13 مقالا عن العراق في الصحف العربية يوم الاثنين

1 هل تفهمون ماذا يعني استقرار العراق للكويت؟
حسن علي كرم
راي اليوم بريطانيا

هناك من البسطاء والسذج والجهلة وقصيري النظر والخبثاء الذين يقتنصون كل مناسبة ليقلبوها مكسباً لهم وهناك اخرون يستغلونها للطم و ضرب الخناجر و شق الجيوب، هؤلاء وهؤلاء وأولئك وغيرهم هنا في الكويت أو هناك في العراق ساءهم ان يشاهدوا التظاهرة العالمية على أرض الكويت، في تجمع قلما نجحت دول تفوق الكويت مساحة و تفوقها سكاناً و تتفوق عليها قوة و ثراءً وأقتصاداً على تنظيمه، الا أن الكويت نجحت، مثلما نجحت بسوابق مماثلة في تجميع العالم، حول قضايا إنسانية وامنية و سياسية، وخلافية ايضاً، الكويت شهدت أرضها في غضون السنوات القليلة الماضية عدة ملتقيات عالمية تعددت مناسباتها و اختلفت تواقيتها، لكن بقي العنوان واحداً و هو لقاء الكويت، ثلاثة لقاءات تمت هنا في الكويت وكان عنوانها مؤتمر المانحين للاجئين السوريين، واللقاء الرابع تم في لندن ولكن بالحضور الكويتي، مؤتمر إعمار العراق الاخير ليس الا امتداداً للقاءات العالمية السابقة ذكرها هنا في الكويت، ولعل لقاءات منتظرة قادمة لاعمار سوريا وأعمار اليمن وأعمار ليبيا وقد تمتد اللقاءات لتشمل مناسبات و دول بحاجة للإعمار بعد الخراب والهباب …
المناهضون لمؤتمر أعمار العراق هنا في الكويت او هناك في العراق لم يكن أمامهم غير ذرف الدموع الكاذبة، فالغيرة شقت صدورهم دون ان يسمعونا او يقنعوا جماهيرهم انهم يستندون الى أسباب وجيهة و قاطعة تعارض مؤتمر الكويت وجمع الأموال لإعادة أعمار ما تهدم من مدن العراق جراء الاٍرهاب الداعشي الأسود، فأن يعتمل في نفوس قلة من الناس هنا في الكويت او هناك في العراق احقاد الماضي، فذاك يعني ان هؤلاء عاجزون عن تخطي مكانهم، وبدلاً من ان يعترفوا عجزهم ويطالبوا الأصحاء بمساعدتهم لتجاوز مكانهم يطالبون الأصحاء الوقوف معهم، اي ان يقفوا في صف المعارضة، وهو ما لا يمكن ان يحدث، لامر بسيط و هو ان الزمن لا يعود الى الوراء، ولكنه يتقدم الى الامام، والمتخلفون من الزمن لن يجدوا لهم مكاناً و سيبقون من مخلفات الماضي، ان التاريخ عبر وحكم ودروس و تأسي والوقوف على التاريخ بلا عبر و لا دروس ولا حكمة، فذلك يعني ان هذا الانسان خارج من السياق الحضاري، لا يرى ما يدور حوله، ولا يعترف بمنطق التطور، ولا بحركه الزمن، نعم نحتاج ان نستقي من التاريخ العبر والحكم و لكن لا نريد ان تتصلب في مكاننا كالأصنام و الأحجار، فالإنسان حضاري بفطرته، يرفض الجمود و الوقوف على الاطلال، وهذا ما فضل به رب العباد ان أكرم الانسان بالعقل لذلك كان خطابه جل شانه لذوي العقول والالباب …
ورغم كل ذلك ينبغي ان نعذر لهؤلاء الشكاكين عن نوايا العراق حيال الكويت، وان التاريخ العراقي جامد لا يتحرك من مكانه، و ان هناك من العراقيين يتوارثون مقولة ” الكويت النا ” أباً عن جد، و انهم يتحينون الفرصة الموائمة كي يقتنصوها مجدداً ، هؤلاء لا شك معذورون، فالمثل يقول ” اللي عضته حية يخاف من جرة الحبل ” و لكن على العراقيين ان يدركوا بعد كل المحاولات البائسة و اليائسة و الفاشلة لبلع الكويت، ان الكويت لم تكن لقمة سهلة الهضم، و ان على عقلاء العراق و حكمائه و ما أكثرهم ان يصححوا التاريخ و يزيلوا الأفكار العفنة المعشعشة بداخل عقول تلك القلة الجاهلة و الحاقدة و المغفلة و المضللة، يقول السياسي و المفكر العراقي حسن العلوي انه فتش في التاريخ فلم يجد ما يدل ان الكويت تابعة للعراق، هذه شهادة من رجل باحث و مثقف عراقي أصيل عرف الحق فاتبعه، و نرجو ان يعرف الاخرون الحق و يتبعوه، فلا هناك اجل من الحق أن يُتبع، و ان لا يحشوا عقول البسطاء بالأساطير و تواريخ مزيفة …
ليس أمامنا هنا في الكويت و هناك في العراق الا ان نتفق ان امن و استقرار العراق من امن و استقرار الكويت و ان امن و استقرار الكويت من أمن و أستقرار العراق، و ان قوة العراق قوة إضافية للكويت، و لعل قول سمو الامير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله و رعاه في ثنايا كلمته في مؤتمر أعمار العراق الاخير، الذي قال ” استقرار العراق الذي يعد جزءً لا يتجزا من امن و أستقرار دولة الكويت ..” هو القول الذي ينبغي ان نلتقي عليه جميعاً، نحن هنا في الكويت نريد عراقاً أمناً مستقراً، فانتعاش الكويت يتحقق اذا استقر العراق، و هكذا يكون الحال في العراق أيضاً …
لعل من الحكمة الا يلتفت المسؤولون في كلا البلدين الى الأصوات النشاز الجاهلة، مروجي الأضاليل و مأججي الفتن، و البكاؤون و الراقصون و مهوسو الشوارع و الساحات فهؤلاء لا شك مفلسون يروّجون بضاعة منتهية الصلاحية، أن من الاسى ان يستغل سياسيون عراقيون، او أشباه سياسيين و هواة، قضية الكويت تذكرة الدخول الى البرلمان، فكلما ارتفع عويلهم و سعارهم على الكويت، ارتفعت اسهم النجاح، أن هؤلاء جهلة في التاريخ و جهلة في الجغرافيا و جهلة في علاقات الجيرة و العلاقات الدولية، و من الحكمة الا نلتفت الى جعجعة هؤلاء المفلسين، ان الديمقراطية العراقية وليدة، لكن ضمان بقائها هو الضمانة لاستقرار العراق و ضمانة لأمن الكويت، لذلك علينا ان نساند هذه التجربة الوليدة كي تنمو حتى يصلب عودها، ان العالم لن يعود القهقري للوراء، فلقد ولت الانطمة الديكتاتورية و حكم الفرد، ان المنطقة و بخاصة الكويت و العراق لا مناص امامهما غير التعايش و الاعتراف بالواقع، فالعالم الحديث تحكمه الجغرافيا لا التاريخ …
أن جملة الاعتراضات على عقد المؤتمر التي قرأناها او سمعناها هنا على لسان كويتيين او هناك في العراق على لسان عراقيين، انصبت. على تفشي الفساد و ضياع الأموال و هناك من أخذ على الحكومة الكويتية تقتيرها على المواطن و كرمها الحاتمي الملياري على الخارج، و لكن هؤلاء يتناسون او يتجاهلون عمداً ان تاريخ الكويت بني على الخير و مد يد المساعدة و العون و ان ذلك طبيعة متأصلة تأسست في نفوس الكويتيين منذ تأسيسها، و الكويت اذا تبنت عقد الموتمر على ارضها لكنها لم تتعهد وحدها بضخ الأموال و أعمار العراق، او انها تنازلت عن أموال التعويضات المتبقية على العراق جراء الغزو، وفقاً لقرارات الصادرة عن مجلس الامن، فبعض الدول فاقت مساهمتها في صندوق الإعمار تعهدات الكويت، ان من العبث خلط الأوراق، و تحميل فشل الادارة الحكومية او الفساد او الغلاء على ذرائع المؤتمر …
ان مؤتمر أعمار العراق ككل المؤتمرات السابقة التي أُقيمت على ارض الكويت عززت مكانة الكويت على خريطة العالمية، و هي الخريطة التي لا يحتلها الا المتميزون …
ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
2 الكبير كبير.. الكويت أنموذجاً
إنتصار البناء
الوطن البحرينية
شهر فبراير هذا العام مختلف في الكويت. فبراير هو الشهر الذي عادت فيه الكويت بعد أن قاومت الاحتلال العراقي الغاشم عليها عام 1990. ومن ثم صار فبراير شهراً يحتفل فيه الكويتيون بالتحرير، ويستذكرون فيه آلامهم وجراحهم القديمة.

