليجية وتتقاطع مع علاقاته بدونالد ترامب. ثمة ما يثير الفضول في تعمد إدارة ترامب عدم التطرق بأي انتقاد إلى سياسات العبادي لدرجة أنها تحجب وضع «الحشد الشعبي» العراقي المدعوم ميدانياً من «الحرس الثوري» ضمن قائمة الانتهاكات الإيرانية مع أن قاسم سليماني يتعمد الجهر بأدواره ورحلاته في مختلف أنحاء العراق. والفضول ينسحب على آفاق النقلة النوعية في العلاقات العراقية – الخليجية (العسكرية منها والمدنية) نحو التطبيع والتنسيق بعد قطيعة لربع قرن بقرار مسبق للقفز على واقع التوغل الإيراني في العراق. وفي هذا تتقاطع الإستراتيجية الأميركية مع الإستراتيجية الخليجية في العراق بصورة لافتة علماً أن ما أعلنه ترامب عن استراتيجيته نحو إيران لقي استحساناً واسعاً في السعودية والإمارات ودول عربية أخرى، ولقي أيضاً مخاوف من قِبل بلدان تخشى انعكاس صراع الفيلة على عشبها، مثل لبنان.

 

الرهان على استراتيجية ترامب ليس خالياً من المغامرة لأن ما أعلنه من توعّد للنظام في إيران ومغامراته خارج أراضيه يتطلب أن يُرفق بآليات تنفيذ وبرامج زمنية وبخطة «أ» و «باء» وباستعداد لتحمل التبعات. هناك خطر على الرئيس الأميركي نفسه ان لم يكن قد اتخذ كامل الاستعدادات لتنفيذ توعداته فيقع هو في فخ الوعود غير القابلة للتنفيذ.

 

وعلى سبيل المثال، ليس سهلاً تنفيذ الشق المتعلق بالنظام في طهران كما تطرق اليه ترامب. فهو حرص على الإشارة تكراراً الى الحكومة الإيرانية بتعبير «النظام» عندما كشف عن استراتيجيته الجديدة نحو ايران. فعل ذلك عمداً ليسحب تلك «الشرعنة» التي قدمها سلفه باراك أوباما للنظام الحاكم في طهران من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة تلبية لمطلب إيران بأن يعترف الرئيس الأميركي بشرعية الحكم في طهران ويتعهد ضمناً بأنه لن يمد العون للمعارضة الإيرانية الداخلية، إصلاحية كانت او انقلابية.

 

الآن، انقلب ترامب على العهد الذي قطعه أوباما وباتت كلماته تلاحقه لأنه أوحى بأن في ذهنه تمكين المعارضة الإيرانية من الإطاحة بالنظام الذي وصفه بأنه يتبنى الإرهاب. فماذا في وسع الرئيس الأميركي أن يفعل ليقرن الأقوال بالأفعال؟ وهل يستطيع أن ينفذ ما في ذهنه وسط الأمواج والرياح التي تعصف به داخلياً؟

 

ثم هناك عنصر «الحرس الثوري» الذي لم يذكر الرئيس ترامب في عرضه لاستراتيجيته أنه يدرجه على قائمة الإرهاب واكتفى بالقول انه يعتزم تشديد العقوبات عليه. ولكن، أصدرت وزارة المالية بياناً صحافياً في اليوم نفسه تصنف بموجبه «الحرس الثوري» في قائمة الإرهاب، وتقرر استهدافه – مع العناصر التي تدعمه عسكرياً – تحت سلطة مكافحة انتشار الأسلحة المحظورة باعتباره المسؤول عن تحويل إيران «الدولة الأولى التي تدعم الإرهاب». أدرجت وزارة المالية دعم الرئيس بشار الأسد، و»حزب الله»، و «حماس» و «طالبان»، كسبب وراء تصنيف «دعم الإرهاب» الى جانب تصدير الميليشيات الباكستانية والأفغانية الى سورية.

 

فماذا سيفعل الرئيس ترامب إذا انتفضت الدولة الإيرانية ضده لأنه، عملياً، يستهدف ذراعاً أساسية ورئيسية من النظام الحاكم في طهران؟ هل لدى ترامب خطة متكاملة وخطوات ملموسة استطراداً لهذا التصنيف والاستهداف لـ «الحرس الثوري» الذي يبسط سلطته ليس فقط داخل الأراضي الإيرانية، وإنما في لبنان واليمن وسورية والعراق، علناً، ويستولي على الأراضي التي يتم تحريرها من «داعش» على يد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة؟ الجواب ليس واضحاً بل هناك نوع من التناقض بين التعهدات اللفظية وبين ما يحدث ميدانياً. فالرئيس أوباما مكّن «الحرس الثوري» مادياً وجغرافياً بموجب القرارات الدولية التي رافقت الاتفاق النووي. والرئيس ترامب ورث «الحرس الثوري» الأقوى الذي يبسط سلطته في سورية والعراق ويتباهى نجمه الجنرال قاسم سليماني بأنه انتصر – فماذا سيفعل ترامب بذلك الانتصار وبتوعداته لـ «الحرس الثوري»؟

 

يقول أقطاب إدارة ترامب إن تولي وزارة المالية مهمة تقليم أظافر «الحرس الثوري» وأتباعه عبر عقوبات موسّعة بناءً على تهمة دعمه الإرهاب هو عبارة عن انقلاب على ما قدمه أوباما إليه كإفراز للاتفاق النووي. أوباما وافق على ضخ الأموال مسبقاً مع أنه كان يعلم أن «الحرس الثوري» هو المستفيد الأول، ووافق على إبطال قرارات مجلس الأمن التي حظّرت على إيران أن تتوسع خارج أراضيها عسكرياً، إما عبر جيشها أو قواتها غير النظامية أو الميليشيات التي تدعمها. دونالد ترامب يعتقد أن في وسعه قلب المقاييس الآن عبر إجراءات كتلك التي يتخذها ضمن استراتيجيته الجديدة نحو إيران. إنما السؤال هو ماذا في ذهنه ميدانياً؟ هل يعتزم تشجيع المعارضين المحليين واللاعبين الإقليميين على الانخراط ميدانياً لقلب المقاييس؟ وهل لم يفت الأوان في سورية بالذات؟ هذه أسئلة قد يملك الرئيس الأميركي الإجابة عنها ويحتفظ بها في جيبه. وقد تكون الاستراتيجية وُضِعَت أساساً بمفاتيح لتنفيذها تفرض اللعبة السياسية اخفاءها.

 

السفيرة الأميركية نيكي هايلي تحدثت في مجلس الأمن هذا الأسبوع داعية الى محاسبة إيران على انتهاكاتها مجموعة من القرارات لا تتعلق حصراً بالاتفاق النووي وإطلاق الصواريخ الباليستية وإنما أيضاً بإرسال طهران الأسلحة الى اليمن وسورية ولبنان وتجاهل قاسم سليماني حظر السفر المفروض عليه بموجب قرارات دولية. قالت ان القرار 2231 يحظّر على إيران نقل الأسلحة خارج أراضيها «وعلى رغم ذلك هي تقوم بنقل الأسلحة الى اليمن ولبنان وسورية»، وإن النظام الإيراني «ممول وداعم أساسي بالسلاح للحوثيين في اليمن، اما مباشرة أو عبر عميله حزب الله» في انتهاك للقرار 2216 الذي يحظّر الأسلحة عن الحوثيين والقرارين 1701 و1559 المتعلقين بنزع سلاح الميليشيات في لبنان. و «يدعوان حزب الله الى نزع سلاحه». وأضافت «إلا إن قائد الحزب يعلن صراحة أن كل موازنة الحزب وأسلحته مصدرها إيران». وأعلنت ان «علينا أن نتناول كل التحركات الهدامة التي تقوم بها إيران، لا الاكتفاء بتناول عنصر واحد».

