11 مقالة عن العراق في الصحف العربية والاجنبية يوم الخميس

11 مقالة عن العراق في الصحف العربية والاجنبية يوم الخميس

1 العراق: تمثال الملك المؤسس بين الفن والسياسة
صادق الطائي القدس العربي

ما نزال في أجواء شهر يوليو وانقلاباته المتعددة في العراق، ولا بأس بإطلالة على هوامش ما حصل في تاريخ العراق القريب. لم تكن بغداد العثمانية تعرف النصب والتماثيل، لأنها ببساطة لم تكن تعرف الشوارع والساحات العامة حتى مطلع العهد الملكي، حين تحرك المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس وبدعم وتبرع من بعض أثرياء بغداد، تم الطلب من النحات الإيطالي بترو كانونيكا عمل نصب للجنرال مود ممتطيا صهوة جواده. والجنرال مود هو الضابط الذي قاد الجيوش البريطانية التي احتلت العراق، فقد دخل بغداد على رأس القوات البريطانية في 11 مارس 1917، ليتم بعدها احتلال باقي مدن العراق، لكن لم يطل به المقام، إذ توفي بعدها بثمانية أشهرفقط، في نوفمبر من العام نفسه، بعد ان أصيب بالكوليرا إثر تناوله حليب ملوث في حفل أقامته مدرسة الاليانس اليهودية.
وفعلا تم تدشين النصب عام 1923 في منطقة الكريمات في جانب الكرخ أمام مقر المندوب السامي البريطاني، الذي تحول لاحقا الى مقر للسفارة البريطانية، ليكون أول نصب تشهده بغداد. وتمر بعدها سنوات وفي خضم موجة الفرح العراقي بانتهاء الانتداب البريطاني وإعلان الاستقلال، ودخول العراق عصبة الأمم المتحدة في اكتوبر 1932، تحين الفرصة لفكرة إنشاء نصب لاول رمز للأمة العراقية الوليدة، مليكها المؤسس فيصل بن الحسين.

لم تكن بغداد العثمانية تعرف النصب والتماثيل، لأنها لم تكن تعرف الشوارع والساحات العامة حتى مطلع العهد الملكي

يذكر ناجي شوكت، وزير الداخلية في وزارة نوري السعيد الثانية، في مذكراته، إنه هو من اقترح على الملك فيصل فكرة إقامة نصب له. ويبدو أن الملك فرح بالمقترح، لكنه تساءل عن كيفية تغطية نفقات العمل، الذي اشارت دراسة تكاليفه الى الحاجة لحوالي 50 ألف روبية كلفة تنفيذ النصب، وهو مبلغ كبير حينها، لكن ناجي شوكت أقنعه بإمكانية تدبر الأمر، لتتم مفاتحة النحات الذي نفذ نصب الجنرال مود، بترو كانونيكا، الذي بات من أشهر النحاتين في منطقة الشرق الأوسط نتيجة تنفيذه العديد من الأعمال الفنية في دول المنطقة. كما يروي محسن ابو طبيخ في مذكراته، أن الملك فيصل الاول كان قد زاره في مدينته غماس‏ التي كان قد بنى فيها حيا أسكن فيها فلاحي أراضيه البالغة حوالي 100 ألف دونم، ومن ضمن ما شاهده الملك في هذه الزيارة حصانا عربيا أصيلا من خيول أبو طبيخ، فأعجبه كثيرا، فما كان من أبو طبيخ إلا أن أرسله إلى الملك هدية مع سايس مسؤول عنه، ففرح الملك بالهدية فرحا شديدا وأهدى السيد مشكور بن السيد محسن الذي جلب الهدية الى بغداد ساعته الذهبية امتنانا لوالده. وسرعان ما ارتدى الملك أبهى ثيابه العربية وعقاله الحجازي وامتطى صهوة جواده العربي بحضور مصوره الشخصي ،الذي وثق اللحظة والتقط له عدة صور، فكان من نصيب إحداها الذهاب الى روما حيث مشغل الفنان بترو كانونيكا لتنفيذ نصب الملك المؤسس احتفالا باستقلال العراق، ودخوله عصبة الأمم كأول دولة في العالم تنهي عهد الانتداب عام 1932.
استغرق العمل على التمثال البرونزي للملك 18 شهرا في إيطاليا، وفي هذه الاثناء كانت وزارة نوري السعيد الثانية قد استقالت، وكذلك استقالت الوزارة اللاحقة لها برئاسة صاحب المقترح ‏ناجي شوكت، وفي مايو عام 1933 ‏إبان وزارة رشيد عالي الكيلاني تمت إزاحة الستار عن ‏هذا النصب في ساحة في منطقة الصالحية في شارع حمل اسم الملك المؤسس في مكان قريب من تمثال الجنرال مود. وقد حضر الاحتفال جمع غفير من الشخصيات الرسمية الأجنبية والعراقية، وجمهور من المتفرجين، المفارقة التي حدثت تمثلت في أن الستارة البيضاء المغلفة للتمثال كان يجب ان تزاح بمحرك كهربائي، لكن عطلا أصابه ما جعل إزاحة الستارة تتم يدويا، فعلقت الستارة بأذن تمثال الحصان لتوثق اللحظة التاريخية بصورة شهيرة والستارة عالقة في أذن الحصان. وقد صدرت إرادة ملكية عـام 1933 بـمـنـح بيترو كانونيكا وسـام الرافدين مـن الدرجة الثالثة.
بقي تمثال الملك المؤسس وهو على صهوة جواده، ورأسه متجه ناحية اليسار، يطل على عابري الشارع المكتض بالحركة على مدى ربع قرن، وفي صبيحة 14 يوليو 1958 أسقط المتظاهرون الغاضبون تمثال الجنرال مود الرابض في مدخل السفارة البريطانية، ثم تحولوا الى تمثال الملك فيصل الأول القريب فأسقطوه ليتم تحطيمه الى قطع صغيرة، تعبيرا عن غضبهم وإعلانا عن سقوط النظام الملكي وبدء عهد الجمهورية.
ولنستمر في سرد حكاية التمثال لابد من التعريف بالفنان الذي نفذه، انه بيترو كانونيكا ( 1869- 1959)، ‏ نحات إيطاليً ومؤلف موسيقي وأستاذ للفنون في اكاديمية روما، اختير عضوًا في مجلس الشيوخ الإيطالي مدى حياته، نفذ العديد من النصب في مختلف دول العالم، ومنها أعمال بارزة في الشرق الاوسط مثل نصب كمال اتاتورك ممتطيا صهوة جواده، نفذه عام 1927 وتم وضعه في ساحة الجمهورية في مدينة ازمير، ونصب الخديوي إسماعيل الذي نفذ عام 1938 ليشغل مكانه المميز في ميدان المنشية في مدينة الإسكندرية. أما في العراق فكانت حصة كانونيكا النصب الثلاثة الاولى التي زينت ساحات بغداد؛ تمثال الجنرال مود وتمثال الملك فيصل الاول وتمثال رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون. وقد تم الاحتفاظ بنسخ رخامية من أعماله المنتشرة في مختلف مدن العالم في متحفه في فيلا بورغيزا في قلب روما.
عندما اندلعت الحرب العراقية ـ الايرانية عام 1980 باتت تجارة العراق البحرية عبر ميناء العراق في البصرة تحت طائلة القصف الايراني، وكان لزاما على النظام العراقي أن يبحث عن حلول بديلة لذلك، فكان الحل بتحويل تجارة العراق من ميناء البصرة الى ميناء العقبة الأردني، ليتم بعدها نقل البضائع عبر الطريق البري الآمن غرب العراق. لكن هذا الامر استوجب من القيادة العراقية القيام بتطبيع العلاقات مع المملكة الاردنية التي كانت هي ونظامها وملكها، الملك حسين، متهمة من النظام العراقي بالعمالة والخيانة، وكل الأوصاف والشتائم على مدى عقود، لكن فجأة يتحول الأمر الى أخوة عربية، وحماية البوابة الشرقية، وزيارات مكوكية يقوم بها الملك حسين إلى بغداد. دشن ملك الأردن زيارته الأولى لبغداد بوضع باقة زهور على قبور عائلته الملكية الهاشمية في المقبرة الملكية في الأعظمية في بغداد، المقبرة التي عانت طوال ربع قرن من الإهمال، لكن مع ظروف العلاقات الجديدة وما تستلزمه، تم الاعتناء الرسمي بها واعادتها الى حالها الذي يمكن ان يحتفى بالزائر الملكي فيها، عبر إظهار الاعتناء ببقايا رموز الحقبة الملكية العراقية، بعد أن كانوا طوال عهود الجمهوريات السابقة موضعا للشتم والاتهام بالعمالة للمستعمر.
قرب نهايات الحرب العراقية – الايرانية عام 1987 وتثمينا لموقف الاردن ومليكها الداعم للعراق في حربه، قررت الحكومة العراقية إعادة نصب الملك المؤسس فيصل الاول الى مكانه في منطقة الصالحية، وتم التحرك على متحف الفنان بترو كانونيكا لغرض عمل نسخة برونزية طبقا للنسخة الرخامية الموجودة في مخازن المتحف. المفارقة هذه المرة كانت أن رأس حصان الملك في نسخته الرخامية كان قد تحطم في عملية الخزن، وبدا الأمر محيرا ومربكا، حتى اقترح أحد الفنانين العاملين في المتحف استخدام قالب رأس حصان كمال أتاتورك الذي نفذه كانونيكا في فترة مقاربة لتنفيذه تمثال فيصل الاول، ليتم تركيبه في نصب الملك فيصل الاول، وهذا ما تم فعلا. لكن مفارقة جديدة ظهرت هذه المرة، إذ أن رأس حصان الملك الذي كان ملتفتا الى اليسار والذي حشرت فيه ستارة الاحتفال عام 1934، بات اليوم ناظرا الى الامام بحسب الوضع الذي كان عليه حصان كمال اتاتورك. العمل نفذ وتم نصب تمثال الملك المؤسس في مكانه القديم عام 1989، اي بعد أكثر من نصف قرن على تحطيمه، لكن الحصان حظي برأس جديد ليطل من عليائه على زحام بغداد ولا أحد يعلم ما الذي يخبأه له القدر.
2 البعبع

