ست مقالات عن العراق بالصحف العربية يوم الاثنين

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
1الصدر والسعودية: ما بعد أضغاث الأحلامصبحي حديدي

 

 

القدس العربي
 

حين كان مقتدى الصدر يزور السعودية، أخذت الحمية وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، ثامر السبهان، فغرّد التالي على تويتر: «أؤمن بأننا يجب أن نفرّق بين المذهب الشيعي الأصيل ومذهب الخميني المتطرف الجديد». لكنّ التغريدة حُذفت بعد هنيهة، ليس لأنّ السبهان راجع موقفه من التفريق بين مذهبين في التشيّع، بل ـ كما تردد، وكما يشير المنطق ـ لأنّ بطانة الصدر اعترضت على نصّ لا يحرج الضيف أمام جماهير الشيعة، أينما كانوا، فحسب؛ بل لأنه لا يرضيه ولا يلائمه، أيضاً، إذا لم يتسبب له في أذى مباشر بالغ.

في السياقات ذاتها، كانت صحيفة «كيهان» الإيرانية، المتشددة والمقرّبة من المرشد الأعلى علي خامنئي، قد اعتبرت أنّ الصدر «باع نفسه لآل سعود». وعبر وكالة «تسنيم» الإيرانية، شبه الرسمية، تساءل حسن رستمي: «ما الذي حدث فجأة حتى أصبحت السعودية التي كانت تتهم إيران بالطائفية، والتيارات السياسية المتماشية مع إيران بسبب التقارب الفكري، بالارتزاق والارتباط مع طهران، المربية الأكثر حناناً من الأم بالنسبة للعراقيين؟ من السذاجة أن يُنظر إلى الإجراءات السعودية ضد العراق وتغيير توجه الرياض حيال التيارات السياسية الشيعية على أنها جزءٌ من النية الحسنة للسعودية».

هذان نموذجان يعبّران عن سلسلة العناصر المتضاربة، والمتناقضة، التي تكتنف انفتاح الزعيم الشيعي العراقي على السعودية؛ الأمر الذي لا يطمس نموذجاً ثالثاً يخصّ اضطرار الصدر إلى سلوك دروب متعرجة في مواقفه الشخصية، هو نفسه، إزاء المملكة. أقرب الوقائع كان بيانه الناريّ ضدّ الرياض، في مناسبة إعدام الشيخ الشيعي نمر النمر؛ حين لم يكتفِ الصدر بإدانة ذلك الإجراء، بل حثّ «شيعة السعودية وشيعة الخليج كافة وأتباع أهل البيت عليهم السلام أن يتحلوا بالشجاعة للرد ولو بالمظاهرات ليكون رادعاً للظلم والإرهاب الحكومي مستقبلاً».

ومع ذلك، فإنّ الأسباب التي دفعت الصدر إلى قبول الدعوة السعودية يمكن أن تكون وجيهة على أكثر من صعيد، ولعلها تتجاوز التكتيك السياسي العابر إلى خيارات أخرى أبعد أغراضاً، وأوسع نطاقاً. واضح، على سبيل المثال الأول، أنّ التيار الصدري دأب على مغادرة صيغة الميليشيا الدينية/ المذهبية الصرفة؛ والانتقال تدريجياً إلى صيغة الحركة السياسية، أو الحزب أيضاً، بما يوسّع إطارات التمثيل لتشمل شرائح عراقية وطنية أعلى وأكبر؛ وبما يعيد للتشيع العراقي صفته العربية، المرتكزة إلى الحوزة الحسينية ومرجعية النجف، بدل تلك التي تتبع الوليّ الفقيه ومرجعية قم.