 

بين أقوى المعارضين للتوجهات الأميركية نحو إيران كما يعبر عنها دونالد ترامب ونيكي هايلي هم الحلفاء الأوروبيون الذين يتمسّكون بالاتفاقية النووية مع إيران ولا يريدون إصلاحها كأمر واقع ولا الاعتراف بأنهم هم شركاء إدارة أوباما في تمكينهم «الحرس الثوري» في سورية والعراق واليمن ولبنان. ولكن مدى معارضتهم مستقبلاً سيعتمد على مدى جدية إدارة ترامب بما يتعدى التوعدات اللفظية. أما الآن فإنهم في خندق واحد في موضوع العراق، وفق المؤشرات حيث تبدو الأسرة الدولية جاهزة للاحتفاء بإلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش»، ومستعدة لهزّ الرأس حزناً على إحباط الكرد أحلامهم بأيديهم، ومتأهبة لدعم رئيس الوزراء حيدر العبادي مع غضّ النظر كلياً عن أدوار إيران داخل العراق – أقله حتى إشعار آخر.

 

وهذا في حد ذاته يلقي مسؤولية كبيرة على عاتق العبادي الذي يوحي بأنه يصدر الأوامر لـ «الحشد الشعبي» للانسحاب عسكرياً من المدن الشمالية التي يستعيدها الجيش النظامي من الكرد وأهمها كركوك الغنية بالنفط، وإن «الحشد الشعبي» يلبي. فإذا تعثّر العبادي أمام «الحشد الشعبي» القوي وصاحب السلطات العسكرية الكبرى في العراق، تكون إيران هي المنتصرة في نهاية المطاف. وليس سهلاً على العبادي الاّ يتعثّر لأن إيران لن تتخلّى عن كعكة العراق مهما أوحت بعكس ذلك ولأن «الحشد الشعبي» في العراق هو مرآة «الحرس الثوري» في إيران و «حزب الله» في لبنان.

 

إدارة ترامب تتجنّب ذكر «الحشد الشعبي» أو العراق حرصاً على أولوية إلحاق الهزيمة بـ «داعش»، كما تقول. إنها تتخلى عن الأكراد وتتوافق مع طهران وبغداد وأنقرة حول الموقف من الاستفتاء الكردي. واليوم تدعم إدارة ترامب الإجراءات العسكرية التي قامت بها حكومة العبادي لاستعادة كركوك وإثبات قوتها لأن إدارة ترامب – ومعها دول خليجية – تعتقد بأن في الوسع استعادة العراق من إيران عبر حكومة مركزية قوية يرأسها العبادي.

 

باكر جداً الرهان على وهن «الحشد الشعبي» العراقي أو «الحرس الثوري» الإيراني أو «حزب الله» اللبناني. الخاسر الواضح في العراق اليوم هم الكرد الذين أفرطوا في الثقة بالنفس والثقة بالغير – والغير هو الولايات المتحدة، أولاً، ثم إيران بين الحين والآخر، وكذلك إسرائيل. الكل تخلى عنهم. الأسوأ ان الكرد هم ألد أعداء بعضهم بعضاً. والمؤسف أن كل هذا حدث لأن شعباً أراد الاستفتاء لاختيار مصيره فلقي الحلم حتفه بإرادات إقليمية ودولية وبقرارات كان يمكن تأجيلها لولا كل ذلك العناد.

 

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
 6    

كردستان: كلّما تجسّد الحلم تبخّر

 

     عصام الخفاجي    الحياة السعودية
 

سبق الشاعر الكردي أحمدي خاني عصره بأربعة قرون، إذ استهل ملحمة «مه م وزين» التي كتبها في القرن السابع عشر، وتُعدّ أول عمل أدبي كردي، بقسم عنوانه «أمراضنا» يتأسّى فيه على انقسامات الكرد التي تسبّبت في إخضاعهم للعثمانيين أو الصفويين. «لو نهض ملك واحد من بين صفوف الكرد، لو ساد التناغم بيننا، لو أبدينا الطاعة لواحد منّا لكان في مقدوره إخضاع الترك والعرب والفرس جميعاً».

 

نصّ أحمدي خاني عبقري في سبقه الزمني، لكن تطبيقه من جانب زعماء الكرد منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم يلخّص الكوارث التي لحقت بشعبهم والتي ألحقوها به. لا يزال القادة الكرد، وتجسيدهم المعاصر هو السيد مسعود بارزاني، يتظاهرون بأن ليس ثمة انقسامات تمتد جذورها إلى التاريخ والثقافة والجغرافيا والاقتصاد، بل إلى خلافات سياسية لا بد من الحوار أو القسر أو تقديم الإغراءات لكي يتم تجاوزها. ولا يزال كل قائد كردي من بارزاني إلى أوجلان يوهم نفسه بأنه الملك الواحد الذي بمقدوره تحقيق ما يراه مصلحة قومية لو أبدت الرعية الطاعة له.

 

لأؤكد، استباقاً لتصفيق من شوفيني عراقي أو تصفير من قومي كردي: تعرّض الكرد لجرائم لا حصر لها. ليس من حق الكرد المطالبة بالاستقلال فقط بل عليهم الإصرار عليه. تعرّض الكرد لبشاعات لا حصر لها. بحسبة بسيطة تستند إلى افتراض أن عدد سكان كردستان العراق كان ثلاثة ملايين أيام مجازر الأنفال التي شنها نظام البعث عامي 1987-1988، تتجاوز نسبة من أبيد منهم إلى مجموع سكان كردستان نسبة ضحايا القنبلتين النوويتين على اليابان إلى سكانها.

 

مأساة الشعب الكردي هي أن قادته يبدون وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، على رغم حديثهم المتكرر عن الضغوط والمؤامرات الإقليمية والدولية التي تعرّضت وتتعرّض لها كردستان. مأساته هي أن قادته الساعين إلى تحقيق النصر السريع (أو الوصول إلى الزعامة) لا يأبهون بما قد يجرّه هذا السعي من كوارث، ذلك أن سردية المظلومية جاهزة على الدوام لتبرير مغامراتهم من دون أن يتعرّضوا للمساءلة من شعبهم عن أسباب خوض المغامرة، وهم يدركون أن ثمة أعداء لهم ثقلهم القادر على تبديد أحلام شعبهم المتعطّش لنيل استقلاله.

 

يتذاكى القائد الكردي متباهياً بأنه استطاع استمالة هذا الطرف الدولي أو الإقليمي أو ذاك. ويتذاكى بأنه تحالف مع هذه القوة أو تلك عن غير قناعة لأنه يسعى لتحصيل حقوق الشعب الكردي. ولا يرى أنه الطرف الأضعف في معادلة العلاقة بين الدول وبين شعب لا يزال يسعى لتحقيق مصيره. ويعود القائد بعد الخيبات ليعلن أنْ ليس للكردي صديق غير الجبل. ثمة جهل مفهوم، وثمة انتهازية غير مبرّرة.

