مقالان عن العراق في الصحف العربية يوم الثلاثاء

مقالان عن العراق في الصحف العربية يوم الثلاثاء

1 الخطأ الأميركي يعود مرتين
محمد حسن الاتحاد الاماراتية

قرار انسحاب القوات الأميركية من سوريا، وانسحابها جزئياً من أفغانستان. هل هنالك المزيد في الطريق؟ لا أحد بمقدوره الإجابة عن هذا السؤال. فالانسحابات العسكرية الأخيرة من الميادين سبقتها انسحابات لا تقل عنها أهمية، كالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وانسحابها من اتفاقية المناخ، كما انسحبت جزئياً أو كلياً من اتفاقات أخرى ذات طبيعة تجارية واقتصادية. يتوقع محللون سياسيون أن مسلسل الانسحابات الأميركي لن يتوقف عند هذا الحد، بل ستتلوه انسحابات أخرى مفاجئة، ليستمر مسلسل الإرباك والارتباك عند الحلفاء والأصدقاء في العالم، وسيطال الارتباك الداخل الأميركي نفسه، وما استقالة وزير الدفاع الجنرال «جيمس ماتيس» سوى أولى حبات السبحة التي ستكر، فضلاً عن أنها دلالة على خلاف حاد بين أجهزة الدولة العميقة في أميركا. موظفو الصف الأول في إدارة الرئيس ترامب ليس كلهم تفاجؤوا بهذه القرارات، فمنهم من كان يعلم بوقوعها لكنه استمر بحذر في عمله، ومنهم من لم يستطيع تحمّل صدمة المفاجأة فحزم أمره واستقال من نفسه. كثيرون (هربوا) من إدارة ترامب خلال السنوات الأربع الماضية تقريباً، إما لاحتكاكهم معه واختلافهم مع بعض أفكاره، وإما أن الرئيس وجد نفسه مضطراً إلى مطالبتهم بالاستقالة لعدم اقتناعه بأدائهم أو اختلاف طريقة تفكيرهم عن طريقة رؤيته للأمور، ثمة قسم ثالث كان الحدس وراء مغادرتهم لمناصبهم، فرؤية الرئيس ترامب للشأن العام فيها من الهم الاقتصادي أكثر بكثير من السياسة، فذهبوا بصمت ليجنبوا أنفسهم مشاعر المرارة التي غالباً ما تبقى حية في النفس لفترة طويلة، تماماً كالتي يمكن تخيّلها لدى الجنرال «جيمس ماتيس»، الذي جاء في استقالته (سأغادر لأترك للرئيس ترامب فرصة اختيار من يفكر بطريقته).
وعلى الرغم من أن قرار الانسحاب الأميركي الأخير أوجبته انتخابات المرحلة الثانية الوشيكة، والتي غالباً ما يصبح الرئيس المنتخب فيها أكثر قوة وحسماً للأمور، إلاّ أنها ليست جديدة، فقد أطلق سلفه أوباما، جملته الشهيرة لا جندي على الأرض – No boot on the ground. فقرارات كهذه فيها خفض للإنفاق العام، وفيها ما يشبه الغيرة الوطنية، وكثير من العاطفة، كما يفهمها المواطن الأميركي ويشعر بها، ويجيد إطلاقها الرؤساء الأذكياء في وقتها المناسب.
المتضرر من الانسحابات الأميركية الحلفاء الذين عوّلوا على استراتيجية أميركا ضد التمدد الإيراني في الإقليم وبعض الدول العربية، وتضررت بعض القوى الموجودة على الأرض السورية، خصوصاً الكُرد، حيث كشف الانسحاب الغطاء عنهم، وتضررت كثيراً الصدقيّة الأميركية التي تأرجحت في العقود الأخيرة.