في السنوات الطويلة الماضية رفع الكويتيون في كل شهر أغسطس من كل عام شعاراً يحمل عنوان «لن ننسى». تحول شهر أغسطس بموجبه إلى شهر تمتلئ فيه وسائل الإعلام والشوارع بصور الغزو العراقي من دبابات عراقية ومبان متضررة وصور للمفقودين الكويتيين. وتعكف القنوات الكويتية على عرض مقابلات لكل من كان حاضراً الغزو من كتاب وصحافيين وجنود ومواطنين كباراً وصغاراً ومن ذوي الشهداء والمفقودين. وكانت الثيمة التي يعمل عليها الإعلام في هذا السياق هي استحضار ألم الغزو كما وقع حينها وإذكاء آثاره كي لا تنطفئ من الذاكرة ومن المخيال الجمعي الكويتي. ثم يعود الكويتيون لينعشوا ذاكرتهم التي لم تنطفئ بعد باحتفالات التحرير في فبراير فتبقى الكويت بذلك على موعد كل ستة أشهر مع ذكرى الغزو العراقي المؤلمة.

وليس من الإنصاف لوم الكويت والكويتيين على حالة الاستحضار هذه، وإن كانت متواصلة لسنوات طويلة، فما مر به شعب مستقر مثل الشعب الكويتي من تشرد وخوف وعذاب لا داعي للمزايدة عليه. إلا أن شعار «لن ننسى» الذي كان يحضر مع كل أغسطس كان شعاراً يمكن من المحتمل أن ينبئ عن مستقبل غير مستقر بين الكويت والعراق في ظل الظروف الإقليمية المتأزمة حالياً، وفي ظل انهيار النظام العراقي، وانهيار الدولة العراقية كاملة، واحتراق الشعب العراقي في أتون مأساة سياسية وإنسانية.

في فبراير من هذا العام عقد مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت الذي جمع فيه مبلغ 30 مليار دولار على شكل مساعدات وديون واستثمارات لدعم الاقتصاد العراقي. وبرغم ما قد يراه البعض من عدم جدوى دعم نظام المحاصصة الطائفية في بغداد الذي يغرق في فساد لا مثيل له في الكرة الأرضية، إذ إن الاستثمار الطبيعي لنفط العراق يجعله غنياً عن أي مساعدات وهبات. ولكن ما يهمني هو تغلب الكويت على الجروح الغائرة، فهي دائماً معروفة بطبيعتها العروبية الداعمة والمساندة للعرب في محنهم وفي قضاياهم العادلة.

وفي الوقت الذي تتأزم فيه معظم العلاقات العربية تخرج لنا الكويت في حالة تقارب وتجاوز للمأزق التاريخي، بما يمثل نقطة ضوء في واقع يزداد عتمة.
3 ما بعد مؤتمر إعادة الإعمار
شملان يوسف العيسى الاتحاد الاماراتية

انتهت فعاليات مؤتمر إعمار العراق الذي عقد في الكويت بين يومي الـ11 والـ13 من شهر فبراير الجاري، وجاءت حصيلة التبرعات والاستثمارات التي قدم بها المشاركون وعوداً والتزامات للعراق بنحو 30 مليار دولار، وهو مبلغ جيد لبداية الإعمار، رغم حقيقة أن المسؤولين العراقيين قد أعلنوا بأن بلادهم تحتاج إلى 10 سنوات للتعافي وإلى مبلغ بـ88.2 مليار دولار كتكاليف لإعادة الإعمار، وهو رقم يبدو مبالغاً فيه.

وعلينا الإقرار بأن الخطوة الكويتية لإعادة إعمار العراق أتت من طرف لديه مصلحة كبيرة في استقرار العراق، لأنه لا يمكن للمنطقة أن تستقر بدون استقرار بلد مهم ورئيسي مثل العراق.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الجميع اليوم هو: ما هي المعوقات الرئيسة التي قد تعرقل المجهود العربي والدولي لإعادة إعمار العراق دون بلوغ أهدافه؟

يرى المراقبون الاقتصاديون الذين حضروا مؤتمر الكويت أن مسألة إعادة الإعمار والاستفادة من الهبات والاستثمارات الأجنبية التي سيتم إنفاقها على العراق، يتطلب نجاحها وجود بيئة مناسبة للاستثمار وإعادة الإعمار، وهذا يتطلب خروج العراق من آثار الحرب الأهلية المدمرة، وما تركته من تأثيرات سلبية للغاية على الدولة والمجتمع العراقيين، بمعنى أنه يجب أن تكون في العراق حكومة وطنية ديمقراطية تؤمن بالتعددية ولا تسمح للأحزاب الطائفية والدينية بالهيمنة أو الاستحواذ الكامل على مقاليد الأمور في المجال العام.

وهناك قضايا جوهرية يجب الالتفات إليها قبل البدء في عملية إعادة الإعمار، ومن ذلك معالجة ظاهرة تفشي الفساد وتمكنه من مؤسسات الدولة وأحزابها، إذ لا يمكن ضخ ملايين أو مليارات الدولارات من الاستثمارات في بلد يعتبر من أكثر بلدان العالم انتشاراً للفساد فيه.

وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس ذكرت بأن عملية إعادة الإعمار في العراق انتهت بأكبر عملية نصب في التاريخ، حيث هيمن الفساد وصراع الشركات الأجنبية، والتي توقفت جميعها على حقيقة الإرهاب والتطرف وملاحقة فلول «البعث».

الحقيقة المرة هي أن العراق بلد غني بثرواته الطبيعية والبشرية، ويكفي أن نذكر بأنه اليوم يعتبر رابع أكبر مصدِّر للنفط في العالم، بعد السعودية وروسيا والولايات المتحدة، إذ ينتج نحو خمسة ملايين برميل يومياً، ولديه أراض زراعية ضخمة وصناعات ومناطق سياحية جميلة يمكن استغلالها لو استقرت أوضاعه.

والسؤال الذي يتعين على الساسة العراقيين الإجابة عنه هو: أين تذهب ثروات العراق؟ وإلى متى سرقة أموال الشعب العراقي؟

منظمة الشفافية الدولية ذكرت أن العراق يحتل المرتبة 166 في قائمة تضم 175 دولة في مؤشر الفساد وسوء الإدارة. وذكرت المنظمة في تقريرها السنوي أن المؤسسة الأكثر فساداً في البلاد هي الأحزاب السياسية، يليها البرلمان، ثم القضاء، ثم المؤسسة العسكرية، بل إن رئيس لجنة النزاهة العراقية حسن الياسري يصف مهمته في محاربة الفساد بمن يحاول تحويل مياه البحر باستخدام ملعقة.

وأخيراً نتمنى أن يعي الساسة العراقيون بأن أموال إعادة الإعمار تمثل الفرصة المناسبة للبدء في الاهتمام ببلدهم وإعادة بنائه.
4 15 عاماً.. على غزو العراق
جيمس زغبي الاتحاد الاماراتية

في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، سأحاول تسليط الضوء على ما حدث في شهري فبراير ومارس عام 2003.. تلك الأيام التي سبقت الغزو الكارثي للعراق واحتلاله، على أيدي إدارة جورج بوش الابن. ولا أزال أتذكر جيداً تلك الأكاذيب التي رُوّجت، وحالة الهيستيريا التي وُجدت، وأساليب التنمّر التي استخدمت لإسكات أي نقاش، وكذلك الحشد الإعلامي الذي تم تنظيمه لمعارضة تلك الحرب.