 

في 1946 قامت أول جمهورية «مستقلّة» للأكراد في إيران. كانت القوات السوفياتية تحتل القسم الشمالي من إيران وقررت قبل أن تنسحب أن تدعم نشوء جمهوريتين «شعبيتين»: جمهورية أذربيجان (غير أذربيجان السوفياتية) و «الجمهورية الكردية الشعبية» إلى الجنوب منها التي أسست جيش الشعب الكردي ومحطة إذاعة واختارت القاضي محمد لرئاستها. حظيت جمهورية مهاباد بدعم شعبي واسع بفضل تأييد بطل قومي كردي هو عمّار خان وعشيرته «الشكاكي» لها. فماذا كانت الخطوات الأولى للجمهورية الكردية الشعبية؟ رفضت الجمهورية الحدود المرسومة لها وأعلنت أن كل الأراضي الممتدة إلى حدود الاتحاد السوفياتي الجنوبية تعود لها واتّهمت السوفيات (وهم من أنشأ جمهوريتها) بالانحياز إلى الأذربيجانيين. لا يذكر التاريخ الرسمي الكردي اسم عمّار خان الذي أصيب بالإحباط فسحب دعمه للقاضي محمد. تقول وثيقة أرسلتها محطة السي آي أي في تبريز إلى واشنطن عام 1948 ولم ترفع عنها صفة السرية إلا بعد خمسين عاماً: «لم نتدخل في الصراع لأنه أنهك الجمهوريتين». لم يكن سقوط جمهورية مهاباد محتّماً فقد كانت إيران منهكة وخارجة من الاحتلال للتو. لا يذكر التاريخ الكردي الرسمي اسم عمّار خان. استسلم القاضي محمد للقوات الإيرانية فتم إعدامه في ساحة جوار جار (الأعمدة الأربعة) في مهاباد.

 

برزت فرصة أخرى للكرد لتحقيق بعض من طموحاتهم حين أقر دستور الجمهورية العراقية الوليدة عام 1958 لأول مرّة بأن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». أتجنّب هنا الحكم على صحّة رفع الملّا مصطفى بارزاني السلاح وإعلان الثورة ضد بغداد في أيلول (سبتمبر) 1961 من دون أن يسبق ذلك أي استفزاز حكومي، إذ لم أطّلع على وثائق أو شهادات من معاصري تلك الفترة تشير إلى مطالب قدّمها الملّا مصطفى بارزاني ولم يتم تنفيذها. كان واضحاً للجميع أن نظام حكم عبد الكريم قاسم بات يواجه تهديدات جدية من حزب البعث وحلفائه منذ النصف الثاني من 1962. فماذا فعلت القيادة الكردية؟ وجهت رسائل إلى البعث بأنها ستدعمهم إن ضمنوا حقوق الشعب الكردي. يومذاك كان البعث يتبنى دستور 1943 الذي يفتتح بفصل «أهداف وغايات» ترد فيه الفقرة التالية: «غير العرب من الأقليات القومية التي لا يمكن أن تندمج في المجموع العربي وتتعرّب بصورة تامة تخضع لقوانين خاصة تحدد حقوقها وواجباتها بصورة تمنعها من الإضرار بمصالح العرب، وهي تظل معتبرة أجنبية يحق للدولة العربية في كل حين أن تخرج من يضر بمصلحتها منها. ويحظر عليها تشكيل مدارس وإنشاء منظمات وصحف بلغتها». وكانت المادة 11 من الدستور تنص على أنه «يجلى عن الوطن العربي كل من دعا أو انضم إلى تكتّل عنصري ضد العرب».

 

لا مفاجآت: جاء البعث إلى السلطة في انقلابه الوحشي عام 1963 ليشن حرب أرض محروقة ضد الأكراد. فماذا كان ردّه؟ أنقل من جديد عن مذكّرات سرية متبادلة بين محطة السي آي أي في تبريز ورئيسها المؤسس والمخضرم آلان دالاس. بعث بارزاني برسالة عبر مسؤول المحطة في تبريز يطلب فيها أن يطّلع عليها «قائد العالم الحر» الرئيس كينيدي ويطلب المسؤول نصحاً: لا شك في أن الرئيس كينيدي ليس في وارد قراءة كهذه، فبمَ نجيب بارزاني؟ والسؤال الأهم: هل بارزاني عميل شيوعي؟ آخذين بنظر الاعتبار أنه لجأ إلى الاتحاد السوفياتي لمدة ثلاث عشرة سنة منذ سقوط جمهورية مهاباد حتى قيام الجمهورية في العراق؟ وجّه دالاس بأن يقدّم المسؤول إجابة عامة عن السؤال الأول: «نحن نتّبع القنوات الرسمية، وقد أوصلناها إلى المعنيين»، وأن يؤكدوا لبارزاني «أن أميركا تؤيد سعي العراق إلى حل مشكلاته».

 

الجواب عن السؤال الثاني يلخّص التباس علاقة الكرد مع العالم الخارجي «الأكراد ليسوا عملاء للسوفيات. هم مع كل من يقف ضد أي حكومة في بغداد». والجواب عن مذكّرة جديدة بعد ربع قرن هو الأكثر إثارة للدهشة وللأسف على جهل قادة الكرد بالعالم الخارجي وجهل العالم الخارجي بهم. المذكّرة موجّهة إلى مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي (4 أيلول/سبتمبر 1979). كانت الحركة المسلّحة الكردية قد انهارت عام 1975 بعد اتفاق شاه إيران وصدّام حسين على تخلّي الأول عن الحركة التي دعمتها أميركا مقابل تنازل العراق عن نصف شط العرب لإيران. ومن جديد يتساءل مكتب العراق في الخارجية الأميركية عن أدلّة على علاقة الكرد بالسوفيات. المذكرة مثيرة للدهشة لأنها كتبت حين كان الملا مصطفى بارزاني يقضي أيامه الأخيرة لاجئاً في الولايات المتحدة، بعد أن رمى بكل ثقله لإنجاح المشروع الأميركي بزعزعة نظام البعث.

 

محنة العلاقة الكردية بالعالم الخارجي تكمن في أن الدول المؤثرة، منذ نهاية عشرينات القرن الماضي وحتى أوائل تسعيناته (وربما حتى اليوم)، لم تنظر إلى كردستان ككيان تجدر دراسة مشاكله ورغبات شعبه لتتّخذ بالتالي موقفاً حول مصائره. كانت كردستان على الدوام «مشكلة عراقية» أو «إيرانية» أو «تركية» تتم معاينتها من خلال مؤشر العلاقة مع بغداد أو طهران أو أنقرة ويتم اتّخاذ موقف في شأن «المشكلة الكردية» تناسباً مع الموقف من الحكومات المركزية.

 

وحين حانت اللحظة الذهبية لكي تنهض كردستان ككيان مستقل نسبياً، تكفّل القادة الكرد بإضاعتها. عهد كردستاني مشرق بدأ عام 1992: فرض التحالف الدولي حظراً على الطيران العراقي على كردستان، انسحبت أجهزة البعث والمؤسسات القمعية، صدر عفو عن كل من تعاون مع نظام البعث، انتخابات برلمانية، انفتاح اقتصادي مع تركيا وإيران. ها إن دولة حلمت بأن يقيمها الكرد تتبرعم.

 

صيف 1996 كنت أحمل رسالتين أحرص على تذكّر أي من الرسالتين وضعت في كل جيب. كل من الرسالتين تشير إلى أن «الرفيق الدكتور… صديق وفي للشعب الكردي ويرجى تسهيل مروره». إحدى الرسالتين كانت موقّعة باسم السيد مسعود بارزاني تسمح لي بالدخول إلى المنطقة الصفراء، والأخرى موقعة باسم الراحل جلال الطالباني تسمح لي بالدخول إلى المناطق الخضراء. وحين اختل التوازن بين الصفر والخضر، لم يجد الصفر مشكلة في الاستنجاد بالحرس الجمهوري العراقي الذي برروا كل نضالهم التحرري بمحاربته لكي لا يسيطر خصمهم الكردي على مواقعهم.

 

ومن جديد، قد لا يرى الشوفيني العربي في ما سبق غير تدليل على ضرورة «انصياع» الكرد لهم، وقد لا يرى القومي الكردي فيه غير تبرير لحرمان كردستان من حقها في الاستقلال.

