لكي لا ننسى !معركة تحرير الفاو مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم لماذا طرد نزار الخزرجي ماهر عبد الرشيد وسبب تجرع خميني السم ؟

لكي لا ننسى !معركة تحرير الفاو مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم لماذا طرد نزار الخزرجي ماهر عبد الرشيد وسبب تجرع خميني السم ؟

يقول نزار الخزرجي رئيس اركان الجيش ابان تحرير الفاو انه التقى صدام حسين وبحضور حسين كلمل وكان الاجتماع مخصص لبحث ما بعد التحرير وانتهى الاجتماع فقال حسين كامل لصدام هل اناك خبر طرد ماهر عبد الرشيد قائد الفيلق السابع انذاك من منصبه فقال لا فقال له نزار سيخبرك وقال نزار اخبرته اني اتصلت به عدة مرات ولم يرد علي لابلغه بقيام الحرس الجمهوري بتكملة صفحة التحرير الا انه اندفع بشكل مقلق وقررت تنحيته عن المنصب فقال صدام ان وزير الدفاع ورئيس اركان الجيش هما صدام بالمعركة

وتقول ويكيبيديا معركة تحرير الفاو عملية عسكرية نفذها الجيش العراقي في 17 نيسان 1988 خلال حرب الخليج الأولى لإخراج الجيش الإيراني من شبه جزيرة الفاو بعد احتلال إيران للمنطقة لمدة عامين. أطلق على العملية اسم رمضان مبارك لتوافق العملية في يوم 17 نيسان أول أيام شهر رمضان.

شملت العملية العسكرية التي نفذها الجيش العراقي في الفاو قبل شروق شمس يوم 17 نيسان ثلاثة مراحل استطاعت القوات العراقية من خلالها تحرير كامل شبه جزيرة الفاو في حوالي 35 ساعة وتكبيد الجيش الإيراني خسائر كبيرة ما بين قتيل وأسير بالإضافة إلى الاستيلاء على معداتهِ.

 

وقد كانت إيران قد حصنت الفاو بخنادق وحقول ألغام كما شقت القوات الإيرانية مجاري مائية لمنع الدبابات والمركبات المجنزرة من الحركة بينها.

 

 

التخطيط

أدركت الاستخبارات العراقية إن الجانب الإيراني قد تمكن من اختراق جهاز لاسلكي بعيد المدى في المنطقة الوسطى، يعود للقوة الجوية، واستطاعت القوات الإيرانية التجسس والتقاط كل الرسائل المتداولة في الجانب العراقي. فاقترحت الاستخبارات العراقية على الرئيس الموافقة على أن تتولى الإشراف المباشر على هذا الجهاز، ومواصلة بث معلومات صحيحة وأخرى مضللة، عبر هذا الجهاز. وتولى مسؤول ملف إيران هذهِ المهمة شخصيا، وبذلت جهود كبيرة، ليس للمحافظة على ثقة الإيرانيين بهذا الجهاز فحسب، بل لزيادة الاهتمام بهِ. ولقد وضعت الاستخبارات العراقية خطة مخادعة طويلة ودقيقة في الجوانب التكتيكية والاستراتيجية، وكان الجهاز اللاسلكي أهم وسائل تمرير هذه المواد المخادعة إلى القيادة الإيرانية مباشرة وبسرعة، ومن أروع ما يمكن تسجيله هو أن الاختراقات العراقية في مفاصل أخرى كانت تتابع اهتمام القيادات الإيرانية بالمعلومات والرسائل والمحادثات، التي تجري من خلال هذا الجهاز. وكانت تتأكد بين حين وآخر من سلامة الإجراءات وأمن الخطط والعمليات. أما الفكرة العامة فصممت على أساس أن القيادة العراقية مصممة على سحق الهجوم في المنطقة الشمالية، وسحب التشكيلات المتضررة وإرسالها إلى منطقة الفاو، ولإبدالها بتشكيلات منتعشة لإرسالها إلى الشمال، وهو ما دفع القوات الإيرانية إلى نقل المزيد من قوات الفاو إلى الشمال. كان الهجوم مقررا ليتم من خلال قوات الحرس الجمهوري العراقية (القوة الضاربة في الجيش العراقي) والتي كان يشرف عليها آنذاك حسين كامل، بقيادة الفريق الركن إياد فتيح الراوي ورئاسة أركان اللواء الركن إبراهيم الآغا، بالتعاون مع الفيلق السابع من الجيش العراقي بقيادة الفريق الركن ماهر عبد الرشيد، وقيادة القوة الجوية، والقوة البحرية وطيران الجيش. لقد كانت مسؤولية تحرير الجزء الغربي من شبه جزيرة الفاو من مهمة فرقة المدينة المنورة في الحرس الجمهوري، أما مسؤولية فرقة بغداد من الحرس الجمهوري فكانت من الطريق الإستراتيجي الذي يحد قاطع الفيلق السابع إلى الحدود الفاصلة مع فرقة المدينة المنورة في الحرس الجمهوري، وبالدخول إلى العمق إلى نهاية منطقة المملحة، بحيث تكون الصفحة الأولى لقوات الحرس الجمهوري هي احتلال قاطع المملحة المعقد (أرض ملحية). أما مهمة فرقة حمورابي في الحرس الجمهوري فكانت الصفحة الثانية؛ وهي تحرير مدينة الفاو بالتعاون مع جهد قوات الفيلق السابع وصولاً إلى منطقة رأس البيشة (المثلث البري العراقي المطل على الخليج العربي) وتكون فرقة نبوخذنصر في الحرس الجمهوري فرقة الاحتياط.

 

الهجوم

في ليلة الهجوم، حضر القائد العام للقوات المسلحة صدام حسين ونائب القائد العام الفريق أول الركن عدنان خير الله وزير الدفاع، إلى مقر الحرس الجمهوري، في الساعة 04:30 فجر 17 نيسان 1988 أطلقت أكثر من ألف فوهة نيران القصف التمهيدي المركز، وفي الساعة 06:00 شاركت الدبابات في تدمير النقاط الحصينة الأمامية، وقد شاركت الزوارق الحربية والقوة الجوية في مرحلة القصف، وفي الساعة 06:30 انطلقت قطعات الصولة لكسر الحاجز النفسي، وحاجز منظومة الموانع، وفي الساعة 12:00 من يوم 18 نيسان 1988 دخلت كتيبة دبابات الفارس بأمرة المقدم الركن سالم حافظ التكريتي التابعة للواء المدرع 17 حرس جمهوري مدينة الفاو ورفعت العلم العراقي فيها

 

ومع ساعات الهجوم الأولى، حققت قوات الحرس الجمهوري تقدما سريعا جدا، وفرضت تفوقا ساحقا، أدى إلى استعادة الفاو، والإخلال بالتوازن الاستراتيجي للقوات الإيرانية على طول الجبهة، فاضطرت القيادة الإيرانية فيما بعد إلى القبول بوقف إطلاق النار. وأتهمت إيران الكويت بالسماح للعراقين باستخدام جزيرة بوبيان.

 

النتائج

مثلت الفاو نقطة تحول لحرب الخليج ودفعت هي وباقي الانتصارات التي حققها العراق بعد معركة الفاو لإعلان خميني ، في 5 تموز 1988، قبول إيران وقف إطلاق النار، كما أنها منحت العراق منفذه المائي على البحر الذي حرم منه سنتين.

فبعد خمس سنوات تقريباً، أي منذ الانسحاب، عام 1982، وهو تاريخ آخر الهجمات العراقية، في بداية الحرب، عاد العراق إلى شن هجمات رئيسية قوية، موجهاً هجومه الأول ضد القوات الإيرانية، التي تحتل شبه جزيرة الفاو، منذ أكثر من عامين (9 فبراير 1986)، في عمليتها المسماة “فجر 8”.

 

كان التاريخ هو أول أيام رمضان. لذا، سميت المعركة من قِبل العراقيين، “رمضان مبارك”. وقد وافقت نهاية يوم 16 نيسان، وقبل بدء نهار 17 نيسان. لذلك، كان هجوماً ليلياً صامتاً. هدفه استعادة السيطرة على شبه جزيرة الفاو كلها. كانت المفاجأة تامة؛. فضلاً عن أن القوات العراقية، لم تَعْتَدْ قتالاً ليلياً صامتاً، كما أن حجم القتال ومستواه لم يكونا متوقعَين. وكذلك الاتجاه لم يكن في الحسبان، فقد كان الظن الأكبر، أن تحاول القوات العراقية، عندما تفكر في الهجوم، شن هجمات مضادّة لكسر حصار البصرة.

 

  1. طبيعة الأرض في قطاع الهجوم، في الفاو

 

تقع المنطقة التي خصصت لعمليات الفيلق السابع لاسترداد الفاو، يمين شط العرب ويساره، في منطقة، تمتلئ بأشجار النخيل، المنتشرة على مسافة، تراوح بين 800م وألفي متر، من حافة الشط. تتخللها سواقي الري. ويكثر فيها نباتات طويلة الساق (قصب وبردي). ويفصل بين منطقة العمليات والضفة الغربية لشط العرب، مسافات غير متساوية. لتعرج الشط، تبلغ في أدناها 500م وأقصاها 3 آلاف متر. وهي منطقة اختفاء جيدة للأفراد المترجلين، سواء عند التحرك أو التخندق. وهو ما يجعل من عملية تطهيرها من المدافعين أمراً صعباً، خاصة مع قربها من المواقع الدفاعية الإيرانية، على الضفة الغربية لشط العرب، حيث جزيرة عبدان.

 

اتخذ الإيرانيون من جزيرة عبدان قاعدة نيرانية، لمعاونة القوات، غرب شط العرب. وهي تمتد من مدخل الشط، مقابل الطرف الجنوبي الأقصى لشبه جزيرة الفاو، حتى جنوب المحمرة الإيرانية، عند مصب نهر كارون (65 كم طولاً، و5 كم عرضاً، في الشمال، و20 كم عرضاً، في الجنوب). وحُشد فيها فرقتان، خصصتا لمعاونة المواقع الدفاعية ونجدتها، في الغرب، كما كانتا تقومان بغيار القوات، في الغرب، دورياً (وهو ما كان يحدث حينما بدأ الهجوم).