كذلك فإنّ الصدر يعتزم التمسك بالمزيد من مواقف الحياد، أو عدم الانحياز بالأحرى، إزاء ما تتورط فيه جهات شيعية عربية أكثر ارتباطاً بالقيادة الإيرانية؛ مثل «حزب الله» في سوريا، و«الحشد الشعبي» في العراق، والميليشيات الحوثية في اليمن… وليست بغير دلالة كبرى أنّ التيار الصدري شهد أزمة مالية جدية، دفعت الصدر إلى تخفيض رواتب أعضاء التيار إلى النصف؛ بعد حجب الدعم المالي الإيراني نتيجة رفض الصدر إرسال ميليشيا التيار المسلحة، «لواء اليوم الموعود»، للقتال في سوريا إلى جانب النظام، أسوة بميليشيات عراقية شيعية أخرى.

وإلى جانب تظاهرات التيار الحاشدة ضدّ الفساد في العراق، واقتحام المنطقة الخضراء، والحضور النقدي الدائم للكتلة الصدرية داخل البرلمان العراقي؛ كان لافتاً أن يطلق الصدر تصريحات لاذعة تنال من إيران مباشرة، كما في تعليقه على فوز الرئيس الإيراني حسن روحاني: «على الحكومة الانفتاح على بعض الدول غير المحتلة ودول المنطقة، وترك المهاترات السياسية والطائفية التي ما جرت عليهم وعلى المنطقة جمعاء إلا الويل»!

ويبقى، بالطبع، أنّ انفتاح الصدر على السعودية شيء، وحُسن استثمار المملكة لهذا الانفتاح شيء آخر؛ إذْ لعلّ مسعى الرياض، خاصة على النحو الذي يديره محمد بن سلمان أو يتمناه أمثال ثامر السبهان، لن ينتهي إلى ما هو أشدّ مثوبة من أضغاث أحلام!

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتبمكان النشر
2مقتدى الصدر يقود صحوة عروبية في العراقأسعد البصري

 

 العرب
 

نقطة ضعف العربي في المكان والمادة، إنه يعيش في لغة تشجعه دوما على الرحيل، التوق إلى الزوال عن مكانه وزمانه نحو الآخرة.

الصدر يفشل خطط إيران

 

عاش العرب كالماء الجاري في الصحراء ولأنه لم تكن للبدوي مدينة فقد سكنوا بعضهم البعض. كان الإنسان وطن الإنسان، وهذا ينبوع القوة في عاطفة العرب الإنسانية. ولأن الصحراء خطرة فقد تعلموا كيف يعيشون يقظة الحواس، ولأنه لا يوجد بيت بالمعنى الحقيقي فقد كان وطنهم “اللغة”، لهذا أطلقوا على الشطر الشعري “بيتا” وكان الشعر ديوان العرب.

 

موجات من الهجرات العربية والتدافع حول الواحات وقرون من الحياة القاسية جعلتهم في النهاية يحملون الله معهم في داخلهم وبرفقتهم وفِي كل مكان. كان الله قريبا منهم والعربي لا يشعر بتناقض حتى عندما يقول إن معاناته هي مشيئة الله ولأن الله “بيت العربي” فقد حمله في اللغة العربية وجعل له “بيتا” هو بيت إبراهيم. وكان الحجيج بمثابة العاطفة العربية الأخيرة أو ما أطلق عليه أبوتمام “الراحة الكبرى” الحنين إلى “بيت” عتيق وأزلي.

 

لقد أبدع العربي في لغته وعذابه ومغامراته في التاريخ غير أنه فشل في تمجيده للتقشف والقسوة. فاحتقاره للحياة المادية مسألة جعلته جاهلا بفن العيش وغير قابل للتعلّم. احتقاره المبالغ فيه للحياة الدنيا جعله يخسر تفوقه الأول الذي انفجر مع الإسلام لصالح أقوام حضرية كالفرس مثلا. وحتى الأتراك الذين دخلوا كخدم وجنود لدى العرب تحولوا في النهاية إلى سادة عليهم. لخمسة قرون والتركي كان سيّدا على العربي.

 

نقطة ضعف العربي في المكان والمادة. إنه يعيش في لغة تشجعه دوما على الرحيل. التوق إلى الزوال عن مكانه وزمانه نحو الآخرة وهذا سبب غيابه التاريخي الطويل منذ القرون الوسطى. وعبر العصور كان العربي لا يصلح للاستعباد والرق، إنه يصلح للخداع الديني والحماسي في الحروب وهذا مقتله الأبدي.

