11 مقالة بالصحف العربية عن العراق يوم الجمعة

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
1المالكي والعبادي في الموصل.. اتفاق على تدميرها

 

 

هارون محمد

العرب
حيدر العبادي يقلد نوري المالكي في نهجه وتصرفاته ضد مدينة الموصل وسكانها السنة العرب، ولا يختلف مع صاحب ‘ما ينطيها’ إلا نسبيا، فالمالكي صارخ في طائفيته، والعبادي مستتر.

ثمة هجمة منظمة ضد مدينة الموصل، رغم أنها غير محررة من احتلال داعش بالكامل، تشترك فيها أحزاب ومرجعيات وميليشيات شيعية شعارها (الشيعة حرروا الموصل) في إشارة إلى أن أغلب ضباط وجنود قطعات الجيش وقوات مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية التي شاركت في معارك المدينة من الشيعة، وكأن أهلها الذين مُنعت عليهم حيازة السكاكين المتوسطة في مطابخ بيوتهم باعتبارها أدوات إجرامية حسب قوانين الجنرال مهدي الغراوي قائد العمليات العسكرية فيها، هم من سلموها لداعش قبل ثلاث سنوات، وهربوا بـ“الدشاديش” البيضاء منها.

 

ووفق هذا المنطق المعوج، يطالب حزب الدعوة والميليشيات بأن تكون قيادة الموصل في المرحلة المقبلة بيد الشيعة، بمعاونة بعض “سنة المالكي” يتم تجميل وجوههم وإجراء المقابلات التلفزيونية المتكررة معهم، أمثال النواب عبدالرحمن اللويزي وأحمد كيارة الجبوري وعبدالرحيم الشمري، إضافة إلى ممثلين متعاونين عن الأقليات الكردية والتركمانية والمسيحية والشبكية واليزيدية.

 

وتبرز بهذا الصدد أسماء القيادي في المجلس الأعلى محمد تقي مولى عن التركمان الشيعة، والنائب الشبكي حنين القدو وريان الكلداني، المسيحي المتشيع، ومطروح اسم كردي عراقي، يقاتل مع قوات حزب العمال الكردي التركي في سنجار، يدعى كاكا عاصم، وآخر يزيدي يتم التكتم على اسمه وهويته لأسباب أمنية.

 

وقبل أيام هاجمت وحدات من ميليشيا سيد الشهداء، قوات حرس نينوى المكلفة بحماية منطقة “المجموعة الثقافية” في أيسر الموصل، لغرض إخراجها من المنطقة واحتلال مقراتها، وحدثت اشتباكات بين الجانبين، واضطر قائد عمليات الموصل الفريق نجم الجبوري إلى الإعلان بأن الاشتبـاكات نتجت عن سـوء فهم وتم احتواء الموقف، دون أن يتمكن من تبرير وجود هذه القوة الحشدية الممنوعة رسميا من الوصول والانتشار في المنطقة، بينما يواصل نائب الأمين العام لتلك الميليشيا المدعو أحمد موسوي تهديداته ويفتي بذبح ضباط وجنود الحـرس الذين قدموا العشرات من الشهداء والمئات من الجرحى في معركة تحرير الموصل وأكثر من نصفهم متطوعون بلا راتب، وهو ما أثار مقدم برامج في فضائية “العهد” العصائبية إلى الإعلان بأن “بسطال” (حذاء) الشيعي يشرّف الموصل، دون أن يواجه بتأنيب طرف سياسي أو استنكار جهة حكومية، مما يدل على أن رئيس الحكـومة حيدر العبادي يساير هذا المنهج العدائي وينسجم مع الخطاب الطـائفي ضد المدينة، خصوصا وأن هذا المقدم سبق وأن طعن بالسيدة عائشة والخليفة الراشدي عثمان بن عفان، ومازال مستمرا في شتائمه الطائفية، دون أن تتم مساءلته قانونيا بحجة حرية التعبير.

 

وعندما يبلغ نوري المالكي وكالة أنباء روسية (سبوتنك) بأن أهل الموصل الســنة هم من سلموا مدينتهم إلى تنظيم داعش، رغم أنه يعترف بأن نصف القطعات العسكرية المسؤولة عن حماية الموصل انسحبت قبل يوم واحد من اجتياح مسلحي التنظيم للمدينة، دون أن يوضح لماذا انسحبت ومن أصدر لها أمر الانسحاب، فإنه يدين نفسه وهو كان رئيسا للحكومة وقائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا لوزارتي الدفاع والداخلية، ويضحك على نفسه أيضا، لأنه أوحى بهذا التصريح بأنه كان مجرد لاعب يتقافز على حبال متهرئة.

 

والغريب أن حيدر العبادي وهو الذي عاش وعمل سنوات في الغرب وبريطانيا تحديدا، يستنكر تقارير موثقة لمنظمات إنسانية وبيانات رصينة لهيئات دولية عن وجود جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان وارتكاب عمليات قتل ممنهجة لأبناء الموصل الذين صمدوا وصابروا في مدينتهم، وهو بهذا الموقف، يشترك مع المالكي في النفاق، ويتفق معه في معاداة أهل الموصل الذين دفعوا 40 ألفا من أبنائهم العزل شهداء خلال تسعة أشهر من العمليات العسكرية، يضاف إليهم 27 ألف مدني استشهدوا تحت حكم داعش، كما ذكرت النائبة الموصلية نورا البجاري في إحصائية أولية.

 

إن الوقائع المروعة التي شهدتها الموصل خلال الأشهر التسعة الماضية، تؤكد أن عملية تحريرها من احتلال داعش قامت وفق خطة رسمتها حكومة العبادي برعاية التحالف الدولي ودعم الطيران الأميركي، ومشاركة المستشارين الإيرانيين، استهدفت تدمير المدينة وقتل المزيد من سكانها، فلم نشاهد دواعش مقتولين غير أفراد قلائل، ولم نلحظ أسرى من مقاتلي التنظيم سوى ثلاثين أو أربعين مسلحا نصفهم نساء مجندات أو مجبرات، بينما قتل الآلاف من المدنيين وتم احتجاز الآلاف من الرجال والشباب في معسكرات اعتقال لأغراض التدقيق الأمني، تمنع وسائل الإعلام من الوصول إليهم ويحظر على المراقبين الدوليين الاطلاع على أوضاعهم.

 

والمعلومات المتسربة من داخل المدينة تشير إلى أن قوات الشرطة الاتحادية تحتجز وحدها أكثر من 4000 مدني، وهذه القوات المشكلة على غرار الميليشيات، مثبتة عليها جرائم بالجملة، ولا بد من تقديم قائدها الفريق رائد جودت وكبار ضباطه إلى التحقيق والمحاكمة، علما أن هذا القائد وهو من أتباع المالكي الذي رفعه من رتبة رائد إلى لواء ثم فريق خلال ست سنوات، متهم بتبديد 303 مليار دينار، حسب تصريحات رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية حاكم الزاملي الذي طالب وزارة الداخلية المسؤولة عن الشـرطة الاتحادية ببيان أوجه صرف هذه الأموال الطائلة التي سلمت إليه ولم يقدم وصولات ومستندات عن مصيرها.

 

إن سماح العبادي للأحزاب والميليشيات الشيعية بافتتاح مقرات لها في الموصل، ترفع راياتها وصور قادتها ومراجعها على جدران الأبنية الحكومية والمدارس المعطلة، وخصوصا في أيسر المدينة مع صخب مكبرات الصوت، وهي تردد أهازيج طائفية وعبارات استفزازية، وتعتقل من تشاء وتسجن من تريد على الشبهات، يعني أن العبادي يقلد المالكي في نهجه وتصرفاته ضد الموصل وسكانها السنة العرب، ولا يختلف مع صاحب “ما ينطيها” إلا نسبيا، المـالكي صارخ في طائفيته، والعبادي مستتر.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتبمكان النشر
2معتقلون حتى الموت!

 

 

احمد صبري

 

 الوطن العمانية
 

 

” .. بعد مرور أكثر من 14 عاما على غزو العراق واحتلاله فقد آن الأوان لوضع نهاية لمحنة معتقلي سجن الحوت وإطلاق سراحهم، لا سيما وأن معظمهم كبار السن، ويعانون من أمراض خطيرة، ناهيك عن أنهم أمضوا هذه السنين خلف القضبان، وأن من يقف وراء الإصرار على بقاء هذه المحنة هو من يسعى لتكريس روح الانتقام والكراهية والاستهداف السياسي والطائفي… ”

 

لا يختلف اثنان على أن للمعتقل أو السجين حقوقا كفلتها قوانين المجتمع الدولي ومنظماته الإنسانية، إلا أن ما يجري في السجون العراقية يخالف قواعد التعامل مع هؤلاء الذين يقبعون في سجون لا يتوافر فيها أدنى مستويات الحجز والاعتقال، ناهيك عن اكتظاظها وتدني مستوى الخدمات المقدمة لهم إلى الصفر وتحولها إلى مسالخ بشرية من فرط ما يعانونه من إذلال وغياب الرعاية الصحية وندرة الغداء، ما وضعهم على حافة الموت البطيء بانتظار ساعة حتفهم.

وعلى الرغم من أن هذه المظاهر أقلقت منظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر، إلا أن أوضاع المعتقلات والسجون تسير من سيئ إلى أسوأ. والقصص المسربة من المعتقلات ليست مقلقة، وإنما كارثية ويندى لها الجبين، الأمر الذي يتطلب كشف ما يجري فيها وما يتعرض له المعتقلون من ابتزاز وتجويع إلى حد الموت.

وما يجري في سجن الحوت في الناصرية يكشف مأساة ما يتعرض له المعتقلون فيه، لا سيما رموز النظام السابق الذين ذاقوا الأمرين من ظروف الاعتقال، والمعاملة غير الإنسانية التي تخالف معايير حقوق السجين، ومثالا على ذلك منعهم من مغادرة أماكنهم للتعرض للشمس والهواء، فضلا عن مصادرة معظم الأدوية التي ترسلها لهم عوائلهم.

