انت هنا في
الرئيسية > مقالات > مقالان عن العراق في الصحف العربية يوم الخميس

مقالان عن العراق في الصحف العربية يوم الخميس

1 دولة أشباح في شبح دولة فاروق يوسف العرب بريطانيا

“الشبيح” هو لقب أطلقه السوريون في السنوات الأخيرة على ذلك الشخص الذي يُطلق النار على المتظاهرين من مكان خفي. بالنسبة للعراقيين فقد كان هناك فضائيون. هم أشباح تملك لقبا مدويا. أولئك الفضائيون لا يطلقون النار على أحد. وظيفتهم تختلف عن وظيفة الشبيح السوري، غير أن الفضائي والشبيح يتشابهان في أنهما لا يظهران على الملأ ولا يُعْرفان بوظيفتيهما.
أفعالهما هي التي تشير إلى وجودهما. وهو وجود اعتباري بالنسبة للفضائي العراقي الذي يملك كل حقوق المواطن باستثناء الوجود الحقيقي، ذلك لأنه كائن افتراضي.
الفضائي هو اسم يقيم في سجل الرواتب. اسم لشخص ليس له وجود. حين أعلن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عام 2014 عن طرد خمسين ألفا من الفضائيين من الخدمة، توقع الكثيرون أن الدولة العراقية ستصاب بالشلل. فالرقم كبير.
غير أن الأمور كما يبدو سارت من غير منغصات واستمرت الدولة من غير أن يحدث ذلك أثرا إيجابيا على ميزانيتها التي ظلت تعاني من العجز.
توقف الفضائيون، الخمسون ألفا، عن استلام رواتبهم، لكن أحدا لم يسأل عن الوقت الذي قضوه وهم يتمتعون بتلك الرواتب، ومَن هي الجهات التي قبضتها.
لقد اكتفى العبادي بإعلانه من غير أن يتطرق إلى التفاصيل التي قد تحرجه وتحرج رفاق مسيرته النضالية. لا أحد في الحقيقة سأله.
ما من أحد في العراق يعرف عدد الفضائيين الذين ما زالوا حتى اللحظة في الخدمة، كما أن عدد شبيحي سوريا مجهول، حتى بالنسبة للدولة السورية.
أما بالنسبة للمعارضة السورية فإن ذلك العدد في تزايد مستمر، ذلك لأن كل مَن يقول كلمة لا تعجب تلك المعارضة هو شبيح بالضرورة.
سألت أحد الأصدقاء السوريين عن صديق مشترك، فقال لي “يا رجل إنه شبيح” فضحكت حينها لأني فكرت بالكذبة التي صارت أشبه بالحقيقة. أضاف حينها مؤكدا التهمة “له مكتب في القصر الرئاسي”.
قلت لنفسي “الكذبة تكبر، ما دام الأمر يتعلق بعالم الأشباح”.
وبمناسبة إعلان الرئيس الجديد للبرلمان العراقي عن اكتشاف 300 فضائي كانوا ضمن جيش الحماية الخاص بسلفه، يمكنني القول إن إحصاء جديدا للنفوس يمكن أن يصل بسكان العراق إلى أكثر من ستين مليونا. بشرط أن يستند ذلك الإحصاء إلى سجل رواتب موظفي الدولة العراقية.
هناك نظام غريب في العراق يسمح بظهور الفضائيين في كل مفصل من مفاصل الدولة، وبالأخص في الأماكن الحساسة كالجيش والمخابرات وأجهزة الأمن ووزارتي المالية والنفط وشركات الحماية والسفارات وخدمات المنطقة الخضراء التي يقيم فيها سادة الحكم المعفيون من المساءلة.
لقد هُزم الجيش العراقي في الموصل لكثرة أعداد الفضائيين فيه. لم يكن أحد متأكدا من عدد أفراد ذلك الجيش الذي هرب من ساحة معركة لم تقع.
هل كانوا عشرين ألفا أم خمسين ألفا؟
الفرق كبير بين الرقمين غير أن أحدا لم يكترث بالفضيحة بما فيهم رئيس الوزراء، يومها، نوري المالكي الذي تفرغ للحديث عن مؤامرة كردية – سنية ضد الشيعة، من غير أن يتطرق لموضوع الفضائيين الذي كشف عنه خلفه حيدر العبادي.
“اتركوا الفضائيين يعيشون في عالمهم الخفي والصامت. لا تزعجوهم ولا تزعجونا بهم” ذلك ما اتفق عليه السياسيون العراقيون. لذلك فإن حشود الفضائيين صارت تضيق بها ممرات الوزارات والمؤسسات بما يقف حائلا دون أن يتمكن الشباب العراقي من الحصول على وظيفة، كان قد سبقه فضائي في الاستيلاء على راتبها.
دولة المافيا هي أيضا دولة أشباح.
في سوريا يحتل الشبيح مكانه في الواقع، غير أن الدولة لا تعترف بوظيفته تلك في سجل رواتبها. إنه موظف عادي يستلم راتبه مثل الآخرين. أما في العراق فإن الفضائي ينحصر دوره في سجل الرواتب، من غير أن يتجشم عناء استلام راتبه فقد كلف آخرين بالقيام بتلك المهمة.
لا أبالغ إذا ما قلت إن أي مسؤول عراقي لا يتحرك إلا وهو محاط بجيش من الأشباح التي تملأ وسادة نومه بالأوراق النقدية.
2 نوادر.. من خارج النص.. هدية صدام التي اربكتني طلال سلمان راي اليوم بريطانيا