وفي نهاية المطاف، تجاهل الرئيس بوش الرأي العام الأميركي، والنصائح الأمينة من سياسيين «جمهوريين» بارزين، مثل وزير الخارجية الأميركي الأسبق «جيمس بيكر» ومستشار الأمن القومي الأسبق «برينت سكوكروفت»، وغزا العراق، وهو ما أفضى إلى أكبر كارثة لاحقة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.

فقد كان للحرب في العراق تأثير مستمر ومتنامٍ بمرور الوقت، ويمكن قياس عِظم الكارثة من خلال الخسائر في الأرواح والثروات والإمكانات والمكانة.

ومنذ عام 2003 وحتى الانسحاب الرسمي للقوات الأميركية المحاربة في عام 2011، حصدت تلك الحرب أرواح 4500 أميركي، وأكثر من 150 ألف مدني عراقي، وأضحى أكثر من 600 ألف عسكري أميركي متقاعد شارك في تلك الحرب، إضافة إلى الحرب في أفغانستان، مسجل الآن على أنه «معاق». ورغم ذلك، كي نفهم تأثير الحرب بشكل كامل، يجب أيضاً أن نأخذ في الحسبان عدد الشباب والشابات، الذين أصيبوا بعد عودتهم إلى الولايات المتحدة من الخدمة في العراق وأفغانستان لبضع جولات، باضطراب ما بعد الصدمة، (وأدى نحو 400 ألف مقاتل أميركي مهام في تلك الحربين)، ويعاني 10 في المئة من العسكريين المتقاعدين اضطراب ما بعد الصدمة. والتحق عدد كبير منهم بصفوف المشردين أو المدمنين أو كانت نهايتهم مأساوية، فماتوا منتحرين. وتُظهر الدراسات أن هناك متوسط 40 ألفاً من العسكريين الأميركيين المتقاعدين مشردون. وخلال السنوات القليلة الماضية، بلغ متوسط عدد المنتحرين من العسكريين المتقاعدين المصابين بـ«اضطراب ما بعد الصدمة» نحو 22 يومياً، وهو ما يعني أن شباب المحاربين في هاتين الحربين الذين يموتون بأيديهم سنوياً، بدافع اليأس، أكثر ممن قتلوا أثناء المعارك في كلتا الحربين مجتمعتين.

وقد تم تقدير التكاليف المباشرة للحربين في العراق وأفغانستان بأنها تريليوني دولار تقريباً، إضافة إلى تريليونات أخرى مطلوبة لتغطية التكاليف على المدى الطويل للرعاية الصحية والإعاقة من أجل العسكريين المتقاعدين الذين شاركوا في كلتا الحربين.

وقد تسببت الحربان الطويلتان، اللتان لم يتحقق فيهما الانتصار، في إرباك وإنهاك الجيش الأميركي، وأظهرتا عجزه عن هزيمة حركات التمرد والمقاومة بصورة حاسمة. وقد أدى ذلك إلى إحباط وإضعاف الروح المعنوية للقوات الأميركية، وكشف كذلك حدود أقوى وأغلى آلة عسكرية في العالم. وفي الوقت ذاته، أدت الأحادية المتغطرسة والمتهورة من قبل إدارة بوش، التي اعتمدت مبدأ «من ليس معنا فهو ضدنا»، إلى حدوث خلافات مع الحلفاء، وازدرت الرأي العام في أنحاء العالم. ومع نهاية إدارة بوش، كانت مستويات تأييد الولايات المتحدة في أدنى مستوياتها عالمياً. وعززت أيضاً السلوكيات البغيضة من قبل الولايات المتحدة، مثل فضائح سجن «أبوغريب» وأساليب التعذيب ومعتقل جوانتانامو، وغيرها، التيارات المتطرفة، وهو ما قدم شريان حياة جديد لتنظيم «القاعدة»، الذي استفحل خطره مع تنامي الكراهية للولايات المتحدة في معظم القارات، على رغم من أن جذور التنظيم كانت في أفغانستان. وأدى ضعف وإنهاك الجيش الأميركي إلى نتيجة غير متوقعة إذا تجرأت قوى إقليمية وعززت نفوذها.

وبالطبع، لم يكن من المفترض أن يحدث الأمر على ذلك النحو، فقد تصوّر دعاة الحروب، من «المحافظين الجدد» أصحاب «مشروع القرن الأميركي الجديد»، انتصاراً أميركياً حاسماً في حرب كتلك التي شجعوها في العراق، واعتبروه ضرورياً من أجل تحقيق الهيمنة الأميركية في النظام العالمي الجديد. ومع الإندفاع إلى الحرب، انخرطت إدارة بوش وأذنابها من «المحافظين الجدد» في حملة أكاذيب دعائية لكسب التأييد لذلك الغزو. وعندما أقول إنهم كذبوا، فلا أعني بذلك اختلاق مسألة «البرنامج النووي» لصدام حسين أو المحاولات الزائفة لإظهار النظام العراقي على أنه الراعي الرئيس للإرهاب في المنطقة، فقد كان ذلك مجرد موجز عرضه وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت «كولن باول» في الأمم المتحدة في محاولة فاشلة لكسب التأييد الدولي للغزو. وإنما أقصد أكاذيب أشد خطورة قيلت عندما حاولوا ترويج الحرب للأميركيين، باعتبارها مغامرة سهلة ورخيصة وثمينة.

وفي شهادتهم أمام الكونجرس، وبياناتهم الصحافية المقتضبة، زعم مسؤولون رفيعو المستوى في الإدارة الأميركية أن الحرب لن تحتاج إلا إلى ما يتراوح بين 60 و90 ألف جندي، وأن المعركة لن تستمر لأكثر من بضعة أسابيع، وأنه سيتم استقبال القوات الأميركية استقبال الفاتحين، وأن التكلفة الإجمالية التي ستتكبدها الولايات المتحدة ستتراوح بين مليار وملياري دولار، قبل استئناف إنتاج النفط العراقي ومن ثم تغطية بقية التكاليف. وذهب مروّجو الحرب إلى حد زعم أن العراق، بعد أن تضع الحرب أوزارها، سيصبح «نموذجاً للديمقراطية» و«رمزاً للشرق الأوسط الجديد».
5 ما ينفع فيهم!

حسين الراوي الراي الكويتية
هناك صنف من البشر لا ينفع معهم الإحسان والطِيبة، مهما أعطيتهم وأكرمتهم وتعبت معهم لا يثمر كل هذا فيهم! وكأنهم يتنفسون نكران الجميل وجحود المعروف. وفي هذا يقول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ويقول أيضاً فيهم زهير بن أبي سُلمى:
ومن يجعل المعروف في غير أهله
يكن حمدُهُ ذماً عليه ويندمُ
والأصعب، أنك تعلم بأن وقوفك مع هذا الصنف من البشر لن يعود عليك بأي شيء إيجابي حقيقي في علاقتك معهم، ورغم ذلك تتناسى أن هذا هو طبعهم وتتقدم نحو مساعدتهم!
والأصعب من كل هذا، أن يكون محيطك ومن هم حولك محتاجين لذلك الذي تريد تقديمه لذلك الصنف من البشر الجاحد، ورغم هذا تكرمهم وتعطيهم!
لقد أثبتت السنون والأيام والأحداث، ان ذلك الصنف، صنف خسارة أن تبذر فيهم الخير لأنهم باختصار اعتادوا على عض كل يد كريمة تمتد لهم بأنياب الجحود والنكران.
وغداً سوف ترون وتسمعون بعض جماعاتهم السياسية كيف ستقول ضدنا كلاما ممزوجا بالباطل والدجل والكره والحقد، وكأننا لم نقدم لهم أي شيء!