وتكمن معاناة عوائل معتقلي سجن الحوت في رحلة العذاب من وإلى السجن والتي تتطلب حضورهم لغرض مقابلة السجين عند الساعة الثامنة صباحا، وانتظارهم حتى الساعة الثانية ظهرا في عز الصيف وبرودة الشتاء، وعندما يحين موعد اللقاء من خلف حواجز لا يتجاوز الدقائق، كما أن حصولهم على الطعام فإنه بالكاد يسد رمقهم، ناهيك عن أن أغلب رموز النظام السابق تقدم بهم العمر، ويعانون من أمراض مزمنة تتطلب غذاء محددا، وهو غير متوافر، ما أدى إلى تدهور حالتهم الصحية إلى حد مفارقة الحياة لعدد منهم، فيما ينتظر الكثير أيضا دورهم إذا استمر التجويع وغياب الرعاية الصحية.

إن محنة معتقلي سجن الحوت عار على مدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ لأنها كشفت عن مأساة نخبة خدمت العراق ودافعت عن حدوده وسيادته، وحافظت على أمواله وساهمت في بناء صروحه التي ما زالت شاخصة وشامخة رغم محاولات إزالتها من خريطة العراق.

من هنا تكمن أهمية المطالبة بنصرة معتقلي سجن الحوت ورفع حصار التجويع عنهم، وتوفير مستلزمات حقوق المعتقل، وهذه مهمة الصليب الأحمر الذي ينبغي أن يزور ويعاين أوضاع السجن ونزلائه طبقا لمعايير الحقوق التي نصت عليها شرعة الأمم المتحدة، ويكشف عن مخاطر الأوضاع غير الإنسانية التي تجري في السجن وإدانة المسؤولين عنها.

وبعد مرور أكثر من 14 عاما على غزو العراق واحتلاله، فقد آن الأوان لوضع نهاية لمحنة معتقلي سجن الحوت وإطلاق سراحهم، لا سيما وأن معظمهم كبار السن، ويعانون من أمراض خطيرة، ناهيك عن أنهم أمضوا هذه السنين خلف القضبان، وأن من يقف وراء الإصرار على بقاء هذه المحنة هو من يسعى لتكريس روح الانتقام والكراهية والاستهداف السياسي والطائفي التي أوصلت العراق إلى حافة الانهيار بفعل ارتدادات هذه السياسة على أوضاع العراق، والتي أفشلت كل الجهود المخلصة لإنقاذه من محنته ومنع دخوله في المجهول.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
3  عراقي يقاضي بريطانيا!

 

 محمد عارف

 

  الاتحاد الاماراتية
  

 

تَجَنّبتُ دائماً، وأودُّ لو أستمر في تجنب الكتابة عن «عبد الحق العاني» الذي يسعى منذ تسعينيات القرن الماضي لمقاضاة بريطانيا عن جرائمها في العراق، وأقام أخيراً باسم الفريق الركن عبد الواحد شنان آل رباط، رئيس أركان الجيش العراقي الأسبق، دعوى ضد مسؤولين بريطانيين عن غزو العراق عام 2003. وعندما أراجع ملفات «العاني» المحفوظة عندي إلكترونياً منذ «الغزو»، وتتضمن مراسلاتي مع شقيقه المهندس المعماري طارق، أدرك لماذا لم أكتب عنه، فالكتابات عن العراقيين بالأسود والأبيض، و«العاني» قوس قزح ألوان.

 

وليس مثل «العاني» عراقي متعدد سياسياً وعلمياً وفكرياً. «مهندس اتصالات إلكترونية، ومحامٍ مجاز أمام القضاء البريطاني، وشاعر وكاتب». هكذا يُعَرِّفُ بنفسه في مدونته، و«للمزيد انقُرْ». وأنقُر فأقرأ: «دكتوراه في هندسة الاتصالات الإلكترونية، ودكتوراه في القانون الدولي، وماجستير علوم في هندسة المعرفة، وماجستير آداب في الفلسفة». وأتوقفُ عن النقر عند مسلسل عن العربية بعنوان «قُلْ ولا تقُلْ»، وكتاب بالإنجليزية عنوانه «الأزمة في الإسلام»، ويُدهشني أن لا يبدو بكتاباته الأخيرة مجرد باحث في الإسلام، بل باحث «إسلامي».

 

و«محاكمة صدام حسين» عنوان كتابه الصادر بالإنجليزية عام 2008 يستهله بالحديث عن زملاء صفه في «كلية بغداد» وهي إعدادية النخبة العراقية آنذاك، وسيحتل بعضهم مواقع مهمة في حكم العراق بعد الغزو، «أحمد الجلبي» الذي لم يكن مهتماً بالسياسة، فيما كان «العاني» عضواً في «حزب البعث»، وكذلك كان بعثياً كل من «أياد علاوي» الذي سيصبح أول رئيس وزراء بعد الاحتلال، و«عادل عبد المهدي» سيصبح نائب رئيس الجمهورية. وغادر العاني «حزب البعث» قبل تخرجه في الجامعة عام 1966، إلاّ أنه لا يزال يحمل عقيدته الراديكالية القومية والاشتراكية، وهي عقله النقدي في محاكمة الأوضاع العربية، وإدانة استلام «حزب البعث» السلطة في العراق عامي 1963 و1968، والتي حوّلته، حسب رأيه، من حزب ثوري إلى حزب السلطة المضطر للمساومة مع القوى الإمبريالية الغربية، التي تتحكم بها «الصهيونية العالمية»، وكانت وراء حربه مع إيران، ويُدينها «العاني».

 

ومع ذلك انضَمّ «العاني» إلى «هيئة الدفاع الدولية» عن صدام حسين، وذلك «أولاً؛ لأن من حق كل إنسان أن يكون له دفاع مناسب أيّاً كانت تهمته، وثانياً؛ الرغبة في إنهاء احتلال العراق». وهي في تقديره «معركة واحدة لمنع تكرار ما حدث في العراق ضد شعوب ضعيفة أخرى». وكتابه «محاكمة صدام حسين» وثيقة فريدة في القانون الدولي، يتابع فيها تفاصيل الانتهاكات القانونية لكل مراحل المحاكمة، وموضوعه بالأحرى محاكمة الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الغربية التي شاركت في احتلال العراق، و«مجلس الأمن الدولي» الذي شرعن الاحتلال، ويتحمل مسؤولية جريمة الحصار الاقتصادي لإبادة العراق عقب حرب عام 1991، وهي موضوع كتابه الصادر عام 2015 في جزأين؛ «الإبادة الجماعية للعراق»، وعنوانه الثانوي «محو دولة حديثة»، ونقرأ فيه: «كل ما بُني في العراق خلال ثمانين عاماً جرى تفكيكه حجراً حجراً خلال 12 عاماً من الحصار». ويستقصي «العاني» إبادة 9 ملايين عراقي منذ الاحتلال البريطاني عام 1914 وحتى «الاحتلال الأممي» عام 2003.

 

ويُعلن العاني: «أصبح طلب العدالة لشعب العراق رسالتي في الحياة». وعندما سُئل في حديث مع «بي بي سي» عن سبب دفاعه عن «صدام حسين»، رغم فصله من عمله الأكاديمي في جامعة بغداد، واضطراره للهجرة، أجاب: «العراق أكبر من معاناتي الشخصية، وأكبر من صدام حسين». وبالشعر ينعى «العاني» هشاشة العراقيين، ويأسهم، ولامبالاتهم: «يخشى الصغائر مثلهن صغارُ، ويدوس فوق الكبريات كبارُ، ويضيع في لج الحوادث خانعٌ، يشكوه من فرط الخنوع صغارُ. يا بؤس هذي الأرض كيف تضمّنا، تعساً لقومٍ خيرهم أشرارُ».

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
4 أزمات تعصف بـ«البيت الشيعي» في العراق 

عبد الزهرة الركابي

   القبس الكويتية
   

لم يستطع أهل البيت الشيعي الحاكم إخفاء خلافاتهم ومناكفاتهم بل وتقابلاتهم إلى حد الجفاء والقطيعة والخروج من هذا الحزب أو ذاك، كما حصل أخيراً من انشقاقات في صفوف المجلس الإسلامي الأعلى، التي أدت إلى خروج زعيمه عمار الحكيم منه، وتأسيسه لحزب جديد تحت اسم «تيار الحكمة».

ولو عدنا إلى الحلقة الأكثر هيمنة على الحكم (حزب الدعوة)، فإن هذا الحزب بات يتنازعه جناحان: جناح نوري المالكي وجناح حيدر العبادي. وفي هذا السياق، ذكرت مصادر مطلعة في الحزب المذكور أن العبادي بصدد تشكيل كتلة انتخابية تحت مسمى «التحرير والبناء»، بينما منافسه المالكي يزمع التحالف مع رئيس مجلس النواب سليم الجبوري (زعيم الحزب الإسلامي «الإخوان المسلمين»)، بغية خوض غمار الانتخابات المقبلة!

كما لا نتغاضى عن الخلاف المستديم بين رئيس الوزراء حيدر العبادي والميليشيات التي تأتمر بأوامر مرجعيتها الإيرانية، والتي تُعد أكبر وأقوى الميليشيات الموجودة في العراق، من ناحية العدة والعديد، والتي ما انفك العبادي عن توجيه الانتقادات إليها، إلى حد توصيفها في أحد تصريحاته بالعصابات، وخلال اجتماعه مؤخراً بزعماء هذه الميليشيات، أكد لهم مرة أخرى، وجوب التقيد والانصياع لأوامر القيادة العامة للقوات المسلحة، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، عندما خاطبهم نصاً: «الدولة هي القائدة للمنظومة الأمنية من أجل الحفاظ على مصلحة وأمن المجتمع»، مع الإشارة في هذا الجانب إلى أن العبادي لم يشر إلى «الحشد الشعبي» في معرض إعلان النصر باستعادة الموصل! الأمر الذي فسّره المراقبون بأنه انعكاس لحالة التوتر التي سادت علاقته بزعماء الميليشيات، بعدما حمّل العبادي ميليشيات «الحشد» مسؤولية تأخير تحرير مدينة تلعفر بعد إصدار الموافقة على ذلك.