 

المنطقة الملاصقة لشط العرب، غرباً، أرض رسوبية مالحة، غير صالحة لسير العربات العسكرية بوجه عام، والمجنزرات بوجه خاص. ويقع فيها، جهة الخليج، موقع المعامر، التاريخي، العائد إلى القرن التاسع عشر، والذي اتُّخِذ منطقة عبور، لتجاوز الترع والقنوات المائية، من الاتجاهين.

 

كان في المنطقة ثلاثة طرق رئيسية. الأول، الطريق القديم، بين الفاو والبصرة، منذ القرن التاسع عشر، وهو لا يزال مستخدماً، بعد تعديله وتطويره. الثاني، هو الطريق المعروف باسم الطريق الإستراتيجي، ويمتد من الفاو، عبر الأرض المالحة، إلى وسط شبه جزيرة الفاو. والثالث، طريق ساحلي موازٍ لخور عبدالله، حتى ميناء أم قصر. وتلتقي الطرق الثلاثة في منطقة عقدة الفاو (اُنظر شكل معركة تحرير الفاو).

 

  1. الخطة الدفاعية الإيرانية

 

استمرت القوات الإيرانية في احتلال شبه جزيرة الفاو فترة زمنية، تعدت السنتَين. فكان لديها الفرصة لإنشاء مَواقع دفاعية جيدة التجهيز، وتدريب قواتها على مواجَهة الهجمات العراقية المتوقعة، لتحرير الفاو واستعادتها، والتي طال انتظارها 26 شهراً، في إطار خطة دفاعية مُحكَمة، ومنسقة جيداً.

 

كان الإيرانيون يعانون عدة مشاكل، عسكرية واقتصادية وسياسية، فرضت على القوات الإيرانية، في شبه جزيرة الفاو، أوضاعاً معينة، وأسلوباً محدداً. وكان أهم المؤثرات، هو عدم قدرتهم على استئناف الهجوم، للوصول إلى البصرة، هدفهم الأزلي، وعدم القدرة، كذلك، على التخلي عن هذا الهدف. لذلك، كانت المَواقع الإيرانية أقرب إلى مواقع ابتدائية للهجوم، منها إلى مواقع دفاعية كاملة. وأثر ضعف الإمكانات في تجهيز المواقع هندسياً، يجعلها منيعة، ضد الاختراقات العراقية المتوقعة. وكذلك في القدرات النيرانية. كانت الروح المعنوية، الآخذة في التدهور، مؤثراً آخر في قدرات القوات الإيرانية وكفاءتها، في شبه جزيرة الفاو؛ فطبيعة المنطقة قاسية، وإمداداتها، الإدارية والطبية، غير كاملة، وصدى الهزائم المتتالية، لا يزال مسموعاً، إضافة إلى ضعف التدريب، والمَلل من طول الحرب، التي دخلت عامها الثامن.

 

ارتكزت الخطة الدفاعية الإيرانية على طبيعة الأرض، مع بعض التجهيز الهندسي، باستغلال الموارد المحلية في المنطقة، لزيادة صعوبة اختراق القوات العراقية دفاعاتها. ووضعت الخطة على أساس صدّ الهجوم العراقي المنتظر، وتكبيده خسائر جسيمة، ثم دفع الاحتياطيات، المتمركزة في جزيرة عبدان، خلْف المَواقع الدفاعية، لشن هجوم مضادّ، يدمر القوات العراقية، التي قد تنجح في اختراق المَواقع الإيرانية.

 

وبنى الإيرانيون ثلاثة سواتر ترابية، متدرجة الارتفاع، تدرجاً، يعلو فيه الساتر الخلفي عمّا أمامه، مما يتيح للمدافعين عنه السيطرة على التحركات قبالته. ووصل ارتفاع أعلاها إلى ثلاثة أمتار. وشقت القوات الإيرانية مجاري مائية بين السواتر الثلاثة، لمنع الدبابات والمركبات المجنزرة من الحركة بينها، إضافة إلى أن منطقة الممالح (وسط شبه الجزيرة) ذات طبيعة رخوة هشة، مما يصعب الحركة خلالها. ولتسهيل حركة القوات الإيرانية وتأمينها، أنشئ ساتر رابع، خلْف الساتر الثالث، وأقلّ منه ارتفاعاً، ومُهدت الأرض بينهما للمركبات الإيرانية، كما أنشئ بينهما، كذلك، مناطق تمركز العناصر، الإدارية والفنية، والاحتياطيات من الاحتياجات والقوات.

 

وغمر الإيرانيون الأرض في المملحة، بينهم وبين القوات العراقية، بالمياه، بصفة دائمة، من طريق شق مجرى مائي في شط العرب، لزيادة صعوبة التحرك خلالها، ووضعت الموانع الخرسانية، والأسلاك الشائكة، والألغام، في كل مكان، خارج الطرق والمحاور.

 

وأنشأ الإيرانيون ملاجئ تحت الأرض، استخدمت الخرسانة المسلحة في بعض منها. وغُطِّيَت بردم عالٍ، لتتحمل القصف، الجوي والمدفعي، المنتظر. ومُوِّهَت لتشابه الأرض حولها، ليصعب اكتشافها. وحُفزت خنادق، لتكون ممرات لحركة الأفراد، مغطاة، كذلك، لتصل بين الملاجئ ومَواقع الأسلحة والدفاعات الأمامية. كما زوِّدت المَواقع إمدادات إدارية، من التعيينات والمياه والذخائر، تسمح لها بالصمود يومَين كاملَين، في حالة حصارها؛ وهو ما يوضح وعي الإيرانيين بالصعوبات التي ستواجهها الاحتياطيات القابعة في جزيرة عبدان، للعبور ونجدة هذه المَواقع الأمامية، غير أنهم لم يسعوا إلى تعديل خطتهم، ونقْل تلك القوات الاحتياطية، إلى مناطق تتيح سهولة الإنجاد. وعلى الرغم من إنشائهم عدة جسور عائمة، وآخر ثابتاً، على شط العرب، فالمتوقَّع أن يبادر العراقيون إلى تدميرها، قبْل بدء الهجوم، لعرقلة مناورة الإيرانيين.

 

كانت الخطة الدفاعية الإيرانية، في مجملها، بسيطة، وبدائية، وتقليدية كذلك. تفتقر إلى كثير من أساسيات الدفاع، خاصة الدفاعات ضد الدبابات، والطائرات، والإبرار، الجوي والبحري، والحرب الكيمياوية. وهو ما يعني هشاشة الدفاع ضد هجوم قوي، تُطبق فيه نظريات الاستخدام الأمثل لتعاون الأسلحة المختلفة. كانت نقطة القوة الوحيدة، هي طبيعة الأرض، والموانع الصناعية، التي أضيفت إليها.

 

بعد مرور أكثر من عامَين، على احتلال القوات الإيرانية شبه جزيرة الفاو، ومع اتساع جبهة القتال، من الشمال إلى الجنوب، وتكرار الهجمات الإيرانية، ذات الموجات البشرية الكثيفة، وخسائرها الجسيمة، كان لا بدّ للإيرانيين من تخفيض حشدهم في المنطقة، بسحب وحدات منها، لدفعها إلى مناطق أخرى، تبعاً للحاجة إليها. وتدنّي الحشد الإيراني من ثلاثين ألف جندي، عند احتلال المنطقة، عام 1986، إلى حوالي ثمانية آلاف جندي فقط، عام 1988. وهو ما أضعف قوة الدفاع، ذي المواجهة الكبيرة.

 

  1. الخطة الهجومية العراقية

 

كانت البدائل المتاحة، أمام المخطط العراقي، محدودة؛ فالأرض، بطبيعتها وموانعها المختلفة، تجبر القوات العراقية على الالتزام بالمحاور الرئيسية. لذلك، سعى المخطط العراقي إلى حل مشاكل استخدام القوات بشكل أفضل، وإلى تنسيق خطة الخداع، بما يعوض القوات عن تحركها المقيد حتى الدفاعات الإيرانية، وصعوبة المناورة خارج المحاور الرئيسية؛ وهو ما سبق أن تسبب، عام 1986، بفشل الهجمات العراقية المضادّة.

 

قسمت الخطة إلى ثلاث مراحل متتالية. المرحلة الأولى، تتقدم فيها القوات العراقية، تحت ستر القصف، الجوي والمدفعي، نحو المَواقع الإيرانية، الأمامية والخلفية، لتواجه الدفاعات الرئيسية على الساتر الأول، وتهاجمه، وتستولي على السواتر الترابية الثلاثة، وتصل إلى القناة المائية الأولى للإغمار. المرحلة الثانية، تطور القوات العراقية هجومها، بدفع مزيد من القوات إلى الاشتراك في القتال، وتواصل اقتحام المَواقع الدفاعية الإيرانية، حتى تصل إلى القناة المائية الثانية للإغمار، وإلى المنطقة جنوب عقدة الفاو، حيث تتلاقى الطرق الثلاث الرئيسية المتجهة إلى الفاو. المرحلة الثالثة، تشمل حصار مدينة الفاو واقتحامها وتطهيرها، والوصول إلى آخر نقطة في شبه الجزيرة، عند رأس البيشة، فتبلغ القوات المهاجِمة أهدافها النهائية (8 كم، جنوب مدينة الفاو).

 

لتنفيذ الخطة بمراحلها الثلاث، حُشدت القوات المهاجِمة في رتلَين رئيسيَّين. الرتل الأول، ينهض بأعمال قتاله الفيلق السابع، وخُصص له المحور الرئيسي الأول (الطريق القديم)، الملاصق لشط العرب. الرتل الثاني، من قوات الحرس الجمهوري، وخُصص له المحور الرئيسي الثالث (الطريق الموازي لخور عبدالله).

 

لمعاونة القوات المهاجِمة، حدد للقوات الجوية مهمتان أساسيتان. أولاهما، تدمير الجسور على شط العرب، لمنع ارتداد المدافعين عن شبه الجزيرة، وحصارهم فيها، ومنع عبور القوات الاحتياطية في عبدان (أو تأخيرها)، أو إمداد القوات في شبه جزيرة الفاو. والمهمة الثانية، كانت قصف المَواقع الإيرانية، بالتركيز في مناطق تمركز الاحتياطيات، في جزيرة عبدان، وعقد المواصلات ومراكز القيادة والسيطرة. بينما تهاجم الطائرات العمودية المسلحة التجمعات البشرية والدبابات.