 

لا يفهم الإيراني شخصية مقتدى الصدر. فكيف يمكن للشيعي العراقي أن يكون غادرا إلى هذه الدرجة؟ هذه حقيقة العربي فحين يزداد الذبح في بني قومه، تسقط الفكرة العقائدية وتشتعل العروق بمحبة النوع العربي. عاطفة قديمة كان السلاطين الأتراك أنفسهم يحذّرون منها في سياستهم. إن مقتدى الصدر هو بمثابة علي بن أبي طالب العربي وقد رفع سيفه ودرعه ودار بحصانه في مواجهة علي بن أبي طالب الفارسي.

 

    تحركات الصدر الأخيرة وخطاباته ولقاؤه بقادة السياسة العربية في السعودية والإمارات العربية المتحدة فجرت أسئلة كبيرة متعلقة بمصير العراق. مقتدى الصدر هز تاريخ العراق الحديث

 

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الخميس الماضي إن وحدة من قوات الأمن ارتكبت “انتهاكات” بحق المدنيين خلال هجوم لطرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة الموصل.

 

هذا الانقلاب العربي من قبل العبادي هو بسبب العاطفة الحقيقية التي خيّمت على العراق بسبب كلمات مقتدى الصدر. فالعربي دائما كان في قتال ولكنه يحارب بشرف. لم يعرف العربي النذالة في القتال إلا مع الأتراك والفرس. فخري باشا مثلا الذي أباد الأرمن كان يحارب ضد الملك فيصل لاحتلال الحجاز. تراجع فيصل بسبب المدفعية الألمانية التي يمتلكها الأتراك وكانت مجموعات من قبيلة بني علي اقتربت من القيادة التركية رافعة الراية البيضاء لتجنّب قراها الاقتحام والتدمير على عادات العرب في الحروب.

 

فقام فخري باشا قائد القوات التركية بخداعهم والفتك بهم. بعد أن توقفت قواته عن القصف والأعمال العدوانية أحاطت قواته بقرية “العوالي” ثم أمرها فجأة بأن تقتل وتذبح كل من فيها. وتم اغتصاب العربيات وقتل المئات من السكان وأُحرقت المنازل ثم أمر الباشا بإشعال النار في الأحياء والأموات. فقد كانت للباشا خبرة منذ مذابح الأرمن. إن ذلك النموذج البشع من الحروب شكل صدمة في الجزيرة العربية. فلأول مرة تُهتك حرمة النساء في الحرب.

 

مقتدى الصدر شعر بأن هذا النوع من الانتهاكات لا يمكن أن يكون إلا بعاطفة عرقية عنصرية، فلا يمكن للعربي أن يفعل بالعربي شيئا كهذا مهما كانت ضراوة الحرب. عاطفة هذا القائد الشيعي حين أصدر بيان محبة لأهل الموصل طوّقت العراق وجعلت الحكومة مضطرة إلى معاقبة القوات المنفلتة والميليشيات الوقحة على جرائمها.

 

الأتراك والفرس كانوا دائما يعتمدون في نفوذهما السياسي على الطائفية والتفرقة وزرع الفتن. ويمكن تأريخ أول موقف عربي ضد الإسلام السياسي للشريف حسين في الحرب العالمية الأولى حين طلب منه الأتراك الاستعداد لإعلان الجهاد ضد المسيحية، فقد أصرّ الأتراك حينها على أن الجهاد سيمتلك قيمة كبيرة إذا أعلنه شريف مكة واعتبر الشريف حسين تلك الدعوة سخيفة جدا. فتركيا حليفة لألمانيا المسيحية في الحرب فلماذا يعلن العرب الجهاد على قوات الحلفاء المسيحيين؟ وراسل الشريف حسين الإنكليز طلبا للمساعدة وكان ذلك أول موقف عربي ضد الإسلام السياسي.