جهاد المنسي الغد الاردنية

من الواضح أن الموروث الإنساني لكل دول المنطقة، وأقصد دول الشرق الأوسط تحديدا، قريب من بعضه البعض، وفي هذا الموروث الكثير من العادات والتقاليد المتشابهة وحتى التعابير، حتى أن القصص الخرافية تكاد تكون متشابهة وقريبة، فقصة الغول والبعبع وغيرها من الخرافات التي عرفناها صغارا معروفة عند منطقة الجزيرة السورية كما هي معروفة لدى أهل الأردن وفلسطين، والقصة نفسها يتحدث عنها أهل لبنان كما يتناقلها أهل العراق، والخليج.
والبعبع في المفهوم الشعبي الشرق أوسطي هو الغول أو الغولة، أو (أبو رجل مسلوخة)، وغيرها من الموروثات الشعبية، والحكايا الخرافية التي كنا نسمعها صغارا، والمشكلة أن تلك المفاهيم الخرافية باتت تسكن خلفية عقول بعض شعوب المنطقة وربما دولها وكأنها حقائق مسلم بها.
والمشكلة أننا جميعا، وحتى لا أكون مبالغا، سأقول سوادنا استمع من أهله لقصص الغولة والشاطر حسن وغيرها من ترهات الصغر، وبعضنا سكنت فيه، وربما بعضنا بات يتصور الغول ويتخيل أشكاله، ويخاف من بعبع الصغر، والكثير منا قد يتوافق أن أهلنا كانوا يستحضرون (الغول وأبو رجل مسلوخة) وخلافه من موروثات خرافية، لكي نكون أكثر التزاما وللحد من شغبنا أحيانا، ودفعنا للالتزام بالفراش والنوم.
الأنكى من ذلك أن دول العالم باتت تعرف يقينا مدى ارتباطنا كدول وشعوب بالخرافات تلك، وتعرف إيمان بعضنا؛ دولا وشعوبا بها، والدول الاستعمارية تلك تعرف طريقة تفكير منطقتنا، وتعلم أن الموروث الذي نشأت عليه شعوب دولنا ما يزال مستقرا في النفوس، وأن ذلك الموروث رغم زعمنا عدم تصديقه إلا أنه يجد له مكانا في خلفية تفكيرنا، فعمد الغرب على استحضار بعبع خاص لنا تستدعيه كلما باتت بحاجة اليه.
ولأن من يقرأ التاريخ جيدا يستطيع أن يعرف الواقع ويتوقع المستقبل، والتاريخ يقول إن الغرب استحضر بعبع التمدد الشيوعي والخطر منه، فدفعت دول وكيانات للتحالف مع القاعدة الإرهابية وقت ذلك لمواجهة الخطر الشيوعي المزعوم، فكانت أفغانستان مسرح الصراع، وباتت الطريق إلى القدس تمر عبر كابول بنظر البعض.
بعد ذلك استحضر الغرب كيانات إرهابية مولوا بعضها وأمدوا بعضها الآخر بالسلاح لإبعادنا عن التفكير بالخطر الحقيقي المتمثل بوحود الكيان الصهيوني المصطنع في خاصرة منطقتنا العربية، وعندما انكشفت الحكاية، وظهر للعلن حجم المؤامرات التي تحاك، يجري حاليا استحضار بعبع آخر لجعل العيون شاخصة دوما لمكان غير المكان الذي يجب النظر إليه وهو ممارسات الكيان الصهيوني في المسجد الأقصى وإجرامه بحق شعب ما يزال حتى اليوم تحت الاحتلال.
دعونا نستذكر أن الكيان الصهيوني وخلال الأشهر الماضية مارس أبشع المخططات بحق الأقصى والقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية ورحل آلاف السكان من منازلهم، وقتل شبابا وأطفالا وشيوخا، وعمل على ترحيل البعض لخارج فلسطين، كل ذلك جرى ويجري يوميا ولم تنظر دول المنطقة له بعين الريبة والقلق، باستثناء تنبه أردني واستنكار للأفعال التي يقوم بها الكيان، فيما انشغل الآخرون بالبعبع الجديد والمتمثل بالخطر الإيراني، فباتت فضائيات العرب تتحدث عن ذلك الخطر ليل نهار، وبات الموضوع هو الشغل الشاغل للمعلقين والمحللين وغيرهم، وارتفعت في الأثر نبرة التصريحات النارية التي غابت كليا عن ملاحظة ما يقوم به الكيان الصهيوني من ممارسات.
الواضح أن دول الغرب تتعمد دوما إبعادنا عن ملاحظة البعبع الحقيقي المستوطن بيننا (الكيان الصهيوني)، وتعمل جاهدة على خلق بعبع جديد ورفع وتيرة خوفنا منه وجعله يحتل المكان الأوسع في مساحة تفكير دول وشعوب منطقتنا، فالغرب يريدنا أن نكون دوما وقود حربه ومخزن تمويل أسلحته، وأن تكون منطقتنا ساحة صراعه ومعقل تنفيذ مخططاته التي لا تنتهي، لذلك، دعونا نخرج البعبع من عقلنا ونرى الحقائق كما يجب رؤيتها دون غباش أو قصر نظر.
3 انصاف الأُمهات.. أمام «حزب الله»
رشيد الخيون
الاتحاد الاماراتية

تريد الأحزاب الدِّينية، ومِن بينها «حزب الله» اللبناني، قيادة الدُّول والمجتمعات، في عصر أصبحت فيه اللوائح الفقهية، الملتزمة بها، غير مناسبة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بمعاملة النِّساء. فليس مِن حزب ديني أو جماعة دينية، لا تحاول البقاء على تلك اللوائح المتداولة منذ ألف عام ويزيد. فلا يأخذكم العجب إذا رأيتم تلك الجماعات تنظم تظاهرات النِّساء، لتطبيق حرمانهنّ مِن حضانة أولادهنَّ، أو المطالبة بزواج بناتهنّ الصَّغيرات، بعد تثقيفهن بأن القانون المدني ضد «شرع الله»! هذا ما مارسته القوى الدِّينية العراقية، بعد بث الوهم في عقول النِّساء، على أن حرمان المرأة من الحضانة وزواج ابنتها الصغيرة وغبنها في الإرث أنه «شرع الله»!
فلو توجهت الأحزاب الدِّينية إلى مخالفة مسائل الفقه، أو العمل على تجديده وتطويره، لمصالح النَّاس، سيسقط عنها أهم سبب لوجودها، ألا وهو دعم المؤسسات الفقهية التي لا ترى بالتغيير غير المساومة على مراكزها، وستذهب «نعمة» التقليد الديني، أي أن رجل الدِّين يوجه، والمُقلدون يلبون، ومَن لا يُطيع يُعد محارباً لله ورسوله.
ليس دائماً يكون التقليد سالباً، ففتوى التنباك (1891)، التي أطلقها المرجع محمد حسن الشِّيرازي (ت 1895)، جاءت لصالح العاملين في مجال التنباك، الرائجة زراعته واستعماله بإيران آنذاك، مِن احتكار لشركة بريطانية. تقول الفتوى: «اليوم استعمال التنباك والتتن (التبغ) حرام بأي نحو كان، مَن استعمله كمن حارب الإمام عجل الله فرجه» (الوردي، لمحات اجتماعية مِن تاريخ العراق الحديث). غير أن رمزية محاربة الإمام وبالتالي النَّبي ثم الله، لها خطورتها، فحكمها أكثر مِن الرِّدّة، حين يستخدمها الفقهاء أيضاً للبقاء على المسائل الفقهية، كالتمسك بالمسائل غير الصَّالحة لكلِّ زمان ومكان. إنه الرُّقود الطَّويل، مدى القرون. يقول أحمد صافي النَّجفي (ت 1977) ناقداً مثل هذه الأحوال: «جرسُ النَّهضةِ قد دقَ فلم/ نستيقظ حين دق الجرسُ/ قد رقدنا أملاً في حرسٍ / ولقد نمنا ونام الحرس» (مجلة الرِّسالة 1951)!
اشتهرت قضية غدير نواف الموسوي، النائب عن «حزب الله»، وهو الخاضع فقهياً للمذهب الجعفري، وعليه «حزب الله» كافة، لكنه وجد نفسه بمحنة تجاه ما أصاب ابنته مِن حيف في حضانة أولادها. تحول الموقف إلى احتجاج على المحكمة الجعفرية، وكم مِن مواقف شخصية أسفرت عن مواقف عامة.
فحسب الفقه الجعفري أن حضانة الذَّكر لعامين (الرَّسائل الفقهية)، حسب «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» (البقرة: 233)، لكن لماذا حضانة البنت سبعة أعوام، والآية تخص الجنسين؟! بمعنى أن المصلحة تعطي الحق بتفسير النص وتأويله، حسب ما يراه الفقهاء، فلو كان جامداً لصار الحكم للذكر والأنثى على حدٍ سواء. ومع ذلك فالآية تتعلق بالرِّضاعة لا بالحضانة. وبغض النظر عن تفسير أو تأويل النص، فللزمان حكمه، وأن تؤخذ مصلحة الطِّفل أولاً، ومعلوم أن مصلحته مع الأم حتى يستطيع الاختيار بين الأبوين، وهذا ما أخذه بنظر الاعتبار قانون الأحوال الشخصية العراقي 188 لعام 1959، وقد جاء في المادة (74): «الأُم أَحقُ بحضانة الولد وتربيته، ولا تُسقط حضانتها إذا طُلقت بزواجها».
هذا هو القانون الذي يتمنى نائب «حزب الله» تطبيقه، القانون المدني، لا مثلما يحصل بلبنان أن الطَّوائف هي التي تتحكم شرعياً بأحوال أتباعها. أخذ الموسوي يواجه حزبه المعترض عليه، لأنه في تفكيره هذا أصبح خارج سرب الحزب الذي امتنع عن توقيع قانون ضد العنف الأسري (مقال لديانا مقلد)، بما يتعلق بتفسير «الضَّرب».
لا أظن أن أمثال الموسوي الذين يراعون مصالح بناتهم، سيتوقفون عند «الحضانة»، فمؤكداً سيتبع ذلك تحديد سن الزَّواج، ففي مذهب حزبه الزَّواج مِن تسع أعوام، والعقد ممكن أن يكون حتى على الرَّضيعة، صحيح أن بقية المذاهب كانت على ذلك، لكنها حسبت حساب الزَّمن، ولم تعترض على دولها التي أقرت الزَّواج بالثَّامنة عشر.
ما تقدم مِن ذِكر قانون الأحوال الشّخصية الذي عملت الأحزاب الدِّينية بالعراق على إلغائه، أي العودة إلى الوراء لقرن مِن الزَّمان، قام حزب الفضيلة بتقديم مشروع بديل «قانون الأحوال الشَّخصية الجعفري»، وفيه مثلما الحال بلبنان، حضانة الأم للولد سنتين وللبنت من سنتين إلى سبع سنوات (المادة 242). لكن في لحظة صرخ الموسوي: «إلا ابنتي»! ومعلوم أن ابنته لا تُنصف إلا بإنصاف النِّساء كافة.
كتبت «بادية فحص»، ابنة صاحب العمامة السَّوداء هاني فحص (ت 2014): «ذكّرتني بطفليّ.. جعلتني أحسدها، على رغم مأساتها، لثقتها بأنها حين تستنجد بأبيها، بإمكانه أن يحرك جيشاً لإنقاذها. أحسدها، وأتذكر أبي الذي استضعفته الطَّائفة كلُّها، ووقفت ضده، حتى في عاطفته الأبوية، أبي الذي مات قبل أن يرى حفيديه» (موقع درج). فحسب مقال «بادية»، وراء حرمان الأُمهات من الحضانة أمراض نفسية، وتظل ممارسة الأخذ بالقوة مِن حضن الأُم عقدة تشوه مستقبل الطّفل.
لقد خُلع السَّيد «علي الأمين» مِن وظيفته كقاض للمحكمة الجعفرية بصور (2008) من قبل «المجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى»، لأنه أشار إلى عدم ولاية «حزب الله» على الشَّيعة، فقضية حضانة أطفال الطائفة الشيعية بلبنان أمام الحزب نفسه، وباستطاعته توجيه المجلس لتغيير قانون أو تنحية قاضٍ، بعد أن أخذ الفقه يمس بنات مقاتليه، مع كثرة ادعائه بالمَدَنيّةَ، وأول طلائع المدنية إنصاف النِّساء.
4 الناقلات في أعالي البحار
نورا المطيري
البيان الاماراتية