 

ليكن! أردت ممّا سبق أن أثير سؤالاً أتمنّى على العقل التنويري، لا الغوغائي، الكردي (والإنساني) أن يغوص بحثاً في الإجابة عنه: أين تكمن مسؤوليتنا؟

 

أم لعلنا لا نزال نعيش في عصر الخالد أحمدي خاني ننتظر ملكاً نركع له جميعاً؟

 

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
7 «الميليشيا» العربية.. جذورها.. أخطارها.. كيفية مواجهتها

 

  محمد المختار الفال

 

    الحياة السعودية
 

 

< دعت الولايات المتحدة إلى «تحالف دولي» ضد «حزب الله» اللبناني، ورصدت 12 مليون دولار لمن يعطي معلومات عن اثنين من عناصره، وهددت إيران واشنطن بأنها ستفتح على نفسها «جهنم» إذا صنفت «الحرس الثوري» الإيراني منظمة إرهابية.

 

ونظرة على الخريطة العربية تكشف عن مساحة التشوهات الناجمة عن انتشار «الميليشيات» على امتدادها، خلال العقود الثلاثة الماضية، فالعراق تحول إلى «مراكز قوى» بعد تراخي قبضة الدولة المركزية، وسورية أصبحت «أشلاء» تمزقها المجموعات الإرهابية وميليشيا النظام ومرتزقته، الذين زرعوا من جذور الحقد والكراهية ما يهدد التعايش بين الأجيال المقبلة، وقبلهما، كان السودان دولة موحدة متسعة الأطراف، متعددة الأعراق واللغات، فمزقت وحدتها حروب العصابات في الجنوب، وامتدت آثارها إلى الغرب والشرق، وأدت إلى ما بات معروفاً، وها هي الأرض الليبية معرضة للتفتت، إذا لم يدرك عقلاؤها الخطر المحدق بهم، على أيدي فرق وأحزاب تغذيها المصالح الخارجية والنزاعات الداخلية. أما لبنان فهو يقدم «النموذج» لشراكة الدولة مع الخارجين عليها، لا حباً بهم ولكن اتقاء لشرهم.

 

ولا يحتاج الأمر إلى كثير ذكاء لمعرفة أسباب وجود هذا الخطر، فالجميع يدرك أن جذوره نابعة من: انعدام الأمن وضعف الدولة وغياب القانون أو «تغييبه»، والإحساس بعدم الرضا عن «العقد الاجتماعي» الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والشعور بالظلم، واستلاب الحقوق المدنية والطبيعية، وهذه «المؤثرات الداخلية» أغرت الأطماع الخارجية، فأكملت موجبات قيام هذا النوع من «العسكرة» المفضي، في النهاية، إلى تهديد وحدة الأوطان وتعميق النزاع وتغذية الكراهية بين أطياف المجتمعات.

 

والملاحظ أن «الميليشيا» تجد البيئة الحاضنة المساعدة على النمو والترعرع في ظل الأحزاب الآيديولوجية، التي تريد فرض سطوتها وقناعاتها على الناس (اليمين واليسار متساوون في هذا) مع أخطاء الحكومات وضعف الولاء لها، ووجود «نظام فئوي» لم تستطع الدولة صهره أو تطويعه (النموذج اليمني)، نزعات الانفصال التي تستفيد من ضعف المركز وفشل مشاريع التنمية واتساع دائرة الفساد وتراجع العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات والحقوق، بروز الطائفية واعتمادها أساساً للدفاع عن حقوق جزء من المواطنين، ثم جاءت «موجة الإرهاب»، بكل تعقيدات أسبابها، لتشكل خروجاً كاملاً على الدول والمجتمعات، وبالتالي لا يمكن اعتبارها «ميليشيا» يمكن التحدث عن معالجتها بالاستيعاب أو التنمية، على رغم تماسها مع قضايا الإرهاب الذي لا يتشكل من سبب واحد، لأن الإرهاب وآلياته يجب «اجتثاثه» من جذوره.

 

وهذا الواقع، الذي فرضته «الميليشيا»، يشكل تهديداً حقيقياً لوحدة الدول وخطراً على تماسك نسيجها الاجتماعي، لأنه ينقل آليات السلطة ومسؤولياتها من الحكومات إلى جهات متعددة ومختلفة، فتتسلط على الآخرين بحسب دائرة مصالحها، ما يفتح الأبواب أمام كل أنواع الفساد، فتزداد المظالم ويلجأ الناس إلى البحث عن الوسائل التي تمكنهم من حماية أنفسهم في ظل عجز أجهزة الدولة عن محاصرتها وضبطها، وهذا سيقود إلى إضعاف «الروح المدنية» التي تحمي الناس بالقانون، ويفضى إلى نمو «قوى» داخل النظام السياسي عمادها القوة العسكرية وليس السند الشعبي المعتمد على الرضا والاحتكام إلى عدالة القوانين. ووجود «ميليشيا»، حتى وإن اعترفت بها الدولة، يفتح المجال للتدخل الخارجي، الذي قد يبدو مبرراً و«مشروعاً» في أول الأمر، لكن ما يلبث أن يفتح له «جيوباً» سرية تشكل، مع مرور الوقت، مراكز قوة تضغط على الدولة المركزية للتعامل معها، وغض الطرف عن بعض أخطائها وتجاوزاتها ومخالفتها المعلن من سياسة الدولة حيال علاقاتها الخارجية ومسؤولياتها الداخلية، والميليشيا لم تعد مجموعة مقاتلة تأتمر بأمر رئيس حزب لحمايته أو تهديد خصومه المحليين، بل باتت تشكل «شبكة» من المصالح الداخلية والإقليمية الدولية، وتحت يدها أموال طائلة متشعبة المصادر والمصارف، وحزب الله اللبناني «نموذج» لهذا التشابك، الذي تمتد أذرعه ومصادر تمويله في أكثر من قارة، حيث المناصرون والمنتمون.

 

وأمام هذا «المشهد» تبرز أسئلة من نوع: كيف يمكن محاصرة تمدد «الميليشيات» وتنامي أعدادها في المنطقة العربية؟ وما هي أنجع الوسائل لمواجهة أخطارها، وتقليل تأثيرها في الوحدة الوطنية وترابط النسيج الاجتماعي؟ القضية ليست «سهلة»، لكنها غير مستحيلة، وأعتقد أن المدخل إليها يبدأ من العمل على معرفة أسباب تكونها والجدية في التحرك لمعالجة عوامل وجودها، وبالتالي ليس هناك «فرضية» صالحة لكل البلدان التي تعاني من خطر الميليشيات أو تلك التي «تخشى» ظهورها، لكن هناك «خطوط مشتركة» لتلك الأسباب، منها: ظهور النزعات الطائفية والنعرات العرقية والدعوات الجهوية، والاعتقاد بأن مشكلات الطائفة أو العرق أو الجهة لا تعالج إلا «بالقوة»، وشعور البعض بالظلم داخل وطنه، وانسداد أفق الخروج من ذلك الإحساس، و«استغلال» أطراف خارجية الأوضاع الداخلية وتوظيف «وكلاء» محليين يشعرون بأن لهم مطالب لم تحقق، فتوهمهم الجهات الخارجية بأن الظرف مهيأة لفرض إرادتهم.

 

ولعل أولى الخطوات العملية في اتجاه فرض سلطة الدولة وهيمنتها على أراضيها هو تكوين «إرادة جماعية» بين قواها الفاعلة، للتخلص من خطر الميليشيات، فهذه الخطوة مهمة لأنها تمهد الطريق لصدور قوانين تجرم تشكيل أية قوة خارج قوة الدولة، وإذا سادت هذه الروح وتوافرت لها القناعة لدى الغالبية في كل بلد فإن ذلك يفتح الطريق ويمهد الأرض، التي تتحرك عليها الإرادات للتنسيق الإقليمي والدولي لمواجهة كل التنظيمات الخارجة على القانون في دولها.