6 من الكويت مع التحيات
سمير عطا الله
الشرق الاوسط السعودية
قبل استقلال الكويت العام 1961 قدم رئيس وزراء العراق نوري باشا السعيد عرضاً سخياً على الدولة العتيدة: أن تنضم إلى اتحاد يضم العراق والأردن. أعرب الشيخ عبد الله السالم عن تقديره الشديد لكنه اعتذر عن عدم القبول: أسباب العرض واضحة، وأسباب الرفض أكثر وضوحاً.
الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكن لديه الوقت الكافي للياقة الباشوات فأعلن ضم الكويت بعد استقلالها. وأرفق صدام حسين قرار الضم بعملية اجتياح انتهت بحرب شارك فيها نحو مليون عسكري. قدرت كلفة الاحتلال، في الاتجاهين، بنحو 300 مليار دولار.
الآن يرصد مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت 30 مليار دولار، هو في اعتقادي لا يكفي في بلد لم تتوقف أضرار الحروب فيه منذ نحو أربعين عاماً. وقد نظر الكثيرون إلى المؤتمر من ناحيته الرمزية، أي قيام الكويت المحتلة ذات مرحلة، بمبادرة بناء الدولة الغازية ذات مرحلة. والبعض الآخر أدخل الشماتة في نوعية الحدث، وهي لا تليق ولا تفيد.
والدروس أيضاً لا تفيد في عالمنا الذي كنا نغني له عربياً أبياً وهو مُخترَق الآن بثلاث قوى ذات عداء تاريخي مع العرب والعروبة: إيران وتركيا وإسرائيل. إلا أن المبادرة الكويتية تظل درساً سواء تعلمناه أم رأينا غداً دولة عربية تغزو دولة عربية أخرى وهي في الطريق إلى إسرائيل. وقد دُمِّر نصف العالم العربي ولا يزال ذلك التاريخ مقطوعاً.
لماذا دولة في حجم الكويت سوف تساهم في إعمار دولة تدعى بين النهرين من حيث الخصب التاريخي، وتتمتع بثاني أضخم احتياطي نفطي؟ النظام، لا شيء آخر. لأن الكويت تعيش في ظل نظام طبيعي عادي ليس فيه مشانق وسجون وحروب وظلمات، بينما يبدّد العراق ثرواته الهائلة – خصوصاً البشرية منها – على التململ العنفي في الداخل والخارج. ويستقبل لبنان مليوني نازح سوري وهو لا يملك من مساحة وثروة سوريا إلا القليل، لكنه اختار العيش في نظام بسيط عادي.
من مجرد مشاهدة للنشرات الإخبارية، يشعر المرء أن أموال العالم لا تكفي لإعادة إعمار سوريا والعراق. ولماذا كل هذا العنف على الناس والممتلكات؟ عندما دخلت جيوش الاتحاد السوفياتي وحلف فرصوفيا العام 1968 لقمع «ربيع براغ» لم تطلق عياراً واحداً حتى في الهواء. وكان الضحية الوحيدة للغزو طالباً أحرق نفسه يدعى يان بالاخ. الآن يقول العبادي إن ضحايا حرب «داعش» في العراق 18 ألف بشري. ضحايا الحرب مع إيران كانوا مليوناً. ضحايا الاحتلال الأميركي ليس هناك من يعرف. وليس في الأمر أهمية. فنحن، كما كتب الزميل راشد فايد في «النهار»، شعب غير قابل للانقراض.