حرب ناقلات النفط ليست جديدة، فبسبب جار الخليج الشرير، عرفت ثمانينيات القرن الماضي، هذه الحرب الإرهابية، حين لغّمَت إيران، في العام 1987، خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهاجمت براً وبحراً ناقلات النفط الخليجية، وكانت معظم الخسائر من نصيب ناقلات الكويت، وقُدّرت الخسائر في تلك الحرب بمليارات الدولارات، وألحقت أضراراً بيئية وبشرية ومادية كثيرة، وقتل حوالي 430 بحاراً مدنياً، ويومها اضطرت السفن الحربية الأمريكية أن تنشر حراسة مشددة على مضيق «أعالي البحار»، بسبب الأفعال الإرهابية..!.

تعود حرب ناقلات النفط إلى واجهة الصراع بين الخير والشر، بين الاستقرار والفوضى، في ظل وجود نظام الملالي الذي تخصص في زرع الفتن والاضطرابات، وزرع الألغام البرية والبحرية، في محاولة جادة منه لخلخلة النُظم الاقتصادية وضرب أسعار النفط، ما أغضب المجتمع الدولي، ودفعه إلى تشكيل تحالف عالمي، لشل حركة الميليشيات الإيرانية في مضائق البحار، وتتجلى الأحداث، هذه المرة، بشكل أوسع وبصورة خطيرة، في ظل تحالف يسعى لتأمين الملاحة الدولية ويتصدى للنظام الإيراني وميليشياته وأذرعه الإرهابية.

إيران تلعب بالنار، بل وتختبر الصبر الأمريكي، والأخير يمسك بخيوط اللعبة كلها، ويراهنان كلاهما على الانتخابات الأمريكية القادمة. في إيران وحسب تطمينات الديمقراطيين المتآمرين، فإن الملالي متأكد، أن أمريكا في الوقت الحالي لن تبدأ حرباً عسكرية، فأدرك ترامب المكيدة، وراح هو الآخر يلعب في المساحة المتاحة لذلك، وبين فرض المزيد من العقوبات المرهقة لإيران، والتحشيد مع الحليف البريطاني، بعلانية تشبه السر، والسر المعلن، بات ينشر القوات والمعدات هنا وهناك، على مقربة من مضيق أعالي البحار (هرمز سابقاً)، وفي ذات الوقت، فتح طاولة الوساطة، للعودة إلى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة.

تصريحات عشوائية متلاحقة متناقضة، تصدر عن النظام الإيراني، تؤكد غياب الإجماع على قرار الحرب أو المفاوضات، لكن الدائرة الضيقة، بين الحرس الثوري والمرشد علي خامنئي، التي تهمش الدبلوماسية، وتتجاهل رئاسة حسن روحاني، تضع مخ النظام الإيراني في حالة تشويش، وتدلل على خلل حقيقي في وظائفه وبياناته.

جواد ظريف، وزير خارجية إيران، ينفي إسقاط واشنطن لطائرة مسيرة تابعة لطهران، وقال: «ليست لدينا أي معلومات عن فقدان طائرة مسيّرة»، ثم خرج نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بتصريحات أكثر غرابة، قائلاً: «إن الولايات المتحدة قد تكون أسقطت واحدة من طائراتها المسيرة، عن طريق الخطأ»، كذلك تصريحات أخرى بعيدة عما يدور حقاً، لكنها تشي كلها، أن التوتر الداخلي قد نشب فعلاً بين القوى السياسية الحاكمة وبين أقطاب الحكم في إيران.

أوروبا، في ذلك الجانب من العالم، أظهرت نوعاً من الموافقة الضمنية للسياسات الأمريكية، وانضمت إلى مشروع إعادة العقوبات على طهران، ولم يعد خافياً، أن المملكة المتحدة قد أصبحت جزءاً من مخطط يود الضغط، بشكل جدّي، على إيران، سياسياً أو عسكرياً، فيما تذهب إليه، لذلك بادرت، بشكل مفاجئ إلى احتجاز ناقلة النفط الإيرانية في مياه جبل طارق، وباتت بريطانيا، مع فريق ترامب، المؤلف من مايك بومبيو وجون بولتون، يواجهون آلة الشغب الإيرانية، بما لديهم من ملفات.

وجهة نظري، أن نجاح أمريكا في تشكيل تحالف بحري دولي لتحصين الملاحة في مضيق «أعالي البحار»، هرمز سابقاً، وإيجاد آلية للتواجد الدائم وعمليات الرصد والإشراف والرقابة لحركة السفن البحرية في الخليج، سوف يردع بلا شك، الحرس الثوري الإيراني، على القيام بأية ألعاب بهلوانية، سيتسبب الخطأ الواحد فيها على جر إيران إلى ما لا تعرف نتائجه..!.
5 هل هناك احتجاجات صيفية جديدة في العراق؟ * ريناد منصور وورلد بوليتيكس ريفيو

في المواسم الصيفية من السنوات القليلة الماضية، نزل العراقيون إلى الشوارع للاحتجاج، إذ يتزامن الحر الشديد دوماً مع تصاعد استيائهم من عجز الحكومة عن تأمين الخدمات الأساسية وفرص العمل، حصلت تلك التظاهرات بشكلٍ أساسي في جنوب العراق وبغداد، حيث يتم احتواء أعمال العنف نسبياً منذ سنوات.

لكن احتجاجات البصرة في الصيف الماضي أدت إلى تغيير ديناميات هذه التحركات الشعبية؛ فعلى عكس السنوات السابقة، نظّم المحتجون مسيرة ضد جميع الأطياف السياسية العراقية، بما في ذلك الجماعات شبه العسكرية المدعومة من الدولة والشيعية في معظمها، أي “وحدات الحشد الشعبي” التي كانت تُعتبر سابقاً قوة مقدسة في البصرة لتحرير العراق من تنظيم “الدولة الإسلامية”. يأتي ثلث المقاتلين في هذه الوحدات تقريباً من البصرة. وعلى عكس ما حصل في السنوات السابقة، عارض المتظاهرون في عام 2018 دعوات رجل الدين الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر الذي أيّد حركة الاحتجاج في الماضي لكنه يشارك الآن في تشكيل الحكومة، بعدما فاز تحالفه السياسي في الانتخابات البرلمانية لعام 2018. زاد الوضع سوءاً لأن تحرك المحتجين اتخذ منحى عنيفاً، فاحترقت مكاتب الأحزاب السياسية وقُتِل 23 متظاهراً على الأقل خلال اشتباكات مع قوى الأمن.