 

المنطقة عانت، طوال العقود الماضية، من إهدار طاقاتها وتعطيل قدراتها، وانشغلت في إطفاء الحرائق، فما أن تنتهي مشكلة حتى تبرز أخرى، وإن كان لعقلائها صوت مسموع، فعليهم أن يتصدروا المشهد للوقوف في وجه حال «الانزلاق» التي تجرف ثروات البلدان وتهدد وجودها وتدفع بشبابها إلى معارك تحصد الأرواح من دون أن تنبت الحرية والتنمية واستقلال الإرادات والدخول في سباق العلم.

 

المنطقة في حاجة إلى «الاستقرار» وهو لا يتحقق إلا في ظل دولة قوية بالتفاف مواطنيها حول نظامها القائم على تحكيم القانون وبسط المساواة في الحقوق والواجبات، وتجريم كل ما يتعارض مع المواطنة، وتوجيه الثروات إلى ما يحقق التنمية المتوازنة، ويقلل المهدر من الوقت والجهد، وأن ينظر الجميع إلى الإيجابيات ويعظموها، ويرفضوا تضخيم السلبيات، كي لا تظل «جمرة» اليأس حية تشعل النيران مع هبوب أية ريح أو نفخة من طامع.

 

 

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
8 أربعة سيناريوهات لأزمة كردستان العراق

 

 عثمان ميرغني

 

    الشرق الاوسط السعودية
 

العناد والحسابات الشخصية والقراءات الخاطئة هي أكبر خطر على أكراد العراق في هذه المرحلة. فالإصرار على إجراء الاستفتاء في هذه الظروف كان مغامرة حذر كثير من الناس حكومة إقليم كردستان من عواقبها، ودعوها إلى التريث والدخول في حوار مع بغداد بهدف التوصل إلى حل توافقي. لم تأتِ هذه الدعوات من خارج الإقليم فحسب بل من أطراف وقوى كردية أيضاً، بعضها كان يرى مخاطر الاستفتاء في ظل رفض بغداد وتهديدات تركيا وإيران وتحذيرات أطراف دولية، وبعضها كان يتخوف مما يعتبره حسابات فردية أو حزبية لها تبعاتها على الإقليم وتوازنات القوى فيه.

الواقع أن الاستفتاء كان ورقة تفاوضية قوية قبل إجرائه، وكان بمقدور الأكراد أن يستخدموها للحصول على مكاسب أكبر تعزز وضع الإقليم. فحلم الأكراد في دولتهم المستقلة لم يكن بحاجة إلى استفتاء لتأكيده، كما أن حكومة الإقليم ظلت تعلن وتؤكد أن الاستفتاء لا يعني إعلان الانفصال، ما يلغي حجة الإصرار على إجرائه في الظروف الراهنة. اليوم يجد الأكراد أنفسهم في وضع أسوأ مما كانت عليه أمورهم قبل الاستفتاء، بل قد تنزلق الأمور إلى ما هو أخطر بكثير إذا استمرت روح العناد والقراءة الخاطئة لحجم المخاطر والتحديات في ظل الأحداث المتسارعة.

بعد التطورات الأخيرة واستعادة الحكومة المركزية في بغداد سيطرتها على كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها، إضافة إلى حقول النفط التي فقدتها في ظل فوضى الانسحاب من الموصل عام 2014، هناك أربعة سيناريوهات محتملة في تقديري؛ السيناريو الأول أن تلجأ الأطراف إلى تجميد الأوضاع لبعض الوقت من أجل التهدئة، ثم فتح المجال للحوار لاحقاً، وهو حوار لن ينجح إلا إذا طور الطرفان مواقفهما وأبديا استعداداً لتقديم تنازلات. فمثلما أن محاولة الانفصال بالقوة لن تؤدي إلا إلى اقتتال ومواجهات عواقبها وخيمة على كل الأطراف، فإن فرض الوحدة بالقهر والقوة لن يضمن استمرارها، ولن يحقق للعراق استقراره المنشود.

السيناريو الثاني هو رفض التراجع عن نتائج الاستفتاء والمضي في خطوة إعلان الانفصال بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر. هذا السيناريو «الانتحاري» يبدو مستبعداً، لأنه مهما كانت الحسابات والطموحات، لا يمكن أن يكون غائباً عن القيادات الكردية أن الظروف الداخلية والإقليمية والدولية تجعل تحقيق حلم الدولة الكردية مستحيلاً في الوقت الراهن. فالأمر ليس مجرد إعلان بيان بالاستقلال، بل توفر الظروف التي تسمح بخطوة كهذه، وتجعلها مقبولة وقابلة للحياة.

السيناريو الثالث أن تؤدي الأجواء المحتقنة إلى مواجهات وتصفية حسابات بين الأطراف الكردية، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة وتبادل اتهامات التخوين والتكسب، والتهديدات بالمحاسبة. هذا الأمر إن حدث قد يؤدي إلى بروز تكتل بين قوى كردية وبغداد ضد رئيس الإقليم مسعود بارزاني الذي يحمله البعض مسؤولية جر الأوضاع إلى هذه النقطة الحرجة، ويتهمه خصومه السياسيون في الإقليم بأنه مضى في خيار الاستفتاء رافضاً الاستماع إلى نصائح التأجيل لتحقيق طموحات شخصية. تركيا وإيران قد تؤيدان مثل هذا التكتل، خصوصاً أنهما عارضتا بشدة قرار الاستفتاء الذي تتخوفان من تأثيره على الأكراد فيهما، ونقلتا إلى بارزاني تحذيرات مباشرة من مغبة إجرائه.

أجواء الاتهامات المتبادلة في أعقاب التطورات في كركوك هذا الأسبوع بين أكبر حزبين سياسيين في إقليم كردستان العراق، وهما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، تجعل احتمالات تطور المواجهة بينهما واردة، ومعها احتمال حدوث تحالفات جديدة لإحداث تغيير داخل كردستان. ولعل تحركات الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني الأخيرة تصب في هذا الاتجاه، خصوصاً بعدما أعلن عن تفاهمات مع أطراف أخرى في إقليم كردستان أدت إلى انسحاب البيشمركة من كركوك ومواقع أخرى لتجنب مواجهات باهظة الثمن.

السيناريو الرابع أن تختار حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي طرح مبادرة للحل، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة واستعادتها السيطرة على كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها. فالفرصة الآن مؤاتية لأخذ زمام المبادرة، وبغداد لديها دعم داخلي وإقليمي ودولي لاتخاذ خطوات لضمان وحدة العراق مع الأخذ في الاعتبار احترام حقوق الأكراد. لكن أي مبادرة في هذا الاتجاه، لكي تحقق المطلوب، ينبغي أن تذهب أبعد من مجرد احتواء أزمة الاستفتاء مع إقليم كردستان، لأن ضمان وحدة العراق واستقراره يتطلب خريطة طريق لحل مشاكل كل أقاليمه، واستيعاب مشاعر الغبن لدى كل الأطراف بمن فيهم العرب السنة الذين اشتكوا من التهميش الذي فتح باب مواجهات عسكرية وأتاح الفرصة لـ«داعش» لكي تنمو. العراق بعد تجربة سنوات ما بعد الغزو بكل مآسيها ومشاكلها يحتاج إلى تبني خطوات جدية لتعزيز التعايش بين كل مكوناته وأطيافه، ونشر ثقافة وقيم المواطنة التي ينبغي أن تعلو على كل ما عداها، وأن تسهم في إطفاء نار الطائفية التي نهشت في الجسد العراقي.