يسرت لي مهنتي أن التقي العديد من حكام العرب، ملوكاً ورؤساء وامراء وشيوخاً صيروا انفسهم امراء الخ.. كان بينهم من اشتهر بالدهاء كحافظ الاسد، وبينهم من عرف بالقسوة كصدام حسين، وبينهم من حولته السلطة المطلقة إلى منظر للعالمية الثالثة كمعمر القذافي، كما كان بينهم من كشفت فيه السلطة الرغبة في الخروج من القوقعة السعودية إلى المدى العربي المفتوح على المفاجآت كالملك فهد بن عبد العزيز الخ..
هنا سأروي بعض الوقائع الملكية او الرئاسية .. من خارج النص:
*****
هدية من.. صدام!
عرفت “السيد النائب” صدام حسين في اوائل العام 1969 وأجريت معه اول لقاء صحافي، كموفد من دار الصياد، عن “الرجل الغامض” الذي اشتهر بالقسوة والتخلص من مختلف “الشركاء” في انقلاب 14 ـ 17 تموز لينفرد بالسلطة في ظل خاله احمد حسن البكر، بداية، ثم لوحده وبصلاحيات مطلقة في ما بعد، وحتى سقوط العراق ـ بعد مغامرات عسكرية عديدة ضد ايران ثم ضد الكويت ـ في العام 2003.
بعد فترة، دُعيت ثانية إلى بغداد، واجريت سلسلة من اللقاءات مع بعض كبار “المطلوبين” من المسؤولين السابقين، بينهم من كان سجينا في “قصر النهاية”، وبينهم كان قد أطلق بعد اشهار ولائه للنظام الجديد.. وكانت الخاتمة والاستماع إلى النطق بالحكم مع “صدام”..
انهيت مهمتي وجاء المرافق المكلف بتسهيل حركتي، لاصطحابي إلى مطار بغداد.. لكنني لاحظت، بعد دقائق أن سائق السيارة قد انحرف بها بعيداً عن مقصدنا فصرخت به: لماذا غيرت الطريق؟ فهمس لي المرافق: هون عليك، لديك موعد سريع مع “السيد النائب”، وسنكمل بعدها طريقنا.
وصلنا إلى مقر “السيد النائب” فوجدت من ينتظر عند الباب، لكي يقودنا إلى مكتبه فوراً، فاستقبلني مبتسماً، ودعاني إلى الجلوس قائلاً: انس موضوع الطائرة.. هي طائرتنا ويمكننا التحكم بموعد اقلاعها..
تبادلنا جملاً قصيرة، ثم قام صدام إلى الخزانة التي تُشغل حيزاً في الجدار الخشبي المزخرف، وعاد وهو يحمل علبة خشبيه فخمة ومنقوشة وبدأ يتقدم نحوي بينما انا بدأت بالتراجع بظهري وقد ظهر ارتباكي.
أدرك صدام اسباب اضطرابي، فاستمر يتقدم مني وهو يقول: لا عني، مو فلوس، مو فلوس، هذه هدية للمولود .. فقد علمت انك تتعجل العودة لكي تكون إلى جانب زوجتك وهي تضع مولودها.. الف مبروك!
وحين صار امامي مباشرة فتح الصندوق الفخم فاذا فيه مسدس!
صُعقت للمفاجأة: أن يهدي صحافي مسدساً… ثم تمالكت نفسي، فقلت معتذراً: آسف، السيد النائب، ولكني لا أستطيع قبول هذه الهدية، فلم احمل سلاحاً في حياتي، ولست من هواة جمع الاسلحة.
قال صدام: ولكنها هدية مني للمولود.. والهدية لا ترد!
قلت: يا سيدي، عندي مطاران، وحفلتا تفتيش..
