مقالان عن العراق بالصحف العربية اليوم الثلاثاء

1جيش احتلال .. وجيش أخويزهير ماجد

 

 

الوطن العمانية
 

لا يمكن للأميركي أن يكون محررا للأراضي السورية،بل هو باحث عن موقع من أجل حضور في السياسة وفي المكاسب القادمة وفي الحل .. الأزمة اللبنانية التي دامت خمس عشرة سنة لم تحل إلا دوليا، وكان الأميركي أساسيا فيها.

لكن الجيش الأميركي يظل في العرف السوري قوة احتلال، من الممكن أن يصطدم الجيشان السوري والأميركي إذا تجاوز هذا الأخير ماهو دوره فقط، وكان واضحا الإنذار الأخير لغرفة عمليات حلفاء سوريا في رسم الواقع الميداني للأميركي.

مقابل ذلك، هنالك مايشبه النشوة الممزوجة بفرح اللقاء بين الجيشين العربيين العراقي والسوري عند الحدود. كل منهما متلهف للقاء الآخر، بل ثمة حنين منذ زمن طويل في المشاركة القتالية، كما حدث في حرب أكتوبر 1973 حين جاءت قوات عراقية لتدافع عن سوريا، وكان لها معارك واضحة بل أدت دورا مميزا. وللعراق أيضا مشاركاته مع الأمة، فإلى اليوم مازالت هنالك مقبرة للقوت العراقية في مدينة جنين الفلسطينية، وهؤلاء جاؤوا عام 1948 للمشاركة في تحرير فلسطين.

كل ماهو خارج التحالف السوري الإيراني الروسي الحزب الله يعتبر احتلالا للأرض السورية، وعليه أن يخرج منها إن عاجلا أو آجلا أو حلت عليه اللعنة، وسيعاقب ببقائه على أرض ليست له ولن تكون. أما حضوره في التسوية سواء النهائية أو المرحلية فهو ملحوظ تماما، ولعل اللقاءات المكثفة التي حدثت بين وزير خارجية روسيا لافروف والوزير السابق للخارجية الأميركية جون كيري والحالي تيلرسون إضافة إلى أطراف إقليمية أخرى.

وليس تبسيطا للأمور، فإن الولايات المتحدة ستكون الخاسر في نتائج الحرب على سوريا، بعدما كشفت دورها في دفع حركة المسلحين ودعمهم وتسليحهم … خطوة ظنتها تلك الدولة العظمى، إنها نزهة ريثما تنجلي غبار مشاركتها سريعا بسقوط النظام السوري وتغيير سوريا بكل تفاصيلها المعروفة إلى دولة أخرى تماما لاتشبه سوريا التي نعرفها حاليا. من المؤسف، أن العقل الذي أدار سياسة أميركا في تلك الحرب لم ينتبه إلى قوة سوريا ومناعتها ذاتيا ومن خلال تحالفاتها التي كانت واضحة منذ البداية ومنذ أول رصاصة أطلقت باتجاه النظام. وكان واضحا، أن سوريا بقيادة الأسد، نالت خبرة واسعة من المتغيرات التي عصفت بساحات عربية أولا، بل إن الروسي الذي خسر ليبيا بحسن نواياه مع الحلف الأطلسي، اختار المواجهة بالتحالف مع سوريا تحت أي ظرف كان ومواجهة اللعبة الدولية بمشاركة فعالية في الميدان والدبلوماسية والدعم المباشر، وكانت إيران أيضا قد قررت منذ اليوم الأول أن سقوط دمشق يعني سقوط طهران، ثم أضيف لاحقا حلفاء جدد في طليعتهم حزب الله فتغيرت الظروف مع أنها أطالت الحرب لكنها حمت سوريا من كل المخططات الهدامة.

صحيح أن معركة سوريا ضد التوحش الداعشي ومشتقاته من قوى إرهابية أخرى، إلا أنها وضوح لصراع دولي مفهوم تماما. وسيكون لقاء الجيشين العراقي والسوري عند حدود البلدين كسرا لتلك الحدود المصطنعة، وستغير وجه المنطقة كما قالت مستشارة الرئاسة السورية الدكتورة بثينة شعبان. وسيأتي الوقت الذي سيقال فيه لكل قوة خارج حلفاء سورياأن أخرجوا وإلا أخرجناكم بالقوة.

فمرحى بالأذرع العربية المتعانقة وبكلام التواصل بين جيشين عزيزين حفرا في التاريخ العربي معنى سيظل حكمة لكل الأجيال اللاحقة، وهذه المعارك الكبرى من أجلها على كل حال.

2الحياة المدنية في المجتمع الشيعي العراقي و… إشكالية المرجعية

 

ربيع الحافظ

 

 الحياة السعودية
 

 

لا تُعرف على وجه الدقة الأسباب التي تحمل تيارات سياسية شيعية على مبادرات إصلاح سياسي هي بمثابة قطع للغصن الذي تجلس عليه، وهل مثل هذه المبادرات تمثل أملاً للمجتمع الشيعي الذي لم يحقق له حكم نفسه بنفسه حياة أفضل.