هذا السيناريو لو تحقق ربما يجعل أزمة استفتاء كردستان بوابة حل لكثير من مشكلات العراق.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
9لكي لا يرتكب السيد مسعود البرزاني خطاءا تاريخيا آخر اخطر من الاستفتاء

 

 د. سعد ناجي جواد

 

 صحيفة راي اليوم بريطانيا  
 

على الرغم من ان كل ردود الأفعال الإقليمية والدولية لعملية الاستفتاء كانت متوقعة جدا وان قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن تحالف معها قد سمعوا اعتراضات واضحة وطلبات صريحة، لا بل في بعض الأحيان توسلات ، لكي يتراجع السيد مسعود عن قراره ، الا ان العناد،  والذي شبهته في مقالة سابقة بما حدث في اب ١٩٩٠ والكوارث التي حصلت بعده، جعل الجميع في الاقليم ينجرفون وراء ذلك دون اي اعتبار للمخاطر المتوقعة. وربما يمكن القول ان ما فاجأ السيد البرزاني اكثر من كل شيء هو الطريقة التي تعامل بها رئيس الوزراء العراقي السيد حيدر العبادي، مع الأزمة. الذي يسجل له انه لم ينجر الى الاستفزازات والتصعيد  ولا الى استخدام القوة في منع الاستفتاء. كل الذي عمله هو انه لجأ الى الدستور والقانون والمعاهدات الدولية. وكانت فعالية الإجراءات التي اتخذت، مصحوبة بالموقف الواضح والصريح والمتوقع جدا من ايران وتركيا، واوربا، والى حد ما الولايات المتحدة، قد اصابت القيادات الكردية بالذهول وعدم القدرة على التعامل معها، وكأنها لم تكن تتوقع ذلك أبدا، على الرغم من وضوحها. لا بل قيل ان احد القياديين من خارج حزب السيد مسعود والذي تبجح بنتائج الاستفتاء، عاد ولامه مباشرة قائلا انك أخبرتنا بان القوى الإقليمية لن تعترض وان القوى العالمية وخاصة الكبرى مؤيدة لاجراءاتنا، وان ماحدث هو العكس تماما. وكانت الضربة الأشد والاقسى لقيادة الاقليم قد تمثلت في نجاح القوات العراقية في استعادة كل المناطق المتنازع عليها ، وخاصة كركوك وآبارها النفطية.

وفي الوقت الذي يعتقد البعض ان المشكلة قد انتهت عند هذاًالحد، الا ان هناك إشارات واضحة وصريحة ، بل وخطيرة ، وتنذر بكوارث اخرى قادمة، بدأت تلوح في الأفق.

اول هذه الإشارات جاءت من السفير الامريكي السابق للعراق زلماي خليل زاد ، والذي عمل في الآونة الاخيرة مستشارا للسيد البرزاني ومؤيدا، بل وحاثا له على المضي في الاستفتاء، (شانه شان سيئ الصيت بيتر كالبريث صاحب كتاب نهاية العراق، واليهودي الصهيوني برنارد ليفي، وغيرهم)، فلقد كتب زاد مقالة صريحة في احدى الصحف الامريكية الهامة يدعو فيها الولايات المتحدة الى الوقوف الى جانب الاكراد في ازمتهم مع بغداد وعدم التخلي عنهم. ثم جاءت الإشارة الاخرى من جون ماكين السناتور الامريكي المعروف والذي طالب الولايات المتحدة بمحاسبة العراق لانه استخدم الأسلحة الامريكية التي زود بها ضد الشعب الكردي حسب تعبيره، وهذا ما لم يحصل. وأخيرا وليس اخرا ما بدا ينشر في الصحف اليومية الامريكية والاسرائيلية، من ان ماحدث من نجاح عسكري في كركوك مرده الى دخول قوات إيرانية الى العراق وأنها هي التي حققت هذا النصر العسكري الكبير والسريع، وكانها تقول للسيد ترامب ان ماحدث يمثل تحديا لسياسته الرامية الى تحجيم دور ايران في المنطقة.

وأخيرا وليس اخرا فان أخطر المؤشرات أتى من الرسالة التي وجهها السيد مسعود البرزاني الى الشعب الكردي، والتي تحمل في طياتها وبين سطورها تهديدا ووعيدا وتحريضا وأصرارا على المضي في نفس النهج. وليس واضحا لحد الان فيما اذا كانت هذه الرسالة من بنات أفكار السيد مسعود ام انها جاءت نتيجة لاستشارة سيئة من مستشاريه الأجانب الذين اثبتت الوقائع بأنهم لا يملكون ذرة من الاهتمام بالشعب الكردي في العراق وبمصالحه الوطنية والقومية، ولكن كل الدلائل من طرف الحزب الديمقراطي الكردستاني تشير الى ان ما يجري  يسير في طريق توريط السيد مسعود باتخاذ قرارات خاطئة اخرى. اول هذه القرارات هو اعلان استقلال اقليم كردستان من جانب واحد. والثاني تحريضه على الاحزاب المعارضة له ودفعه لشن حرب عليها لانها، حسب راي المحرضين والمستشارين السيئين ، قد خانوا القضية القومية الكردية. وأما الخطوة الخطيرة الاخرى والتي ظهرت إشارات لها ايضا في رسالة البرزاني فتتمثل في السعي الى اللجوء الى الولايات المتحدة واسرائيل لدعم البيش مركة التابعين له في شن حرب على القوات العراقية لاستعادة ما خسروه في اليومين الماضيين، وبدعوى ان هذه ليست قوات مسلحة عراقية وانما قوات مسلحة إيرانية متنكرة بزي الحشد الشعبي والشرطة العراقية، وأنها كانت بقيادة قيادات عسكرية إيرانية ومن الحرس الثوري الايراني الذي وضعته الادارة الامريكية موخرا في قائمة التنظيمات الارهابية.

ربما يعتقد السيد البرزاني بان الاعتماد على هذه الوسائل مجتمعة او اي منها منفردا سيعيد له ما خسره في الأيام القليلة الماضية، ولكن هذا لن يحصل، وأنما ما سيحصل هو اقتتال دامي وحروب داخلية لن يجني منها العراق عامة وإقليم كردستان خاصة سوى التدمير وضياع الأرواح الزكية للعرب والأكراد. لقد جازف السيد البرزاني بكل ما حققه شعبنا الكردي وإقليم كردستان العراق منذ عام ١٩٩١ ولحد الان، ومنذ إقرار الدستور السيء في عام ٢٠٠٥ ولحد الان، ولقد ثبت بما لا يقبل الشك فشل مجازفته الاولى. ولا اعتقد انه يجب ان يستمر اكثر في المجازفة بمصير شعب وامة والاستمرار في نهج اثبت عدم صوابه. ان اقل ما يمكن ان يفعله السيد مسعود الان هو ان يلجأ الى الحكماء من الاكراد حوله، وهم كثر واكثر كفاءة وإخلاصا للشعب الكردي من الأجانب المتصهينين، والدعوة الى انتخابات رئاسية ويظهر إيمانه في مبدأ التبادل السلمي والديمقراطي للسلطة وان يعيد تفعيل برلمان كردستان بكل أطرافه المؤيدة والمعارضة له، وان يظهر إيمانه الحقيقي بالتعددية التي طالما تحدث عنها. واخير ان يشكل برلمان الاقليم حكومة جديدة بمشاركة الجميع، ووفدا كرديا رفيعا لإجراء حوارا جادا مع الحكومة الاتحادية لإنهاء كل القضايا الخلافية والمعلقة.