7 تحديات إعمار العراق عادل درويش
الشرق الاوسط السعودية

المنح والاستثمارات والقروض، كلمات اتضحت الحاجة لتغيير المفاهيم حولها أثناء استضافة الكويت، التي نظمت ودعمت وموّلت، مؤتمرين لدعم العراق.
مجهود هرقلي بذله المنظمون الكويتيون بخبرة طويلة في تنظيم المؤتمرات وإدارة العمليات اللوجيستيكية المعقدة لوفود عشرات الدول والمنظمات العالمية وعشرات الصحافيين متعددي اللغات والجنسيات.
بجانب استضافة الكويت مؤتمر تحالف البلدان التي تحارب التنظيم الإرهابي «داعش»، فقد استضافت أيضاً مؤتمر الاستثمار لإعادة إعمار العراق.
الأفكار الاستراتيجية والاقتصادية والمالية التي قدمها الكويتيون والمشاركون الآخرون، تستحق أن يدرسها العراقيون بدقة، ويتولوا تطبيقها استفادة من الخبرة التجارية الاقتصادية الكويتية على وجه الخصوص، والخليجية عامة، في التحول من نموذج الاقتصاد السوفياتي الاشتراكي الخاسر إلى الاستثمار واقتصاديات حرية السوق.
أبدى الكويتيون مرونة واقعية بجانبين إنساني وسياسي.
الأول في روح المساعدة والتعاون مع الشعب العراقي بكافه عناصر مكوناته العرقية، وعدم محاسبته كله على العدوان على الكويت (1990 – 1991)، فالمسؤولية التاريخية يتحملها الديكتاتور الراحل صدام حسين التكريتي (1937 – 2006)، بعدوانية نظامه البعثي ذي الطبيعة المركزية الأوتوقراطية المركزية كحركة تصطبغ بالتمييز العنصري بتذويب العرقيات الأخرى في قومية عربية بميول تأثرت بفاشية موسيليني. ثم أدى احتواؤها للاشتراكية القومية في مطلع الستينات إلى ممارسات نازية الطابع اجتماعياً وخراب اقتصادي بتعطيل القدرات الفردية العراقية، بإعادة صياغة الاقتصاد على نظام بيروقراطي سوفياتي.
الثاني هو واقعية التفريق بين المبادئ والقيم المشتركة، وبين المصالح والأهداف المشتركة.
هناك قيم عامة مشتركة في المجالات الإنسانية والعدالة؛ وقيم محددة من خصوصية بلد أو أكثر في تجمع دولي كالديمقراطية وحرية الفرد في التعبير والاختيار وحرية السوق، ومدى اعتماد النظام المؤسساتي للدولة على، أو ابتعاده عن مفهوم العلمانية (الدولة المدنية عند البعض) أو اقترابها من أو ابتعادها عن المرجعية الثيولوجية.
وعدم مشاركة الجارتين كلَّ هذه المفاهيم والقيم لا ينفي تشاركهما مصالحَ وأهدافاً لا مفر من التعاون لتحقيقها. فالأمن واستقرار المجتمعين وازدهارهما اقتصادياً، مصالح وأهداف مشتركة لمواجهة الأخطار الإقليمية، والتعامل التجاري والاقتصادي مع العالم الخارجي.
المشاركون في المؤتمر، بجانب الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي، ومجلس التعاون الخليجي، والمؤسسات الاستثمارية، وعدوا بـ30 مليار دولار من 88 ملياراً تطلبها بغداد للتعمير وإعادة البناء.
بريطانيا قدمت مليار دولار في شكل ائتمان لمؤسسات تبني المشاريع العراقية.
الكويت قدمت مليار دولار في شكل استثمار، وملياراً آخر كقرض.
السعودية قدمت مليار دولار لإعادة الإعمار عن طريق صندوق التنمية و500 مليون دولار لدعم الصادرات.
الملاحظ أن إيران لم تقدم أي دعم مادي (وعدت بالمساهمة «في الأعمال الأمنية، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار»).
وهنا نتوقف عند «المنحة» و«قرض الاستثمار».
المثل الصيني يقول: «اعطِ الفقير سمكة تطعمه يوماً؛ علمه صيد السمك تطعمه مدى الحياة».
السمكة «منحة» والتدريب على الصيد «استثمار».
أقرض الفقير نفسه ما يكفي لشراء قارب صيد بمعدات كشباك صيد، وثلاجات حفظ، ومعدات التعبئة، تمكنه من تأسيس صناعة تحول البقعة التي يسكنها إلى مركز صناعة توظف الصيادين ومصدري السمك المعلب، وينمو اقتصاد المنطقة. وبالطبع يتلقى مانح القرض نسبة فائدة سنوية من أرباح صناعة صيد السمك.
العراق ليس بحاجة إلى «منحة تطعمه يوماً». فهو بلد غني بالموارد الطبيعية. الخامس عالمياً في احتياطي البترول بـ142503 آلاف مليون برميل (الكويت 101500 والإمارات 97800) حسب أرقام «أوبك». كما أنه أغنى بلاد المنطقة في الموارد المائية، والمنتجات الزراعية والمعادن.
العراق غني بالموارد البشرية، وأبناؤه وبناته من أفضل الخبراء في كل المجالات في الغرب والشرق.
العراق يحتاج 22 مليار دولار سيولة نقدية فورية في قول حكومته.
المستثمر الأجنبي، ليس مؤسسة خيرية، أو يلقي بأمواله مقابل أطماع سياسية. لذلك هناك شروط يجب أن يعيها العراقيون، ويوفروها لجذب المستثمر غير العراقي.
أولاً، ضرورة توفير الأمن لطمأنة المستثمر على أن معداته ومبانيه والعاملين عنده لن يتعرضوا للأخطار التي تمثلها «داعش» أو الصراعات الطائفية. «داعش» هُزمت جغرافياً، بدون القضاء الكامل على أفكارها وتجفيف حاضنتها البشرية وتدمير عناصرها (الأميركيون في حصار الموصل والرمادي أو في أكثر من موقع في سوريا، ضغطوا على القوات المهاجمة للسماح لمقاتلي «داعش» بالهرب بدلاً من القضاء عليهم).
الأمر الثاني، قلق المستثمر من انتشار الفساد لأنه يضيف إلى تكلفة الميزانية، كما يؤدي إلى تعطيل سير العمل وعرقلة الجدول الزمني الذي يتوقف حتى يحصل «الكل على نصيبه».
الثالث، هو الاطمئنان بعيد المدى. فالمستثمرون والبنوك لهم تجارب مؤلمة مع بلدان الانقلابات العسكرية التي حولت اقتصادها ونظامها السياسي إلى شمولية ما يسمى بـ«الاشتراكية»، باستيلاء أنظمة هذه البلدان على الصناعات والاستثمارات والودائع فيما عرف بالتأميم. وهذا بدوره خلق بيروقراطية أصبح شاغلها استمرارية الجهاز البيروقراطي نفسه على حساب الشعب ومصالحه.
التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى تغيير الذهنية العراقية، التي سيطرت على المؤسسة السياسية والاقتصادية منذ الانقلاب الأول في 1958 الذي قضي على النظام البرلماني وذهنية حرية السوق، ليس فقط لقبول نموذج القرض الاستثماري الذي طرحناه بالمثل الصيني عن السمكة والصيد، بل أيضاً بإصلاح الجهاز البيروقراطي حتى لا تضيع الأموال في إدارته، أي يكون الإقراض على المستوى المحلي في شكل بنوك وجمعيات إقراض واستثمار صغيرة. أي قروض الاستثمار الأفقية، وليس الرأسية من أعلى إلى أسفل الهرم البيروقراطي.
وضع الإصلاحات التي تطمئن المستثمر موضع التطبيق، يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير وإصلاحات تبدأ بتطوير التركيبة السياسية بتغيير النظام الانتخابي نفسه من نظام القوائم (التمثيل النسبي) إلى نظام الدوائر (انتخاب مرشح واحد لمقعد برلماني في دائرة جغرافية محددة). فالأول يعمق الطائفية والعرقية، وهو المنفذ الذي تسللت منه «داعش»، بينما نظام الدوائر سيكون أكثر تمثيلاً وخطوة نحو تقليل الفساد وتقليم مخالب وحش البيروقراطية. فالناخب سيختار المرشح الذي يقدم له الخدمات والإصلاحات المحلية، ويظل يتابع أداءه بصرف النظر عن خلفيته الطائفية أو العرقية.
وتغيير الذهنية يجب ألا يقتصر على الحكومة فقط، بل يمتد إلى كافة نواحي المجتمع العراقي، وهو أمر ليس باليسير بعد أكثر من نصف قرن من حكم مركزي شمولي تعمد تطويع العقل الجماعي للمجتمع، بمساعدة نظام تعليم خصص للغرض نفسه، بالاعتماد على الدولة وإلغاء دور الفرد كمستثمر قادر على النمو ليظل أسير مساحة لا تسمح بالحركة الطبيعية داخل جهاز الدولة البيروقراطي.
8 مؤتمر الكويت… طي صفحة وبدء أخرى فـــؤاد مطـــر
الشرق الاوسط السعودية