من جانبه، رد هادي العامري (زعيم فيلق بدر)، متهماً العبادي بالخضوع لضغوطات منعت مشاركة الحشد في تحرير مدينة تلعفر ومناطق أخرى، وتصاعد هذا التوتر، بعد إغفال رئيس الوزراء الإشارة إلى دور ميليشيات «الحشد» في إعلان النصر في الموصل في 10 يوليو كما أشرنا سلفاً، وتأزمت العلاقة أكثر عندما اتهم العبادي أخيراً بعض أطراف ميليشيات «الحشد» بالاستيلاء على رواتب العناصر المنضوية في صفوف هذه الميليشيات.

وبالتالي، فكلما حاول «البيت الشيعي» لملمة صفوفه على الطريقة الدبلوماسية، تعصف به أزمة جديدة، جاعلة من قوائمه في مهب الريح، أضف إلى ذلك أزمة الفساد المستشرية بين مفاصله وأركانه.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
 5    

هل سيتحول الصراع بين أربيل وبغداد إلى حرب طائفية؟

   محمد واني    الجريدة الكويتية
   

عندما زحفت قوات تنظيم “داعش” نحو بغداد في يونيو 2014 وشكلت خطورة كبيرة على الحكم الشيعي في بغداد أعلن المرجع الشيعي علي السيستاني حالة استنفار قصوى في المجتمع الشيعي وأصدر فتوى “كفائية” بتأسيس هيئة الحشد الشعبي من عامة الجماهير الشيعية والميليشيات المسلحة العقائدية التي كانت لها دور كبير في الحرب الطائفية التي جرت عامي 2006 و2007، وذلك لمواجهة خطر التنظيم الإرهابي. ورغم شراسة ودموية “داعش” المعروفة فإن بعض الميليشيات الشيعية المنضوية في هيئة الحشد (أكثر من 50 ميليشيا) لا تقل عنه خطورة وشراسة، لاسيما بعد تعاملها الفظ مع أهالي المناطق السنية بعد تحريرها من يد قوات “داعش” وحالات الخطف والقتل الجارية فيها إلى الآن.

 

وستبقى ميليشا الحشد الشعبي قوى طائفية عقائدية ضاربة جاهزة لمواجهة أي قوة تريد زعزعة الحكم الشيعي، خصوصاً بعد أن أخذت طابعاً شرعياً بعد أن صوت البرلمان العراقي على قانون الحشد الشعبي عام 2016. ومن المفروض بعد تحرير مدينة الموصل من قبضة “داعش” وانتهاء الحرب، أن يحل الحشد الشعبي أو توزع عناصره على القوات العسكرية والأمنية ويبقى السلاح بيد جهة أمنية واحدة دستورية، ولكن يبدو أن قوات الحشد تحضّر نفسها من الآن لمواجهات أخرى مع الأكراد وقوات سنية ولم تنتهِ مهمتها، فضلاً عن توجه بعض أقطابها إلى المشاركة في الانتخابات العامة القادمة ليتولوا الحكم مع احتفاظهم بقيادة ميليشا الحشد!

 

وبطبيعة الحال فإن المراقبين لا يستبعدون حدوث حرب ضروس في المنطقة بين هذه الميليشيات الشيعية المدعومة حكوميا وإقليميا وقوات البيشمركة، ولاسيما بعد القرار الذي اتخذه إقليم كردستان بإجراء استفتاء للانفصال عن العراق، وقد تكون خطة المواجهة المحتملة القادمة داخلة ضمن الاستراتيجية الغربية في إحداث فوضى خلاقة في المنطقة، التي بدأت بثورات شعبية عارمة سميت بثورات الربيع العربي، ولن تنتهي إلا بسقوط كامل وشامل لشعوب المنطقة في أتون حرب لا تبقي ولا تذر.

 

وقد مهدت القوى الغربية المتنفذة في الإعداد لهذه المرحلة، وخططت لإحداث دمار شامل في المنطقة من خلال مواجهة بين الشيعة والسنة تصل إلى أقصى مداها، وقد ظهرت بوادر تلك المواجهات العنيفة في سورية والعراق واليمن بأبشع صورها، وأخوف ما نخاف عليه هو أن تنعكس الحالة السياسية المتصارعة القائمة بين “التشيع” و”التسنن” على الجوانب الأخرى الحياتية “الثقافية والاجتماعية والدينية” وتتحول الحرب الباردة الموجودة بينهما الآن إلى حرب حقيقية تأتي على قواعد المجتمعات الإسلامية الهشة من أساسها، كما حدث بين طائفتي “الكاثوليك” و”البروتستانت” في أوروبا بين عامي 1618 و1648 والتي سميت بحرب “الثلاثين” وراح ضحيتها أكثر من (20) مليون إنسان… والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل في نية الدول الكبرى نقل هذه الصورة المأساوية إلى مجتمعاتنا؟ نعم يبدو أنه لا يهمها عدد الضحايا الذين يسقطون جراء هذا الصراع العبثي، وأن هدفها هو إلهاؤنا لفترة أخرى بقتل بعضنا بعضاً بدواع وأهداف طائفية كما قتل بعضنا بعضاً بدواع ونوازع إثنية شوفينية في فترة من الفترات، ولم لا؟! فكل المؤشرات تدل على ذلك! وأهمها استعدادنا التام لخوض هذا الصراع الطائفي وتنفيذ المخطط بحذافيره!

 

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
 6    «الحشد الشعبي»… وتحييد لبنان

 

   وليد شقير

 

    الحياة السعودية
  

 

ليست صحيفة «واشنطن بوست» وحدها التي أبدت الخشية من أن يفقد لبنان حياديته في الصراع الإقليمي والدولي القائم في المنطقة، فالسؤال عن مدى قدرة بعض الطبقة السياسية اللبنانية على ضمان الحيادية مطروح يومياً.

 

ومن لا يقرّ من الساسة اللبنانيين بأن البلد في امتحان دائم على هذا الصعيد يكون كمن يضع رأسه في الرمال ويعتقد أن الآخرين جهلة. فهدف تحييد لبنان عن صراعات المنطقة شعار جميل قابل للتطبيق لو أن هناك اتفاقاً فعلياً لا لفظيًا بين المكوّنات الداخلية عليه.

 

السؤال عن قدرة لبنان على تحييد ذاته عن صراعات المنطقة تحوّل سؤالاً عن مدى احتمال قوى إقليمية رغبة فرقاء محليين باعتماد هذه السياسة في وقت تتوالد الأحداث وتجعله مسرحاً لوقائع خارجية.

 

والمسألة تتجاوز قدرة لبنان على تحييد نفسه على رغم اعتداد فرقاء كثر بهذا الطموح. أبسط الأمثلة أن «داعش» وحده قادر على إطاحة سياسة التحييد هذه، عبر العمليات الإرهابية التي نفذها سابقا أو سعى إلى تنفيذها، شأن العمليات التي حدثت في غير بلد بعيد أو قريب. وأكثرها وضوحا فتح «حزب الله» الحدود بين لبنان والمسرح الحربي السوري في شكل غير مسبوق للسيطرة على أجزاء منه.

 

وإذا كان هناك من يشك في التحدي اليومي لقدرة لبنان على تحييد نفسه، يكفي حدثان راهنان للدلالة على إلحاح هذا التحدي.

 

في المعركة لتحرير جرود عرسال كان صعباً التمييز بين البعد الإقليمي والأهداف اللبنانية الأكيدة لاندلاعها وهي أنها للتخلص من مجموعات إرهابية، مع أن الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله قال إن قراراً ذاتياً كان وراءها لا دخل لإيران وسورية فيه، بينما تتغنى طهران بالانتصار المحقق. أما الحدث الثاني فكان رسالة الكويت إلى الحكومة اللبنانية مطالبة إياها بأجوبة واضحة وجدية عن إجراءات لبنان لردع الحزب عن تقويض أمنها بعد إدانة الحزب بتمويل خلية العبدلي التي نفذت عمليات إرهابية وتسليحها وتدريبها، وكانت تنوي القيام بعمليات غيرها، فائقة الخطورة، بدعم إيراني.

 

وللبنان تاريخ من ارتباط المعادلة فيه بمجريات الإقليم، وسوابق لا حصر لها من طموحات قواه الداخلية لفك هذا الارتباط. وكل المحاولات السابقة للفصل بين المسارين اللبناني والإقليمي للحروب الداخلية فيه وفي المنطقة، فشلت على مرّ التاريخ. هكذا حصل في مراحل الحرب اللبنانية التي اندلعت عام 1975 على رغم محاولات عربية ودولية لتحقيق هذا الفصل. وهو ما تكرّر عندما جرى ربط لبنان بالسياسات السورية إلى درجة أدخلت المخابرات السورية في حينها في أحشاء المؤسسات اللبنانية السياسية والإدارية والعسكرية وتفاصيل المشهد الداخلي. ومن يعرف تاريخ البلد يدرك أن الأمر لم يكن مختلفاً في الأزمات الداخلية السابقة، بما فيها التي وقعت في القرن التاسع عشر، بالتزامن مع تقاسم النفوذ الدولي في المنطقة، إذ استخدمته الدول منصة لترتيب هذا التقاسم.

 

المرة الوحيدة التي أخذت السياسة اللبنانية قدراً معقولاً من الاستقلالية عن الصراع الإقليمي كانت إبان عهد الرئيس جمال عبد الناصر حين اتفق مع الرئيس الراحل فؤاد شهاب، ما أتاح تجنيب البلد الالتحاق الكامل بتعقيدات هذا الصراع، فأسس الأخير بناء تحديثياً للمؤسسات اللبنانية. ومع ذلك لم تنج تلك المؤسسات من آثار الإجازة الخارجية للحاكم اللبناني أن يتصرف باستقلالية، فنشأ حكم «المكتب الثاني» (المخابرات).