اما السيد العبادي فانه مطالب بان يثبت ما قاله من انه يحاسب جميع الفاسدين عربا كانوا ام أكرادا، وان يبدأ بمن حوله من الفاسدين السياسين وان يبادر الى فتح الحوار مع القيادات الكردية التي ربما تأخذها العزة بالاثم الان، وأخيرا ان يسارع في دفع رواتب موظفي الاقليم الذين يعانون من قطع رواتبهم منذ فترة ليست بالقصيرة.

ان الأمل لا يزال موجودا ولكن لكي يتحقق هذا الأمل لابد ان يصاحبه نية صافية وحب للعراق وخاصة لدى السياسين. ليس عيبا ان يخطأ الانسان ولكن العيب هو ان لا يتعلم من أخطائه.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
10الاقتصاد الأردني: فرص هائلة في سورية والعراق وتحديات ابرزها الفساد

 

 د. حسين البناء صحيفة راي اليوم بريطانيا
 

منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1989 لم يشهد الوضع الاقتصادي الداخلي مثل هذا الزخم من ممارسات و سياسات تهدف (حسب وجهة النظر الرسمية) إلى إعادة الوضع الاقتصادي على مساره الصحيح عبر تنفيذ حزم من الإصلاحات الهيكلية لبنية الإيرادات و الإنفاق الحكومي، بدءا برفع نسب الرسوم و الغرامات، فتخفيض الدعم على جملة من السلع، فرفع تسعيرة المشتقات النفطية، ومؤخرا نية إعادة تسعير الخبز، كل ذلك على هامش برنامج “تصحيح” اقتصادي تبنته الحكومة بتوصيات البنك الدولي، والذي كان سابقا قد أمسك بالملف الاقتصادي وطبق شروطا و إجراءات كبرى في البنية المالية للدولة، والتي لم تحل أي معضلة حقيقية من مشاكل الاقتصاد الوطني، بمقدار ما أجل بعضها و قايض أخرى بمعضلة ثانية.

الأزمة في الأردن هي في النظرة ذاتها للأزمة و منهج مواجهتها تأصيلا، فما زال هيكل الموازنة العامة يتعامل مع الدولة على مبدأ الريعية، والإنفاق كدولة غنية، واعتبار أن الدعم الأجنبي (من الولايات المتحدة وأوروبا و الخليج العربي و اليابان) على أنه بند إيرادات ثابت ومستقر وأصيل! .

ينبغي لصاحب القرار الاقتصادي النظر للمسألة الاقتصادية من أبعاد أكثر استراتيجية، وليس فقط من منظور يجرد ويسطح الأمر ليتم تسويقه على هيئة أزمة عابرة و سيتم حلها كالمعتاد ببعض المعونات السخية من هنا وهناك وبعض القروض المستعجلة. القضية بأن البلد تحتاج جراحة اقتصادية عميقة و جادة وعادلة، من شأنها تغيير قواعد العمل بالكلية، وأول هذه الجراحات تتم بتوجيه الاستثمار نحو الاقتصاد الحقيقي والذي من شأنه تشغيل يد عاملة وطنية، بعد تقديم خدمات التدريب والتأهيل المهني و الزراعي الكفيلة برفع نوعية و جدارة اليد العاملة المحلية، أي بلغة أخرى، أن يتم التركيز على الاستثمار المستدام و المنتج والحقيقي كأداة رئيسة للتنمية و خلق فرص العمل، والأردن يمتلك من الفرص في قطاع السياحة و العلاج و التعليم و تقنية المعلومات و الزراعة ما يمكن تشكيله كرافعة استراتيجية مستدامة للتنمية وذلك بشرط الجدية و التوجيه السليم للموارد والاستثمارات.

يعلم الجميع بأن أبرز مشاكل النمو في الأردن تتمثل بالنقص الحاد في المياه و تكلفة توليد الطاقة الكهربائية و الاعتماد على العمالة الأجنبية في الحرف والزراعة و ضآلة تدفق الاستثمار الأجنبي و التوجه للعقار كنمط تقليدي لحفظ القيمة والاستثمار،  و صغر حجم السوق المحلي مقرونا بتراجع القوة الشرائية للمواطن.

يجب أن نعلم بأن الاستمرار في التباكي على الأطلال ليس من الحل في شئ، ينبغي للدولة أن تعيد النظر بجميع معاهداتها و اتفاقياتها الاقتصادية مع جميع الأطراف، وإعادة دراسة مدى التأثير الإيجابي لكل بند فيها على الاستراتيجية الاقتصادية الهادفة للنمو والخروج من ذات النهج الذي ثبت فشله مرة بعد مرة.

الحكومات الأردنية المتعاقبة تتنصل من مسؤولياتها تجاه الملف الاقتصادي متذرعة بأن الظروف الاقتصادية والسياسية المحيطة و قصر عمر ولاية الحكومات و تيه مراكز القرار الاقتصادي في ظل تعدد أقطاب الولاية العامة هي ما يؤدي إلى فشل البرامج و المشاريع الاقتصادية للحكومات المتتالية، ويبدو أن هذا التملص وتلك التبريرات تلقى قبولا و استساغة من الكثيرين، لدرجة أن بعض الفرق الاقتصادية في الحكومات بات يقيس مقدار نجاحه في عدد المليارات التي أضافها على الدين العام، بغض النظر عن مجريات ذلك و تبعاته و مضمونه!

الاقتصاد الأردني اليوم أمام فرص وتحديات لم يسبق لها مثيل. بدءا بسوق العقار الذي دخل أسوأ مراحله من الكساد بفضل استقرار اللجوء السوري و بدء عودة السوريين إلى ديارهم بعد التطورات الأخيرة، ومرورا بفرص الاشتراك في إعادة إعمار سوريا والعراق بعد كارثة تنظيم الدولة، والتي يبدو أن روسيا و إيران ستستحوذان على معظم عقود الإعمار هناك.

الحكومة الحالية صرحت بضرورة الاعتماد على الذات في المسألة الاقتصادية و في حل الأزمة الحالية، حيث أن المانحين الدوليين لن يكونوا على ذات موقفهم من الأزمات السابقة، بمعنى أن على جيب المواطن أن يتحمل تغطية عجز الموازنة عبر مزيد من الضرائب و قليل من الإعفاءات. السؤال المؤلم حقا هو: هل سيتم حل الأزمة الاقتصادية الحالية بعد كل هذه الإجراءات التحصيلية وربما التقشفية أيضا؟ ربما تكون الإجابة (لا) موجعة في ظل فرضيات استمرار ممارسات سوء الإدارة و الفساد. والدليل على ذلك أن حزمة الإصلاح في الإنفاق والإيراد التي تمت في الفريق الحكومي السابق لم تحقق سوى مضاعفة الدين العام وتصدير الأزمة للطاقم الحالي.

الدولة الأردنية اليوم أمام تحدي حقيقي و جاد، وللأمانة فإن الأمر جد شاق، فلا بد من وقفة مصارحة مع الذات، وبدء حملة تطهير شاملة من جميع بؤر الفساد و سوء الإدارة،  وتقديم الأفراد لمراكز القرار ممن ثبت جدارته ونزاهته أكثر من موثوقية طاعته، ثم إطلاق حوار وطني شامل من شأنه وضع أسس ومنطلقات بناء الدولة العصرية التي نتمناها لأبنائنا، والقائمة على قيم العدالة و المساواة و الشفافية والمساءلة والاستدامة والاستقلالية و النهج الديمقراطي القائم على التصحيح الذاتي و التشاركية والحوار و التمكين عبر الاستفتاء واللامركزية والتنمية البشرية. ليس القصد رفع شعارات جذابة بمقدار ما أن نتباحث قي آليات حقيقية لترجمة ذلك للواقع.