يستحضر المرء مواطناً من أبناء الأمة كان، أو كاتباً مثل حالي، وهو يتأمل في المشهد المتعدد الحلقات منذ بضعة أسابيع، في الكويت التي استضافت: «المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق»، من الذاكرة المثل الشعبي الذي يقال في صِيَغ متنوعة: «الجار للجار… ولَوْ جار». كما يستحضر في الوقت نفسه قول البحتري، أحد كواكب الشعر في الزمن العربي الغابر: «إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها… تذكَّرتِ القربى ففاضت دموعها».
لو أن دولة الكويت ستُبقي صفحة ما حدث يوم الخميس 2 أغسطس (آب) 1990 مفتوحة، لما كانت – وهي ترى أي حال هو عليها العراق، وكيف أن الدمار أتى على مناطق ومؤسسات، وبات العنف والصراعات والانفجارات والفقر يدفع ببلاد الرافديْن إلى المجهول – بادرت إلى تقديم ما من دوافع الأخوة تقديمه، ومن خلال لفتة تراعي مشاعر عنفوان الجار المبتلى بكل أنواع الأذى الذي يلحق به. وما نقصده باللفتة ليس تقديم نجدة مالية، وإنما أن يكون أمير الدولة الشيخ صباح الأحمد مضيف الدولة المقتدرة التي بفعل التكاتف والمساهمة المالية تصبح إعادة إعمار العراق أقل صعوبة، فلا يبقى الركام في أكثر من منطقة على ما بات عليه البنيان، ولا يزداد عدد الذين لا مدارس لهم، كما يتوقف العدَّاد الذي يسجل على مدار الساعة عدد الفقراء من الكبار والصغار، ولا يعود صوت الانقسامات يعلو على صوت التوحد، كما لا يعود هنالك مَن يرى أن الانفصال هو السبيل إلى الاستقرار، على نحو ما كاد يحصل لو كُتب للاستفتاء الكُرْدي يوم الاثنين 25 سبتمبر (أيلول) أن يكتمل فصولاً.
والأهمية التي تكتسبها الاستضافة، أن لدولة الكويت حضوراً يُحسب له حساب في أوساط أُولي الاقتدار المالي الخليجي والدولي. وما نقصده بذلك أنه لو جرى الانعقاد في دولة لا تملك مواصفات دولة الكويت لكان المؤتمر لن يثمر على النحو المأمول، وربما قد لا ينعقد، فضلاً عن أن المجتمع الدولي والخليجي سيأخذ في الاعتبار مسألة طي الكويت صفحة اقتراف العراق غزوة انتهت إلى أن مفاعيلها ارتدت على الدولة التي كانت قبل يوم الخميس 2 أغسطس عام 1990، ترى في الجار الكويتي أنه حاضر دائماً في ساعات الشدة.
والوقفة الكويتية مع العراق لن تقتصر على الرقم الملياري الذي سيحققه مؤتمر المانحين، وهل ستكون هذه المليارات في مأمن من هجمات تتعرض لها، وهو ما نقرأه في طيات كلام لرئيس الحكومة حيدر العبادي، نبَّه فيه من الفساد المستشري. فهنالك قبل المؤتمر تفهُّم من جانب الكويت للمتبقي من التعويضات المترتبة على العراق لتدمير منشآت نفطية كويتية خلال 1990 – 1991. وعندما زار الرئيس العراقي فؤاد معصوم الكويت، وفي اليوم (الاثنين 25 سبتمبر 2017) الذي كان الإقليم الكُرْدي يعيش بهجة الاستقلال الذي يراه الشعب الكُرْدي قريباً ونراه بعيداً، أو فلنقل مستحيلاً، فإنه سعى لدى أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد لتخفيف وطأة التعويضات المتبقي منها للتسديد أربعة مليارات وستمائة مليون دولار، من أصل المبلغ الإجمالي 23 ملياراً. وما نعنيه بتخفيف الوطأة هو إعفاء العراق نتيجة الظروف الراهنة والكثيرة التعقيد من المبلغ المتبقي.
مشكلة الأمة أن ثلاثة أرباع أقطارها تحتاج إلى نجدات، ودائع كانت هذه، أو إعفاء ديون، أو ودائع مليارية، أو مؤتمرات مانحين. وأمامنا – على سبيل المثال لا الحصر – الحالة السورية، والحالة العراقية، والحالة اليمنية، والحالة الفلسطينية، والحالة اللبنانية. لكن المشكلة الأساسية في هذه الحالات هي في تغييب التعقل والإصرار على عدم مداواة الواقع المتردي من خلال التفهم والتضحية.
وإلى ذلك، نرى أن الأزمات المالية تلفح خزائن دول كثيرة، الأمر الذي يعني أن مسألة النجدات لن تتوفر فيما هو آت من السنين. وبالتالي فإن المأمول من ذوي الاحتياجات الخاصة، أي الدول التي تعيش حالة من الإعاقة الحكومية، أن تتنبه إلى أن ما هو الآن على درجة من التجاوب مع مطالب، لن يكون متيسراً مستقبلاً. وما نقوله نخص به لبنان واليمن والعراق وفلسطين، إذ ربما في ظل التفهم ووقْف الاحتراب والكف عن أساليب الفساد المالي والإفساد المبادئي، تصطلح الأمور نسبياً، ولا يعود الحِمْل ثقيل الوطأة، وإلى درجة طلب النجدة من خلال وديعة أو مؤتمر مانحين.
ويبقى أننا عندما نستحضر الاستضافة الكويتية للمانحين من أجل تصويب أحوال العراق، ويحدث ذلك رغم ما علق في سماء العلاقات من غيوم سوداء تركت آثارها على المشاعر، نرى أن مبدأ النجدة في ساعة الشدة ليس مستحدَثاً، وأنه جزء من أدبيات أزمان مضت، ومنها على سبيل المثال ما حدث في القمة العربية الاستثنائية في الخرطوم (29/8 – 1/9/1967) عندما طوى بعض القادة صفحة إساءات، وقرروا – على القاعدة البحترية التي يلخصها بيت الشِعر الذي أوردناه مطلع هذه المقالة – نجدة مصر لإزالة آثار العدوان التي لحقت بها يوم 5 يونيو (حزيران) 1967، وذلك بقرار من المملكة العربية السعودية، والمملكة الليبية ودولة الكويت، تقديم مبالغ سنوية وبالجنيه الإسترليني المعتمَد زمنذاك، وإلى حين إزالة آثار العدوان (50 مليوناً من السعودية، و35 مليوناً من الكويت، و30 مليوناً من المملكة الليبية).
وبذلك بقي المثل الشعبي: «الجار للجار ولو جار» من التراث الذي لا يندثر، ومن جملة العقاقير التي تخفف المصائب في حالات التوعك المالي والاقتصادي والاجتماعي والمعيشي الصعبة.
9 الجغرافيا السياسية الوعرة للعراق
حسام الطائي
صحيفة الحياة السعودية

قد يكون في أي بلد جغرافيا وعرة جداً تعوق فتح الطرقات وبناء المساكن وتشكل معضلة، لكن أن تكون جغرافيته السياسية وعرة إلى درجة تعرقل استقراره وأمنه فهنا المعضلة أكبر.

العراق في موقع جيوسياسي صعب جداً بين دول مؤثرة في شكل كبير، يشترك معها بحدود طويلة وعواطف دينية كبيرة تحرّك طوائفه.

ثاني تعقيدات جغرافيا العراق السياسية هي التأثيرات الحضارية المحيطة، إذ إن تركيا التي احتلت العراق مئات السنوات، كانت مؤثراً أساسياً في تغيير عاداته وتقاليده وتاريخه، وربط جزء من هذا التاريخ بالدولة العثمانية التي كان العراق جزءاً منها.

إيران كذلك احتلت العراق مرات عدة منذ عام 1530 وحتى عام 1736 الأمر الذي جعل الحضارة الفارسية موجودة في العراق ومؤثرة في تاريخه.

التعقيد الثالث هو القوة الاقتصادية المحيطة بالعراق، فبعد انتشار الفساد المالي والإداري وغرق الحكومة العراقية في الأزمات الإقتـــصادية وفقدان القدرة الصناعية والإنتاجية والبنائية تحول العراق إلى بلد مستورد من الدرجة الأولى يعتمد في كل شيء على الدول المحيطة. فتركيا شمالاً التي تحولت الى عملاق إقتصادي منــافس حتى للدول الأوروبية تصدر للعراق الكثيرمن المنتـــجات الأساسية، مع تواجـــد كبير للشركات التركية التي تساهم في عمليات إعادة الإعمار وبناء البنية التحتية، إضافة إلى أن أهم أنابيب النفط التي يصدرها العراق تمر عبر موانئ تركيا، ما يجعلها تســـيطر على مصدر دخل مالي كبير، وبالتالي فالعراق يعتمد على تركيا وهذا الاعتماد الاقتصادي يرتبط بالاستقرار السياسي. السعودية كذلك، عملاق صناعي بنظرة مســتقـــبلية إيجــابية، إذ تملك حالياً مشاريع صناعية كبيرة وتعمل على مشــاريع المستقبل القريب العملاقة مع وجود شركات سعودية برؤس أموال كبيرة مستعدة للاستثمار والمنافسة، ونظراً إلى صعود القيادة الشابة في السياسية السعودية، كانت أولى خطواتها الانفتاح نحو العراق وبدء صفحة علاقات جديدة.

بالنتيجة سيكون التأثير الاقتصادي السعودي قوياً في العراق، خصوصاً مع وجود الروابط الدينية واللغوية والعشائرية وغيرها والتي تعطي الأفضلية على تركيا، وبالتالي سيكون التأثير الاقتصادي السعودي مثل التأثير التركي أو أكثر قوة.

رابع التعقيدات الجيوسياسية، اختلاف الفكر السياسي المحيط بالعراق، فهو لا يستطيع أن ينشق عن محيطة ويغرد خارج السرب بما هو مضر بمصالح الدول أو بما هو مع سياسة دولة معينة على حساب باقي الدول، خصوصاً أن له ارتباطات دينية حضارية واقتصادية، وبالتالي فهو متربط سياسياً بالدول المحيطة.

فالعمالقة الثلاثة المحيطون بالعراق من ثلاثة جهات، السعودية وتركيا وإيران، كل لديه مواقف سياسية مختلفة مع الأخر، ومختلفة تجاه قضايا حاسمة، مثل مكافحة الإرهاب وتعريفه، والانفتاح وحجم العلاقات مع الغرب، ودعم القضية الفلسطينية وصولاً إلى شكل نظام الحكم. فعلى سبيل المثال العراق لايستطيع التعاون مع الولايات المتحدة التي تسعى إلى مواجهة إيران، لأن هناك تأثيرات دينية حضارية وسياسية، إذ كانت راعية للإحزاب الحاكمة في العراق.

كذلك لا يستطيع أن يكون مؤيداً للسياسية الإيرانية، لأنه سيخرج عن محيطة العربي كما حدث سابقاً وسيخسر علاقاته العربية، وربما الإقليمية ايضاً، أي مع تركيا.

العراق يجب ان يراعي وجهة النظر السعودية تجاه القضايا الخلافية مع إيران، مثل الحرب مع الحوثيين في اليمن واعتبار «حزب الله» في لبنان إرهابياً وغيرها من القضايا، فهو يسعى إلى إصلاح العلاقات مع السعودية، لذلك يجب ألا يطلق التصريحات الانفعالية كي لا يخسر حليفاً دينياً واقتصادياً وسياسياً مؤثراً في المحيط العربي.