 

ولا يختلف الأمر في حالة «حزب الله» كقوة إيرانية إقليمية، مهما جرت تغطية دوره بهويته الداخلية كمكوّن لبناني. ومثلما أن دوره الإقليمي في سورية والعراق واليمن والبحرين وسائر دول الخليج، هو بالتعريف إيراني، فإن وزنه في المؤسسات اللبنانية كافة انعكاس حتمي لكل ذلك.

 

مع صعوبة تكرار تجربة عبد الناصر- شهاب، لأن الرئاسة اللبنانية ترمز حتى إشعار آخر إلى الالتحاق بالمحور الذي ينتمي إليه الحزب، يكرّر رئيس الحكومة سعد الحريري شعار تحييد لبنان تارة، وشعار تحييد الخلافات الداخلية عن العمل الحكومي تارة أخرى، ويحيل إيجاد حل لمسالة «حزب الله» إلى «الإطار الإقليمي». فالتحدي الذي لا يحسد عليه في ظل اختلال ميزان القوى الإقليمي يجعل مهمته أصعب من أسلافه.

 

وتحييد لبنان مرتبط بقدرة نصرالله على ملاقاة الحريري، وهو امر مستحيل مع اضطرار ايران لمواجهة ضغوط أميركية وعربية جديدة، والحريري غير قادر أن يتقمص شخصية حيدر العبادي في العراق بتشريع دور الحزب، كما شرّع الأخير «الحشد الشعبي» ليفتح الحدود مع سورية. قد يكون الحريري لقي تفهماً في واشنطن، لكن الحزب قد لا يتيح لدول عربية ذلك بعد أن صبرت طويلاً.

 

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
7 ترامب يتبنى سياسة أوباما في سورية والعراق

 

 

 راغدة درغام    الحياة السعودية
 

لن يكفي إعلان هذا الانتصار أو ذاك ضد «داعش» أو «جبهة النصرة» أو أي من مشتقات «القاعدة» وأخواتها طالما يلفّ الغموض مصير المقاتلين في هذه التنظيمات كما سبق ولفّ ولادتها ونشأتها. هؤلاء الرجال لا يتبخّرون وانما يفرِّخون. سحق «دولة الخلافة» مثلاً، يتطلب إقناع الناس بمصير المقاتلين، جثثاً كانوا أو في إطار إعادة التأهيل أو حتى فارين إلى الكهوف والمدن التي صدّرتهم إلى سورية والعراق، يتطلب نشر صور الاستيلاء على دباباتهم وسياراتهم وآلاتهم الإعلامية التي بهرت العالم. فباسم مكافحة الإرهابيين تم تدمير العراق وتم استدعاء الإرهابيين إليه «كي لا نحاربهم في المدن الأميركية»، كما قال الرئيس الأميركي حينذاك جورج دبليو بوش. وتحت عنوان مكافحة الإرهاب تم تحويل سورية من ساحة عصيان مدني الى ساحة اجتذاب للإرهابيين من كل مكان للقضاء عليهم بعيداً من المدن الروسية والأميركية والإيرانية. الرئيس السوري بشار الأسد كان أول المستثمرين في «الشركة المساهمة» التي طوّرت صناعة الإرهاب العالمي في سورية، لكن المستثمرين والممولين كانوا منذ البداية متعددي الجنسيات والأهداف، منهم ما هو عربي، وشمال أفريقي، وما هو تركي وإيراني، على الصعيد الإقليمي. على الصعيد الدولي، أتى الأميركي والروسي والأوروبي مساهمَين أساسيين في ذلك الكوكتيل الاستخباراتي الغامض والفاعل في تأسيس «الشركة المساهمة» المسماة «داعش» التي تصدّرت الرعب والإرهاب إلى درجة نسيان تنظيم «القاعدة» وخلاياه النائمة قبل الانصباب على «جبهة النصرة» بمختلف أسمائها إنما بوضوح انضمامها إلى شبكة «القاعدة». إلى أين يذهب أولئك المتطوعون، الإرهابي منهم والعقائدي المتطرف وذلك الذي يعتبر نفسه مدافعاً عن حقوق السُنَّة في وجه الزحف الإيراني باسم الشيعة بالذات في العراق ولبنان. قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني بات بطلاً لدى الإيرانيين لأنه صوّر نفسه ذلك المقاتل الشرس الذي حارب «داعش» في العراق وسورية كي لا تحاربهم إيران في أراضيها، آخذاً بنموذج جورج دبليو بوش. في العراق بالذات، أتت صناعة «الحشد الشعبي» كجيش موازٍ للجيش العراقي موالٍ لطهران أكثر مما هو لبغداد، لتضاعف شعبية سليماني وبطولته في تصدير نموذج الحكم الإيراني إلى العراق. كذلك في لبنان، حيث الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله ينصّب نفسه أيضاً قائد نموذج الجيش الموازي الموالي لطهران، ثم رفع راية مكافحة الإرهاب ضد «النصرة» و «داعش» أينما كان تلبية للنداء الأميركي وللاستراتيجية الإيرانية في إطار التموضع قبل اقتسام النفوذ في سورية والعراق. هذا مع الاحتفاظ بأدوات السيطرة على لبنان وعلى أوتار الخلاف الشيعي– السنّي في كامل البقعة العربية. هنا بالذات تتداخل الانتصارات الحقيقية والمزعومة في الحرب على الإرهاب. هنا تبرز إما السذاجة الأميركية –كما يراها البعض– وإما الحنكة الاستراتيجية الأميركية التي قررت أن مصالحها ما زالت تقتضي الاستمرار في إشعال النزاع السنّي– الشيعي بشراكة مع روسيا.

 

تركيا لعبت دورها في إنماء الصراع السنّي– الشيعي بتبنيها وتصديرها مشروع «الإخوان المسلمين» للصعود إلى السلطة بنموذجٍ فرض الدين على الدولة سنّياً، كما يفعل نظام الحكم في إيران شيعياً. طهران نجحت في فرض «الثيوقراطية» على الدولة في نظام ديني يرفع راية قيادة الشيعة أينما كان في البقعة العربية، ليس فقط داخل إيران والبيئة الفارسية. أنقرة فشلت في مصر كما في سورية، مع اختلاف تجارب الفشل، ذلك لأن ما فعلته في سورية انطوى على صناعة الإرهاب بأسهم عالية في تلك «الشركة المساهمة» بشراكات خليجية عربية.

 

الصراع السني – الشيعي امتد من الخليج إلى العراق وسورية ولبنان واليمن وهو الآن يتخذ بعداً في العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب بصورة تختلف عما كانت عليه في زمن الرئيس باراك أوباما. كلاهما عرض نفسه شريكاً جدّياً يمكن الاتكال عليه في مكافحة الإرهاب بدلاً من الآخر. أوباما اقتنع بالشراكة مع إيران وتبنى سياسة أجّجت النزاع السنّي– الشيعي عمداً. إنما هذا ليس جديداً على الاستراتيجية الأميركية البعيدة المدى إزاء المعادلة السنّية– الشيعية الممتدة من أفغانستان وباكستان إلى إيران والسعودية، فالإرهاب في التعريف والتصنيف الأميركي، كان يوماً شيعياً ويوماً آخر سنّياً، والشراكة كانت يوماً مع صدام حسين في حربه مع إيران، ويوماً آخر مع إيران وامتداداتها في العراق وسورية مع الحفاظ على التهادنية مع إسرائيل.

 

دونالد ترامب يبدو مقتنعاً أكثر بالشراكة مع السُنَّة للقضاء على الإرهاب بجميع مشتقاته، من «القاعدة» إلى «داعش»، لكن سياساته العملية الميدانية ليست مُقنِعَة، لا في العراق ولا في سورية ولا حتى في لبنان واليمن. حصل الرئيس الأميركي في قمة الرياض التي جمعته مع القيادات السنّية، على التزامات وتعهدات مالية وبشرية للقضاء على التنظيمات الإرهابية السنّية، إنما هذا الاستعداد السُنّي للاندفاع إلى الصف الأمامي من المعركة سيفقد الزخم إذا انحسرت الوعود والتعهدات الأميركية باحتواء التجاوزات والطموحات الإقليمية الإيرانية.

 

تسليم مصير «الحشد الشعبي» في العراق إلى رئيس الحكومة حيدر العبادي إنما هو هروب إلى الأمام، لأن ليس في قدرة العبادي الوقوف في وجه القيادة الإيرانية لـ «الحشد الشعبي». وهذا مثال على الخلل الجذري في مكافحة «داعش» وأمثاله، لأن «داعش» العراق وُلِدَ من رحم تفكيك الجيش العراقي بعد غزو العراق واحتلاله في زمن جورج دبليو بوش، و «داعش» استطاع أن ينمو ويتوسّع لأنه أتى رداً على التجاوزات الإيرانية والمكابرة الشيعية في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي قزّم السُنّة وتعمد إقصاءهم. ما لم تتم المعالجة الجذرية للمعادلة السنّية– الشيعية في العراق بعد تحرير الموصل بما يعالج مستقبل «الحشد الشعبي» والنفوذ الإيراني في العراق، ستترك هزيمة «داعش» بذوراً لولادة بديلة، وربما الأسوأ.

 

في سورية أيضاً، تبدو إدارة ترامب في تعثر بين شراكاتها حتى مع إيران وميليشياتها من أجل سحق «داعش»، وبين ميدانية الترتيبات لاستيعاب «النصرة» و «داعش» وأخواتهما وتمزيق المعارضة السورية المسلحة المعتدلة. وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي كان بالأمس القريب أكثر المشككين بإيران وميليشياتها والمتوعدين بقطع الطريق على مشروعها الإقليمي، يتحدث الآن بلغة لا توحي بالاعتراض على امتداد «الحرس الثوري» و «حزب الله» وميليشيات أخرى تابعة لإيران في الأراضي السورية التي يتم تحريرها من «داعش». مواقفه الحالية تتناقض ليس فقط مع مواقفه السابقة وإنما أيضاً مع المواقف المعلنة للرئيس ترامب.