كانت أعمال العنف كفيلة بإنهاء الاحتجاجات، لكنها غيرت طبيعتها أيضاً عبر تأجيج عامل الخوف. من جهة، يجب أن يقرر المحتجون الآن مدى استعدادهم للمجازفة بحياتهم والنزول إلى الشوارع، ومن جهة أخرى، ينبغي أن تقرر الأحزاب السياسية النافذة والجماعات المسلحة نطاق العنف المسموح به لقمع المتظاهرين.

مع اقتراب هذا الصيف، حاولت الحكومة الجديدة، التي لا تزال غير مكتملة رغم انتخابها في الخريف الماضي، كبح أي اضطرابات إضافية عبر التعهد بتطبيق الإصلاحات، لكن عملياً، بقي تنفيذ الوعود بطيئاً في الحكومة الجديدة والمجلس التشريعي الجديد، كذلك، بدا رئيس الوزراء عادل عبد المهدي سياسياً مألوفاً، مع أنه تعهد بأن يكون مختلفاً، فركّز على استرضاء الخصوم السياسيين في بغداد وتوزيع الحصص الوطنية على النخبة الحاكمة الاعتيادية. وفي الشهر الماضي، بعد مرور أكثر من سنة على الانتخابات، تمكن عبد المهدي أخيراً من تعيين وزيرَي دفاع وداخلية، لكنه لم يعيّن حتى الآن وزيراً للعدل، ويقتصر عدد النساء في حكومته على امرأة واحدة.

باختصار، تكثر الوقائع التي أجّجت الاحتجاجات في مواسم الصيف السابقة، ولا تزال على حالها اليوم.

تتعلق مشكلة سياسية بارزة أخرى بإصلاح القطاع الأمني وتحديد مصير “وحدات الحشد الشعبي”، إذ تنشط هذه الشبكة شبه العسكرية كمنظمة داعمة لخمسين مجموعة فرعية تقريباً منذ نشوئها رسمياً في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي عام 2014، بعد انهيار الجيش العراقي أمام “الدولة الإسلامية”. لكن الناشطين في المجتمع المدني عبّروا خلال السنة الماضية عن قلقهم من إقدام بعض الجماعات المسلحة فيها على إطلاق النار على المحتجين وقتلهم في الشوارع. كذلك، لام الناشطون الجهة نفسها على سلسلة اغتيالات استهدفت ناشطين من المجتمع المدني، لا سيما النساء، في وسط العراق وجنوبه. يعترف زعماء “وحدات الحشد الشعبي”، بقيادة أبومهدي المهندس، بوجود فصائل سيئة داخل المنظمة وضرورة التعامل معها، ويسعى المهندس منذ فترة إلى ترسيخ مكانة المنظمة تمهيداً لحصر قيادتها ضمن سلطة واحدة.

ورداً على مخاوف الرأي العام من “وحدات الحشد الشعبي”، أصدر رئيس الوزراء عبد المهدي مرسوماً في أول يوليو لدمج هذه الجماعات شبه العسكرية رسمياً في الدولة. يحاول المهندس من جهته التعاون مع عبدالمهدي ومكتبه لتوحيد السلطة، وقد وصل عبد المهدي إلى منصبه بدعمٍ من الكتلة السياسية التابعة لـ”وحدات الحشد الشعبي”، أي “تحالف الفتح”. ومنذ ذلك الحين، يتعاون المهندس مع موظفين حكوميين لاكتساب النفوذ داخل الحكومة، لذا ينعكس المرسوم الجديد إيجاباً على خطة المهندس، حتى لو أصبحت منظمة “وحدات الحشد الشعبي” ظاهرياً خاضعة لسيطرة الدولة مباشرةً. أمام هذا الواقع، لا يؤمن عدد كبير من العراقيين بقدرة الحكومة الجديدة، أو استعدادها، لمحاربة الفساد أو إصلاح القطاع الأمني، بما أن عبد المهدي لا يزال يُعتبر شخصية ضعيفة مقارنةً بمختلف الأحزاب السياسية التي جعلته رئيساً للحكومة، لكن هل سينزل العراقيون إلى الشارع مجدداً للاحتجاج، أم أنّ أعمال العنف في السنة الماضية أخافتهم لدرجة أن تردعهم هذه السنة؟ لا يزال هذا السؤال عالقاً منذ اضطرابات الصيف الماضي. صرّح ناشطون، من البصرة إلى الموصل، بأنهم يخشون اليوم طريقة تعامل القوات شبه العسكرية التي تعترف بها الدولة مع التظاهرات، لكن رغم هذه المخاوف، يظن بعضهم أن الاحتجاجات هي الطريقة الوحيدة لإسماع صوت الشعب!
6 العلاقات السعودية – الأميركية من الصداقة إلى التحالف الاستراتيجي
أ. د. عبدالمحسن الداود الرياض السعودية

كان لا بد للمملكة أن تقف موقفاً حازماً وقوياً تجاه تدخلات إيران السافرة في الدول المجاورة، وتصرفاتها غير المسؤولة. ورعايتها للمواقف الراديكالية في المنطقة، وتمويلها للمليشيات الإرهابية من أمثال الحوثيين وحزب الله.

لم يكن غريباً أن يوافق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- على استقبال المملكة لقوات أميركية، فالعلاقات السعودية – الأميركية عميقة الجذور، وتعود إلى أكثر من ثلاثة وثمانين عاماً، وبالتحديد إلى عام 1931 عندما قام الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بتوقيع اتفاقية التنقيب عن النفط بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة، والتي مثلت بداية العلاقات الحقيقية التي تنامت مع الزمن، وتعززت بعد إثني عشر عاماً باللقاء التاريخي بين الرئيس الأميركي روزفلت، والملك عبدالعزيز، مما شكل نقطة تحول في العلاقات بين البلدين، لتنتقل من العلاقات الاقتصادية المرتبطة بالنفط، إلى علاقات استراتيجية مشتركة اقتصادياً وفنياً وعسكرياً، وليقوم بين المملكة وأميركا تحالف وتعاون استراتيجي في كافة المجالات الحيوية، والذي يزداد رسوخاً وعمقاً مع مرور السنوات؛ وقد سخّـرت المملكة هذه العلاقات لخدمة القضايا العربية والإسلامية، انطلاقاً من دورها الرائد في خدمة الإسلام والمسلمين؛ ولم تتوقف هذه العلاقات الاستراتيجية على الاتفاقيات المحدودة، بل تضمنتها خلال السنوات الثمانين الماضية اتفاقيات مشتركة تتضمن التعاون الثنائي بمجالات متعددة، بما فيها التعاون العسكري والتدريب.

وتأتي موافقة خادم الحرمين الشريفين على استقبال القوات الأميركية حرصاً من المملكة على رفع العمل المشترك في المجال العسكري، وتحقيقاً لأمن المنطقة، ودعماً لاستقرارها، خاصة في ظل الابتزازات والتهديدات الإيرانية المتكررة وغير الموزونة للملاحة الدولية، وما يمكن أن تحدثه من تأثيرات عكسية بعيدة المدى على القانون الدولي، خاصة وأن منطقة الخليج تمثل العصب الرئيس للاقتصاد العالمي.

كما أن هذه الموافقة جاءت أيضاً لتنسيق عملية بحرية متعددة الجنسيات في الخليج باسم “الحارس”، لتأمين حركة الملاحة في الممرات المائية الرئيسية في المنطقة، وضمان حرية الملاحة فيها، تعزيزاً للاستقرار البحري، وضمان المرور الآمن، وخفض التوتر في المياه الدولية في جميع أنحاء الخليج، ومضيق هرمز وباب المندب وخليج عمان، مما سيمكن دول المنطقة من توفير حراسة لسفنها التي ترفع علمها، مع الاستفادة من تعاون الدول المشاركة، للتنسيق وتعزيز الوعي بالمجال البحري ومراقبته.

وهذه ليست المرة الأولى التي نشهد فيها هذا التناغم الاستراتيجي بين المملكة وأميركا في شتى المواقف، فهل يمكن أن ننسى موقف المملكة من المد الشيوعي أيام الاتحاد السوفيتي، ومحاربتها لكل ما يؤدي إلى تبني الرؤية الشيوعية أو الماركسية في البلاد العربية، وموقفها من تحرير الكويت، والذي استلزم التعاون مع جميع الحلفاء وخاصة الحليف الاستراتيجي الولايات المتحدة الأميركية؛ فبعد أن تبينت المملكة أن قرار العراق بضم الكويت في ذلك الوقت لا رجعة فيه، تحركت المملكة بقوتها وثقلها السياسي والاقتصادي من أجل حشد قواتها لحماية أراضيها، وحماية باقي دول الخليج العربية من احتمال أي اعتداء عراقي، فاستضافت على أراضيها قوات التحالف لردع العدوان العراقي، ووفرت لهم القاعدة التي انطلقت منها عمليات تحرير الكويت بجانب مشاركة القوات السعودية في تلك العمليات.