أما المستفيدون من الانسحاب الأميركي فهو تنظيم (داعش)، وتركيا، ومليشيات إيران، وموسكو. والفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي في سوريا، هو المشكلة الكبيرة التي سيشهدها العالم في الفترة الُمقبلة، إذ إن المناطق الفارغة التي تُركت سيأتي من يملؤها، وأغلب الظن أن تركيا ستكون مرشحة للقيام بهذا الدور، وثمة من يرى أنه قد جرى التنسيق معها أميركياً قبل الانسحاب. أميركا تسقط مرتين في الخطأ نفسه في أقل من عقدين: مرة بالانسحاب من العراق لتسلّمه لمليشيات إيران و«داعش»، ومرة بالانسحاب من سوريا لتسلّمها أيضاً لمليشيات إيران و«داعش»، فما أشبه اليوم بالبارحة، والسؤال: هل ما يحدث سببه خطأ في الرؤية لدى العرب، أم أن الأطراف الأخرى تخطط بطريقة أفضل؟ كم هي ثمينة الإجابة.
2 الإيراني في «حديقته» العراقية الخلفية! عدنان حسين الشرق الاوسط السعودية
عذر أقبح من الفعل… يحصل هذا، لكن من النادر للغاية أن يكون التمسّك بالعذر والدفاع عنه بالطريقة المثيرة للسخط والسخرية، في آن، من عدد غفير من الناس، مثلما حصل مع واقعة انسحاب السفير الإيراني في بغداد إيرج مسجدي من احتفالية رسمية نُظّمت منتصف الشهر الحالي لمناسبة مرور سنة على إعلان الانتصار على تنظيم «داعش» الإرهابي بطرده من العراق، ما أكّد أن الفعل بذاته يدخل في قلب السياسة وليست الغفلة، والمعني هنا السياسة الإيرانية حيال العراق.
كانت الاحتفالية منقولة على الهواء مباشرة من قاعة واحد من أفخم فنادق العاصمة العراقية، بحضور أكبر مسؤولي الدولة العراقية والسلك الدبلوماسي الأجنبي. ولاحقاً بُثَّ مشهد انسحاب السفير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما أتاح للملايين ممن لم يتابعوا البثّ الحي مشاهدته، ربما مرات عدّة.
كالعادة بُدِئتْ الاحتفالية بفقرات مألوفة: كلمة ترحيب من عريف الحفل، تلاوة آيات قرآنية، عزف النشيد الوطني، قبل أن يطلب عريف الحفل من الحضور، بلغة عربية فصيحة وصوت جهوري ونبرة صافية ولهجة ودودة مترجّية، الوقوف دقيقة صمت لأجل أرواح الشهداء.. في تلك اللحظة بالذات، بينما نهض الجميع وقوفاً، حصل الانسحاب المفاجئ للسفير الإيراني الجالس في الصف الأول الخاص بكبار رجال الدولة والضيوف… كان مكانه في وسط الصف الأول تقريباً، على يمينه نحو عشرين من سائر الضيوف وعلى يساره عشرون أو أكثر مثلهم.
السفير مسجدي وحده غادر مكانه لحظة الوقوف واتّجه يميناً نحو باب القاعة الكبيرة.
حملة السخط والتنديد التي أثارها الانسحاب بين العراقيين، حدّ مطالبة البعض بطرد السفير مسجدي من البلاد، ردّت عليها السفارة الإيرانية في بغداد بما هو أقبح من الفعل نفسه. الإيرانيون لاموا العراقيين لأنهم استنكروا انسحاب السفير مسجدي. العراقيون غير ملومين بالطبع فهم شهدوا بأم العين سفير الدولة الأكثر تورّطاً في أحداث بلادهم المأساوية ينسحب من الاحتفالية في لحظة الطلب منه والآخرين الوقوف دقيقة صمت لأجل أرواح الشهداء الذين قضوا في الحرب الضروس المُكلفة مع أكثر تنظيمات الإرهاب الدولي قوة وقسوة.