 

كذلك الأمر مع مستشار الأمن القومي أتش. آر. ماكماستر الذي طالما هاجم إيران وانتقد سياساتها التي «تشعل حلقة النزاع المذهبي كي يبقى العالم العربي ضعيفاً دائماً»، فهو بدوره أوضح أن الولايات المتحدة لن تتدخل في سورية ولا في العراق لإيقاف إيران ومشروعها، «فسبب وجودنا في سورية هو تدمير داعش»، لا غير.

 

وفي الأيام القليلة الماضية، وللمزيد من التناقض في مواقف أركان إدارة ترامب، أطل علينا رئيس وكالة الاستخبارات المركزية CIA، مايك بومبيو، من منتدى آسبن Aspen ليقول بلسان إدارة ترامب «عندما نضع استراتيجية (نحو إيران)، أنا على ثقة بأننا سنكون قادرين على صدّ السياسات الإيرانية». مُطمئِنةٌ هذه المواقف! مطمئنة جداً! فليس لدى إدارة ترامب استراتيجية نحو إيران، على عكس التصريحات التي حملها ترامب إلى قمم الرياض وما تلاها من تهديد لإيران ولـ «حزب الله». هناك انحسار وتراجع في مواقف وتعهدات «محور الراشدين» –الذي يضم ماتيس وماكماستر وبومبيو وكذلك وزير الخارجية المسترخي ريكس تيلرسون– في انتظار تلك الاستراتيجية الأميركية الجديدة.

 

من المفيد للدول العربية توخي الحذر لأن في الاعتماد على الوعود الأميركية مقامرة ومغامرة. قمة الرياض أخذت وعوداً من ترامب وحشدت تعهدات بضمان تنفيذ الوعود. واقع الأمر الميداني يوحي بأن إدارة ترامب تبنّت فعلياً سياسة إدارة أوباما في سورية، وكذلك في العراق.

 

كلام الرئيس الأميركي يختلف عن سياسات إدارته الميدانية. الكونغرس يعاونه من خلال فرض عقوبات على إيران و «حزب الله»، إنما ما يعكف أركان إدارته على تنفيذه ينطلق من تلك الأولوية القاطعة لدونالد ترامب، وهي: زعم الانتصار في سحق «داعش»، بشراكة مع الشيطان –لو تطلب ذلك– وبسياسة قصيرة النظر عنوانها ذو شقين: أولاً، الاستعجال إلى انتصار ناقص لا يعالج الجذور التي أنتجت تلك التنظيمات المتطرفة السنّية التي سلكت الإرهاب، إما عقائدياً أو رداً على مشروع إيران الإقليمي، وهذا سيؤدي إلى تفريخ تلك التنظيمات، الناشئ منها والقابع في الخلايا النائمة، إلى جانب موجة انتقام من خذلان الأسرة الدولية برمتها المعارضة السورية. العنوان الثاني هو الاستثمار في التعالي الإيراني وتفاقم الثقة بالنفس لدى إيران وحلفائها بسبب انصياع إدارة ترامب لمشروع الهلال الإيراني، ما سيُنتج خريطة للتمدد الإيراني عبر العراق وسورية ولبنان باسم التواصل مع إسرائيل بالتهادنية المعهودة بين اليهود والفرس. هكذا يُنسف أيضاً ذلك الاستعداد الخفي لدى السُنّة للمصالحة مع إسرائيل على أسس جديدة غير تلك الواردة في المبادرة العربية للسلام والتي رفضتها إسرائيل.

 

أما إذا استعادت إدارة ترامب توازنها وكفَّت عن الإيحاء بشيء وتنفيذ نقيضه، فقد يكون وارداً الاعتماد على استراتيجية بنّاءة تدشن ابتعاد الولايات المتحدة من السياسة التقليدية القائمة على لعب أوتار المعركة المذهبية بين السُنّة والشيعة. عندئذ يمكن الوثوق ببدء العزم على القضاء على إرهاب هذا التنظيم أو ذاك. في غياب ذلك، يبدو أن الشركاء المستثمرين المتعددي الجنسيات في «الشركة المساهمة»، من الصناعات العسكرية إلى الاستراتيجيات النفطية والأمنية والاستخباراتية، ما زالوا متعطشين ولم يشبعوا بعد.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
8 الأكراد… حقوق لا يمكن إنكارها واستحقاق لا بد منه صالح القلاب

 

    الشرق الاوسطالسعودية
 

مع أن الزعيم مسعود البارزاني قد أكد وكرر التأكيد مرات عدة على أنّ «الاستفتاء» الذي سيجرى في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) المقبل لن يعني إعلان إقليم كردستان – العراق دولة كردية مستقلة، فإنَّ هناك من أثار ضجة متصاعدة وعنيفة، وأن هناك من وجه إلى القيادة الكردية في أربيل اتهامات غير صحيحة بقيت توجه إلى هذه القيادة منذ مرحلة الملا مصطفى وحتى الآن وأقلها «العمالة» لإسرائيل والصهيونية، والعياذ بالله، والولايات المتحدة الأميركية!!

والسؤال الذي يجب أن يوجه للمعترضين على أن يقرر هذا الشعب لا بل هذه الأمة مصيرها كشعوب وأمم هذه المنطقة هو: لماذا يا ترى يحرم الأكراد من حقٍّ حصل عليه الأتراك والإيرانيون والعرب أيضاً، وذلك مع أنه كان لهم دورٌ رئيسي وتاريخي في الدفاع عن هذه المنطقة ضد كل الغزاة الذين استهدفوها من المغول إلى الصليبيين (الفرنجة) إلى الاستعمار الغربي الذي فرض نفسه على الشرق الأوسط كله بعد الحرب العالمية الأولى وأيضاً بعد الحرب العالمية الثانية.

صحيح أنَّ تركيا قد خسرت معظم ما كان جزءاً من الدولة العثمانية لكنها بقيت كياناً قومياً ووطنياً للأتراك في هذا الحيز الجغرافي الذي تقوم فوقه الدولة التركية الحالية، وصحيح أنه كان يجب أن تكون للعرب دولة واحدة من المحيط إلى الخليج لكن وجود كل هذه الدول «القُطْرية» التي تجاوز عددها العشرين دولة والتي تنضوي جميعها في إطار الجامعة العربية قد عوض جزءاً من الوجدان العربي الذي بقي متنامياً وضاغطاً على مدى قرون على الوجود الكاسح للعثمانيين الذين فرضوا أنفسهم على كل شعوب وقوميات هذه المنطقة وفي إطار إمبراطورية مترامية الأطراف غابت في ثناياها هذه الشعوب وهذه القوميات وأصبحت جزءاً من القومية الرئيسية في هذه الإمبراطورية التي أصبحت تسيطر على جزءٍ كبير من الكرة الأرضية إنْ في آسيا وإنْ في أوروبا وإنْ في أفريقيا.

وحتى بالنسبة للإيرانيين الذين فقدوا تباعاً دولتهم الصفوية ثم دولتهم القاجارية فإنه بقي لهم كيانهم الوطني والقومي بقيام المملكة البهلوية التي حكمها قبل انهيارها في عام 1979 الشاه الأول محمد رضا خان ثم ابنه رضا خان والتي ابتلعت شعوباً لها حق تقرير المصير مثل الأكراد والعرب والبلوش والبختيار والآذاريين أيضاً وأقليات أخرى كثيرة، والمعروف أن انتصار الثورة الخمينية قد كرس هذه الدولة «جمهورية إيران الإسلامية» كرقم رئيسي في هذه المنطقة، لا بل إنها أصبحت تحتل دولتين عربيتين هما: العراق وسوريا وهذا بالإضافة إلى هيمنتها بـ«الواسطة» على لبنان وعلى بعض اليمن وأيضاً على قطر، وهذا إنْ لم يتدارك القائمون على هذا البلد العربي الأمور ويعودوا إلى رشدهم ويستجيبوا إلى مطالب أشقائهم المحقة في مجلس التعاون الخليجي وخارجه.

إن المقصود من هذا كله أنه غير منطقي أن تكون للعرب دولهم المنضوية كلها في إطار جامعتهم العربية وأن تكون للإيرانيين دولتهم هذه التي غدت حتى بعد حرب الثمانية أعوام تتطلع وبعيداً وراء حدودها وتحتل عملياً دولتين عربيتين وأيضاً أن تكون للأتراك هذه الدولة الكبيرة القوية بينما يحرم الأكراد الذين هم كشعب مكونٌ رئيسي من مكونات هذه المنطقة الشرق أوسطية من أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم وأن تكون لهم دولتهم أو دولهم أسوة بالآخرين وذلك مع أنهم كانوا دائماً وأبداً في طليعة المدافعين عن هذه البلاد إنْ إبان الغزو الصليبي (الفرنجي) وإنً بعده وحتى الآن حتى هذه اللحظة.

وهنا فإننا لا نتحدث فقط عن البطل التاريخي صلاح الدين الأيوبي بل عن الأدوار الرئيسية التي لعبها الأكراد في فلسطين وفي سوريا والعراق وأيضاً في الأردن إنْ قبل استقلال معظم هذه الأقطار وإنْ بعد ذلك مما يعني أنه لا يحق لأي كان أنْ ينكر عليهم أنَّ من حقهم أن يحصلوا على ما حصل عليه أشقاؤهم العرب والأتراك والإيرانيون فهذا ظلم ما بعده ظلم والمثل يقول: إن من شارك في معارك بذل الدماء الزكية من حقه أن يحصل على ما حصل عليه الذين شاركوهم في هذه المعارك.

وحقيقة، وهذه حقيقة من المفترض أنها معروفة للآخرين العرب والأتراك والإيرانيين، أنَّ الأكراد وحدهم قد دفعوا الثمن غالياً في لعبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى وفي اتفاقيات سايكس – بيكو الشهيرة، فالآخرون أخذوا ولو الحدود الدنيا من حقوقهم وبقوا هُمْ وأشقاؤهم الفلسطينيون يدفعون ثمن كل هذا الظلم التاريخي الذي لحق بهذه المنطقة التي لا تزال مبتلية بالتسلط الغربي وإنً بأشكال جديدة غير الأشكال الاستعمارية السابقة.