 

وحُدد للقوات البحرية تدمير القطع البحرية الإيرانية، في قمة الخليج، ومنعها من الاقتراب أو الاشتراك في قصف القوات المهاجِمة، والحؤول دون مشاركتها في التمهيد النيراني ضد المناطق الخلفية، في جنوبي شبه الجزيرة، خاصة عند اقتراب الرتل الثاني (قوات الحرس الجمهوري) من مدينة الفاو، أو عند تحقيقها المهمة النهائية في رأس البيشة.

 

  1. سير المعركة ونتائجها

 

تقدمت القوات المهاجِمة، ليلاً، لتصل، قبْل الفجر، إلى مرمى أسلحة القوات المدافعة، فعمدت إلى الاختراق السريع، المباغت، في هجوم برمائي، على محورَي التقدم، مطوقة المَواقع الرئيسية، ومفاجئة القوات الإيرانية، على المحورَين، الأول، حيث تهاجم قوات من الفيلق السابع، والثاني، حيث تهاجم وحدات من الحرس الجمهوري. بينما انتشرت القوات الخاصة في منطقة المستنقعات والأرض المملحة بينهما.

 

بينما مهدت المدفعية العراقية ـ فور الالتحام بالمَواقع الأمامية للإيرانيين، تمهيداً نيرانياً قوياً، شمل معظم شبه الجزيرة، وجزيرة عبدان، وشط العرب. اشتركت فيه القوات الجوية والقوات البحرية، مما مكن القوات المهاجِمة من تحقيق اختراق سريع فعال.

 

وساعد على سرعة الاختراق، والتقدم بمعدلات هجوم عالية، كثافة الحشد العراقي في مواجَهة الإيرانيين، إذ فاق، عدداً، 6 أضعاف المدافعين، وهو ما أتاح للقوات الأمامية المهاجِمة، الاقتراب من الموانع، والتغلب عليها، وعبور المسطحات المائية الفاصلة، بنجاح، على الرغم من الخسائر التي تكبدتها، من جراء حقول الألغام والأشراك الخداعية.

 

لم تُبْدِ القوات الإيرانية مقاومة عنيفة، كما هو متوقع، بل سرعان ما انهارت دفاعاتها، فعمدت إلى الارتداد، بسرعة، في اتجاه شط العرب، حيث الجسور الأربعة، التي تمكنت القوات العراقية من تدمير اثنين منها. وخلال أربع ساعات ونصف، من بدء الهجوم، حققت القوات الأمامية المرحلة الأولى (الساعة الحادية عشرة صباحاً).

 

اندفعت القوات العراقية تطارد المنسحبين، الذين اضطروا إلى ترك أسلحتهم الثقيلة والدبابات والمدافع، والتكديسات الإدارية، في المَواقع، وعلى طول المحاور العرضية، المتجهة إلى شط العرب، حيث المعابر إلى الشرق. وتمكنت القوات المطارِدة من الوصول إلى خط مهمة المرحلة الثانية، في الخامسة والنصف مساءً (بعد 11 ساعة قتال).

 

واستمر الحرس الجمهوري في الاندفاع جنوباً، ليصل إلى مدينة الفاو، ويتجاوزها، سريعاً، إلى رأس البيشة، مطوقاً القوات الإيرانية، التي لم تتمكن من الانسحاب، ومستكملاً مهمة الهجوم النهائية، بعد ظهر اليوم التالي (18 نيسان 1988)، في الساعة الخامسة إلا ربعاً، حين تحقق استرداد شبه جزيرة الفاو، في 35 ساعة، كأول انتصار عراقي كبير، منذ فترة طويلة من الحرب.

 

خسر الإيرانيون حجماً كبيراً من قواتهم، في شبه جزيرة الفاو، ما بين قتيل وجريح وأسير. ولم يتسنَّ الفرار إلا لعدد قليل منهم. كما خسروا معظم المعدات والأسلحة، خاصة الثقيلة، التي استولى العراقيون على معظمها، وبعضها سليم[6]. كما استردوا الأرض كاملة، في ذلك القطاع، واتصلوا، مرة أخرى، مع الخليج العربي. وعلى أثر ذلك، أعلن ، صدام حسين، مبادرة سلام للخليج العربي في 19 نيسان 1988

 

سابعاً: الهجمات العراقية لتحرير الأرض (تحسُّن الموقف القتالي للعراق)

 

تابع العراقيون هجماتهم، في القطاع الجنوبي. واستطاعوا إلحاق هزيمة جديدة بالقوات الإيرانية، شرق البصرة، باستعادتهم مدينة شلامجة، على مسافة 25 كم، شرق البصرة. وخسر الإيرانيون، في عشر ساعات قتال، في يوم واحد، 50 ألف مقاتل، إضافة إلى عدد كبير من معدات القتال الرئيسية، تصل إلى 10% من قوة الجيش الإيراني. وأدى ذلك إلى انخفاض آخر في معنويات الإيرانيين، جنوداً وشعباً، وفترت حماستهم للثورة.

 

مرة ثالثة، شن العراق هجوماً جديداً، في الشمال، على عدة مراحل، شمل كل أنحاء المنطقة الكردية. وتمكن من استعادتها، ودحر القوات الإيرانية. وكان رد الفعل الداخلي، في إيران، عنيفاً؛ إذ أُقصِيَ العديد من القيادات العسكرية، خاصة رئيس الأركان، ونيطت القيادة العامة للقوات المسلحة، بالإنابة، برئيس البرلمان، هاشمي رافسنجاني.

 

لم تحدِث التغييرات القيادية، والهزائم المتتالية، تغيراً في السياسة العسكرية لإيران. فقد دأبت القيادات، السياسية والدينية، على رفضها قبول وقف إطلاق النار. وطالب خميني بمواصلة الحرب. ونشطت المزايدات من أجل الانتخابات الوشيكة. وكان رد فعل الشعب عنيفاً، كذلك، بتزايد التظاهر ضد الحرب، والتقاعس عن التطوع. ولم تجد القيادة السياسية بداً من محاولة إظهار قدرتها على السيطرة على الأمور، والإيحاء بأن الهزائم السابقة، إن هي إلا جولة. فانبرت لهجمات، خططت على عجَل، في 13 يونيه 1988، في منطقة شلامجة، لاستعادتها من العراق.

 

كانت القوة الإيرانية المهاجِمة، في شلامجة، مؤلفة من 25 ألف جندي (50 كتيبة). تمكنت من التغلب على الموانع أمام الدفاعات، من أسلاك شائكة وحقول ألغام، بخسائر فادحة. إلا أنها فشلت في اختراق أي مَوقع عراقي، ولم تستطع، بعد ثلاثة أيام قتال، اختراق أكثر من 10 كم.

 

اعتمد العراقيون على قواتهم الجوية، التي نفذت عدداً ضخماً من الطلعات، يومياً، وصلت إلى 650 طلعة، في أيام القتال الثلاثة، قبل أن يدفعوا الاحتياطيات القوية، بقوة 40 ألف جندي (11 لواء)، إلى ضربة مضادّة، استعادت بها الأرض، التي استولى عليها الإيرانيون في 19 ساعة قتال، مكبدة إياهم خسائر جسيمة.

 

عاد العراق إلى شن هجماته، في الشمال، حول السليمانية. وتمكن من استعادتها برمّتها، في يونيه 1988، وسيطر على المنطقة، فتمكن، بذلك، من إنهاء الوجود الإيراني في معظم المنطقة. ويلاحظ أن العراقيين نفذوا هجماتهم بعد تحريكهم قواتهم، من الجنوب إلى الشمال. كما شنت القوات الجوية، التي سبق أن شاركت في هجمات الجنوب، في الفاو، هجمات مكثفة لمعاونة القوات البرية. وهو ما يعنى قدرة العراق على إعادة توزيع قواته ونشرها، بحرية أكبر من قبْل. وهي نتيجة لنجاح هجماتهم المتوالية. وبات واضحاً استعادة العراقيين للمبادأة، التي فقدها الإيرانيون تماماً.

 

قبل أن ينتهي حزيران 1988، كان العراق قد شن هجومَين آخرَين. الأول، في منطقة مهران، بحجم كبير من القوات المدرعة، تمكن خلاله أن يستولي على مدينة مهران الإيرانية وما جاورها، وأن يدمر فرقة إيرانية كاملة، قبْل أن ينسحب إلى داخل حدوده، وقد سارعت القيادة الإيرانية إلى سحب عدة وحدات من قطاعات أخرى، لتدفعها إلى استعادة المدينة، وتنشر قواتها في المنطقة الحدودية، حتى كرمنشاه، معلنة عن نجاحها في صدّ الهجمات العراقية. إلاّ أن العراق فاجأ الإيرانيين، في اليوم نفسه، بدفعه قوات عراقية إلى الاستيلاء على مهران، مرة أخرى، والاستيلاء على القمم الجبلية المحيطة.

 

أمّا الهجوم الثاني، فقد وقع في نهاية الشهر، بقوة صغيرة من المشاة، يدعمها بعض وحدات من الحرس الجمهوري؛ إذ قاما بعبور برمائي، ثم هاجما جُزُر مجنون، تحت ستر نيران كثيفة، من المدفعية والدبابات، من مواقعها المختارة جيداً. وأعقب العبور البرمائي، إنشاء عدة جسور وطرق ممهدة، إلى المنطقة المستولى عليها، لنقل مزيد من القوات. وخلال ثماني ساعات قتال، استطاعت القوات العراقية السيطرة على الجُزُر، ومتابعة الهجوم، داخل الأراضي الإيرانية المجاورة، بعمق 30 كم.

 

تكبدت القوات الإيرانية خسائر جسيمة، مرة أخرى، خاصة أن العراق استخدم الغازات الحربية في الهجومَين. كما أن حشده القوات والأسلحة الرئيسية، تعدى، في الهجوم الثاني على جُزُر مجنون، المعدلات المعتادة، حيـث فاق نسبة 1 : 20.

واستخدم لواء مظلياً في الإبرار خلْف الدفاعات الإيرانية، لعزلها وتطويقها، مما عجّل بسقوطها.

 

ثامناً: الهجمات العراقية الأخيرة

 

خلال تموز 1988، مارست القيادة العراقية ضغطاً قوياً على إيران، عبر قصفها الأهداف الاقتصادية بكثافة عالية، ومطاردة القوات الإيرانية في المناطق، التي سبق استيلاؤها عليها، داخل الحدود العراقية. ولم يبقَ سوى منطقة الزييدات على الحدود الدولية، بالقرب من حقول النفط، في العمارة، حيث آخر المَواقع الإيرانية، في الأراضي العراقية.