 

منذ البداية لم يتمتع العرب بوضع مريح، فحتى بعد انطلاق حركة “تركيا الفتاة” والإطاحة بالسلطان العثماني من قبل حفنة من التنويريين الأتراك الذين زجوا بالسلطان عبدالحميد في السجن، ورغم أن الأتراك كانوا قوميين متحررين وأعلنوا شعار أن “تركيا للأتراك” بقي عدد كبير من القادة العرب مترددين، فهم لا يرون أي فائدة من محاربة الأتراك والانفصال بدويلات ممزّقة تابعة للدول الغربية بحكومات الانتداب أو بالتبعية لفرنسا وبريطانيا.

 

كانوا يفضلون أقاليم عربية للحكم الذاتي تابعة لتركيا وغير منفصلة بدول مستقلة. العرب كانوا خائفين، فبعد خمسة قرون من التبعية للأتراك فقدوا الثقة تماما بأنفسهم. لقد كان الأتراك يحكمون شعوبا كثيرة أكبرها المنطقة العربية. فهذا المربع العربي الحاد الأضلاع كان في الحقيقة بمساحة الهند، والمشكلة التي واجهت العرب حينها هي الاجتياح الفرنسي لشمال أفريقيا واحتلال الدول العربية بشكل استيطاني. لقد شعر أنور باشا القائد العام للقوات التركية حينها بالراحة وهو يستخدم فظاعات الفرنسيين بحق العرب كدليل على خيانة الغرب للمبادئ التنويرية التي يدّعيها وعلى العرب الخضوع للقيادة التركية.

العالم العربي هو اللغة العربية في النهاية

 

منذ البداية كان العرب في محنة فليس عندهم مثقفون يشرحون التفاصيل، حتى المدارس فيما بعد فضّلت الهروب إلى العصر الجاهلي أو إلى صدر الإسلام والعهود الذهبية متجاهلة التاريخ الحقيقي منذ العصر الوسيط. حيث قفز الأتراك والفرس على التاريخ العربي واجتاحوه بمواهبهم الإدارية والثقافية.

 

العالم العربي هو اللغة العربية في النهاية. هذا هو انتصارهم الثقافي الوحيد. وهذه اللغة تاريخيا هي العراق وسوريا واليمن وشبه الجزيرة العربية، فإذا العراق وسوريا واليمن موضع صراع مع إيران لا يبقى سوى شبه الجزيرة العربية مركزا سياسيا عربيا. وهو مركز يشعر بالحزن العميق ويعاني ذكريات مجيدة عن اندفاع العرب الثقافي والسياسي في التاريخ نحو الأبيض المتوسط.

 

اليوم نرى مجددا اندفاعا إيرانيا نحو المتوسط وانسحابا عربيا منظّما حتى من المسجد. لأن المسجد كقلعة سياسية قد سقط مؤخرا تحت هيمنة تركية بذراع الإخوان المسلمين، وعاد الصراع مجددا حول أهلية العربي على الاستقلال بنفسه. ولولا وجود السعودية كعبقرية سياسية لا يمكننا القول بوجود عقل سياسي عربي.

 

يبدو لي أن العراقيين كانوا منذ البداية موجودين في الثورة العربية ومع الشريف حسين ومع الإنكليز ضد الأتراك. شخصيات مثل نوري السعيد ومولود مخلص التكريتي كان لها حضور واضح في هذا المشروع، وقد استقر رأي بريطانيا في النهاية على أن ابن سعود رجل مناسب وأثبت كفاءة عالية في توحيد المملكة العربية السعودية وحظي باعتراف عالمي للعناية بالعتبات المقدسة.

 

قررت القنصلية البريطانية في جدة الوقوف على الحياد وسمح ابن سعود للشريف حسين بالمغادرة إلى العقبة ومنها إلى قبرص وعاد إلى الأردن بعد 6 سنوات فمرض ومات في المملكة الهاشمية وتم دفن قائد الثورة العربية الشريف حسين في القدس عام 1930.