وباستقراء لقرار موافقة خادم الحرمين الشريفين على استقبال القوات الأميركية نلمس أن من حق المملكة أن تسعى للمحافظة على تحقيق مصالحها وأمنها في المحيط الخارجي على المدى القريب والبعيد من خلال التعاون مع أكبر قوة دولية في العالم وهي الولايات المتحدة الأميركية، فهي وإن كانت ترفض مبدأ اللجوء إلى القوة كأداة من أدوات تنفيذ السياسة إلا أن مسؤوليتها الدينية والأخلاقية تتجاوز في حركتها ومبادراتها ومواقفها النفعية والأنانية وضيق الأفق، والمصالح الخاصة، مع إيمانها في الوقت نفسه بحق الدفاع عن نفسها من أجل الحفاظ على مصالحها العليا، بما يتفق مع الأعراف الإنسانية الصحيحة والقانون الدولي.

فكان لا بد للمملكة أن تقف موقفاً حازماً وقوياً تجاه تدخلات إيران السافرة في الدول المجاورة، ورعايتها للمواقف الراديكالية في المنطقة وتصرفاتها غير المسؤولة، وتمويلها للمليشيات الإرهابية من أمثال الحوثيين وحزب الله.

وهذا الموقف الحازم والثابت يأتي لكون المملكة رائدة العالم الإسلامي وفيها الحرمان الشريفان، وتفخر بخدمتها لملايين المسلمين من كل أنحاء العالم، فلن تسمح لملالي طهران بأن يعودوا بالتاريخ إلى العصور المظلمة، فلكم عانى العالم من السياسات التسلطية لإيران، ومغامراتها غير المحسوبة، والتي كان آخرها احتجازها للسفن التجارية في المياه الدولية، في تصرف بعيد عن الحكمة، ودليل على التهور وعدم التقدير للعواقب الوخيمة التي ستنتج عن هذا التصرف غير المسؤول.

وأخيراً، فإن هذه المواقف الثابتة لقيادة المملكة تعود إلى سياستها الحكيمة التي تعتمد على المبادئ الواضحة، والمنهج القويم، والمرتكزات المبنية على منهج استراتيجي محدد منذ عهد الملك المؤسس، ومن جاء بعده من ملوك المملكة، حتى العهد الزاهر عهد العزم والحزم، عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز.
7 أنثروبولوجيا اليهود: دعايات مضللة!!
سهيل بن حسن قاضي المدينة السعودية
الملك فيصل بن الحسين الذي كان ملكاً على العراق، كان قد خاطب القاضي الأمريكي اليهودي فليكس فرانكفورتر في 1919 أن العرب واليهود أبناء عم من الناحية العنصرية.. وبهذا الجزم القاطع قالها، كان يرتب على ذلك نتيجة سياسية مفادها أننا نرحب باليهود في عودتهم إلى البلاد وأن هناك مجالاً في سوريا يتسع لنا جميعاً. وقد كرر نفس الفكرة في مؤتمر الصلح بباريس في نفس العام عندما أورد عبارته (هناك صلات وثيقة من القرابة والدم بين العرب واليهود وأنه ليس ثمة تعارض واضح في الصفات المميزة للشعبين)، حتى من جاء بعده أكد (بأن العرب واليهود عاشوا مراحل طويلة من التاريخ جنباً إلى جنب وفي صداقة وتعاون كأقراب وجيران)، من المعلوم أنه من الثابت في القانون الدولي أن ترك شعب لوطنه سنوات عديدة لا يمكن أن يحرمه كل حق في المطالبة بالعودة إليه الآن.
في هذا السياق يعلق الدكتور جمال حمدان في كتابه (اليهود.. انثروبولوجيا) أن فكرة قرابة اليهود والعرب في الدم قد يمكن أن تلقي بعض ظلال على قضيتنا المصيرية الأولى في فلسطين وتفتح باباً للحلول الخاطئة..، ويتساءل أين دور التكوين الأنثروبولوجي لليهود حتى نعرف من هم وما الدماء التي تجري في عروقهم، وإلى أي حد ينتمون إلى أصولهم الأولى ومن ثم إلى أي درجة من القرابة ينتسبون إلى العرب أو ينتسب العرب إليهم.

قضيتنا الكبرى اختلط فيها الأمر بالدعايات الصهيونية المغرضة والمضللة وهناك تزييف للتاريخ فضلاً عن أن الكتابات العلمية كانت تعتمد -بكل أسف- على المصادر اليهودية التي تنقل عمداً وجهات نظر محسوبة سياسياً. ونتيجة لكل ما تقدم فلا غرو بجرأة الإنجليز بإنشاء وطن قومي لليهود (وعد بلفور) وانتهاءً بصفقة القرن التي وصفها كوشنر بأن خطة السلام ليست صفقة القرن إنما فرصة القرن كما أعلنها خلال مؤتمر البحرين قبل ثلاثة أسابيع بمساعٍ أمريكية لجمع 50 مليار دولار لتمويل هذه الصفقة التي وصفها البعض أنها مساومة على الحقوق الفلسطينية، حيث قوبلت هذه الخطة برفض عربي واسع في أعقاب التعرف على تفاصيلها التي كشفت خيوطها شيئاً فشيئاً
8 إيران.. واللعب بالنار
سلطان عبدالعزيز العنقري
المدينة السعودية
يبدو أننا أمام نظام إيراني مارق فاشي يلعب بالنار في خليجنا العربي ليس فحسب بمهاجمة السفن في مضيق هرمز بل وصل به الحد إلى احتجاز سفن لدول عظمى للتخفيف من الضغوط الداخلية من الشعب الإيراني ، الذي بدأ يعاني من العقوبات الأمريكية، والحصار الاقتصادي، وعدم تصدير النفط ،الذي يعتمد عليه الشعب الإيراني للعيش حياة كريمة، مما أدى إلى خلق فجوة بين الشعب ونظامه، واكتشاف الشعب الإيراني أن الحرس الثوري الإيراني ليس إلا قطيعاً من المرتزقة يتاجر بالمال العام، والمتاجرة بالمخدرات وغسل الأموال، والأرصدة خارج إيران والتي تقدر بمئات المليارات من الدولارات في بنوك أجنبية، وكذلك من الأموال التي يحصل عليها وكلاء حربه كحزب الشيطان في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحرس الثوري الإيراني في سوريا، والحوثي في اليمن، فجميع هذه المليشيات الإرهابية تنهب خزائن بلدانها وتقوم بإيداعها في حسابات خامنئي، والحرس الثوري الإيراني، والإرهابي قاسم سليماني زعيم المرتزقة. اللعب بالنار في منطقة ملتهبة هي نهاية نظام الملالي والآيات الذين خدموا الغرب والشرق على مدار أربعين سنة. الخاسر في هذه الفوضى التي ينشرها حكام جهلة لا همَّ لهم إلا جمع الخُمس، وسرقة ونهب ثروات الشعوب الأخرى وتدمير بلدانها، هي إيران وشعبها الذي يقبع أكثر من نصفه تحت خط الفقر. نظام الملالي والآيات الإرهابي انكشف وأصبح ورقة محترقة بعد أن أبلى بلاءً حسناً في خلق الفوضى، محاولاً صرف الدول الأخرى عن تنمية أوطانها بالفتن والحروب واستنزاف ثرواتها الوطنية. لعبة سياسية قذرة،على مدى أربعة عقود، قام بها العميل الهالك الخميني، ومن بعده الشاذ الإرهابي خامنئي، انفضحت والبديل جاهز في باريس (مريم رجوي)، والتي سوف تقوم طائرة فرنسية بنقلها من باريس كما فعلت مع الخميني لتحل محل هذه الورقة المحترقة.

نظام إيران من السهل إزالته بدون حرب لسبب بسيط ورئيس أن الشعب الإيراني يعاني من هذا النظام، والأمر الأهم أن البديل جاهز من المعارضة، بعبارة أخرى أنه لن يكون هناك فراغ عندما يتم إزالة النظام.

طبول الحرب التي تقرعها إيران لن تأتي إلا بالويلات والهلاك على إيران وحدها وتدميرها لكي تصبح عراق وسوريا ولبنان ويمن آخر.

خسائر الحرب ستطول النسبة الكبرى فيها إيران وشعبها المغلوب على أمره. أوطاننا سوف نحميها بسواعد أبنائنا، وحرب اليمن أنموذجاً، جعلت القوات المسلحة السعودية بمختلف فروعها تكتسب الخبرة والدراية العسكرية التي تمكنها من الدفاع عن الوطن وبكل فاعلية.

نعود إلى إيران التي تلعب بالنار لنقول لها إن ما تم تدميره في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيره في عالمنا العربي لن يجعلها تفلت من العقاب طال الزمن أم قصر. فالشعوب الآن أصبحت أكثر وعياً وحرصاً على أوطانها التي تُحمى بتكاتف الرعية مع الراعي لتكوين جبهة داخلية متماسكة يصعب اختراقها.
9 هل تضمد زيارة البابا جراح مسيحيي العراق؟ جورج منصور
الحية السعودية

استقطبت الدعوة التي وجهها رئيس جمهورية العراق برهم صالح الى قداسة بابا الفاتيكان فرنسيس لزيارة العراق، المزمعة في العام القادم، اهتماماً متزايداً على الصعيد الرسمي ومن شرائح مختلفة في المجتمع، خاصة في لدن من تبقى من المسيحيين في العراق، بعدما تناقص عديدهم بشكل ملحوظ بسبب أعمال العنف التي طاولتهم والاستهداف على الهوية واتهامهم بالعمالة للمحتل الأميركي وتفجير كنائسهم وانعدام الاستقرارالأمني وتعرضهم لعمليات ترهيب واستيلاء على ممتلكاتهم أو إجبارهم على بيعها بأسعار بخسة، ما زرع الخوف والرعب في نفوسهم، فاختاروا الهجرة القسرية أواللجوء الى منافي دول العالم.