كذلك داخلياً لم تسمح الحكومة العراقية باستمرار قضية الاستفتاء على الانفصال الكردي عن العراق، لأنه يؤثر في أمن إيران وتركيا، وكان سيخسر العلاقات والدعم، بل قد يخسر أمنه الداخلي إذا اتخذت الحكومتان الإيرانية والتركية قراراً بالتدخل العسكري.

في النهاية، الجغرافيا السياسية العراقية وعرة وخطرة جداً، والسؤال هو كيف يستطيع العراق أن يوازن بين هذه المؤثرات الدينية والاقتصادية والسياسية والحضارية؟
10 إعمار العراق وإيران والفساد
محمد آل الشيخ صحيفة الجزيرة السعودية

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أهاب بالمجتمع الدولي، خاصة العربي، لمساعدة العراق في بناء ما أحدثته الحروب المتلاحقة في العراق من دمار وخراب على مستوى البشر أولا والحجر ثانيا. طبعا دول الخليج كانت في مقدمة المانحين، أما إيران الملالي فلم تلتزم بدفع دولار واحد. ولم أستغرب هذا العزوف الإيراني إطلاقا، بل كان متوقعا. ففي تقديري أن أهم عقدتين تقفان في وجه أعمار العراق ومساندة العراقيين هما الفساد المالي والإداري، والنفوذ الأخطبوطي الإيراني الذي لن يرضيه، وليس في مصلحة ملاليه، أن يرى العراق مستقرا و مستقلا عن نفوذهم. هاتان العقبتان هما أهم العقبات العويصة التي لا أرى أن حلها سهلا على المدى القريب والمتوسط مالم يسقط نظام الملالي في ايران، وهو -بالمناسبة- أمر محتمل، كما أن هاتين العقبتين مرتبطتان ارتباطا وثيقا ببعضهما؛ فالإيرانيون منذ أن منحهم الرئيس الأمريكي الآفل باراك أوباما العراق على طبق من ذهب، ودَعَمه لص بغداد الشهير نوري المالكي ليتولى رئاسة الوزراء، وهم يسعون بجهود حثيثة إلى تمكين عملائهم من السيطرة على مفاصل السلطة في العراق، وإتاحة الفرصة لهم للإثراء غير المشروع على يد اللص نوري المالكي، ليتمكنوا بالمال الحرام من شراء الولاءات والذمم، وتكوين الميليشيات الموالية للولي الفقيه في طهران. لذلك كان رئيس الوزراء العراقي السابق، وبأوامر من الولي الفقيه في طهران، يهمه ألا يفوز بالمناصب في السلطات الثلاث البرلمانية والحكومية والقضائية إلا الفاسدون؛ فقد كان هذا الرجل واحدا من أهم الأسباب والبواعث التي جعلت العراق يأتي كواحدة من أفسد خمس دول في العالم حسب قوائم منظمة الشفافية الدولية. والإيرانيون ومعهم الأحزاب السياسية المتأسلمة التي اصطنعتها إيران، وقفت بكل قوة في وجه كل من يحاول تحرير العراق من نير الاحتلال الإيراني، لأن الأحزاب الدينية، لا يؤمنون باستقلال الأوطان، وأنما يضعون الولاء للمذهب، أو للحركة الدينية الأيديولوجية قبل الولاء للأوطان وسيادتها. هذا إضافة إلى أن الفساد حسب ما اتضح لاحقا على الأرض، وبعد سيطرة الأحزاب الدينية، مرتبط بالفساد ارتباط الكف بالساعد، ولأن الإنسان العربي عموما، والإنسان العراقي خصوصا، ما زال يثق في رجال الدين، ومنخدعا بهم، وبما يقولون، فإن محاربة الفساد في العراق التي يقول العبادي إنه سينبري لها ستكون في غاية الصعوبة، بل هي أصعب وبمراحل منلحرب على داعش التي انتصر عليها.

وأنا أرى أن الخطوة الأولى لإعادة إعمار العراق، واستقطاب المستثمرين لبناء العراق الجديد سيكون مهمة شبه مستحيلة، إذا لم تكن مستحيلة بالفعل، في ظل نفوذ إيران في الداخل العراقي، ولا أعتقد أن مستثمرا عاقلا سيقدم على الاستثمار في هذه البقعة من العالم، في ظل قضاء فاسد وبرلمان يسيطر عليه الفاسدون وحكومة مكبلة بواقع سياسي تحكمه الميليشيات المتأسلمة الإيرانية.

نعم هناك فرص مغرية للاستثمار في العراق، ربما قل أن تجدها في غيرها من دول العالم، غير أن هذا الاستثمار في ظل النفوذ الإيراني المهيمن على السلطات الحاكمة هناك، أشبه ما يكون بمن يزرع قمحا في أرض مليئة بجحور الأفاعي.

لذلك أقول للدولة الجارة العراق بصدق: من العبث أن تطلبوا مستثمرا أجنبيا لأن يأتي ويستثمر في بلادكم في ظل سيطرة الفساد والفاسدين الذين زرعتهم إيران في العراق، حرروا أنفسكم من الاحتلال الإيراني والعمائم السوداء والبيضاء، كما حررتم بلادكم من داعش، ثم فكروا في إعمار ما خربته الحروب.

إلى اللقاء
11 إيران تسقط في مؤتمر الإعمار
محمد البكر
صحيفة اليوم السعودية

لم يفاجأني موقف إيران المخزي في مؤتمر إعمار العراق، والذي دعت إليه الكويت، كما لم يُفاجئ ذلك الموقف كل عليم أو مطّلع على نظام الملالي الإيراني. ذلك النظام الذي يعرف كيف يدمّر، لكنه يتجاهل كيف يعمر.. ففي مؤتمر الكويت، تسابقت دول العالم، وفي مقدّمتها المملكة والإمارات والكويت، على تقديم ما يمكن تقديمه لمساعدة العراق، لإعمار بلاده، بعد أن تمّ تدمير بنيته التحتية. كما سارعت بقية دول العالم المتحضرة إلى مد يد العون والتبرع بملايين الدولارات لهذا المشروع الإنساني.

أما إيران التي عاثت في العراق فسادًا، ودمّرت اقتصاده، وقسّمت شعبه حسب طوائفه، ونهبت خيراته، وجعلته أسيرًا لها، وسلّحت ميليشياته لتدمّر ما تبقى من بنية تحتية، كي يبقى ضعيفًا محتاجًا، لا يقوى على التعامل معها الند للند، فهي الوحيدة التي هرب وزير خارجيتها قبل انتهاء جلساته، ليس لخجله من موقف بلاده، فهؤلاء لا يعرفون الخجل، بل لأن نظامه لا يعرف إلا الدمار، ولا يتمنى للعراق الخير والسلام. ولقد استمعت لعدد من البرامج، والتي بثتها قنوات غير عربية، وكان من بينها مَن وبّخ إيران، باعتبارها المجرم الأول الذي يستحق المحاكمة والعقاب.

وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري لم يكن راضيًا على جمع 30 مليار دولار من هذا المؤتمر، وقال: إنه مُحبَط لأن هذا المبلغ قليل، ولن يفيد العراق في إعادة إعماره.

العراق بلد شقيق، وشعبه جزء لا يتجزأ من العالم العربي، بغض النظر عن الديانة أو المذهب، وهو اليوم في طريقه للعودة لأمته العربية، بعيدًا عن هذه الوصاية الفارسية. ولعل في هروب مجرمي الحرب الإيرانيين من المؤتمر قشة تكشف حقيقة نظام الملالي أمام كل الشرفاء العراقيين..