 

المهم هنا أن العراقيين حصلوا على مكافأة، فبريطانيا ثمّنت للعراقيين جهودهم ومنحتهم فيصل الأول ملكا هاشميا معتبرا، ومنحت الأردن أخاه الملك عبداالله.

 

السؤال هو كيف فشل العراقيون في الاحتفاظ بأسرتهم الهاشمية بينما نجح الأردنيون؟ كيف باع الجنرال عبدالكريم قاسم ملكه وسيده وانقلب عليه وهذا ما فعله أيضا جمال عبدالناصر في مصر، إلا أن المصريين لم يذبحوا الخديوي وودعوا آخر ملك مصري من سلالة التنويري محمد علي باشا باحترام وتقدير.

 

إن حمى الضباط الدبابير في ذلك العصر كانت قضية لا تقاوم، وانتهينا اليوم إلى تمني الضباط بعد أن رأينا رجال الدين الطائفيين. فالجنرال العلماني أرحم من العمامة. غير أن الشعوب التي احتفظت بملوكها كالأردن والسعودية تعيش تاريخا معاصرا أفضل بكثير من تاريخ العراق المعاصر. المهم في هذه الأسر أنها كانت ضمانة للصداقة مع بريطانيا. ضمانة للحماية الغربية والتقارب والتعاون في نموذج مقبول.

 

عبدالكريم قاسم ذبح الأسرة الهاشمية المالكة وقدم رسالة للعالم الحر عن وحشية العراقيين، ولم يكن ذبحه هو على يد رفاقه فيما بعد مؤثرا على الصعيد العالمي، فهو مجرد ضابط انقلابي من أسرة متواضعة. كان ذبح أسرة هاشمية مالكة ذات تاريخ عريق بنسائها وأطفالها جريمة مروّعة جعلت العراقيين في مظهر محرج. وختمها العراقيون بشنقهم رئيسهم الإشكالي صدام حسين، وهو أيضا رئيس انقلابي من أصول متواضعة، لكنه اكتسب شهرة بسبب حروبه الكبيرة في المنطقة.

 

المهم أن العراق كانت عنده فرصة للاستقلال عربيا عن تركيا وإيران بوجود الأسرة الهاشمية العربية. ومع هذا فإيران وتركيا لا تحبان العراق، فالشريف حسين ذبح الكثير من الجنود الأتراك في الثورة العربية وكان ذلك بمساهمة ضباط وأعيان عراقيين من الشيعة والسنة، وإيران تعرضت للخراب بسبب صدام حسين.

 

اليوم يعود العراق إلى السؤال الأول؛ تركيا أم العروبة أم إيران؟ أعتقد أن تحركات مقتدى الصدر الأخيرة وخطاباته ولقاءه بقادة السياسة العربية في السعودية والإمارات العربية المتحدة فجّرت أسئلة كبيرة متعلقة بمصير العراق. مقتدى الصدر هز تاريخ العراق الحديث.

 

    العراق كانت عنده فرصة للاستقلال عربيا عن تركيا وإيران بوجود الأسرة الهاشمية العربية، ومع هذا فإيران وتركيا لا تحبان العراق

 

ويلاه على عيون بناتي الأنباريات الجميلات في الصحراء وعلى جسر بزيبز. إعلامي عراقي ذكر لي أنه شاهد رجلا من الأنبار يحمل ابنته الرضيعة ويحاول الهرب من داعش إلى بغداد على جسر بزيبز فأذلّوه ومنعوه بكلام طائفي لأيام ففقد عقله وألقى بطفلته الرضيعة إلى الفرات. ويا لهف نفسي على أطفال الموصل في العراء. غير أننا اليوم نريد أن نرتق ولا نفتق، نداوي ولا نجرح. كلنا تورطنا وأخطأنا فإذا تحمسنا وبكينا نتورط، وإذا صبرنا وتعقلنا نتورط.