ثم إن ما يجب أن يقال وبكل وضوح وصراحة إن مشكلة إخواننا الأكراد، رفاق المسيرة الصعبة الطويلة، ليست مع العرب على الإطلاق، إذْ إن حتى العراقيين غير التابعين لإيران مع أنْ تكون لهم دولتهم في كردستان – العراق وعلى أساس التفاهم على حدود هذه الدولة وعلى علاقاتها بالعاصمة بغداد وذلك في حين أن الأتراك والإيرانيين لا يعترفون بوجود شعب كردي ولا أمة كردية، وهنا فإنه لا بد من أنْ نشير إلى أن مسؤولاً إيرانياً كبيراً سابقاً قد أنكر خلال نقاش ساخن معه قبل أقل من أسبوع وجود أكراد في بلاده وهذا ما يقوله الأتراك أيضاً الذين يعتبرون أن كُرْد بلادهم أتراك الجبل أو الجبال.

وهكذا فإن ما تجب الإشارة إليه هو أن أول دولة كردية في التاريخ كله هي دولة «مهاباد» التي قامت في عام 1946 في كردستان الإيرانية وأنَّ إنكار الوجود الكردي لا يعني أنهم غير موجودين وأنهم ليسوا مكوناً رئيسياً من مكونات هذه المنطقة وأنهم إذا كانوا قد ظلموا خلال المائة عام الماضية فإنه غير جائز أن يستمر هذا الظلم… ويبقى أنه لا بد من أن يدرك هؤلاء «الأشقاء» فعلاً مخاطر أن يبقوا «بنادق» و«أدوات» في أيدي الآخرين… وعلى غرار ما كان عليه حزب العمال الكردستاني الـ«p.k.k»، بقيادة عبد الله أوجلان، الذي كان قد استخدم كأداة روسية وأيضاً سورية ولا يزال فالأخطر على هذا الشعب أن يبقى بعضه يستخدم كأدوات في أيدي بعض الدول الكبرى وبعض دول هذه المنطقة وفي الصراعات الدولية والصراعات الإقليمية… وهنا فأغلب الظن أنه غير صحيح أن الوفد الكردي الذي زار طهران قبل أيام قليلة قد قال لكبار المسؤولين الإيرانيين الذين التقاهم إن «الاستفتاء» المزمع ليس ضدهم وإنما ضد العراق الذي قد يوجه جيشه في اتجاههم بمجرد انتهاء حربه مع تنظيم داعش الإرهابي… والله أعلم.

كما أنه تجب الإشارة كذلك إلى أنَّه على قيادة كردستان العراق أن تتجنب المناطق الإشكالية التي تعتبر مناطق «متنازعاً عليها» سواء بالنسبة لاستفتاء الخامس والعشرين من سبتمبر المقبل أو بعده، فهذا سيجعل حتى غير التابعين لإيران في هذه «التركيبة» العراقية الحالية يقفون ضدهم وسيجعل الشعب العراقي بمعظمه يعتبر أي خطوة من هذا القبيل بمثابة خطوة «انفصالية» وتقسيم لبلدهم!!

ولعل ما يؤكد أن إيران تسعى ومنذ الآن لافتعال مواجهة عسكرية بين بغداد وبين إقليم كردستان العراقية في حال لجوء أربيل إلى إجراء الاستفتاء الآنف الذكر، أن وكالة «فارس» الإيرانية الحكومية قد نسبت زوراً وبهتاناً إلى وزير الدفاع العراقي عرفان الحيالي قوله «إننا لن نسمح بتقسيم العراق ولن نسمح بقيام دولة كردية».

في كل الأحوال إنَّ الواضح لا بل إن المؤكد أن هذا الاستفتاء المرتقب المشار إليه لا يعني أن يتبعه إعلان دولة إقليم كردستان العراق لا فوراً ولا في المستقبل القريب، فهذا تطور لا يمكن أن تسكت عنه لا إيران ولا تركيا وهو يحتاج قبل الإقدام عليه إلى تأييد دولي في طليعته الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية ومعظم الدول الأوروبية الكبرى، وقبل هذا وذاك تفاهم قيادة هذا الإقليم مع الكثير من الدول العربية المعنية.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
9قصة بشير… ومأساة العراق

 

 عثمان ميرغني

 

 صحيفة الشرق الاوسط السعودية
 

كم كان مقززاً ومستفزاً ذلك الفيديو الذي جرى تداوله على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع، ويظهر فيه مواطن سوداني يتعرض لتعذيب بشع، ومعاملة مهينة من قبل مجموعة من «المجندين» العراقيين. كثيرون تفاعلوا وعلقوا على الفيديو الذي أثار، كما هو متوقع، غضباً واسعاً بين السودانيين، ودفع وزارة الخارجية في الخرطوم لاستدعاء القائم بالأعمال العراقي وإبلاغه احتجاجاً رسمياً لنقله إلى بغداد، مع مطالبة بتوضيحات.

المواطن السوداني، واسمه موسى بشير، يظهر في الفيديو، محاطاً بمجموعة من «المجندين» الذين تبارى قسم منهم في ضربه والتنكيل به وهم يضحكون منتشين، وأحدهم يطلب من زميله تصويره وهو يمارس التنكيل بالرجل الجريح الجالس على الأرض لا حول ولا قوة له، إلا من عزة نفسه التي جعلته صامداً صامتاً أمام الضرب والركل، رافضاً أن ينهار أمام معذبيه أو أن يسترحمهم أو يستعطفهم. سأله أحدهم، وهو شاب بدا في العشرينات من عمره كما ظهر في الفيديو: «من أين أنت؟». فيرد موسى: «من السودان الشقيق». لكن كلمة «الشقيق» تسقط في أذن صماء، ولا يتوقف عندها السائل الذي يواصل حديثه بسخرية: «سوداني… من السودان؟».

يا له من نابغة. هل توقع أن يكون السوداني، من الصين مثلاً؟ لا أحسب أن المجند كان مهتماً بما يسمع، بل كان اهتمامه منصباً على ضرب الرجل والتفكير في وسائل للتعذيب، منها مثلاً تناوله ولاعة سجائر وإشعالها لحرق لحية الرجل تارة، وشعره تارة أخرى، بينما يحاول إضحاك زملائه. لذلك لم يتوقف أو يتنبه لكلام موسى الذي قال لهم إنه مقيم في العراق منذ ثلاثين سنة، كما لم يتجاوب مع مناشدة مجند آخر كان يدعوه للتوقف.

بعد التعذيب ترك المجندون الرجل وانصرفوا، وفقاً للتقارير المنشورة عن القصة، وهو ما يعني أنه لم يكن «داعشياً» وإلا لكانوا قد قتلوه أو اقتادوه إلى التحقيق والاعتقال. كذلك فإن الخارجية السودانية أعلنت أنه تم التواصل معه والاطمئنان عليه ونقله للعلاج.

تصرفات هؤلاء المجندين لا تعبر بالتأكيد عن غالبية العراقيين الذين لا أشك في أنهم سيشعرون مثل السودانيين بالغضب والاشمئزاز. لكن هذه الأفعال وغيرها تعكس الحال التي يمر بها العراق والتشوهات التي أفرزتها الحروب ومسلسل العنف والطائفية. وكما قال القائم بالأعمال العراقي في الخرطوم محمد سامر حسن الذي عبر عن الأسف وقدم اعتذاره للحكومة السودانية، فإن الأمر مرتبط بـ«التفلتات» التي يشهدها العراق أو أجزاء كبيرة منه. وعلى الرغم من أن الدبلوماسي تعهد برفع الأمر إلى الحكومة العراقية لإجراء تحقيق عادل ومحاسبة الجناة وتقديمهم للعدالة، إلا أنني لا أتوقع حدوث شيء من ذلك. فالأمر لا يتعلق بمجموعة صغيرة من «المجندين» المنفلتين، بل بظاهرة واسعة من الانفلات في ظل انتشار العنف والسلاح والفساد، وبروز الميليشيات الطائفية.

ما تعرض له المواطن السوداني ليس حالة منفردة وشاذة، فهناك فيديوهات كثيرة على الإنترنت لجنود عراقيين يقتلون ويعذبون معتقلين وأسرى، وتقارير كثيرة عن ممارسات وانتهاكات ارتكبتها عناصر ميليشيا «الحشد الشعبي» في المناطق السنية. فليس كل من قتل وعذب كان من «الدواعش»، علماً بأنه لا يجوز في كل الأحوال أن يقوم الجنود أو أي أحد بما يقوم به «الدواعش»، وإلا لسقطت كل الحجج والقيم الأخلاقية والقانونية، وأصبحت حرب الإرهاب ذريعة لمختلف التجاوزات والانتهاكات.

في حالة المواطن السوداني قيل إن «المجندين» ينتمون للحشد الشعبي، وهو أمر لا يعتبر مبرراً لتلك الممارسات، ولا مبرئاً للحكومة العراقية التي شرعنت وجود ميليشيا الحشد وسمحت لهم بأدوار مع القوات النظامية، بما في ذلك دورهم الأخير في معارك الموصل. ففي تقديري أن وجود ميليشيا الحشد الشعبي أو أي ميليشيات أخرى سيدفع بالعراق نحو مزيد من العنف والانفلات والأزمات، وسيؤجج نيران الحروب الطائفية، ويهدد بتشطير البلد.

السماح بوجود قوات غير القوات النظامية الخاضعة بالكامل للسلطة الرسمية، معناه إضعاف سلطة الدولة المركزية، وضرب هيبتها، وفتح الباب أمام تحول الخلاف السياسي إلى حرب مفتوحة، أو إلى سياسة الإملاء والابتزاز بالسلاح. الأمثلة كثيرة من لبنان إلى اليمن، ومن أفغانستان إلى الصومال. حتى في السودان هناك شكاوى ومخاوف من القوات غير النظامية المعروفة اليوم باسم قوات الدعم السريع وبـ«الجنجويد» سابقاً، التي يستعين بها النظام في المعارك والنزاعات، لذلك لم يكن غريباً أن يشير بعض الذين علقوا على فيديو تعذيب موسى بشير، إلى تقارير الانتهاكات في دارفور.