ولكم تحياتي.
12 الأردن وإعمار العراق
باسم الطويسي صحيفة الغد الاردنية

إلى هذا الوقت لا توجد مؤشرات واضحة تدل على ان الأردن لديه فرصة مميزة للمساهمة في جهود إعمار العراق تتفق مع موقعه الجغرافي وإمكانياته البشرية وعلاقاته التاريخية، على الرغم من التحسن الكبير الذي شهدته العلاقات بين البلدين في المرحلة الاخيرة واعادة افتتاح معبر طريبيل الحيوي، فثمة عمل سياسي وعلى مستويات متعددة كان من المفترض ان ينجز منذ فترة مبكرة، ولكنه بقي في دائرة الغموض والتردد، فالجميع يعرفون خريطة صنع القرارات الاستراتيجية في العراق اليوم، وهناك دول عديدة في المنطقة استطاعت بناء معادلاتها السياسية وتكيفت مع هذه الاوضاع.
مؤتمر إعمار العراق الذي استضافته الكويت الاسبوع الماضي وبمشاركة 76 دولة ومنظمة إقليمية ودولية و 51 من الصناديق التنموية ومؤسسات مالية إقليمية ودولية استطاع ان يوفر 30 مليار دولار، وستكون هذه المساعدات على شكل قروض وتسهيلات ائتمانية واستثمارات تقدم للعراق من أجل إعادة بناء ما دمرته الحرب، ما يعني عمليا ان ورشة اقتصادية كبرى سيدور رحاها جوارنا قريبا مع بدء استعادة العراق لعافيته الامنية والسياسية، حيث يبدو ان عملية اعمار عشرات المدن والمرافق والبنى التحتية التي تأجلت بسبب الظروف الامنية ستبدأ قريبا.
محليا، لم يتوقف الحديث عن امكانيات وآفاق المساهمة الأردنية في عملية الاعمار، والجميع يعرفون ان الأردن يمكنه ان يوفر خدمات مهمة في هذه العملية أبرزها خدمات لوجستية في النقل والتوريد وخبرات في مجالات الصحة والاسكان والتعليم والمطارات والصرف الصحي والبنى التحتية. علاوة على المليارات التي التزم بها المجتمع الدولي فمن المتوقع ان تضخ الحكومة العراقية خلال السنوات الخمس القادمة مئات الملايين من الدولارات ما يجعل العراق مؤهلا ان يشهد اكبر عملية إعمار في العالم بعد عمليات إعمار ما بعد الحرب العالمية الثانية.
في الأردن ما نزال نردد الكلام الطيب عن العلاقات بين الاشقاء، دون افعال على الارض في السياسة أو الاقتصاد وحتى في الحديث؛ فالحكومة تتكلم مع رجال اعمال عراقيين مقيمين في عمان اكثر مما تتكلم مع الحكومة العراقية، وبعض رجال أعمال عمان أولئك لا يتكلمون اصلا مع حكومتهم في بغداد. لا شك ان العام الماضي قد شهد تطورات مهمة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين سواء في موضوع انبوب النفط او اعادة فتح معبر طريبيل ولكن بقي نمو العلاقات الاقتصادية يسير ببطء.
الأردن الرسمي مطالب اليوم ان يؤكد أن خياراته السياسية مستقلة وتقررها المصالح الوطنية الأردنية وان هذا البلد لديه خبرة طويلة في احترام الفرقاء كافة في المنطقة وان حجمه اكبر من ان يدخل جيب احد. الحذر السياسي الاردني في هذا الملف غير مبرر احيانا، هناك تحديات متنوعة ومتعددة في طريق استعادة قوة هذه العلاقات تبدأ من الظروف الامنية والارهاب وصولا الى وجود اطراف داخل العراق وفي الاقليم لا ترغب بازدهار العلاقات بين البلدين، ولكن الرهان الحقيقي على نمط من العقلانية السياسية الذي بات يتنامى بين العاصمتين يمنح الأولوية للمصالح المشتركة واستحقاقات الجغرافيا.

مركز أبحاث يختص بإيران والعراق
حمزة عليان القبس الكويتية
في معرض توصيفه وجرأته بطرح أفكار مستنيرة بشأن «إعمار العلاقة الكويتية – العراقية» وفي حلقات أربع متتالية في القبس (12، 13، 14، 15) فبراير 2018، أعاد الكاتب والزميل حامد الحمود إحياء فكرة تأسيس مركز بمستوى عالمي للدراسات العراقية والإيرانية يجذب إليه متخصصين في شؤون هذين البلدين، ويعيَّن عليه رئيس وفقاً لكفاءته وليس وفقاً لجنسيته.
هذا الطرح أعاد إلى الذاكرة تجارب عرفتها المنطقة، لا سيما مراكز أبحاث مختصة بالشأن الإيراني، لكنها في الغالب واجهت عثرات من بينها غلبة الصبغة الدعائية والموجهة من قبل النظام، الذي يرعاها ويتكفل بتمويلها.
باستطاعتنا الإسهاب في الشرح والتحليل لعدد من الحالات والإخفاقات التي منيت بها تلك المراكز في المنطقة الخليجية تحديداً، والعربية بشكل عام، وجعلتها مجرد أذرع وواجهات سياسية أفقدتها المصداقية والتأثير الفاعل في الوسط السياسي والبحثي.
هناك تجربة يمكن الاستفادة منها في هذا الشأن، وهي مركز الأبحاث الفلسطيني ومؤسسة الدراسات الفلسطينية واعتبارهما «حالة ناجحة» بالإمكان التأسيس عليها وإضافة ما استجد فيها على صعيد البناء والدور.
باعتقادي ان هذا المركز حقق جملة أهداف، وكذلك المؤسسة، بأن أتاحا للقارئ العربي والأجنبي معرفة «العدو» الإسرائيلي من الداخل بعد أن استمر العرب ردحاً من الزمن يحصلون على معلوماتهم من إذاعات وأجهزة مخابرات وأنظمة سياسية، سطحت العقل العربي ورسمت له خطاً في التعامل أظهر مدى العقم الذي كان عليه، وجردت هذا المواطن والنخبة أيضاً من أي قدرة على التفكير والنقد والتحليل.
ذاك المركز وتلك المؤسسة استخدما كفاءات بشرية مؤهلة وأدوات استطلاع وقراءة كفيلة بنقل الصورة والمعرفة بحجمهما الحقيقي من دون تشويه أو تطبيل أو تضليل.
بتنا نعرف «العدو» على حقيقته، نقاط القوة فيه، نظامه الديموقراطي، جامعاته، مراكز أبحاثه العلمية، تركيبته الاجتماعية، الفوارق في أصوله السكانية وغير ذلك.
الركيزة التي استندا إليها قامت على قاعدتين: توفير التمويل من مؤسسات بحثية ورجال أعمال لديهم إمكانات مالية عالية، ثم الاستقلالية الكاملة عن أي جهة أو دولة يمكن أن تؤثر في نهجهما وإنتاجهما وحياديتهما، والاستعانة بشخصيات وباحثين ومحللين يجيدون اللغة العبرية، ولديهم مستويات دراسية عليا، إضافة بالطبع إلى لغات أجنبية كالإنكليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات الحية.
سيكون النقاش مفيداً إذا ذهب بهذا الاتجاه وتوافرت لهذا المركز بيئة صحية سليمة وخالية من الإملاءات السياسية المسبقة والتوجهات الخفية أو المعلنة.
في هذا البحر المتلاطم من المعلومات والتقارير «المضروبة» وضمن أجواء السماوات المفتوحة وفي عالم الفضاء الإلكتروني، تظهر مدى الحاجة إلى مركز بحثي يتمتع بمصداقية وبقدرة على التحليل بعيداً عن الأهواء وما تشتهيه الأنفس من تمنيات.
إذا وضعت إيران في قائمة «الأعداء» أو رفع العراق من القائمة، ستبقى الحاجة إلى إنشاء مركز بحثي مؤثر، نجاري فيه مراكز الدراسات والأبحاث الغربية كي يكون عوناً لمتخذي القرار ومنصة معرفية تطل على تلك العواصم بعين خليجية وعربية تسهم في قراءة الآخر وتشخيصه وهو المتاخم للخريطة الجغرافية التي تجمع هذه الشعوب والأنظمة المتخاصمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.