 

أسفرت الهجمات السابقة، منذ تحرير الفاو، عن هزائم متتالية للقوات الإيرانية. فقدت فيها معظم أسلحتها، حتى إنها باتت تفتقر إلى القدرة القتالية الكافية. كما انخفضت الروح المعنوية للجنود، وفقدوا الرغبة في القتال، بسبب الهزائم المتكررة،.

 

قصفت القوات العراقية، بالمدفعية، المَواقع الإيرانية، حول الزييدات، ثم دفعت قواتها (خَمس فِرق من الفيلق الرابع والحرس الجمهوري) إلى مهاجمة المَواقع الإيرانية، التي انهارت سريعاً ، ولم تبدِ القوات الإيرانية مقاومة قوية، واستسلم 2500 إيراني. تابعت القوات العراقية هجومها، من دون مقاومة تذكر من الإيرانيين. وتخطت الحدود الدولية، مرة أخرى، إلى داخل الأراضي الإيرانية، بعمق 40 كم. واستولت على مدينة دهلران، جنوب مهران، على الطريق بينها وبين ديزفول الإستراتيجية. وسيطرت على أكثر من 1500 ميل مربع من الأرض الإيرانية. إلا أنها انسحبت منها، بعد عدة أيام، كانت كافية ليعي المسؤولون الإيرانيون مغزى الرسالة؛ إذ أعقب ذلك مظاهرات ضخمة، في المدن الرئيسية الإيرانية. وصعد العراق من الموقف، مهدداً بغزو جنوبي إيران، العاجزة عن صدّه، حتى يجبرها على سحب قواتها كافة، خارج الحدود العراقية.

 

عرض العراق الأسلحة المستولى عليها من القوات الإيرانية، التي تبلغ عدة آلاف من كل نوع، في معرض مفتوح للشعب العراقي. وسارعت إيران إلى إعلان قبولها الانسحاب مما تبقى في حوزتها من مَواقع عراقية، شمال حاج عمران. كما عرضت وقف إطلاق نار، رفضه العراق، مطالباً بتنفيذ قرار مجلس الأمن، الرقم 598. وأتبعت ذلك بتهديد قوي أخير، إذ أغارت طائراتها على منطقة المفاعلات النووية الإيرانية، في بوشهر، والمنشآت الاقتصادية في بندر خميني والأهواز. وردت إيران بإغارة على أهداف عسكرية، في الفاو وكركوك، لم تحدث تأثيراً يذكر في الموقف.

 

كانت الحرب تمر بلحظات دقيقة في منعطفها الأخير، فالقيادة الإيرانية تبدي مرونة لم تكن من صفاتها سابقاً، بعد سلسلة الهزائم التي منيت بها قواتها، وعودة القوات العراقية لاحتلال أراضي إيرانية، والسخط الشعبي الذي عم المدن الإيرانية، وفي غمرة الأحداث التي ترتب مسرح الحرب للمشهد الأخير، حدثت مواجهة عنيفة بين الزوارق الخفيفة للبحرية الإيرانية والقطع البحرية الأمريكية في الخليج العربي، دمرت، خلالها، البحرية الأمريكية زورقين إيرانيين، وطائرة مقاتلة إيرانية وتصادف دخول طائرة ركاب إيرانية منطقة الاشتباك فأطلق عليها الطراد الأمريكي ليفنجستون صاروخين سطح/ جو فانفجرت فوق جزيرة هانجام في مضيق هرمز، وقتل كل ركابها (398 راكباً)

 

مـعركة تـحرير الـفاو ,, بـقلم الفريق الركن رعـد مـجيد الحمداني ,,

 

– كان التاريخ هو أول أيام رمضان. لذا، سميت المعركة من قِبل العراقيين، “رمضان مبارك”. وقد وافقت نهاية يوم 16 أبريل، وقبل بدء نهار 17 أبريل. لذلك، كان هجوماً ليلياً صامتاً. هدفه استعادة السيطرة على شبه جزيرة الفاو كلها .

*************

– كانت المعلومات المحصلة عن الفاو جيدة… فآخر تصوير جوي للقاطع كان بتاريخ 30/3/1988 احتوى على تفاصيل دقيقة جدا عن توزيع القطعات والاسلحة والعقد الدفاعية والاسلحة الساندة… وتم اعداد مسرح قتال مشابه لمسرح قاطع العمارة، وتدربت معظم الوحدات والتشكيلات على طبيعة الارض، وثابر قائد الحرس الجمهوري على رفع قدرة قواته لبلوغ المستوى الذين يؤمن لها الظفر بالمعركة لتحرير الفاو…… وهي المهمة التي أقسم على تحقيقها حين استلم مسؤولية الحرس الجمهوري، وكان صدام موفقا في اختيار هذا القائد المثابر والشجاع جدا (( الفريق الاول الركن أياد فتيح الراوي كان برتبة لواء ركن آنذاك ))……

 

– كانت مهمة تحرير الجزء الغربي ملقاة على عاتق فرقة المدينة المنورة، حرس جمهوري، والذي يبدأ من خور عبد الله الى نصف قاطع المسؤولية، وبالعمق الى المشروع 81 (مشروع قديم لصواريخ البحرية العراقية)، أما مسؤولية فرقة بغداد، حرس جمهوري، فكانت على الطريق الاستراتيجي الذي يحد قاطع مسؤولية الفيلق السابع إلى الحدود الفاصلة مع فرقة المدينة المنورة حرس جمهوري وبالعمق الى نهاية منطقة المملحة…. أما مهمة فرقة حمورابي حرس جمهوري فكانت الصفحة الثانية، وهي تحرير الفاو بالتعاون مع جهد الفيلق السابع والاندفاع الى رأس البيشة، أي الى رأس المثلث البري العراقي المطل على الخليج العربي… أما فرقة نبوخذ نصر حرس جمهوري بقيادة العميد الركن آنذاك أزهر عبد الله فهي فرقة احتياط….

 

– و بعد العرض جرت تعديلات على خطتي فرقة المدينة المنور بقيادة العميد الركن آنذاك أحمد حماش، وفرقة حمورابي بقيادة العميد الركن آنذاك ابراهيم عبد الستار… أما خطة فرقة بغداد حرس جمهوري بقيادة العميد الركن آنذاك عبد الواحد شنان فكانت مستوفية… وكانت أعقد الاعمال والمهام هي الجهد الهندسي الذي كان يتمحور على فتح الممرات والمجازات وتأمين اكساء المنطقة الرخوة لتسمح باندفاع الدروع والعجلات عبر فرش حصر معدنية، وكذلك اكساء الممرات بمادة السبيس والحصى، علاوة على تأمين الجسور الصغيرة وتهيئة وسائد الاحذية العريضة لمنع غوص أرجل قطعات الصولة… وكانت الهمة عالية والحمد لله… وكانت ضمن واجباتي كضابط ركن عمليات عرض ما نتوصل اليه على معاون رئيس أركان الجيش، ومنه الى صدام، حيث كنت استقل طائرة مروحية الى مديرية الاستخبارات العسكرية برئاسة اللواء صابر عبد العزيز الدوري لاطلاع الشخص المخول على الخطة، وهو وفيق السامرائي… ثم استقل احدى عجلات ديوان الرئاسة الى مبنى القيادة التي اتخذت آنذاك من أحد قصور الضيافة مقرا لها (قصر بغداد)….

 

– يوم بدء العمليات تأخر الى يوم 17/4/1988 لعدم تكامل استحضارات الفيلق السابع بقيادة اللواء الركن آنذاك ماهر عبد الرشيد، وكان هذا اليوم يصادف أول يوم رمضان، فأطلق صدام على هذه العملية مسمى عملية رمضان مبارك … وكانت عناية الله سبحانه وتعالى لصالحنا… حيث سائت الاحوال الجوية مما حد من إمكانيات الرصد المعادي… حيث كان للعدو أكثر من 70 برجا كبيرا للمراقبة…

 

– ليلة الهجوم الكبير حضرصدام وعدنان خير الله الى مقرنا….وأدارا جزءا من المعركة من غرفة عمليات قوات الحرس الجمهوري… وقد كلف نجليه (عدي وقصي) بمشاركة قائدي الحرس الجمهوري والفيلق السابع… فعدي كان مع الحرس، وقصي مع الفيلق السابع ((تزوج قصي من ابنة الفريق الاول الركن ماهر وأنجب منها شبلا بلغ مبلغ الرجال اطلق عليه اسم مصطفى، وقد استشهد الفتى مع ابيه وعمه اثر معركة بطولية استمرت ست ساعات خاضوها مع مئات الامريكان في الموصل بعد إحتلال العراق))….

 

– في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم 17/4/1988 أطلقت أكثر من ألف فوهة نيران القصف التمهيدي المركز… ومن ضمنها ضربة بالسلاح الكيماوي… وبدءا من الساعة السادسة شاركت الدبابات المخصصة لتدمير النقاط الحصينة الامامية من على منصات صنعت لها… وشاركت القوة الجوية وعدد من زوارق البحرية في مرحلة القصف التمهيدي… وفي تمام الساعة السادسة والنصف انطلقت وحدات الصولة لاقتحام الحاجز النفسي الكبير… سرعان ما بدأنا نستمع من خلال الاتصالات البشائر الاولى للنصر… لم تتأخر القطعات المعقبة الاخرى من زف أخبار النصر الواحد تلو الاخر ونحن غير مصدقين من سرعة ذلك النجاح… وبعد مرور ست ساعات كانت كل التشكيلات الامامية في أهدافها عدا قاطع لواء القوات الخاصة السادس عشر حرس جمهوري، الذي كان بإمرة العقيد الركن آنذاك طلال القيسي…. حيث كان المانع المائي كبيرا وعميقا… وقد تركزت أمامه قوة معادية كبيرة جدا… ومن خلال مواطيء النجاح الاولى، تم دفع القدمة الثانية من الصولة، ومن خلال قاطع اللواء السادس بقيادة العقيد الركن آنذاك رعد رشاد تم الالتفاف حول مقاومة اللواء السادس عشر… فتم تدميرها بالكامل… وانطلقت الالوية المدرعة بالاندفاع نحو العمق… ومع حلول ليل ذلك اليوم اكملت كافة تشكيلاتنا اهدافها للصفحة الاولى بكل مراحلها…. كذلك وردتنا أخبار النصر في قاطع الفيلق السابع الذي كان يقاتل في القسم الشرقي….