في حالة العراق فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً وخطورة بسبب التدخلات الخارجية، وصعود الروح الطائفية، والتجاذبات الجهوية. فلو أن الناس تحكم عقولها وتتعظ من تجارب الآخرين، لكان ساسة العراق قد استقوا شيئا من الدروس من معاناة اللبنانيين واليمنيين، أو من فوضى أفغانستان والصومال.

قصة بشير موسى تقدم نموذجاً واحداً من بين نماذج كثيرة لما يمكن أن يحدث من تفلتات مع الحروب وانتشار الفوضى… والميليشيات.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
10أين بغداد من الموصل بعد تحريرها؟

 

 هدى الحسيني صحيفة الشرق الاوسط السعودية
 

قد تكون معركة الموصل من أسوأ ما شهده هذا القرن. المدينة بدت على دمار شديد، لا كمدينة محررة. وقد نزح أكثر من مليون شخص. وبينما لم تنتهِ حتى الآن تبعات القتال، فإن هزيمة «داعش» ليست موضع شك. لكن إلى أين يمكن أن تذهب الأمور، بعد دمار أعقبه «احتفالات بالتحرير»!

إن التحديات لا تزال قائمة، بدءاً من الدور الجديد للميليشيات الشيعية، واستمرار عدم ثقة العراقيين السنة ببعضهم البعض وببغداد، وعدم القدرة على ترميم الخدمات الأساسية. إن الدمار المادي الهائل للمدينة، خلال الاحتلال الطويل والوحشي تحت «داعش» منذ 2014 والهجمات العسكرية التي شنتها قوات التحالف والقوات العراقية طوال أشهر، تعني أن استعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية لا يمكن توفيرها بسرعة.

تقول الحكومة العراقية إن خطتها في هذه المرحلة هي إعادة بناء الموصل والمناطق «المحررة» الأخرى على مدى السنوات العشر المقبلة، مع تمويل قدره مائة مليار دولار يأتي من مصادر مختلفة.

وكالة أميركية مستقلة تم إنشاؤها لإعادة بناء العراق أثناء الغزو الأميركي رصدت مبلغ 119.52 مليار دولار بين أبريل (نيسان) 2003 ومارس (آذار) 2008 قدمت الولايات المتحدة الأميركية مبلغ 46 مليار دولار، و50.33 مليار دولار من العراق، و15.89 مليار دولار من الدعم الدولي. لكن على الرغم من هذه المبالغ الكبيرة، فإن معظمها تبخر؛ مشاريع بدأت ولم تكتمل، أو تم تخريبها. وكان الفساد، لا سيما في بغداد أمراً شائعاً، مما أدى إلى سوء مراقبة وسرقة على نطاق واسع. وحسب التقارير الكثيرة، فإن بعض الوزارات الحكومية في بغداد اليوم أكثر فساداً واختلالاً مما كانت عليه في تلك السنوات. وكان الكثير من المشاريع توقف وتدهور لأنها لم تكن ضرورية، ولأن السكان المحليين لم يشاركوا في تصميمها أو تشييدها.

الأهم من كل هذا، أنه لم تبذل جهود جادة للتوفيق بين مختلف الجماعات الطائفية المحلية، أو بين العشائر وأكثريتهم من السنة الذين شعروا بأنهم أكثر بعداً عن الحكومة المركزية التي يقودها الشيعة في بغداد.

لسوء الحظ، لا يوجد ما يشير الآن إلى أن جهود إعادة الأعمار الجديدة، بعد إنقاذ الموصل من وحشية «داعش»، مختلفة كثيراً. لا بل إن الوضع الحالي أكثر تحدياً، إذ سيكون لدى الحكومة أموال أقل بكثير للتصرف بها. وتركت أسعار النفط المنخفضة والبيروقراطية المتضخمة الحكومة المركزية في بغداد شحيحة الموارد، ولم يتقدم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بما يكفي للمساعدة.

في العام الماضي قدم صندوق النقد الدولي قرضاً طارئاً بقيمة 5.3 مليار دولار، وهو مساهمة كبيرة في ذلك الوقت، لكنه لا يشكل الكثير مما هو مطلوب اليوم.

من دون المصالحة بين مختلف الجماعات الطائفية التي تقاتل ضد بعضها البعض في الموصل – حتى أثناء سيطرة «داعش» – وبين السنة في جميع أنحاء العراق والحكومة في بغداد فإن العنف واللااستقرار لن ينتهيا قريباً. وكما الواقع الآن فإن الكثير من سنة العراق لا يعتقدون بأي مستقبل مع حكومة بغداد وكذلك الأكراد. وما لم يحدث تغيير جذري، فإن المناطق التي استعيدت من «داعش»، سوف تجند أراضيها لتنظيم أو لجماعات سنّية متطرفة في المستقبل. هذه القصة إذا لم تعالج سوف تتكرر. لقد قال مسؤول سنّي في الفلوجة التي طردت «داعش» الصيف الماضي إن «(داعش) لم يأتِ من القمر، ولا ينمو من الأرض. إن جزءاً من شعبنا أصبح (داعش) بسبب الفساد، وبسبب الظلم، وبسبب ثقافة الكراهية».

إن ما حل في محافظة الأنبار التي تضم الفلوجة، يعطي لمحة عن بعض من المشاكل التي قد تواجهها الموصل. الرمادي عاصمة المحافظة في حالة خراب، كان عدد سكانها 400 ألف، وقد تحتاج إلى 10 مليارات دولار. لكن حتى الآن لم تقدم الحكومة المركزية المساعدة لإعادة أعمارها، وكذلك وضع منطقة سنجار في شمال العراق التي تحتاج إلى 70 مليون دولار لإصلاح أضرار «داعش»، لكن الحكومة العراقية لم تقدم سوى 45 ألف دولار لإزالة الركام من الطرق.

كانت الموصل مدينة مختلطة عرقياً ذات تنوع ثقافي كبير، أما الآن فعلى الأكثرية السنّية التعامل مع مشكلة المتعاطفين مع «داعش» في وسطها. ثم إن الحكومة لم تطرح خطة حاسمة لمنع مجازر جديدة يقوم بها السنة وأيضاً الميليشيات الشيعية التي تسعى إلى تحقيق أهدافها الخاصة المناهضة للسنة.

هناك موضوع آخر مثير للقلق كشف عنه تحقيق صحيفة «نيويورك تايمز» في 15 من الشهر الحالي حول «الهيمنة الإيرانية على العراق» وفيه شرح بالتفصيل عن النفوذ المتزايد لإيران، خصوصاً من الناحية الاستراتيجية، حيث جاء فيه إن «أهداف إيران الرئيسية هي منع العراق في المطلق من تهديدها في المستقبل، كما حصل وواجهها في الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينات، كما تتطلع إلى استخدام الأراضي العراقية لمد طريق شيعي من إيران مروراً بالعراق وسوريا حتى لبنان». وتقول الصحيفة إن الانطباع العام هو أن إيران نجحت في جعل العراق «دويلة» تدور في فلكها، وكل ذلك على حساب الولايات المتحدة «حرفياً وصورياً». وكان نوري المالكي الذي يطمح للعودة إلى رئاسة الحكومة – ربما ليكمل ما بدأ به من فتنة – قال في موسكو يوم الاثنين الماضي إنه مهتم بوجود روسي في العراق ليتوازن مع قوى خارجية أخرى فيه، وطبعاً لم يقصد إيران حليفة روسيا.

على كل، أثار التحقيق قضايا دقيقة منها استياء العراق العربي، بما فيه الشيعة، من إيران الفارسية، والآفاق الضعيفة للنظام الديني الإيراني كي يترسخ في العراق رغم «استبسال» مجموعة إيران من قادة الميليشيات في ملاحقة الجامعات لـ«اعتناق» التوجه الإيراني. وكذلك الرغبة القوية للقيادة العراقية الحالية في تحقيق توازن أكثر فعالية بين واشنطن وطهران من أجل الحفاظ على استقلال العراق السيادي. يُستنتج من التقرير أن الاهتمام والمشاركة الأميركية أمران حيويان لاحتواء طموحات إيران في العراق، هذا إذا لم يكن الوقت قد تأخر.

ثم هناك وضع الأكراد وموقفهم من الحكومة المركزية في بغداد؛ إذ يستعد الأكراد لإجراء استفتاء حول الاستقلال في أواخر سبتمبر (أيلول) المقبل، ومن المتوقع أن تصوت غالبيتهم لصالح الاستقلال. لكن الانقسام في السياسة الكردية هذه الأيام، إضافة إلى الحس البراغماتي لدى بعض الناخبين، قد يجعل من الصعب تنفيذ أي انفصال بسرعة. والأكثر من ذلك، فإن الدول المجاورة لكردستان العراق سيظل لديها صوت مؤثر في كيفية تطور الأمور.

وهناك كركوك (المتنازع عليها) والمتنوعة عرقياً والغنية بالنفط، فإنها هي الأخرى تراجع خياراتها السياسية، خصوصاً أن بعض المجتمعات لا تريد أن تكون جزءاً من المنطقة الكردية، والبعض الآخر يسعى بدوره للانفصال عن الدولة العراقية.