زيارة البابا تعدُّ الأولى من نوعها في تاريخ العراق، ووفق بطريرك الكلدان الكاردينال لويس ساكو، من المتوقع أن تشمل مدينة آور التاريخية في جنوب البلاد، حيث ولد النبي ابراهيم. والتي تعتبر مهداً للديانة الإبراهيمية ومكاناً مقدساً للديانات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط.

ثمة أمل في أن تسهم زيارة البابا في تقوية النسيج الاجتماعي العراقي وأن تفتح آفاقاً جديدة للحوار الإسلامي – المسيحي، وتعزز مبدأ التعايش المشترك والتسامح، في ظل تساؤلات عما إذا كانت ستولد حراكاً سياسياً للاعتراف بالتعددية ونبذ الخلافات والصراعات والنزاعات وسياسات التمييز والاستبداد والقهر وتحقيق الوحدة الوطنية، ورفض التمييز على أساس عرقي أو ديني أو طائفي أو فكري أو سياسي، بما يفسح المجال لمشاركة أوسع للمسيحيين في العملية السياسية ومؤسسات الدولة، وتبعث الأمل فيهم للتشبث بأرض آبائهم وأجدادهم الأوائل؟ ذلك أن الحفاظ على النسيج الاجتماعي واعتماد مبدأ المواطنة كأساس لتحديد الحقوق والواجبات، ومد جسور التفاهم والتقارب وتعزيز الإخاء بين أتباع الديانات والمذاهب في العراق، مهمة حتمية لإرساء مبادئ العدالة والمساواة في المجتمع.

تشير المعطيات التاريخية الى أن العراق كان يتشكل، منذ الآف السنين، من دويلات المدن التي أقامت فيها عشائر وقبائل ذات إثنيات وديانات ومذاهب متعددة. وعلى رغم أن كل جماعة اثنية كانت تتميز بخصائصها الدينية والثقافية والحضارية، بيد أنها، بفعل التعايش والتلاقح الحضاري المتبادل، اشتركت مع بعضها في العديد من السمات والتقاليد والعادات، وعاشت في منطقة إقليمية واحدة هي ميسوبوتاميا (وادي الرافدين) أو العراق الحالي. حينها، ازدهرت مدارس المسيحيين وكان لهم فلاسفة وعلماء ومؤرخين وفلكيين ومترجمين، لعبوا دوراً بارزاً في إثراء الثقافة والعلوم. لكن السياسات الخاطئة التي انتهجتها الأنظمة اللاديموقراطية التي تعاقبت على حكم العراق، منذ قيام الدولة الحديثة، أضعفت فرص معالجة حقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب بطرق إنسانية وعادلة وعلى ضوء المبادئ التي أقرتها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، إذ أخل الظلم والتعسف الذي مارسه النظام السابق ومصادرته حريات الشعب، بسبب الانتماءات القومية والدينية والمذهبية وزرع الفرقة، بالوشائج التي كانت ولا تزال تربط المكونات العراقية.

بعد العام 2003 تغيرت صورة الانتهاكات التي طالت المكون المسيحي العراقي، والتي قامت بها التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة والمليشيات السائبة والمنفلتة المؤمنة بالعنف والتطرف، ما أودى بحياة عشرات المسيحيين الأبرياء في بغداد والبصرة والموصل وكركوك، وتم الاستيلاء على ممتلكات آخرين وحرق محلاتهم ومراكز أعمالهم التجارية وطالتهم عمليات تهجير قسري وقتل على الهوية في الموصل وبغداد والبصرة، من دون أن تكشف الحكومة عن الجناة أو تقوم بتقديمهم إلى المحاكم.

تلك الأوضاع المرعبة والمأسوية، أدت إلى هجرة العائلات المسيحية الى مدن إقليم كردستان أو لجوئها إلى دول العالم، وما زال نزيف الهجرة قائماً في ظل استمرار عمليات إفراغ العراق من مسيحييه الذين تراجع عددهم من مليون ونصف المليون نسمة في العام 2003 إلى قرابة 250 ألفاً، ما يعني انخفاضاً في نسبة المسيحيين السكانية بحدود 85 في المئة. علماً أن منظمات حقوقية عالمية، صنّفت العراق كثامن اسوأ بلد في العالم في موضوع اضطهاد المسيحيين. إلى ذلك، قتل أكثر من ألف مسيحي في حوادث عنف متعددة شملت عموم أرجاء العراق، بينهم رجال دين، وتم الاستيلاء على 23 ألف عقار، وفجرت 58 كنيسة، عدا هن حرق كنائس الموصل وبلدات سهل نينوى وتدنيسها. ففي حزيران (يونيو) 2007 قتل القس الشاب رغيد كني وفي شباط (فبراير) 2008 قتل المطران فرج رحو بطريقة شنيعة شرق مدينة الموصل وفي أيار (مايو) 2010 تم استهداف حافلات نقل طلبة “جامعة الموصل”، وأدى تفجير الى إصابة عشرات الطلبة المسيحيين ومقتل طالبة منهم، كما تعرضت “كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك” في بغداد في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 إلى هجوم مسلح هو الأعنف من نوعه. وبعد سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي على مدينة الموصل في صيف العام 2014 ، أفرغت بلدات المحافظة من مسيحييها وكتب على جدران بيوتهم حرف “ن” الذي يرمز الى النصارى، للتمييز بينهم ومطالبتهم باعتناق الإسلام او دفع الجزية أو الهجرة أو القتل.

ولم تقم الحكومات العراقية المتعاقبة بعد العام 2003 بالكثير للحيلولة دون ترسيخ المشاعر المعادية للمسيحيين، سكان البلاد الأصليين، الذين خيرهم “داعش” بعد سقوط الموصل في عام 2014 بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو مغادرة بيوتهم وأراضيهم، ما أدى إلى نزوح 125 ألف مسيحي، لم يتم تعويضهم عن ممتلكاتهم التي سرقت ونهبت أو تم الاستيلاء عليها سواء في الموصل أو في بغداد أو غيرها. كما سن في عام 2015 قانون مثير للجدل يلزم أطفال المسيحييين وغير المسلمين اعتناق الديانة الإسلامية، إذا اعتنق آباؤهم الأسلام أو تزوجت أمهاتهم من مسلمين. وتحتوي الكتب المدرسية لمناهج التاريخ معلومات خاطئة ومشوهة عن تاريخ المسيحيين العراقيين، وفيها أيضاً معلومات شحيحة وغير دقيقة عن المسيحيين في الغرب.

تقع حماية المسيحيين والحيلولة دون رحيلهم إلى خارج موطنهم الأصلي على عاتق الدولة العراقية، عبر العمل الجاد لتغيير الصورة النمطية الراهنة إزاء حقوقهم ومعالجة التجاوزات التي تقع عليهم. كما يجب تطبيق ما جاء في الدستور العراقي في ما يخص أتباع الديانات والمذاهب في العراق، إذ ورد في الفقرة الثانية من المادة الثانية منه: “… ويضمن (الدستور) كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والإيزيديين، والصابئة المندائيين”. وأقرت المادة الثالثة بأن “العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب…”، فيما أكدت المادة العاشرة على أن “العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد حرمتها وصيانتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرّية فيها”.

ويشكّل التعدد القومي والإثني في العراق، ظاهرة إيجابية تغني المجتمع ويمكن توظيفه لصالح تطور الفرد والمجتمع. وهذا يتطلب صياغة استراتيجيات جديدة تؤكد على العيش المشترك والتفاعل والتلاقح والتلاحم، بدلاً من الفرقة والصراع والنزاع، وتستند إلى التجارب المريرة السابقة والمبادئ العامة للمجتمع المدني الديموقراطي التعددي، من أجل تأصيل التضامن والإخاء وتعزيز احترام حقوق الانسان وتصفية آثار الانتهاكات الشنيعة السابقة لهذه الحقوق. كما يتطلب احترام خصوصية المسيحيين العراقيين، وحمايتهم من الاستهدافات المتكررة، وبناء الثقة بينهم وبين جيرانهم في الموصل وسهل نينوى، عبر إجراءات عملية، منها معاقبة الجناة، وتعويض الضحايا، واستعادة أملاكهم، ونزع الألغام من حقولهم، وإعمار مناطقهم وتحسين الخدمات وتسهيل ظروف عودتهم الى ديارهم.

لا شك في أن غنى العراق، هو حصيلة التاريخ المادي والروحي للشعوب التي عاشت فيه منذ أقدم العصور. ومن الصعوبة بمكان، النهوض بالعراق الجديد من دون ربط الجسور بين الحضارات السابقة وتأثيراتها، وبين الواقع الحاضر حيث تعيش تلك الشعوب، وبين ما يراد تأسيسه في العراق من حضارة انسانية مدنية حديثة وديموقراطية.

نحن اليوم في حاجة ماسة الى استنهاض هذا الكم الكبير من التراث العراقي، ولكن ضمن سياقه التاريخي، أي أن نضع كل لبنة منه في مكانها الصحيح تاريخياً وعمرانياً وثقافياً. لأن الحضارة الجبارة، التي نعتز بها اليوم، لم تكن من صنع حاكم معين، أو سلالة بعينها أو جنس (عنصر، عرق) دون الآخرين، إنما هي نتيجة تضحيات هائلة قدمها سكان هذه المنطقة عبر آلاف السنين، فامتزجت عناصرها ومكوناتها، تماماً كما امتزجت دماء ودموع وموروثات أبنائها وبناتها في وحدة تاريخية – بشرية عضوية يستحيل الفصل بينها.