 

المعروف على وجه الدقة أن مبادرات كالتي يدعو إليها تيار كالتيار الصدري على علاقة بمعالم فشل ضربت العراق منذ 2003، وأنها تحمل اتهاماً مبطناً للجهة التي تحكمت بالمشهد السياسي وهي المرجعية الشيعية التي صارت دولة داخل الدولة ونظاماً موازياً للحكومة المركزية.

 

أهم من الاتهام السياسي المبطن للمرجعية الاتهام الجماهيري الشيعي الصريح والقاسي، بأنها من زكى رموز الفساد وأوصلهم إلى الحكم وعصمهم من القانون، ومع ذلك تبقى المرجعية في منأىً عن المساءلة القانونية حول ضلوعها في أدوار خارج تخصصها، وبلا وصفة علاجية لدورها المربك للدولة حين تريد الدولة التعافي والنهوض. فهي تبقى قادرة على إصدار الفتاوى التي تحولها الدولة إلى قوانين.

 

في مطلع القرن الماضي كان للمرجعية دور مشابه عند تأسيس أول حكومة عراقية إبان الانتداب الإنكليزي. لم تكن في المجتمع الشيعي حينذاك كفاءات ثقافية أو إدارية تمكنه من إدارة دولة فضلاً عن قيامه هو بتأسيسها. حينها كانت المرجعية القيادة الفقهية والسياسية والاجتماعية للمجتمع الشيعي كما حال الجامع بالنسبة الى الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية. ومثلت قيادة المرجعية للمجتمع الشيعي أمراً واقعياً في غياب بدائل مدنية وفيما كان المجتمع الشيعي يعتبر الحرب العالمية الأولى التي أسقطت الدولة العثمانية بمثابة حرب استقلال من نظم الحكم السنية التي توالت منذ صدر الإسلام.

 

لم يكن إسخاط الشيعة رغبة عند الاحتلال الانكليزي، غير أنه حرص، ضمن مصالحه، على إدخال العراق في طور الانتداب الذي من متطلباته إيجاد نظام سياسي وحكومة، وكان على الإنكليز الاختيار بين أمرين: خيار ضامن للنجاح السياسي ومقترن بإسخاط الشيعة، وهذا خيار أصحاب الكفاءات، وخيار يرضي الشيعة (الذين لم يكونوا في وضع ثقافي جاهز) لكنه يقترن بالإخفاق. وقع الخيار على استخدام الطوب (المتوافر) الناجم عن هدم الجدار العثماني، أي الأطقم الإدارية السنية التي أدارت مؤسسات الدولة العثمانية، لتأسيس حكومة وبرلمان عراقي بقيادة الملك فيصل، لكن المراجع الشيعية رفضت برلماناً يهيمن عليه أصحاب الخبرات وأصرت على برلمان تكون لمرشحيها الهيمنة فيه. ووفق تقرير سري لسلطة الاحتلال «فسبب رفض مراجع الشيعة حكم الملك فيصل هو رغبتهم في إيجاد حكومة ضعيفة تتمكن ثقافتهم الفقيرة عبرها التحكم بالقبائل واستغلالها».

 

بعد مضي 6 أعوام على الاستقلال وتشكيل حكومة، كانت المرجعية لا تزال تتمسك بمطلب برلمان يهيمن عليه مرشحوها. وأصاب الذهول إدارة الانتداب حيال مدى استعدادها لتقديم المصلحة المذهبية على المصلحة الوطنية، وفقاً للمندوب السامي الذي كتب إلى حكومته في لندن في 15 تموز (يوليو) 1927: «قبل بضعة أسابيع زارني قيادي شيعي وقال لي: ندرك أنه ليس بيننا متعلمون ولسنا في وضع نقدر فيه على شغل حصتنا الحقيقية في مؤسسات الدولة، ومطالبنا هي أن تعيد بريطانيا احتلال العراق لحمايتنا من الهيمنة السنية إلى أن يصبح أبناؤنا متعلمين».

 

ولم يكن اختلال نسبة التمثيل الشيعي في الدولة الوليدة موضع خلاف عند السنة (مصطلح السنة حينئذ شمل العرب ومعهم الأكراد والتركمان) الذين أسسوا الدولة، لكن تعاملهم مع هذا الاختلال كان بحسابات مختلفة عن المرجعية، وكانت لذلك التعامل مظاهر مبكرة في الثلاثينات أثارت انتباه من زار بغداد، لا سيما من غير السياسيين. وقد دوّن الأديب المصري المعروف أحمد حسن الزيات في مذكراته رؤيته مسؤولين يشغلون مواقع مهمة لكنهم لا يملكون وزناً ثقافياً مكافئاً، وعرف عند الاستفسار أن الحكومة تهدف إلى الموازنة في التمثيل الوظيفي في مؤسسات الدولة بين جميع مكونات المجتمع على رغم ضعف الكفاءة الثقافية الشيعية.