يلوح في الأفق، وبفضل التطورات الأخيرة على الساحتين السورية و العراقية، فرص اقتصادية هائلة، حري بصانع القرار التنبه لها، بدءا بمشاريع إعادة الإعمار في سوريا و العراق، ومرورا برفع الحصار عن السودان و ربما قريبا إيران، وليس انتهاء بإعادة المسارات التجارية باتجاه السوقين السوري والعراقي لسابق عهدها بعد هزيمة تنظيم الدولة و استقرار الأمور في كلا البلدين، وليس ببعيد كذلك تلك الفرصة السياحية المجزية في حال فتح المسار السياحي الديني لأضرحة و مقامات الصحابة الكرام.

هنالك حلف سياسي واقتصادي متين قد تشكل فعلا و هو آخذ بالتأطر بشكل أكثر وضوحا، يمتد من طهران فبغداد فدمشق فبيروت، وهو يحمل من الفرص والإمكانات الاقتصادية الكثير، و صاحب القرار اليوم معني أكثر من أي وقت مضى، بأن يبحث عن البدائل والحلول، وليس خروجا عن المألوف البحث عن ما يحقق المصالح الوطنية المستدامة عبر توليد مزيد من النوافذ التصديرية و البوابات الاستثمارية و ترك الباب مواربا أمام أية فرصة تلوح في الأفق. العالم اليوم، وخاصة القوى العظمى، تحترم القوي، والقوي من كان في جعبته حزمة بدائل وخيارات وأوراق ضغط و تفاوض، وليس من استرطب الأزمات.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
11بغداد تنتصر وكذلك طهران

 

 عريب الرنتاوي

 

 صحيفة الدستور الاردنية
 

 

تُظهر تداعيات ما بعد الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان، كيف يمكن لقرار غير محسوب، أو بالأحرى محسوب فقط وفقاً لحسابات شخصية وعائلية وحزبية، أن تكون له أفدح العواقب على مستقبل شعب بأسره، بل وأن يفضي بقضيته الوطنية للتراجع خطوات واسعة للوراء، بعد أن رُوّج لقرار الاستفتاء على أنه الخطوة النهائية التي تسبق إعلان الاستقلال التام.

قلنا هذا الكلام في مؤتمر “الديمقراطية وتقرير المصير” الذي شاركنا فيه في السليمانية قبل أيام فقط من موعد إجراء الاستفتاء، وحذرنا من مغبة “موجة ركوب الرأس” التي اجتاحت قيادة أربيل وشخص مسعود البارزاني، وكتبنا غداة الاستفتاء، محذرين من سيناريو “نجاح الاستفتاء وفشل تقرير المصير” … أعمق مخاوفنا وتحذيراتنا، تجسدت خلال الأيام القليلة الفائتة في سلسلة الانتكاسات التي منيت بها الحركة الوطنية الكردية والمشروع الانفصالي الكردي.

إن كان ثمة من مسؤول تتعين مساءلته ومحاسبته على ما آلت إليه أوضاع الإقليم، فهو مسعود البارزاني شخصياً، فهو المسؤول عن دفع الكرد إلى مواجهة غير محسوبة، مع العراق ودول الإقليم والمجتمع الدولي … وهو المسؤول عن تفاقم الانقسامات واندلاع حرب الاتهامات داخل الإقليم ذاته، والتي يتخوف كثيرون من أن تفضي إلى عودة المواجهات المسلحة بين المكونات الكردية.

في السليمانية، ذكّرنا بما حدث في أواسط تسعينات القرن الفائت، عندما لجأ البارزاني إلى بغداد مستنجداً بصدام حسين لاستنقاذه من زحف الاتحاد الوطني برئاسة “مام جلال” صوب أربيل، يومها عُدّت خطوة البارزاني بمثابة خيانة للطموحات القومية لكرد العراق … اليوم، تبادر أوساط أربيل لاتهام ورثة الطالبني، بفعل الأمر ذاته، إذ تتهمتها بتدبير صفقة “مريبة” مع بغداد، سلمت بموجبها كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها، على طبق من فضة، للقوات الأمنية العراقية المشتركة.

أياً يكن من أمر، فقد تلقت الطموحات القومية الكردية في العراق، بل وفي الإقليم، صفعة قاسية جراء عناد رئيس الإقليم وإدارته الظهر لكل النصائح والمبادرات والوساطات، وعليه اليوم، أن يتوفر على قدر من الشجاعة والجرأة لإعلان ذلك والاعتراف به ودفع ثمنه، وهو الرئيس المنتهية ولايته، لكي يفسح في المجال أمام محاولات إعادة تطبيع العلاقات الكردية مع العرب والعراقيين والمركز … عليه أن يفعل ذلك من دون تردد أو إبطاء، بدل التلهي بالبحث عن أسباب ومشاجب يعلق عليها، أوزار القرارات الارتجالية الطائشة التي اتخذها في لحظة نشوة باقتراب لحظة تجديد الزعامة وتفعيل مسلسل التمديد والتجديد والتوريث، غير المقدس.

لقد عاد المشروع الكردي سنوات عديدة إلى الوراء، فالكرد انسحبوا من كافة المناطق المتنازع عليها، التي فرضوا عليها سيطرة كاملة على طريقة “وضع اليد”، معابرهم الدولية مغلقة ويجري تسليمها تباعاً للحكومة المركزية، مطاراتهم لن تفتح إلا تحت إشراف الحكومة المركزية وبإرادتها … اتصالاتها ومواصلتهم باتت تخضع لممر إجباري واحد هو بغداد … نفطهم ونفط العراق، بات “مؤمماً”، ويخضع لإدارة وإشراف الحكومة المركزية التي تتولى استقبال عائداته … مثل هذه الوضع، لا يعد تراجع إلى مرحلة ما قبل داعش، بل وإلى مرحلة ما قبل 2003.

بعض اللاعبين الكرد، ومن خلفهم بعض داعميهم الإقليميين والدوليين، ظنوا أنهم بتسريع وتائر الانفصال عن العراق، إنما يوجهون ضربة قاصمة ومزدوجة،  تستهدف إيران أولاً، وتركيا ثانياً، وتضعف بغداد التي تتحكم بعملية صنع القرار فيها، أحزاب وشخصيات محسوبة على إيران ومقربة منها ثالثاً.

لكن ما حصل، أن إيران نجحت في رد الصاع صاعين، فهي أمنت لحلفائها في بغداد، بالسياسة والميدان، ما عجزوا عن تحقيقه، بل وما لم يحلموا بتحقيقه … زحف القوات العراقية والحشد الشعبي صوب كركوك، أشعر الأكراد بان حرباً ضروس تنتظرهم … قدوم قاسم سليمان إلى أربيل، ضمن كسب “نصف” المكونات الكردية، وإبعادها عن سيطرة أربيل، لم يعد الكرد رأس حربة في ظهر إيران، بل لقد قصمت الحربة الإيرانية ظهر المشروع الاستقلال الكردي، وألحقت طعنة نجلاء بطموحات من كانوا يراهنون على فرصة الدخول إلى إيران من البوابة الكردية.

ربما تشكل مآلات الاستفتاء وتداعياته، صورة لطبيعة المعارك التي ستخوضها إدارة ترامب ضد إيران، والكيفية التي ستحسم بها هذه المعارك … ولعل التزامن بين هزيمة المشروع الكردي، يعني من ضمن ما يعني، أن إدارة ترامب خسرت أولى معاركها مع إيران قبل أن تخوضها، وربما يعطي ذلك كله، مؤشراً على النتائج الفعلية المحتملة لاستراتيجية ترامب الجديدة حيال إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.