 

– في ليلة 17-18/4/1988 وبعد أن اكملت فرقتنا احتلال أهدافها وكذلك فرق الفيلق السابع، قام آمر مدفعية هذا الفيلق اللواء نايف قصب جنديل بزيارة مقرنا على ضوء توجيه صدام بضرورة تكثيف اجراءات التنسيق… فاطلع على موقفنا واطلعنا على مواقف قوات فيلقه…. كان هناك تنافس شديد لكسب شرف دخول الفاو بين الفيلق السابع وقوات الحرس الجمهوري…

 

– بدأت الصفحة الثانية بقصف تمهيدي ونار ساترة، فدارت معركة شديدة… وفي تمام الساعة الثانية عشرة أعلن اللواء 20 حرس جمهوري تتقدمه كتيبة دبابات الفارس التي يقودها المقدم ركن سالم حافظ من اللواء السابع عشر المدرع حرس جمهوري دخول الفاو… وتم رفع العلم العراقي… وتداخل ذلك أيضا مع دخول قطعات اللواء 30 المدرع من الفيلق السابع… فزفت البشرى الكبرى..

 

– و هنا أمر صدام حسين بدمج وتداخل الصفحة التالية دون انتظار مرحلة ترصين الهدف، حيث اندفعت فرقة حمورابي حرس جمهوري لتحقيق واكمال الصفحة الثالثة… فواصل لواء المشاة 23 حرس جمهوري بقيادة العقيد الركن آنذاك صالح يوسف الى رأس البيشة… فأمر صدام بالسماح للعدو المهزوم بعبور شط العرب على جسر الانابيب المقام من قبلة لاشاعة روح الهزيمة في قطعات العدو في الضفة الشرقية لشط العرب… ثم وبناء على رجاء أعضاء القيادة العامة، وخاصة الفريق الطيار الركن الحكم التكريتي، اكتفينا بتدمير ذلك الجسر بالقوة الجوية… ذلك أن صدام تساءل فيما لو كان لنا امكانية العبور الى الاراضي الفارسية لتأكيد الاقتدار العراقي…. وفيما بعد كتب صدام بيان النصر العربي المبين وأملاه بالهاتف على وزير الاعلام يومها لطيف نصيف جاسم، واذيع البيان على الشعب العراقي العظيم.. فكانت البشرى عظيمة والفرحة أعظم وكان حدثا عربيا عراقيا عظيما….

 

– قلب هذا النصر موازين القوى، فارتفعت معنويات قواتنا وشعبنا الى عنان السماء، وحصلت الصدمة بالعدو الفارسي، وكأنه لم يصدق ما حدث… وعصر ذلك اليوم حلق صدام وعدنان بالمروحية فوق الاراضي المحررة… وكانت آثار القصف المدفعي والصاروخي احدى الملاحظات التي تحدث عنها صدام فيما بعد…. لقد تفوق مركز الثقل العراقي الذي نفذ الهجوم على قدرة الخصم… فلم تبد منه ردة فعل نظرا لبعد مركز ثقل قواته المتواجد في أقصى الشمال…. وكانت تضحياتنا مقبولة نوعا ما… فلم تتجاوز الف شهيد.. في حين عند احتلال الفاو خسرنا حوالي الخمسين الف شهيد… ولا شك ان العدو خسر الالاف المؤلفه من جنوده في تلك المعركة الميمونة المظفرة… لقد دلت هذه المعركة على حب الوطن وقدرة قواته المسلحة وعلى استعداد الشعب للتضحية من اجل كرامة الوطن وطهارة ترابه…

نص مبادرة السلام في الخليج العربي التي أعلنها صدام حسين

أيها الشعب العراقي العظيم.

 

أيها الأشقاء العرب، حيثما كنتم.

 

أيها الرجال الصناديد، في قواتنا المسلحة الباسلة.

 

تتذكرون كيف اشتعل فتيل الحرب، بين العراق، كطرف عن الأمّة، وبين إيران كطرف عن أعداء الأمّة العربية ومنهج التطلع الشريف في البناء والسلام عن العرب. وكيف أحرق الحقد والشر والطمع والوهم وأهداف التوسع الكثير من الأخضر، وأسال الكثير من الدماء، في إيران والعراق، بل وتعدى هذا إلى المنطقة كلها، وبعض زوايا العالم. وتذكرون، أيها الأخوة، أننا في الوقت الذي انتحينا فيه، ندافع صفوفاً متراصة، من الرجال والنساء، عن قِيم العراق وقِيم الأمّة، وحقهما في الحياة والتطلع الشريف، ونسحق الموجات الهمجية، واحدة إثر الأخرى، كان يصطف شعار السلام، والرغبة الجامحة لتحقيقه، مع بيرق النصر والاقتدار المتعاظم للعراق، مرفوعاً بسواعد العراقيين، ومزهواً بدماء شرايينهم، يدعمه عمق كل صلوات الخيِّرين العرب، ودعواتهم بالنصر، وما قدموه من مساهمة لزيادة إمكانات وقدرات العراق في المنازلة، في ميادين الصراع الدامي، على امتداد ثماني سنوات، مضمخة نهاراتها ولياليها بكل المعاني العميقة للتضحية والفداء، من دم طهور وما عداه، ويتربع في مقدمة مَن يتربع على قمة المجد فيها الأكرمون الغيارى، الذين كان لهم حظوة ناصية المجد، على امتداد من الزمن، إلى جانب حظوتهم عند رب السموات والأرض، في عِلِّيين، حيث الأنبياء والصديقون والصالحون.

 

أقول لا بدّ أنكم تذكرون كل هذا، وكيف استوطن الشيطان عقول المسؤولين في إيران، وركبهم  الغرور، ولم يذكروا الله، كما يذكره المؤمنون الصالحون، ليتوازنوا، خاصة عندما يكونون مقتدرين. وكيف كانوا يعتبرون كل دعواتنا إلى السلام، ومحاكاتنا، العقلية والمنطقية، مع مفاهيمه، ومع المحيط الدولي، بأنه منهج الضعف والخوف. نحن الذين لم يعرف ميدان من ميادين المنازلة، حاضراً وماضياً، عنا، كشعب عريق، ما يوحي بهذا، ويقود إلى التوهم بأنه صفة من صفاتنا. ورغم ما في هذا الوهم، وما ينطلق من أفواه الدجالين من وخز لكرامة العراق والأمّة، لو نظر إليه في إطار مجرد عن التعمق الأكثر في شخصية قائليه، فإننا لم نتزحزح عن شعارات السلام ومفاهيمه والرغبة في تحقيقه، يوماً قبْل يوم، وشهراً قبْل شهر، وسنة قبْل سنة، كتأكيد لجانب أساسي من مفاهيمنا في الحياة التي تنظر إلى الحرب.

 

وكما قلنا في أكثر من مناسبة، بأنها حالة الاضطرار، وليست صيغة الاختيار، من بين بدائل مشرفة شتى، وكتعبير أصيل كأصالة أمّتنا وشعبنا، عن المسؤولية ومستوى ما يقتضي من أخلاق وأمانة فيها. وتحت ضغط وفعل صفاتهم وأهدافهم الكريهة، استمر المسؤولون الإيرانيون يرفضون ويتجاهلون دعوات السلام، وكل القرارات التي صدرت عن المحافل، الدولية والإقليمية، ابتداء من رفضهم لقرار مجلس الأمن، ذي الرقم 479 الصادر في 28 أيلول عام 1980 وحتى قرار مجلس الأمن، ذي الرقم 598، الذي صدر في 20 تموز عام 1987. بينما وافق العراق على كل القرارات، الإقليمية والدولية، التي صدرت لتحقيق السلام، سواء عندما كان العراق داخل أراضي إيران، أو عندما كان يقاتل على الحدود، يدفع الأذى عن الشعب والأمّة والمقدسات، أو عندما تمكنت جيوش العدوان من احتلال هذا أو ذاك من مواطئ القدم، داخل أراضينا الوطنية.

 

وكان شعب العراق، ومع تقادم زمن الحرب، واتساع وتنوع المنازلات فيها، يزداد وعياً، ويتعمق إيمانه بالنصر، وتفاؤله بالمستقبل، إلى جانب يقين لا يهتز، وإيمان لا يتزعزع بقضيته، الوطنية والقومية والإنسانية، وبأنه على حق، وبأن الله معه؛ ذلك، لأننا اعتمدنا طريق الحقيقة والموضوعية ومستوحياتهما أو مفهومهما الصحيح، عندما اضطررنا إلى الحرب والمنازلة، التي أشعل فتيلها أطماع الغزاة من الشرق. وكنا موقنين بما نحن عليه من نتيجة مشرفة، قبْل أن نتعامل بمفرداتها، وعبْر كل مراحل المنازلة، بما في ذلك ظروفها العسيرة والصعبة. وكنا إلى جانب ذلك موقنين أيضاً بأن شعوب إيران، ستصل إلى ما وصلنا إليه، من تقييم للأمور والأشخاص، وستكتشف (وإن كان متأخراً) مقدار الوهم والشر والعدوان، الذي استوطن أعماق المسؤولين في إيران، في إشعال فتيل الحرب. وستكون ردود فعلهم على كل هذا، عنيفة، وستفضي إلى ما يحقق السلام من مَوقع آخر، وينهي الحرب، إلى جانب صمود العراقيين الأبطال، الذين سقوا شجرة الحرية، وعاونوا على أن يكتشف الإيرانيون الحقيقة، بما قدموه من تضحيات عظيمة.

 

وهكذا، كنا قد استنتجنا، من قبْل، إلى جانب حتمية اكتشاف شعوب إيران، بأن العراقيين أصدقاء للشعوب وأصحاب رسالة سامية، هي رسالة العرب، التي تدعو إلى مفاهيم الإخاء والمودّة والخير والسلام، منبثقة من الإيمان بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر … وكنا على يقين، بأن شعوب إيران، ستكتشف بأن حكامها أرادوا بالعراقيين شراً وغدراً، وتسافهوا في التصرف بالسلطة، مستخفّين بدماء الإيرانيين، وليس بدماء العراقيين والعرب فحسب. وأن المناسبات الماضية، وما قيل وسجِّل فيها، تكشف، بمفردات غنية، صواب كل استنتاجاتنا هذه، التي جاء الواقع اللاحق، بما في ذلك واقع اليوم، الذي نوجِّه فيه رسالتنا هذه إليكم، أيها الأخوة، ليؤكدها على نحو يراه كل ذي علم وكل بصير. نعود لنقول إن مجلس الأمن، قد أصدر قراره ذا الرقم 598، في 20 تموز عام 1987، وقد قبِله العراق، ورفضته السلطة في إيران.

