انت هنا في
الرئيسية > مقالات > 1 العراق والعقوبات المفروضة على ايران: هل يصمد العبادي؟ ولهذه الأسباب اعارضها د. سعد ناجي جواد الراي اليوم بريطانيا

1 العراق والعقوبات المفروضة على ايران: هل يصمد العبادي؟ ولهذه الأسباب اعارضها د. سعد ناجي جواد الراي اليوم بريطانيا

الحديت عن العقوبات التي تفرض على ايران، وستفرض لاحقا، لابد وان يعيد الى الاذهان ذكريات مؤلمة عن الحصار اللا إنساني والظالم والقاسي بل والبشع واللئيم الذي فرض على العراق لمدة ثلاث عشرة سنة (1990 – 2003)، وحصد ارواح مليون وثمنمائة وخمسون الف نسمة، اكثر من نصف مليون منهم كانوا من الأطفال. وعندما سئلت سيئة الصيت مادلين اولبرايت، وزيرة خارجية الولايات المتحدة آنذاك، هل هناك ما يستوجب او يستأهل استمرار الحصار ليحصد هذ العدد المتزايد من الضحايا من المدنين والأطفال، خاصة بعد ان ظهر ان العراق خال من أسلحة الدمار الشامل، أجابت وبدون تردد نعم.
وانا هنا لا اريد ان اتحدث عن الحصار ولا عن قساوة الحياة في ظله، لاني كتبت عن ذلك مفصلا في السابق، ولكن ما يهمني هنا ان أناقش الاّراء، وخاصة العراقية التي تستهجن اليوم و بشدة الحصار والعقوبات المفروضة على ايران. انا اتفق مع كل من يستنكر العقوبات والحصار على ايران او على اي شعب اخر، لسبب بسيط ومن تجربة شخصية ان مثل هذه الاجراءات سوف لن تمس سوى حياة وصحة وغذاء و دواء المواطنين الأبرياء. ولكني اولا وقبل شيء اريد ان أُذٓكِر السياسين وقادة الاحزاب المستهجنين اليوم للعقوبات وللحصار الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه على ايران بحقيقتين: الاولى هي انهم جميعا كانوا مع استمرار الحصار على العراق رغم قساوته، وأنهم لم يوفروا تهمة، او سبة، الا وصبوها على كل من كان يطالب برفع الحصار عن الشعب العراقي، و الاخ رئيس تحرير هذه الصحيفة كان على راس القائمة. كما انهم لم يوفروا جهدا او مسعى لدى الدول المسؤولة عن فرض الحصار وإدامته في حثها على الاستمرار به، بل وعلى تشديده ، ولم يجدوا فيه اي جانب لا انساني كما يجدون اليوم في العقوبات على ايران.
اما الحقيقة الثانية فهي ان ايران آنذاك كانت اول من التزم بالحصار الذي فُرِضٓ على العراق، ولم تلتف على اي من بنوده، او تتغافل عنه او تكسره في اي سنة من السنوات، اللهم الا في حالات نادرة كانت توفر لإيران، ولبعض المؤسسات المتنفذة فيها بالذات، ارباحا مادية كبيرة، مثل بيع كميات من النفط العراقي بسعر ستة دولارات للبرميل الواحد لتوفير الغذاء والدواء للشعب العراقي، كي تقوم هذه الجهات الإيرانية المتنفذة ببيعه بضعف السعر في الاسواق العالمية محققة ارباحا كبيرة. واذا كان الشيء بالشيء يذكر فان موقف دول الجوار و الدول العربية والاقليم والعالم لم يختلف عن موقف ايران و موقف وتشدد الدول التي فرضت الحصار وخاصة الولايات المتحدة الامريكية و بريطانيا، الامر الذي حٓرٓمٓ المرضى من الأدوية والأطفال من الحليب والطلبة حتى من اقلام الرصاص، والحديث عن ذلك مؤلم ويطول. و لم يتم تحدي، او عدم الالتزام بالحصار الظالم، الا في حالتين فقط وحسب معلوماتي. الحالة الاولى تمثلت في مبادرة و عمل دولة فيتنام، غير العربية ولا إسلامية وشيوعية، على تزويد العراق مجانا وبدون مقابل بما يحتاجه من الرز سنويا.
ولم تقبل اي بدل، مما حدا برئاسة الجمهورية العراقية آنذاك ان تصدر مرسوما أطلقت فيه على دولة فيتنام لقب (الدولة الشقيقة غير العربية)، مع وعد بتسديد الاثمان بعد رفع الحصار. ولا ادري ان كانت الحكومات التي أتت بعد الاحتلال قد اوفت فيتنام حقها ام لا؟ ولكني سمعت من شخص مطلع ان في حالة من الحالات تم تجاوز عرض من دولة فيتنام لصالح عرض من ايران بدعوى ان الاولى شيوعية و ملحدة والثانية إسلامية!!!! اما الحالة الثانية، وفِي محاولة للتكفير عن عمله المتمثل بتزويد ايران بصواريخ بعيدة المدى ضُرِبٓت بها بغداد اثناء الحرب العراقية – الإيرانية، تبرع المرحوم معمر القذافي بتزويد العراق في سنين الحصار الاخيرة بما يحتاجه من الطحين.