 

السقوط المفاجئ للدولة العثمانية مطلع القرن الماضي وضع المرجعيات الشيعية وجهاً لوجه مع واقع لا خبرة لها فيه هو واقع الحكم وإدارة الدولة، وفي 2003 أعاد السقوط المفاجئ للعراق الواقع نفسه ووضع المرجعية وجهاً لوجه مع ظرف أصعب كانت فيه الدولة المدنية وعلى مدى 9 عقود نقلت المجتمع الشيعي بعيداً من ثقافة الأقلية إلى ثقافة المجتمع الكبير، ولم تعد قداسة وفتاوى المرجعية كافية كي ينظر المجتمع الشيعي إلى الأشياء كما تريدها، ما جعل اعتمادها على الأقل تعليماً وغير المتعلمين مسألة مصيرية، وهو ما ترجمته الحاجة إلى الميليشيات التي صارت حشداً ثم جيشاً، ويراد لها أن تصبح قوة سياسية تنتزع الدور من المثقفين، وأصبحت الحسينيات التي هي دور عبادة دوائر يتم فيها التجاوز على سيادة الدولة في حفظ الحقوق العامة، ما يجرّد مبادرات الإصلاح من الإمكانية والواقعية.

 

الشريحة الاجتماعية في المجتمع الشيعي التي فرزت المتميزين، كفاضل الجمالي وعلي الوردي وسعدون حمادي، ما زالت موجودة على رغم الضمور الذي يجتاحها، بعكس النمو الذي تمتعت به في القرن الماضي، غير أن صعودها لا يمر عبر آليات المرجعية، ما يجعل الأخيرة عثرة في طريق الناجحين من أبناء الشيعة الذين تألقوا في أجواء الدولة العراقية المدنية التي رسمت حدوداً للمرجعية تنسجم مع طبيعتها وحمت مواهب المجتمع المدني الشيعي. وقد بلغت درجة إحساس الشيعي بحرية الحكم على الأشياء خارج النفوذ الثقافي للمرجعية حداً جعلت ابن كربلاء يتغلب على هواجس الثقافة المحلية ويتجاوز تحذيرات الأصدقاء ويقبل وظيفة في مدينة الموصل، ليكتشف أن الحياة في عمق الوسط الاجتماعي السني ليست فقط ممكنة بل إن فيها ما لا يجده في بيئته وما بات جزءاً لا مناص عنه في نمط عيشه الجديد، بحيث يشتري داراً في الموصل ويتخذها مستقراً له.

 

ما تكرر وقوعه في مدى أقل من قرن ظاهرة تضبطها قواعد الاجتماع السياسي، وهو أن المؤسسة (المرجعية) التي وجدت أساساً لإدارة شؤون أقلية (الشيعة) في وسط مجتمع كبير (السنة) لا تملك ثقافة التعامل مع المجتمع الكبير ولا فنون إدارته ولا فرصة الوصول إلى قمة الهرم من دون تدخل قوة خارجية، وهو ما حدث مع الاحتلال الأميركي الذي دخل في شراكة مع المرجعية دخلت الدولة معها في حقبة فشل.

 

تغيرات عميقة حدثت في المجتمع الشيعي على مدى 9 عقود من الدولة المدنية. لم يعد الشيعة تلك الأقلية التي اعتزلت المدرسة في العهد العثماني بتوجيه المرجعية، والمعطيات التي حاولت المرجعية تسخيرها بلا نجاح مطلع القرن 20 اختلفت هي الأخرى، ولم تعد المرجعية أكفأ من يقود المجتمع الشيعي بوجود تيارات مدنية أنتجتها الدولة المدنية، وفيما بات يدرك الشيعي العراقي أن نظامه الاجتماعي الذي تتوغل فيه مؤسسة المرجعية غير قابل أو مؤهل لقيادة دولة.

 

هذه القناعة تترجمها اليوم في ساحات بغداد دعوات لشرائح شيعية متنامية الحجم تتحرك خارج فضاء المرجعية وتنادي بالعودة إلى مدنية الدولة، وعملها لا يحوز على إعجاب المرجعية. وعدم الإعجاب هذا نفسه كان من نصيب رموز شيعية في القرن الماضي اختارت أن تكون على مقربة من الدولة المدنية كجعفر أبو التمن.

 

ما قاله الاحتلال الإنكليزي في مكاتباته السرية عن المرجعية وتقديمها للحسابات المذهبية يردده الشارع الشيعي اليوم أمام عدسات التصوير بعدما تأكد أن التعليم والوظيفة والصحة والأمن والسكن ذهبت جميعها ضحية لفساد تزكيه المرجعية أو تغض الطرف عنه. الشعارات التي يرفعها هذا الشارع تزداد وضوحاً وصراحة مع الأيام وليس الأشهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.