العذر الإيراني لم يكن مقبولاً أبداً في الواقع… قالوا: إن السفير مسجدي ظنّ أن الاحتفالية قد انتهت وأن عريف الحفل قد أعلن ذلك، لكنّ السفير مسجدي يعرف اللغة العربية جيداً، فهو يتحدّر من المنطقة العربية في جنوب إيران (عربستان أو خوزستان) من بلدة عبادان، موطن قبيلة كعب العربية، الواقعة على الضفة الشرقية لشط العرب مقابل بلدة السيبة البصرية، فضلاً عن أنه من جنرالات الحرس الثوري الإيراني الذين على صلة مباشرة ووثيقة بالعراق والعراقيين، مثله مثل قائده الجنرال قاسم سليماني، واللغة الفارسية نصفها تقريباً كلام عربي، فما من أحد سيصدّق بأن السفير مسجدي لم يفهم كلام عريف الحفل وهو يدعو للوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء.
وعلى فرض القبول بعذر عدم الفهم، فالسؤال: ألم يلحظ السفير وهو يتابع خطواته نحو باب القاعة أن أحداً غيره لم ينسحب مثله، وأن كلّ الذين مرّ بهم كانوا ملتزمين حال الوقوف؟ ثم إذا كان قد ظنّ أن الاحتفالية انتهت ألم يكن من اللياقة أن يصافح أقرب الواقفين إلى جواره يميناً ويساراً لتوديعهم؟ السفير مسجدي لم يفعل هذا أبداً!
الواقع أن تصرّف السفير مسجدي لا يمكن عزله عن تصرفات كثيرة لمسؤولين إيرانيين في العراق اعتادوا على التجاوز على السيادة والكرامة الوطنيتين للعراقيين، وصولاً إلى التدخل السافر في الشؤون المحلية، من المشاركة في تحديد حركة القوات العراقية المحاربة داخل العراق إلى تعيين كبار المسؤولين في الدولة، بمن فيهم الرؤساء الثلاثة.
منذ مدة ليست بعيدة، عشية الانتخابات البرلمانية في مايو (أيار) من العام الحالي، صرّح مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي أكبر ولايتي، في مؤتمر ديني ببغداد، بأنه من غير المسموح للشيوعيين والليبراليين والعلمانيين حكم العراق! وبعده، عقب الانتخابات واختيار رؤساء السلطات الثلاث، تفاخر القائد العام للحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري، بأن إيران قد غلبت الولايات المتحدة في العراق بنتيجة 3 – 0، في إشارة إلى رؤساء السلطات الثلاثة الذين وقع عليهم الاختيار بعد الانتخابات بتدخّل إيراني مباشر.
بطبيعة الحال ما مِن ملامة تقع على المسؤولين الإيرانيين الذين يتصرّفون على هذا النحو، فما من دولة، من طراز النظام الإيراني خصوصاً، تجد سبيلاً للتدخل في شؤون جيرانها ولا تقتنص الفرصة، بالذات إذا ما وجدت تشجيعاً من هؤلاء الجيران. الملومون هم المسؤولون العراقيون الذين لا يحرّكون ساكناً، ولو شكلياً، كلما حصل تصرف إيراني من هذا النوع. ربما كان الاستثناء الوحيد بين كبار المسؤولين في الدولة العراقية الحالية الذي لا يفوّت أي فرصة من هذا النوع لانتقاد التدخّل الإيراني وشجبه هو نائب رئيس الجمهورية السابق رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، زعيم «القائمة الوطنية».
الأنكى من كلّ شيء أن ثمة مسؤولين عراقيين يتباهون بالولاء لإيران. في الوقت الذي حصلت فيه حادثة انسحاب السفير مسجدي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لعضو في مجلس محافظة بغداد يجلس إلى طاولة مكتبه الرسمي، الذي وضع عليه صورتين كبيرتين للمرشد الإيراني الراحل الخميني والمرشد الحالي خامنئي. وقد علّق كثير من النشطاء عليها بالسؤال عمّا إذا كان الظاهر في الصورة عضو في مجلس بغداد أم عمدة العاصمة الإيرانية طهران! ومعلوم أن صور الزعيمين الإيرانيين تنتشر في شوارع بغداد ومدن عراقية أخرى أكثر من صور أي زعيم عراقي! فما يمنع السفير مسجدي وسواه من أن يقول للعراقيين: إنها حديقتي الخلفية، وأنا حرّ في التصرف فيها؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.