 

وكانت السلطة في إيران، تتصرف تجاه القرارات الصادرة من مجلس الأمن، ليس بما ينطوي على ضعف الإحساس في المسؤولية أو انعدامه فحسب، وإنما كانت تتصرف، في كل تفاصيل مواقفها تلك، بما ينطوي على عدم الاحترام للمنظمات الدولية والقانون الدولي والاستخفاف بهما، بل والتحقيـر لهما. وكانت السلطة في إيران، وهي تتصرف هكذا تجاه القرارات، الدولية والإقليميـة، لا تنسى أن توجه الكلام الخشن، والشتائم البذيئة، والتصرف الذي تقصد به إهانة العرب والعراق، بل وتقصد به إهانة الإنسانية كلها، عندما تتصرف على أساس اعتقادها، الذي يتصور أن القوة الغاشمة والدجل والشعوذة، قادرة على أن تحل محل الاقتدار، الذي يرعى حقوق الله والإنسانية. وازداد وزن عدم التوازن والغرور والعنجهية الفارغة والصلف، في ميزان حكام إيران، عندما تمكنوا، على مدى كل سنوات الحرب، التي استهدفوا بها شعبنا وأرضنا ومقدساتنا، من احتلال الفاو والشلامجة وجُزُر مجنون وزبيدات وحلجة، وبعض العوارض الجبلية، ومساحات أخرى من الأرض الحدودية، هنا أو هناك وركبهم الوهم شرّ مركب، وتصوروا بأنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أحلامهم الشريرة وشعارات التوسع، في إقامة إمبراطورية الشعارات الزائفة والخرافات.

 

فكان الله بالمرصاد، فمادت بهم الأرض، وتناخى رجال العراق، باسم الله وقِيم الإنسانية  والشرف والعقيدة الشريفة النظيفة الصادقة، ووجِّهوا إلى مَن يستحقون اللطمات المميتة، فسحق جمعهم في الفاو، في عمليات رمضان مبارك، وسحقت جموعهم وآلتهم الحربية، على أوسع نطاق، في عمليات وتوكلنا على الله، الأولى والثانية والثالثة والرابعة، التي حررت فيها قواتنا المسلحة الباسلة، على التوالي، أراضينا الوطنية العزيزة، في الشلامجة وجُزُر مجنون وزبيدات وسيف سعد وسانوبة وغيرها. تترادف مع كل هذا عمليات محمد رسول الله، التي تطهرت أرضنا، في شمال العراق، كنتيجة، مباشرة أو غير مباشرة، لها ولعمليات، رمضان مبارك وتوكلنا على الله، في حلبجة والعوارض الجبلية ورواقمها، في قواطع عمليات الفيلق الأول، ومن ثَم الفيلق الخامس، في شمال وشرق العراق.

 

وبعد كل هذه العمليات الصاعقة والمدمرة، التي أتت على الثقل الأكبر من القوات، التي أُعدَّت للغدر والتوسع، وعلى آلتها الحربية، وقعت هذا النتائج على رؤوس حكام إيران كالصواعق، أو هي أشد منها. وازداد الإرباك، وعم الذهول، أمام هذه الحقائق، أوساط الحاكمين، ممن كانوا يرفعون شعار حرب حرب حتى النصر، والذين كانوا يقصدون منه احتلال العراق، وتدمير حاضر ومستقبل الأمّة العربية، وتهديد أمن الإنسانية والسلام العالمي. اكتشفوا، بعد حين، حقيقتَين معاً. الأولى، أن شعب العراق، شعب الأمجاد والحضارات والقِيم العليا، لا يمكن أن يُخدع بشعاراتهم وسلعتهم البائرة، وأن الأمّة العربية، ستمده بكل ما يمده به التاريخ والحاضر، من إمكانات ومعنويات. وإن قدرة هذا الشعب الكريم تتعاظم، وإنه  في الوقت الذي كان وما زال يرفع شعار السلام عالياً، فإن هذا الشعار إنما يرتكز على اقتدار لا ينتهي، وإيمان بالنصر، والأكيد لا يتزعزع … ولا ينطلق من أي ضعف أو تردد، مما كانوا يتوهمون. واكتشفوا أيضاً، أن شعوبهم قد اكتشفت طريقتهم بالدجل، وشعاراتهم وأهدافهم ونواياهم العدوانية، ومسؤوليتهم كمشعلي فتيل الحرب.

 

وإن شعوب إيران، والقوات المسلحة الإيرانية، قد اكتشفت أيضاً، أن لا أطماع لشعب العراق والأمّة العربية والقوات المسلحة العراقية، ولا شأن لهم بما تختاره شعوب إيران، كطريق للحياة أو كحكام لهم. وإن القوات المسلحة الإيرانية، وتشكيلات حرس الثورة في إيران، وشعوب إيران، وتبعاً لهذا الاكتشاف، يرفضون شعار حرب حتى سحق وتدمير العراق والأمّة العربية، ويرفضون طريق التهلكة، ويريدون طريق الحياة المشرِّف، الذي قدّمه العراق لهم، ودعا إليه في كل ظروف القتال، بما في ذلك ظروف الانتصار المبين في معارك المجد، بين أواسط نيسان وأواسط تموز لهذه السنة … وبذلك، انهارت الأحلام الشريرة للأشرار، دفعة واحدة. وعلى أساس هذه الحقائق، وبالدرجة الأولى، وليس الرغبة الصميمة في السلام، كطريق للحياة الطبيعية والعلاقة بين الأمم والشعوب، وافق حكام إيران على القرار 598.

 

أيها الأخوة … العرب والعراقيون.

 

أيها الخيّرون ومحبو السلام في العالم.

 

أيتها الشعوب المظلومة من حاكميكم في إيران.

 

لو تتبعتم سياستنا وشعاراتنا وخُطبنا، وتصريحات كل المسؤولين في العراق، وعلى شتى المستويات، منذ أن أشعل حكام إيران الحرب، لوجدتم أنها تخلو تماماً من أي إشارة إلى أطماع في أراضي إيران، أو التوسع على حسابها، أو أنها تنطوي على رغبة في تصدير سياسات أو منهج ما، عن طريق العدوان.  وستجدون أن سياستنا ودعوتنا ورغبتنا في السلام، لم تتغير في جوهرها، سواء في الظروف العسيرة والصعبة، كما قلنا، أو في الظروف التي سجل فيها شعبنا وقواتنا المسلحة الباسلة أعظم الانتصارات التحررية في تاريخنا الحديث، وطيلة ثماني سنوات. بينما تجدون شعارات وأهداف حكام إيران، وإن تلونت مع ظروف الحرب، حيث يزداد طمع التوسع والعدوان، وتتوسع وترتفع شعاراته أعلى فأعلى، مع أي انتصار عسكري ميداني، كانوا يحرزونه في إطار كسب هذا الجزء أو ذاك من الأرض، رغم الإخفاقات التي تصيبهم، على مستوى قياسات الخسائر وفدائحها.  أقول ستجدون أن أهداف وشعارات حكام إيران، قائمة على التوسع والعدوان والطمع، ومنذ ثماني سنوات وأكثر.

 

وعلى أساس هذه المقارنة، الآن وفي المستقبل، يتضح أن العراق يريد السلام، لأنه يؤمن بأنه الطريق الصحيح للحياة، إذا ما انفتح أمامه الاختيار المشرِّف. وإن موافقة العراق على كل قرارات السلام، الصادرة على المحافل الدولية، بما في ذلك موافقته على القرار 598، إنما تقع ضمن هذه المفاهيم وهذا التفسير. بينما إيران، التي رفضت، عن طريق حكامها، كل قرارات ومبادرات السلام، اعتباراً من القرار 479، الذي صدر عن مجلس الأمن، في 28 أيلول 1980، وحتى رفضها للقرار 598، الذي صدر منذ سنة، ولم تقْبله، إلا بعد الإخفاقات العسكرية وانتصار العراق.  إيران لا تريد السلام. وإن الموافقة على القرار 598، بعد كل هذا الرفض، لا يمكن أن تفسر بأنها، بالضرورة، تعني موافقة على السلام، وأن المسؤولين في إيران، قد وجدوا، أن طريق السلام، هو الطريق الذي ليس بديلاً عنه طريق الحرب، وأن علاقة المحبة والاحترام مع الشعوب، هو بديل طريق تصدير مفاهيمهم وسياستهم وشعاراتهم، عن طريق العنف والقتل والحرب.

 

إننا نعرف بأن الهزّة العنيفة، التي تعرضت لها إيران، إثر الانتصارات المتلاحقة للقوات المسلحة العراقية، عميقة التأثير. وإن إدراك شعوب إيران، الآن، لكثير من الحقائق، مما يقع في الطرف المضادّ لرغبة حكامها في مواصلة الحرب، على طريق شعاراتهم الزائفة، قد تدفعهم دفعاً على طريق السلام. وإنهم إذا ما جاءوا إلى طريق السلام، بغض النظر عن أمنياتهم الخائبة، فإننا ينبغي ألا نوصد بوجوههم مثل هذا الطريق، أو نسقط من حساباتنا مثل هذا الاحتمال … إلا أن حيثيات موافقتهم على القرار 598، بما في ذلك حيثيات رسالة الخميني، التي تضمنت الموافقة على هذا القرار، وخُطب المسؤولين الأساسيين في إيران، كلها جاءت خالية من أي تأكيد على أن السلام، ينبغي أن يكون طريق العلاقة الطبيعية، بين شعب العراق والأمّة العربية، من جهة، وشعوب إيران، من جهة أخرى. كما أنها جاءت خالية من الإشارة إلى أن عقد اتفاقية سلام، منزهة من الأغراض والضغائن والدسائس واللعب والخدْع، هو الطريق الذي ليس له من خيار بديل … بل وإن قرار خميني هذا، وتصريحات كل المسؤولين الإيرانيين، انصبت، كتوضيح لخلفية ودوافع الموافقة على القرار 598، على الظروف الملحّة، وعن الاضطرار الذي لا يستطيعون أن يتحدثوا عن كل ظروفه وأسبابها.