انا لا اريد ان اقول هنا باني مع حصار يفرض على ايران، او على اي شعب آخر، اولا و قبل كل شيء كإنسان عاش وعانى من حصار هو وعائلته، لا يمكن ان اقبل ان ارى ابرياء مدنين يعانون من تبعة مثل هذا الإجراء اللا إنساني، و ثانيا لأن التجربة اثبتت ان اي حصار او مقاطعة لا تُسقِط حكومة ولا تغير نظام ولا تنجح في تركيع شعب بالنهاية. كل الذي تنجح فيه هذه الاجراءات هي قتل الأبرياء وعلى رأسهم الأطفال و كبار السن.
من الناحية الاخرى فان العقوبات التي كانت مفروضة على ايران قبل توقيع الاتفاق النووي دفعت ايران الى الاتكال على الاقتصاد العراقي بشكل كبير، استيرادا وتهريبا وعملة صعبة، لتجاوز ازماتها، ولقد نجحت في توفير العملة الصعبة من خلال شرائها الدولار بالعملة الإيرانية منخفضة القيمة من العراق، واعتماد العملة الإيرانية في التعامل التجاري بين البلدين، الى غير ذلك من الأمور التي كانت تجري بمباركة الحكومات المتعاقبة. وهذا الامر كان مُحتٓملا اقتصاديا عندما كان سعر برميل النفط ضعف سعره اليوم، بل و اكثر، و كانت هناك وفرة كبيرة من العملة الصعبة، وبالتاكيد سوف تحاول ايران فعل الشيء نفسه الان، ومع الحالة الاقتصادية الصعبة في العراق اليوم، ومع كثرة المتنفذين من السياسين وقادة الاحزاب في الحكومة وخارجها، هل سيتمكن رئيس الوزراء ان يوفي بتعهده في الالتزام بالعقوبات المفروضة على ايران؟
لقد كان الهجوم عليه، ولا يزال، شديدا وواضحا وصريحا بسبب هذا الموقف، و بالتأكيد انه اضعف من حظوظه في الحصول على ولاية ثانية، خاصة في داخل حزبه والائتلافات الموالية الاخرى، ولكنه، من ناحية اخرى، فان إعلانه عن الالتزام بالمقاطعة رفع من كمية الدعم الذي سيحصل عليه من الولايات المتحدة و حلفائها في المنطقة. وبما ان قرار اختيار رئيس وزراء للعراق هو بالاساس يخضع الى النفوذين الايراني والأمريكي، فان نتائج الشد والجذب حول من سيشكل الوزارة القادمة ستوضح لنا من هو الطرف او الدولة الأكثر نفوذا في العراق. هناك دلالات على ان السيد العبادي سيحضى بفترة اخرى وبدعم أمريكي وخليجي، والسؤال هو اذا ما نجح في ذلك كيف سيتعامل مع الاحزاب والمليشيات والأشخاص الذين يقودون هذه الكيانات المتنفذة والمتطرفة والمنتشرة حوله، بل والمحيطين به. لقد حاول السيد العبادي في الأيام الاخيرة ان يتحدث بصوت اكثر صرامة بخصوص محاربة الفساد، واتخذ قرارات تتضمن احالة وزراء ومسؤولين سابقين وحاليين للتحقيق، متشجعا و مستندا الى بيان المرجعية الدينية في النجف حول ضرورة ان يكون رئيس الوزراء الجديد جريئا وحازما.
ولكن كما هو معروف فان الجراءة والحزم صفات تولد و تنمو مع الانسان، و السيد العبادي لم يظهر من هذه الصفات الا القليل في سنين حكمه، فهل سيستطيع في الأيام القادمة ان يعطي صورة اخرى عن شخصه و عن حزمه، خاصة للمتظاهرين الذين يئسوا من اي إصلاح يأتي عن طريق الوجوه التي حكمت العراق منذ بداية الاحتلال ولحد هذا اليوم؟ على الجانب الاخر، و اذا نجح احد الموالين من قادة الاحزاب والتكتلات الموالية لإيران في تشكيل الوزارة الجديدة فهل سيتمكن من تحدي القرارات والعقوبات الامريكية؟ و اخيراً وليس اخرا هل ستكون مسالة العقوبات على ايران سببا مضافا لاشعال نار حرب او نزاع مسلح على الاراضي العراقية وبدماء عراقية بين ايران والولايات المتحدة الامريكية و حلفائها في المنطقة ؟

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top