وتجري في بعض المحافظات ذات الأغلبية السنّية ظاهرة مشابهة لإدارة شؤونهم بذاتهم. وفي حين أنه من غير الواضح ما سيجري في الموصل في محافظة نينوى، فإن محافظة الأنبار التي عانت في ظل «القاعدة» و«داعش»، لا تنتظر بغداد أو المنظمات الدولية غير الحكومية كي تعيد فتح المدارس وإصلاح البنى الأساسية. فالناس هناك يفعلون ذلك بأنفسهم، ويبدو أن التمكين المحلي، والإشراف على الأمن والسلم، من النتائج الثانوية لسنوات الصراع، ونتيجة لضعف الحكومة أو لمواقفها المتذبذبة من المناطق السنّية. لكن القادة السنة لم يجدوا صيغة فيما بينهم للوحدة السياسية، وبالتالي فإن التمكين المحلي واللامركزية في الحكم، وتقديم الخدمات والبطء الشديد لإعادة بناء الثقة بين النخب السنّية، كلها جزء من قصة العراق اليوم. إن مستقبل تلك البلاد العربية يعتمد جزئياً على ما إذا استطاع السنة أن يصبحوا عاملاً حاسماً، أو عاملاً مزعزعاً، لذلك لا ينبغي للعراقيين في الموصل انتظار المساعدة من بغداد، لأنها قد لا تأتي أبداً. وقد يكون من الأصح أن يأخذوا زمام الأمور بأيديهم ويبدأوا بالمصالحة، لأن القتل والقتل المضاد هو استمرار لتدمير الموصل، وهذا أمر تتمناه دول مجاورة.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
11تشظي المشهد السياسي العراقي: الاسباب والنتائج

 

 سعد ناجي جواد صحيفة الراي اليوم بريطانيا
 

فجاءة وبدون سابق إنذار انفجر المشهد السياسي العراقي بالمتناقضات، وتجزأت التحالفات الكاذبة التي كانت مبنية على الطائفية والعنصرية و المصلحة والمنفعة والسرقة والفساد، وتشتت دون اية أشارة لاحتمالية تجمعها ثانية. فبعد ان كان الامر قد بدا بالتحالف الكردستاني انتقل الى المجلس الاسلامي الاعلى و حزب الدعوة ثم الى تحالف القوى والتحالفات الاخرى المشابهة، ولا يزال الامر مستمرا ولن تعرف نتائجه الا بعد حين.

ان ما يجري لابد وان يثير تساؤلات كثيرة منها على سبيل المثال:  لماذا حدث ذلك، ولماذا الان بالذات؟ وهل يرتبط ذلك بالسياسة والموقف الامريكي الجديد في العراق؟ وهل ان هذا التشرذم جاء بأمر وإيحاء أمريكي ام انه كان نتيجة طبيعية لهزالة الأسس التي بنيت عليها هذه التحالفات؟ و لماذا فشلت وتفشل جهود ايران صاحبة النفوذ الاقوى بين كل هذه التحالفات في لم شملها وإيقاف تشرذمها. كما انه لا يمكن ان يعقل ان كل هذه التحالفات الاثنية والطائفية قد اكتشفت ان منهجها كان خاطئا وبدات تفكر بطريقة ليبرالية ومنفتحة وعلمانية فجاءة وبدون سابق إنذار. او ان الاحزاب السياسية الدينية الضيقة قد اكتشفت بان هناك رفض لهيمنتها ولسياساتها التي اوصلت العراق الى هذا المنزلق الخطير.

تلوح في الأفق إشارات لتغيرات كثيرة وخطيرة في العراق تنسجم مع السياسة الامريكية الجديدة والتي سبق وان نوَّهنا عنها. هذه السياسة تتمثل بالاساس في العمل على أضعاف ثم انهاء هيمنة ايران في العراق. وبغض النظر عن ما اذا كانت ستستطيع فعل ذلك بسهولة او لا، اذا انه ليس من المتوقع ان ترضخ ايران لهذا المخطط، كما ان هناك شكوك حول اذا كانت الولايات المتحدة جادة في فعل ذلك. ومع ذلك فان هناك مؤشرات على هذه السياسة الجديدة والتي يمكن تحديدها بما يلي: زيادة الوجود الامريكي في العراق، فتح باب للحوارات الأمنية والاستراتيجية بين العراق والسعودية، إقامة قواعد أمريكية ثابتة في العراق، العمل على السيطرة على الطريق الدولي الذي يربط العراق بالاردن وسوريا، تشجيع الحكومة العراقية على ملاحقة عدد من المحافظين ونوابهم وأعضاء مجالس المحافظات الذين تحوم حولهم شبهات فساد كثيرة وكبيرة، ودعم الجيش وليس اي طرف اخر في الحرب ضد داعش. وبالمقابل، واستشعارا منها بهذه السياسة، قامت ايران بدعوة وزير الدفاع العراقي، الذي لا حول له ولا قوة ولا نفوذ داخل الجيش، لكي توقع معه اتفاق تفاهم استراتيجي. اتفاقا لا يزيد ولا ينقص، ولكن ارادت ان تقول بأنها مازلت موجودة ومتنفذة.

ان جملة التحولات التي تجري في الساحة السياسية العراقية لا يمكن ان يفهم منها سوى انها استعدادا مبكرا من اطراف العملية السياسية  للتوافق مع المخططات الامريكية، وكما فعل اسلافهم عندما توافقوا مع المخططات الامريكية قبل عام ٢٠٠٣، ثم لما وجدوا ان تأثير ووجود ايران كان اكبر وأكثر فاعلية، مع رغبة أمريكية للخروج المبكر وترك العراق بعد تدميره، ذهبوا الى ايران، والآن لما بدأت الولايات المتحدة تظهر رغبة في العودة بداوا يعدون العدة للامتثال لرغباتها. و بالتأكيد فان كل أفعالهم لا يمكن ان تعتبر محبة بالعراق او بمصلحته التي ضحوا بها هم وأسلافهم، من استفاد منهم او من أُهمِلَ، قبل خمسة عشرة عاما. اما الشق الخطير في المخطط الامريكي الجديد فهو احتمال ان يتحول الصراع الامريكي الايراني الى مواجهات مسلحة يكون العراق ساحتها. كما ان دور روسيا لا يزال غامضا، وازداد غموضا في استقبال السيد نوري المالكي رجل ايران الاول والطامح الى العودة لرئاسة الوزراء على الرغم من فشله الذريع في السابق ومن معارضة الولايات المتحدة ودعمها للسيد حيدر العبادي. علما بانه حصل اتفاقا في حزب الدعوة على ان يكون تمثيله في الانتخابات القادمة بقائمتين، الاولى برئاسة العبادي والثانية برئاسة المالكي.

اما ما يجري في كردستان العراق فهو قصة اخرى. لقد كان واضحا ان الاختلافات التي تصاعدت كانت نتيجة للتباين الكبير في مواقف الاحزاب الكردية المختلفة وتنافسها على قيادة الاقليم. وان قضية رفع العلم الكردي في كركوك والسيطرة على مقر شركة النفط وأخيرا طرح مسالة الاستفتاء، كلها أمور تتعلق بالخلافات الكردية – الكردية و بالمزايدات السياسية. وانا وبكل تواضع اعتقد ان الاستفتاء لن يجر، وان جرى فانه سيكون ناقصا ومشوها ولا يمثل اي اجماع كردي. كما ان الضغوطات الامريكية والايرانية على الاطراف الكردية لا يمكن ان تستهين بها هذه الاطراف بما عرف عنها من خضوع مستمر لهما. علما بان صناع القرار الإيرانيين والسفارة الامريكية في بغداد دائبين على تطمين الحكومة العراقية على مسالتين هما (لا استفتاء ولا انفصال). وكذلك هو موقف الدول الأوربية وتركيا، بل واغلب دول الإقليم، باستثناء اسرائيل التي تجاهر بدعوتها لانفصال واستقلال كردستان العراق. ان هذا القول لا يعني ان أكراد العراق لا يحق لهم المشاركة في مثل هذا الاستفتاء، ولكن هناك بين أكراد العراق من لا يريد ان يجير هذ الاستفتاء لطرف معين في الساحة الكردية.  كما ان هناك جزء لا يستهان به من الشعب الكردي العراقي لا يريد لهذا الخيار ان يسبب عداءا وحروبا مع عرب العراق الذين عاشوا معهم لمئات السنين بأخوة ووئام. وهم يؤكدون ان الوقت غير مناسب لذلك، وان اي تغير للحدود والكيانات الموجودة سيجلب ويلات للشعب الكردي هو في غنى عنها، وان الاعتماد على الدعم الخارجي اثبت فشله الذريع في السابق.

خلاصة القول ان ما يجري في العراق الان لا يمثل خلاصاً للعراق ولشعبه. كما ان الذين تعاونوا مع الاحتلال وتبعاته، أحزابا و اشخاصا، لا يمكن ان يكونوا منقذين للعراق ولا بدايته الصحيحة. ان الخلاص الحقيقي لا يمكن ان يتم الا عن طريق حركة  وطنية مستقلة موحدة وتضم كل مكونات العراق وأديانه. وبما ان  هذه الحركة غير موجودة، فان خلاص العراقيين مما هم فيه يبقى امر غير قريب، وأن اية اصوات اصلاحية ستظهر ستتعرض لتصفيات جسدية من مليشيات الاحزاب المستفيدة من هذا التشرذم ومن الفساد الذي رافقها، وجعل منهم حركات تمتلك من الأموال ما يفوق مورد الدولة السنوي من النفط، علما بان هناك شكوكا كبيرة تحوم حول نوايا واهداف و جدية الولايات المتحدة الامريكية بشأن اعادة العراق كلاعب فاعل في المنطقة في ظل معارضة اسرائيل، التي كانت رغبتها في تدمير العراق مع رغبة امريكا في الاستحواذ على النفط اهم أسباب احتلال العراق في ٢٠٠٣، مع اضافة حقيقة معارضة اطراف عراقية وإيرانية وخليجية لمثل هذا الهدف. وان ما سينتج عن سياسة امريكا الجديدة هو استبدال لوجوه طيعة وفاسدة وطائفية بوجوه جديدة لا تختلف عن سابقتها. ويبقى الأمل الوحيد، كما ذكرت سابقا، في الجيش العراقي ، الذي ظهر بشكل مغاير بعد تحرير الموصل، و أكرر تساؤلي السابق وهو هل سيكون الجيش هو المنقذ والحل؟ وهل سيقف الى جانب انتخابات نزيهة وضد الاحزاب الطائفية والعنصرية وضد الوجوه الفاسدة؟ انا على يقين ان الغالبية العظمى من العراقيين تتمنى ذلك أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.