 

تتذكرون كيف قال خميني، في خطابه هذا، بأنه إنما يتجرع الموافقة على قرار مجلس الأمن 598، كما يتجرع كأس السم، وكيف يقول عن حاله. وتذكرون كيف دفعوا مجلس الشورى عندهم، لتشريع قانون يجعل الحرب إستراتيجية دائمة لإيران، قبْل ثلاثة عشر يوماً فقط، من صدور موافقة خميني على قرار مجلس الأمن. وكيف يشبه المسؤولون موافقة خميني عليه بصلح الحديبية، ومنه تستبان النوايا وتتضح. ألا خاب ما يفعلون.

 

إن كل هذا، أيها الأخوة، جعلنا نطلب المفاوضات المباشرة، ونرفض الهدنة، مع استذكار كل سياساتهم العدوانية التوسعية، واستحضار تجارب أمّتنا العربية، المريرة، مع القوى المرجحة لجانب من السياسات، وللتفسيرات والقرارات في المحافل الدولية، وحقنا الطبيعي وحق كل المتحاربين في أن يجلسوا على طاولة المفاوضات المباشرة، كتعبير عن حُسْن النية، وكاختبار أولي للنوايا، وما إذا كانت موافقة حكام إيران على قرار مجلس الأمن، يقصد منها إقامة سلام كامل وشامل ودائم وخالٍ من الأغراض والأطماع، مع العراق والأمّة العربية، أم أنه، وكما أعلنوا، يقصدون منه تخفيف عوامل الضغط، العسكرية والوطنية والدولية، الواقعة عليهم.

 

إننا نريد المفاوضات المباشرة، لأنها الطريق الأقصر، المؤدي إلى السلام، وإنها الصيغة الأجدى. وقد ينطوي الطريق غير المباشر، على اللعب والخبث والغدر، الذي لا ينكشف، إلا بعد حين  … ولأننا نريد السلام، وقد تهيأت مستلزماته الأساسية، فإننا لا نريد هدنة مؤقتة، تبعدنا عن السلام، وتعقد أمامه السُبل … ورغم أن طريق المفاوضات المباشرة، قبْل الإيقاف الرسمي لإطلاق النار، هو الطريق الأكثر أماناً وضماناً وعدالة، لكلا الطرفَين، الإيراني والعراقي، ورغم الفهْم العميق للأشقاء العرب، وما قدموه، مشكورين، من جهود قومية عظيمة، في دعم منهجنا هذا، وعلى شتى المستويات ومختلف الأقطار، ورغم تفهّم الكثير من دول العالم والرأي العام العالمي، لدوافع هذا المنهج، ورغبة العراق الصادقة في السلام، ورغم استنادنا إلى رصيد لا ينضب، من وعي العراقيين وصبرهم وجلَدهم واقتدارهم.

 

فقد وجدنا أن كسب شعوب وقوات إيران المسلحة إلى السلام، والمحافظة على هذا الكسب. وإبقاء الرأي العام العالمي، والمحافل الدولية، مما هو غير مغرض منها، إلى جانبنا، لنكشف معاً نوايا حكام إيران، ولكي لا يظن مَن يقع بالوهم، بأن الانتصار العظيم لشعبنا وأمّتنا وقواتنا المسلحة، ممكن أن يدخله ـ معاذ الله ـ أي مظهر أو عامل من عوامل الغرور والتشفي أو الحقد، إلى مقرري السياسة في العراق. وبعد التشاور مع الأشقاء العرب، وبعد عقد سلسلة من الاجتماعات لمجلس قيادة الثورة، والقيادة القطرية للحزب، وفي الوقت الذي لم يغب، ولن يغيب عن بالنا وتدابيرنا، كل ما يقتضي من انتباه وحذر وتدبّر.

 

فقد اتكلنا على الله، وباسمكم، أيها العراقيون الأماجد، وبدمكم، أيها العرب، نعلن عن استعدادنا لوقف إطلاق النار، على أن تعلن إيران، بوضوح، لا لبس فيه، وبصورة رسمية، عن موافقتها للدخول معنا، تقديراً لمبادرتنا هذه، في المفاوضات مباشرة، لنبحث ونتفق ونطبق كل ما عدا وقف إطلاق النار، مما تضمنه قرار مجلس الأمن الدولي، ذي الرقم 598، ابتداء من الانسحاب إلى الحدود الدولية، داخل وحتى الفقرة الثامنة منه داخل وكل الفقرات الأخرى العاملة. وإذا ما رفضت إيران الموافقة على دخول المفاوضات المباشرة، استجابة لاستجابتنا هذه، بإعلان صريح وواضح، ومبلغ إلينا، رسمياً، عن طريق مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة، فإنها ستؤكد للعالم، مرة أخرى، ولشعوب إيران بوجه خاص، بأنها، وحدها، ولمرة أخرى، تضع على عاتقها مسؤولية إراقة المزيد من الدماء، ورفض طريق السلام المشرِّف. وستخيب سهام الخائبين وتطيش، كما طاشت سهامهم من قبْل.

 

أمّا إذا أعلنوا عن استعدادهم لقبول مبادرتنا ـ وكما أشرنا إلى هذا ـ ووافقوا، بوضوح، وبصورة رسمية، على الدخول في مفاوضات مباشرة، لتطبيق قرار مجلس الأمن، ذي الرقم 598، بكل فقراته العاملة، فإننا سنغدو، نحن وشعبنا العظيم وأمّتنا العربية المجيدة وقواتنا المسلحة الباسلة، في سعادة إضافية، بعد أن تمتعنا بسعادة النصر العسكري المبين، المستند على الإيمان بالحق والعدل، وتجنّب الشطط والتعالي والظلم. وسنقبَل بما اتُّفق عليه مع اللجنة  الفنية للأمم المتحدة، لترابط قوات دولية بين قواتنا والقوات المسلحة الإيرانية، إلى حين، ليعود كلٌّ إلى مسعاه، بعد أن يتحقق السلام الدائم والشامل، بموافقة الطرفَين، وتحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة.

 

ومن الطبيعي، أن نقول بأننا سنستفيد من شط العرب، طبقاً لحقوقنا الثابتة، وأن نستفيد من الخليج العربي، طبقاً للقوانين الدولية، فور وقف إطلاق النار. إننا في هذا، قد أقمنا الحجة، مرة أخرى، على حكام إيران. وأكدنا لشعوب إيران وللقوات المسلحة الإيرانية، بأننا، وفي الوقت الذي دحرنا أحلام الظلام والظالمين، وفي الوقت الذي نذب بالسلاح، مقتدرين، عن الكرامة والحمى، ونقطع تطاول مَن يتطاول على أمّتنا وشعبنا وقواتنا المسلحة، أو يقصد إهانتهم، فإننا لا يمكن أن نتصرف بما يشعر كائناً من كان، بأننا نقصد إذلاله. وإننا نفهم بأن شعب العراق والأمّة العربية، يجاورون، جغرافياً، إيران؛ وليس بإمكان جغرافية إيران وشعوبها، أن ترحل لتفك هذه العلاقة الجغرافية، أو أن العراق والأمّة العربية، يرحلون عن مكانهم، بالمعنى نفسه. وإننا مَن يفهم التاريخ، ويقدره بعمق، ويعرف أن التاريخ، بصورة أو بأخرى، إنما يشكل جانباً أساسياً من عقائد الأمم والشعوب وسياسات دولها، وأن حاضر اليوم سيغدو تاريخ المستقبل، وأن مرارة الشعور بالمهانة والظلم، أمر لا يحتمل. وعليه، ولأسباب تتصل بتاريخنا المجيد، أمّة وشعباً، وتتصل بعقيدتنا اتصالاً عميقاً، واستحضاراً منا لما يرضاه الله، فإننا نمد يد صداقة وتسامح وسلام لشعوب إيران، بغض النظر عمّا يعتلج في نفوسنا، من مرارة، وما أصابنا، كشعب وأمّة، من عدوان وتجاوز. وسنقطع، بلا تردد، طائلة من يطول علينا ويد من يعتدي على أمتنا والله أكبر والله من وراء القصد وليخسأ الخاسئون.

الذكرى ٣١ للحرب وثيقة إيرانية نادرة رقم ١
والتي كانت احد ابرز أسباب موافقة المرشد الخميني على وقف الحرب بعد عناد طال ثمانية أعوام

مقابل عدم وقف الحرب هذا برنامج حرس الثورة لاحتلال بغداد واسقاط الدولة امده خمسة أعوام اضافية من ٨٨ الى ٩٣..
شروط حرس محسن رضائي وقاسم سليماني لمواصلة القتال بعد سنة ١٩٨٨
بعد هزائم متلاحقة دمرت سمعته بداية من تحرير الفاو نيسان ١٩٨٨
حرس الثورة الإيراني قدم طلبات تعجيزية الى المرشد الخميني من اجل مواصلة الحرب كما يلي وطبقا لما ورد في رسالة رئيس الحرس محسن رضائي
وهي….
زيادة فرق المشاة من ستين الى سبعين فرقة
زيادة الدروع الى الف دبابة
بعد سنة تزيد المشاة الى مائة فرقة والف وخمسمية دبابة وسبعين طائرة مقاتلة
بعد سنة يريد حرس الثورة مائة فرقة مشاة والف وسبعمية دبابة ومائة وعشرين طائرة مقاتلة
بعدها بسنتين يريدون ثلاثمائة وخمسين فرقة مشاة وألفين دبابة وثلثمئة طائرة مقاتلة
خدمة الزامية من عمر سبعة عشر عاما الى خمسين عاما
وضع ميزانية ايران في خدمة حرس الثورة وجعل الحرس مشرفا على الانفاق الحكومي ووضع كل المصانع بيد المقاتلين.. ضربة مباشرة لخامنئي ورفسنجاني يومها..
يقول قائد الحرس محسن رضائي… كنا نعلم انه لا توجد إمكانيات ايرانية لتوفير ذلك.. ولو قال الامام الخميني انه لا توجد إمكانات لواصلنا الحرب
(طبعا الامام قال فورا، بناءا على هذه الطلبات الرهيبة والصراع بين الحرس والحكومة، أوقفوا الحرب فورا)…!

محسن رضائي يقدم تعليقا إضافيا
محمد خاتمي وزير الثقافة.. رئيس ايران المعتدل لاحقا.. قال ان الشباب لم يعودوا يتطوعون للقتال ولدينا نقص حاد في المقاتلين..
رئيس الحكومة المعتدل مير حسين موسوي يقول ان اقتصاد البلاد لا يتحمل الحرب..