يعتز الإنسان العراقي، سواء كان مسلماً أم مسيحياً، ايزيدياً أم صابئياً، أم من ديانات ومذاهب أخرى، وسواء عاش في وسط العراق وجنوبه أم في إقليم كردستان، بحضارات الشعوب التي تسكن هذه المنطقة منذ آلاف السنين، وإذا تمتع بحقوقه العادلة والمشروعة، حينها ستتغلب حال الوحدة والتضامن والتآخي على حال الفرقة والصراع والنزاع، وتتعزز روح التعاون والتضامن والإخاء والشعور بالمواطنة الحرة والمتساوية في جمهورية العراق الاتحادية.

تضم العديد من الدول الأوروبية والاسكندينافية، أقواماً ذات تاريخ وحضارات متعددة. ومع ذلك، فإن الحرية الواسعة التي يتمتع بها أبناء كل قومية، والمتمثلة بمدارسهم الخاصة ومنتدياتهم ومؤسساتهم ومكتباتهم وصحفهم التي تعرض تراثهم القومي، وكذلك ممارستهم الحرة لشعائرهم الدينية وطقوسهم واحتفالاتهم الموسمية ومهرجاناتهم، لا تعرض وحدة هذه البلدان للخطر، بل هي تقوى يوماً بعد آخر. كما أن المتنورين في الدول المتحضرة، يدافعون بلا هوادة عن التعدد الحضاري ويرون فيه غنى لا فقراً ما دام الولاء الوطني قائماً، وما دامت جميع الثقافات تتفاعل وتتلاقح في ما بينها وتتطور.

بناء على ما تقدم، يبقى السؤال: هل ستضمد زيارة بابا الفاتيكان جراح المسيحيين، الذين تعتبر ديانتهم ثاني أكبر الديانات في العراق ويمثلون أقدم المجتمعات المسيحية في منطقة الشرق الاوسط؟ وهل ستفلح تلك الزيارة في حث الحكومة على طمأنة المسيحيين وتوفير الحماية لهم من خلال وضع استراتيجيات ناجعة لضمان حقوقهم وحماية وجودهم وأفساح المجال أمامهم للمشاركة في مؤسسات الدولة وأجهزتها الامنية، والكف عن استحواذ الأحزاب السياسية على الـ”كوتا” المخصصة لهم، وإعمار مناطقهم في سهل نينوى وكذلك أديرتهم وكنائسهم التي طالها الإرهاب، إضافة إلى الحد من التغيير الديموغرافي لمناطقهم؟
10 على من ستطلق الصواريخ؟
عبد المنعم سعيد

الشرق الاوسط السعودية

صفقة الصواريخ «إس 400» التي دخلت إلى دور التنفيذ بين روسيا وتركيا، طرحت المدى الذي تذهب إليه الحيرة في التغيرات الجارية في منطقة الشرق الأوسط، وارتباطاتها العالمية بالقوى الدولية الكبرى. أغلب التحليلات للصفقة ذهبت في اتجاه تنامي الفجوة بين الولايات المتحدة وتركيا بسبب ما أدت إليه السياسة الأميركية من ارتفاع شأن «الأكراد»، سواء كانوا في العراق أو سوريا، وما يشكله ذلك من تهديد «وجودي» لتركيا ذاتها، حيث يعيش الغالبية من الأكراد من ناحية، ويقودهم «حزب العمال» الثوري والانفصالي من ناحية أخرى. الغزو الأميركي للعراق فتح الباب لإعطاء الأكراد إقليماً شبه مستقل في شمال البلاد، والحرب الأهلية السورية أتاحت للأكراد السوريين في «حزب الاتحاد الديمقراطي» المتشابك مع «حزب العمال» الكردي التركي الفرصة لكي يكون فاعلاً مرموقاً في الحرب ضد الإرهاب، وتنظيم «داعش» الذي أقام «دولة الخلافة» على الحدود العراقية السورية. الحالة الكردية هذه خلقت فالقاً ما بين المصالح الأميركية والتركية لم تفلح علاقات التحالف في حلف الأطلسي، ووجود قواعد الحلف على الأراضي التركية، في عبور ما بينهما من فجوات. الولايات المتحدة كانت تريد حلفاء محليين على استعداد للقتال إلى جانبها وبكفاءة في مواجهة أعداء مشتركين، وتركيا كانت ترى أن كل تصاعد في عناصر قوة التنظيم والوجود والحضور على جبهة واسعة وقاطعة على الأراضي العراقية والسورية يضع الداخل التركي في اختبار كبير، لم تقم الولايات المتحدة أولاً بالاعتراف به، وثانياً السعي إلى عبوره في إطار التحالف التاريخي خلال الحرب الباردة وما بعدها.
التفسير الآخر للصفقة التي لا يمكن قراءتها إلا على أنها تحرك بندول السياسة الخارجية التركية في اتجاه موسكو بدلاً من واشنطن، وروسيا بدلاً من الاتحاد الأوروبي. فقد بدت من أنقرة أنها تعبر عن فشل ذريع في الاستراتيجية التركية التي قامت لعقود طويلة على اللحاق بالاتحاد الأوروبي، وكانت في ذلك على استعداد من وجهة نظرها إلى القبول بتغييرات كبيرة في الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية التركية من أجل مقعد على المائدة الأوروبية في بروكسل. مثل ذلك لم يحدث، وكان على أنقرة أن تشاهد دولاً بعد دول تلحق بالاتحاد مثل بلغاريا ورومانيا واليونان وقبرص، وهي الأقل منها شأناً اقتصادياً من ناحية، ومشاركة في الدفاع عن أوروبا من خلال حلف الأطلنطي من ناحية أخرى. ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما عندما تعرض الأمن التركي للاختبار لحظة إسقاط تركيا للطائرة الروسية «سوخوي – 24»، وما تلاها من تهديدات وتحركات عسكرية روسية، لم تجد أنقرة ما يسد رمقها إلى المساندة، لا من قبل الاتحاد الأوروبي، ولا من الولايات المتحدة. جاءت الإعلانات متأخرة ومترددة، وفيها الكثير من نفاد الصبر تجاه دولة بات بادياً عليها ترنح اقتصادي وسياسي، خصوصاً في أعقاب محاولة الانقلاب على حكم إردوغان، الذي صار سلطاناً عثمانياً معاصراً؛ وهو الانقلاب الذي ظنه السلطان لا يمكن أن يكون دون يد أو إشارة أميركية من نوع أو آخر.
هذه التفسيرات يمكن الإضافة إليها ما هو فني وتكتيكي، فقبل وبعد كل شيء، كما ورد في التقارير، أن أميركا كانت مترددة في تقديم نظم الدفاع الجوي المتقدمة إلى تركيا من طراز «باتريوت»، ومن ثم لم تجد أنقرة بداً من البحث عن النظام المتقدم في مكان آخر حدث أنه كان في موسكو التي باتت مصالحها وسياستها متشابكة مع أنقرة في الأزمة السورية – العراقية، سواء في الوجود العسكري في سوريا، أو في التواد السياسي بضم الصفوف، ليس فقط مع موسكو، وإنما مع طهران أيضاً. ورغم ذلك فإن كل هذه التفسيرات ليست كافية لفهم الصفقة التركية الروسية للصواريخ المتقدمة طالما أن الدول لا تسعى لامتلاك مثل هذا السلاح، من أجل المشاهدة في الاستعراضات العسكرية. اقتناء الدول للسلاح يكون عادة من أجل مواجهة تهديد من نوع أو آخر يعتمد على نوعيات بعينها من الأسلحة، وفي الحقيقة فإن منظومة «إس – 400» مجهزة للتعامل مع نوعية الطائرات المتقدمة للغاية مثل تلك الأميركية من طراز «إف – 35» التي لا تكتشفها الرادارات، والقادرة من حيث السرعة والحمولة القاتلة على تدمير أهداف متعددة ومتنوعة. المدهش في الموضوع أن تركيا كانت جزءاً من «الكونسورتيوم» الذي يقوم بتصنيع هذه الطائرة، واستناداً إلى ذلك كانت سوف تحصل على 100 طائرة؛ أول اثنين منها كانا في طريقهما إلى تركيا بالفعل، حتى جرى وقفهما عقوبة لأنقرة، بعد أن دخلت الصفقة الروسية إلى مجال التنفيذ. الدهشة هنا هي أن تركيا كانت تسعى إلى صفقتين للحصول على سلاحين، وظيفة كل منهما تدمير الآخر؛ واحد منهما تنتجه الولايات المتحدة، والآخر دولة روسيا الاتحادية.
الأكثر دهشة أن تركيا من ناحية الجغرافيا السياسية عرفت نوعين من التهديدات: غربي عرفته أثناء الحرب العالمية الأولى، الذي أنهى وجود الإمبراطورية العثمانية، وسعى في مراحلها الأخيرة إلى تمزيق تركيا ذاتها؛ والآخر شرقي جاء دوماً من روسيا هائلة الحجم والقدرة، سواء كان أثناء الحرب العالمية الأولى وما قبلها، أو عندما قام الاتحاد السوفياتي ضاغطاً بسلاحه وآيدولوجيته على تركيا التي ارتمت في أحضان حلف الأطلنطي. الواقع الآن هو أن تركيا لا تزال عضواً في حلف الأطلنطي، ولم يظهر منها حتى الآن ما يشير إلى إمكانية للخروج منه، ولكنها تشتري ما يحبط القدرات العسكرية الغربية من ناحية، وتتحالف عملياً وسياسياً مع موسكو من ناحية أخرى. ولكن إذا كانت أنقرة لديها تحالف مع طرف، وأسلحة مهمة مضادة مع طرف آخر، فعلى من سوف تطلق الصواريخ التي اشترتها من موسكو؟ وما هي طبيعة التهديدات الجيو – سياسية أو الجيو – استراتيجية الذي يجعل صفقة «إس – 400» مفهومة؟ صحيح أن الدول أحياناً تحصل على الأسلحة لدواعي «البريستيج» والمكانة، والجلوس في مقاعد الدول الكبرى، ومحاولة وضع سياسة خارجية مستقلة، والدفاع عن الأمن القومي دون اعتماد على طرف أو آخر. كل ذلك قد يكون جائزاً، ولكنه لا يحل معضلات الدولة التركية مع النزعات الاستقلالية الكردية، ولا مع الإرهاب الذي ارتضت أن يكون أراضيها ملاذاً ومعبراً له.
الاحتمال الآخر أن هذا الإغراق في الحصول على عناصر مكلفة ومتقدمة للقوة العسكرية هو الصيغة التركية المقابلة للمحاولات الإيرانية للاستحواذ على السلاح النووي، أو أسلحة مقابلة يمكنها أن تمد الذراع التركية إلى ما هو أكبر من الشمال السوري، وما هو أوسع من الشمال العراقي، وإلى ما هو أغنى في شرق البحر الأبيض المتوسط. البناء العسكري التركي لا يمكن فهمه في إطار سياسة دفاعية تركية لمقاومة تهديدات وجودية، بقدر ما يمكن أن تكون لتوجيه التهديدات التركية، والابتزاز التركي، إلى المحيط المباشر الذي احتلته تركيا لعدة قرون، وربما تعتقد الآن أن تحريره لقرن ونصف القرن تقريباً كان مجرد صدفة تاريخية آن أوان تصحيح اتجاهها.
11 أوروبا: الحرب تهزم التعدّد… حازم صاغية
الشرق الاوسط السعودية