ابتسم وهو يقول: اما في مطار بغداد فلن يسألك احد!.. وأما في مطار بيروت فقائد الطائرة سوف يتدبر الأمر..
ضغط الجرس فدخل “اليارو” ومعه السائق فابلغه تعليماته ليوصلها إلى الطيار.. ثم سلمه علبة “الهدية”، وودعني بقبلتين!
..وبين المطارين كان يمكن تدبير امر مسدس صدام!
******
…وهدية من الملك فهد!
كانت اول مرة أُدعى فيها إلى السعودية في اعقاب الحدث الاستثنائي الذي لا يُنسى: اواخر كانون الاول عام 1979، وفي اعقاب الهجوم غير المسبوق الذي شنه جهيمان العتيبي ومن معه من عتاة “الجهاديين” على الحرم الشريف في مكة المكرمة حيث احتلوه لأيام، قبل أن تستنجد السعودية “بأصدقائها” الذين بعثوا بمجاميع من قوات الصاعقة والمظليين، واساسا من فرنسا والاردن.. لتحريره، بتدميره، مع قداسته، وقتل اعداد غفيرة من “الجهاديين”، ثم إعدام من أُلقي القبض عليهم، ممن تبقى ، بضربات من سيوف الوهابيين.
جلست والصديق الصدوق اسعد المقدم، رحمه الله، إلى نائب الملك الامير فهد بن عبد العزيز (كان خالد بن عبد العزيز، هو الملك “رسميا”، في حين كان ولي عهده، الامير فهد، هو الملك الفعلي.. )
كان الامير فهد محدثاً لبقا، ثم انه كان مطيلاً لأنه يحب أن يتوسع في الشرح والتفصيل.. وكان موضوع احتلال الكعبة المكرمة، بهذه البساطة، يستحق كثيراً من التبرير للقصور الامني والغفلة وضياع القيادة الملكية التي تبدت “غربتها” عن مكة عارية وبلا ستار يحجبها..
دامت المقابلة خمس ساعات كاملة.. لكن لباقة الامير فهد، وتعدد الموضوعات التي رغب في الحديث عنها وفيها، جعل الوقت يمضي بسلاسة، حتى انتبهنا فاعتذرنا من ولي العهد، ثم وقفنا لنودعه فاذا به، بدأ بفرك اصابع يديه، وهو يقول: والله لا ادري كيف أقدر جهودكم في إظهار حقيقة ما جرى، وان الامر “ارهاب” باسم الاسلام، بينما الدين الحنيف بريء منه ومن مرتكبيه..
رد اسعد المقدم: هذا واجبنا يا سمو الأمير..
وقلت: بل علينا نحن ان نشكرك على كرمك في الوقت وصراحتك في الحديث عما جرى في الكعبة المشرقة ولها..
قال الامير فهد: لكن الواجب يقضي بأن نقدم لكم هدية متواضعة تدل على احترامنا لجهودكم..
التفتُ إلى رفيق العمر فاذا به ينظر اليّ منتظراً ما سوف اقول… وبعد لحظات من التردد قلت بنبرة حياء: اذن فعباءتك، يا سمو الامير..
وخلع الامير فهد عباءته، وتقدم يلبسني اياها ويمسد على تعرجاته حتى يخفي “غربتي” عن هذا الزي العربي العريق..
ولقد باغتتني دماثته، فوقفت لحظات اتلقى “تبريكات” اسعد المقدم، قبل ان اخلع العباءة وأعيد إلباسها لصاحبها ولي عهد المملكة المذهبة.. والتي تغفل عن حماية اول الحرمين ومهبط الوحي على الرسول العربي محمد بن عبدالله!

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top