وأثار رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني قضية جديدة على الساحة السياسية في إيران. عندما نشر النص الكامل لرسالة زعيم الثورة الإسلامية السابق آية الله الخميني التي أعلن فيها أسباب قبوله قرار مجلس الأمن رقم 598 بوقف الحرب بين العراق وإيران، وذلك في ذكرى انتهاء هذه الحرب، وقد اعترض كثيرون على نشر هذه الرسالة باعتبارها رسالة سرية، وقد رد عليهم رفسنجاني بأنه قد سبق نشر هذه الرسالة من قبل، وأنها لم تكن سرية، وكانت في متناول جميع أجهزة الإعلام، وإن كان لم يشر إلى زمان أو مكان نشرها رسميا، وقال لصحيفة صوت العدالة: إنه نشر هذه الرسالة من أجل إزالة الشبهات وتلبية احتياج جيل الشباب في معرفة الحقائق، بعد أن ثارت شبهات حول الحرب وكيفية إنهائها. وكان الإمام الخميني قد أشار فيها لكبار المسؤولين في البلاد إلى أنه يقبل قرار مجلس الأمن رقم 598 بناء على الرسائل والتقارير التي وردت إليه من الخبراء العسكريين، وشرح الظروف والأوضاع العسكرية وأسباب قبول القرار لمنع وجود أدنى شبهة حول هذا الموضوع، وكان الخلاف قد ظهر في ذلك الوقت بين القيادات والجماعات السياسية حول نشر هذه الرسالة، حيث وافق البعض على أن ينشر منها الجزء الخاص بأسباب قبول قرار مجلس الأمن، في حين رأى البعض أن تكون وثيقة سرية تحفظ ضمن الوثائق السرية للنظام، وأكد رفسنجاني أنه اعتمد على القوانين الخاصة بالوثائق السرية سواء فيما يتعلق بنشرها، أو عقوبة إفشائها، والتي صدرت عام 1353هـ ش 1975م، وطريقة حفظها التي صدرت في 1/10/1354هـ ش، فوجدها لا تنطبق على نشر هذه الرسالة. (شرح رفسنجاني بالتفصيل هذه الكيفية)، فقد أرسلت هذه الرسالة أو أجزاء منها لأفراد كل حسب موقعه ووظيفته، وقد اعترف غلام رضا مصباحي مقدم المتحدث باسم جمعية علماء الدين المناضلين بأنه اطلع عليها في حينها، وذلك في صحيفة كاركزاران العدد 128 الصفحة الأولى، وأنه حتى بعد القبول الرسمي لقرار مجلس الأمن لم يتخذ أي مسئول أي إجراء لضم هذه الرسالة إلى الوثائق السرية، كما لم يظل الموضوع نفسه في إطار السرية حرصا من الإمام الخميني على تنوير الرأي العام بأسباب قبول قرار مجلس الأمن.

ربما كانت أهمية نشر الرسالة، وضخامة الضجة التي ثارت حولها ترجع إلى أنها احتوت أمراً كان إثارته تبدو مستحيلة في تلك الفترة، ونجح رفسنجاني في أن يحوله من حلم إلى حقيقة، حيث تضمنت الرسالة قول الخميني إن قائد جيش حراس الثورة الإسلامية (اللواء محسن رضائي في ذلك الوقت) قد أكد للخميني في تقريري له رفعه يوم 2/4/1367هـ ش. أن إيران لن تحقق انتصارا واحد خلال السنوات الخمس القادمة، وأنها حتى تستطيع أن تقوم بعمليات هجومية في حاجة إلى 350 لواء مشاة، 3500 دبابة، 300مدفع، 300 طائرة حربية و300 طائرة مروحية، كما أن من الضروري أن تزيد قوات جيش حراس الثورة إلى سبعة أضعاف، وقوات الجيش النظامي إلى ضعفين ونصف، وحتى ننتصر في الحرب العراقية ـ الإيرانية علينا أن نخرج أمريكا من الخليج، في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد والمالية ورئيس هيئة الميزانية أن الوضع المالي لإيران تحت الصفر، وأن ما فقدته إيران في هزائم العمليات الأخيرة يساوي ك ميزانية الجيش والحراس خلال العام الجاري، لكن الأهم في رسالة الخميني أنها حوت عبارات تشير إلى أن محسن رضائي قائد جيش حراس الثورة قد طلب من الخميني توفير تجهيزات عسكرية متقدمة تتضمن أسلحة تعمل بالليزر، وأسلحة نووية حتى يمكن تحقيق انتصار حاسم في الحرب العراقية ـ الإيرانية. وهي المرة الأولى التي يشير فيها مسئول عسكري كبير إلى ضرورة توفير الأسلحة النووية للقوات المسلحة، وقد حذفت هذه العبارة من الرسالة عند نشرها عبر وكالات الأنباء في ذلك الوقت، لكن رفسنجاني عندما أعاد نشرها كاملة بما فيها هذه العبارة التي تتحدث عن ضرورة امتلاك أسلحة نووية.
وقد اختلف المحللون حول هدف رفسنجاني من هذا النشر، هل كان رفسنجاني يقصد فقط أن يدافع عن نفسه بالرد على محسن رضائي الذي اتهمه بأنه لم يوافق على طلبه بتوفير مبلغ أربعة مليارات ونصف لجيش حراس الثورة من أجل أن يستطيع تحقيق انتصارات واضحة في الحرب، رغم أن هذا المبلغ لا يمثل نسبة 20% من ميزانية ذلك العام؟!، واقنع الخميني بأن تأكيد الحراس الاستمرار في الحرب ليس أكثر من شعار؟! أم هل يريد رفسنجاني أن يورط النظام بإثارة ضرورة صنع أسلحة نووية كطلب ملح للردع يمنع تكرار ما حدث في الحرب العراقية ـ الإيرانية، والاضطرار لوقف الحرب مع الهزيمة؟!، أم أنه مع اطلاعه على ما حققه المشروع النووي من تقدم، يمهد لإعلان امتلاك إيران أسلحة نووية، أو أنها بصدد تصنيع أسلحة نووية؟!، وهل طرح هذا الموضوع يعتبر مفيدا في الوقت الذي تصل فيه جهود إيران لإقناع المجتمع الدولي بضرورة استمرارها في تخصيب اليورانيوم إلى حالة من العجز، واتجاه الدول الكبرى لخيار فرض عقوبات على إيران بسبب هذا الموقف؟!.
حقيقة أن الحرب العراقية ـ الإيرانية من الموضوعات التي يختلف حولها المسئولون والقيادات السياسية والنخبة الإيرانية، حيث كان بعض القادة السياسيين يرون أن الحرب كان ينبغي أن تتوقف بعد السنة الثانية عندما حققت إيران العديد من الانتصارات، وأن قادة حراس الثورة بإصرارهم على استمرار الحرب قد حملوا إيران خسائر باهظة، في حين كان بعض القادة العسكريين أمثال محسن رضائي يتهمون القيادة السياسية بأنها لم تسمح بتدوين استراتيجية محددة للحرب، حتى يتمكن العسكريون من إنهاء الحرب بطرية ناجحة.
في حين يذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن إعادة نشر هذه الرسالة مفيد في الوقت الحاضر، لأنها تنبه إلى أصوليات سياسية يستفاد منها، ملخصها: أن الخميني لم يكن يصدر قرارا يتعلق بالحرب دون الرجوع للقيادات العسكرية، والأخذ بتقاريرها باعتبارهم خبراء الحرب كما يولى اهتماما لنظريات المسئولين العسكريين والسياسيين في القرارات الهامة، وأن الخميني كان يعتقد في استمرار الحرب من أجل الحصول على نصر واضح محدد، ولكنه عندما شعر بأنه لن يحقق نصرا قريبا وافق على وقف الحرب، وأن الخميني عقد موازنة بين الإمكانيات العسكرية للعدو مع الدعم الذي يتلقاه من القوى الخارجية، وبين ما لدى قواته الذي لا يصل إلى 10% مما يمكله العدو، ووجد أن الاستمرار لن يحقق نصرا، بل سيضيع المنجزات التي تمت حتى ذلك الوقت، مما ينعكس سلبا على النظام، وأنه بقبوله وقف الحرب يوقف أطماع النظام العراقي ويجعله ضغطا سياسيا كبيرا كمعتد، ويمنع الأضرار التي تزداد مع استخدام النظام العراقي للأسلحة الكيماوية، كما أن الخميني كان يشعر بنبض الجماهير تحت وطأة الحالة الاقتصادية، والفتور تجاه الذهاب إلى جبهة القتال مع الإحساس بعدم القدرة على تحقيق نصر سريع، يضاف إلى ذلك شجاعته في اتخاذ القرار المناسب على عكس رغبته، وما له من تداعيات نفسية وإعلامية سلبية سوف تنعكس على إدارته، وهو ما عبر عنه بتجرع السم، دون أن يتهم بالخيانة أو التراجع عن مبادئ الثورة الإسلامية، عندما أكد أنه بقبوله وقف الحرب قد دخل في حالة سلام جاد ولن ينقضه، مؤكدا بذلك أنه رجل مبادئ وليس انتهازيا، ولقد اعتبر البعض أن قبول الخميني وقف الحرب في ذلك الوقت كان وبالا على صدام حسين، لأنه أدى إلى انهيار نظامه وسقوطه عندما أراد أن يعوض فشله بمحاولة ضم الكويت والاستيلاء على نفطها، بل وفشل مسعى الغرب في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية على يد جيوش صدام، وقد تبنى وجهة النظر هذه الإصلاحيون والمعتدلون من الأصوليين ملمحين إلى أنه ينبغي معاملة القضية النووية من خلال هذا المنطق الذي تبناه مؤسس النظام وقدوته، حيث ينبغي أن تبدي إيران مرونة في محادثاتها مع الغرب، من أجل إبعاد شبح الحرب والتهديدات والعقوبات الاقتصادية التي سوف يكون لها مردود سلبي على الشعب الإيراني واحتياجاته الملحة، فضلا عن أنه يتيح الفرصة لعملية الإصلاح الاقتصادي التي تعتبر من أولويات النظام في المرحلة الراهنة، حيث أن المحفزات الأوربية تسهم في تحقيق هذا الأمر، في حين أن العقوبات تحرم الشعب الإيراني م هذه الفرصة التي تهيأت له م خلال ضغط الملف النووي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.