«في بريطانيا كلّ شيء مسموح إلاّ ما كان ممنوعاً، وفي ألمانيا كلّ شيء ممنوع إلاّ ما كان مسموحاً، وفي فرنسا كلّ شيء مسموح ولو كان ممنوعاً، وفي روسيا كلّ شيء ممنوع ولو كان مسموحاً».
العبارة نُسبت إلى ونستون تشرشل وإلى الفيلسوف والمؤرّخ البولندي ليشيك كولاكوفسكي، وكالعادة ردّها البعض إلى أوسكار وايلد، شيخ المأثورات. ضياع القائل لم يُضع معنى القول. فأوروبا، باستثناء روسيا السوفياتيّة ثمّ البوتينيّة، أوروبات. وحين نشأت فكرة الوحدة احتفظتْ بخصائص المُكوّنات، كما أناط المشروع بشعوبها أمر اتّحادها الذي لم يزعم لنفسه صفة القداسة، ولا قال إنه تنفيذ لمشيئة متعالية. إنّه خاضع لإرادة الشعوب، تكرّسه أو تَفكّه في تعاقد مصحوب دائماً بإعادة النظر.
الفرنسيّون رأوه اتّحاد قيم. البريطانيّون رأوه اتّحاد سوق. وفي الأحوال كافّة، التقت أنظمة جمهوريّة وملكيّة، اتّحاديّة ووحدويّة، مركزيّة ولا مركزيّة، تجمعها الديمقراطيّة التمثيليّة كنظام برلمانيّ، وتعدّد حزبيّ، ودولة قانون، واستقلال للمجتمع المدني والسلطات المحلّيّة. ومع أنّ التشكّل البطيء بدأ في 1951، مع اتفاقيّة باريس للفحم والفولاذ، فالقابلة الأهمّ للوليد الجديد كانت اتفاقيّة ماستريخت عام 1992: لقد انتهت الحرب الباردة فأقلعت أوروبا وانضمّت إليها دول كانت مسجونة في الكتلة السوفياتيّة. «التوسّع»، هذه المرّة، بات طوعيّاً، بإرادة الشعوب وقوّة النموذج.
وفضلاً عن المصالح المشتركة، أقام في خلفيّة تلك المسيرة أنّ أوروبا قارّة الطبيعتين:
هي قارّة الصراع: في القرن العشرين وحده، وبين 1914 و1945، مات مائة مليون قتلاً وجوعاً. فإلى الحربين العالميتين و«الهولوكوست»، هناك المجزرة الأرمنية، والحربان الأهليّة الروسيّة والإسبانيّة، والستالينية وتجميعها الزراعي، ومجاعة أوكرانيا، ودائماً النازية والفاشية… أوروبا المحاربة والمتحاربة قرّرت أن تغدو عاصمة السلام. استدعت من التاريخ أحد ألمع أبنائها، عمانوئيل كانط، الذي دعا منذ 1795 إلى «سلام دائم».
كذلك هي قارّة الاستعمار والفتح وترتيب الشعوب على مراتب، لكنّها أيضاً قارّة التنوير الذي اخترع فكرة إنسانيّة الإنسان ووحدة العالم بعدما وسّعهما باكتشاف أميركا. الكون قبلذاك كان جزراً مفتّتة فجُعل واحداً متّصلاً. أوروبا قرّرت تغليب الطبيعة الثانية على الأولى.
لكنْ في 1992، حين وُقّعت ماستريخت، كانت الحرب تعصف بالبلقان في جنوب القارّة الشرقيّ. الأمر لاح نذيراً بأنّ التاريخ لم ينتهِ والحرائق لا يعوزها الزيت. الامتحان الذي طرحته تلك المنطقة المعقّدة بعناصرها الأهليّة وبتناقضات ما بعد الشيوعيّة المعطوفة على ما بعد العثمانيّة، بدأ صعباً: أوروبا لم تستطع التدخّل لأنّها نزعت أنيابها العسكريّة فيما لا تزال الحاجة مُلحّة إلى الأنياب. الأمر تُرك للولايات المتّحدة التي وصلت متأخّرة.
النزعة السلميّة، الفخورة بالتوحيد السلمي لألمانيا، وجدت من يتّهمها بالسذاجة. في 2003، مع الحرب الأميركيّة على العراق التي عارضتها فرنسا وألمانيا، سكّ دونالد رمسفيلد، وزير الدفاع الأميركيّ، تعبير «أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة». الأولى حلمٌ ذاوٍ، والثانية، أي دول الوسط والشرق القادمة من صقيع الشيوعيّة، أمل صاعد. روبرت كاغان، في كتاب شهير عن «الفردوس والقوّة»، نسّب أميركا إلى كوكب المرّيخ، أي الحرب والخشونة، وأوروبا إلى الزُهرة، أي الجمال والاسترخاء. لقد ساد إجماع أميركي على أنّ الأوروبيين رغبويّون، يعالجون العالم بحسن النوايا ويطبّقون عليه استثناءهم الذي لا يتكرّر.
مذّاك والسجال في معنى «الواقع» لا يخمد حتّى يشتعل. أميركا تقول لأوروبا: تسلّحي وأنفقي على التسلّح أكثر مما تفعلين. القاعدة هي الحرب والإنسان شرٌّ محض. تؤشّر لها بأصبعها: ضعفكِ ما يجعلكِ هامشيّة في نزاعات العالم، بما فيه حدودك المباشرة. لكنّ أميركا، من جهة أخرى، تزيد في إضعافها فتعادي الاتّحاد الأوروبي وتشجّع «بركسيت» في أكثر أشكاله جلافة، كما توطّد علاقاتها بـ«أوروبا الجديدة» على حساب الآخرين. روسيا بوتين تفعل الشيء نفسه عبر أحزاب شعبويّة قويّة ساهمت هي نفسها في تقويتها: في فرنسا وإيطاليا والنمسا… والبَلَدان يقترحان على الأوروبيين ما ظنّ الأوروبيّون أنّهم تجاوزوه: التدقيق في المواليد ومكان ولادتهم، بناء الجدران، توطيد القلاع الحدوديّة، الدفاع عن «الحضارة المسيحيّة» في مواجهة الإسلام…
أوروبا تستجيب بتثاقُل. ترفع إنفاقها على التسلّح، لكنْ بأقلّ مما تطلب واشنطن. تكرّر رأيها بأنّ مكافحة الإرهاب وظيفة الشرطة والاستخبارات، لا الجيوش والحروب. تذكّر بأنّها كسبت المناظرة حول حرب العراق.
الحجّة الأميركيّة تردّ: في الحربين العالميّتين، نحن من أنقذكم، كما أنقذناكم اقتصادياً بمشروع مارشال. بعدذاك، بات تحوّل أميركا إلى قوّة أوروبيّة، من خلال «الناتو»، هو الضامن لعدم تجدّد الحروب بينكم. وتضيف: لنفترض أنّ بوتين أراد أن يفعل بالبلطيق ما فعله بأوكرانيا، فهل أنتم مَن يستطيع ردعه؟
ويعرف الأوروبيّون، الذين يواجهون أيضاً أزمة اللجوء من جنوبهم وصعود الاقتصاد الصيني في شرقهم البعيد، أنّ فزّاعة بوتين حقيقيّة، لكنّ العين بصيرة واليد قصيرة. وإطالة اليد قد «تقوّي» أوروبا بالمعنى الذئبي للقوّة، إلاّ أنّها تكفّ عن رعاية التعدّد وقد تفكّك اتّحادها. ذاك أنّ قيم الاتّحاد الليبراليّة وسوقه المفتوحة غير مرغوبة أميركيّاً وروسيّاً. وبدل أن «تغزو» القارّة عالمها بالنموذج، يغزوها العالم، والحال هذه، بسلاح واقعيّة مبتذلة يمثّل بوتين أبرز شهودها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.