 

مواطن سعودي قال لي لقد تعقلت وتصبرت الآن ماذا عن ابن عمي الذي بكى على كتاباتك لأجل سنة العراق وقُتل في الليل برصاصة في الأنبار؟ أعد لي ابن عمي الفتى الصغير، السعودي صاحب القلب الكبير وهو يشعر جغرافيا وتاريخيا بمسؤولية عن العرب، هذه الرسالة من دكتور سعودي قبل أسبوع “قرأت مقالك الأخير عن النائبة الكويتية وأشكر لك حسن كلامك وملامك وجميل نطقك واحتجاجك ضد الكويت وبحق العراق يستحق منا كلام حب لا ملام وسب. الحق أنني في طيات المقال مررت على مواقف شعرت فيها بغصة في حلقي ودمعت عيني وبكيت حين مررت على أطفال الموصل ولولا ذلك لما أخذت الوقت للبحث عن إيميلك ومراسلتك فقد أثر فيّ المقال بحق. شكرا لك على ذلك المقال الحي”.

 

لهذا أقول كما يقول مقتدى الصدر اليوم “هلا هلا بالعراقيين، وهلا هلا بالسعوديين”. ولنساعد مقتدى الصدر على الخير، فأصعب مهمة على الضمير هي الكتابة للناس -وليس للسلطة- على كاتب مؤثر. وليسامحنا الله على دمعة سقطت على الملأ ولم نقدر على حبسها فأنبتت فتيانا غاضبين.

 

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
3  النجف والرياض جارتان مصطفى فحص  الشرق الاوسط السعودية
 

 

بالتزامن مع زيارة زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر إلى الرياض، أطلق مغردون عراقيون على وسائل التواصل الاجتماعي هاشتاغ #النجف ـ والرياض ـ جيران، وذلك دعمًا لزيارة الصدر للمملكة العربية السعودية. اللافت أن المجموعة الشبابية التي أطلقته لا تنتمي إلى التيار الصدري، بل هي في أغلبها تتكون من وجوه شبابية تطالب بتعزيز دور المجتمع المدني ومعروفة في تصديها لأحزاب الإسلام السياسي والمشاريع الطائفية. منذ أسبوع تقريباً وأثناء وجودي في العاصمة العراقية بغداد لمدة لم تتجاوز 48 ساعة، تمكنت من الاتصال بأحد نشطاء الحراك المدني، وهو عضو في أسرة تحرير صحيفة «المدى» المعروفة بتبنيها الخطاب المدني الليبرالي، الصحافي الشاب حامد السيد، لسؤاله عن كيفية تعامل الشارع العراقي مع الهاشتاغ، فقال: «كانت متباينة إلى حد ما، لكن الواضح أن الكفة تميل إلى صالح خطوات تهدف إلى علاقة طويلة الأجل مع الخليج وخصوصًا السعودية بالتحديد»، وأضاف: «من مصلحتي كعراقي أن أكون متصلاً بالجميع، العزلة لا يفرضها أحد علينا، إرادتنا هي من تحدد خياراتنا». من جهته، يتعامل الشارع الشعبي العراقي مع زيارة السيد الصدر إلى الرياض وفقاً لمعاييره الثقافية والاجتماعية التي تختلف جذرياً عن تقييمات الطبقة السياسية ودوائر صناعة الرأي العام، ففي الأوساط الشيعية الشعبية وحيث يسود العصب الشعبوي المؤيد للتيار الصدري، استغل مؤيدو الصدر الفرصة من أجل التغني بإنجازات قائدهم، حيث تم إنتاج ما يزيد على 5 أناشيد تمدح الزيارة ونتائجها الإيجابية، واعتبارها صفعة على وجه من حاول محاربة الصدر وإضعافه في الداخل وتخريب علاقة العراق بجيرانه العرب.

فمن الواضح من خلال الإنتاج الفني للأناشيد أن المقصود مباشرة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، إضافة إلى من وصفتهم كلمات بعض الأناشيد بأذناب سليماني، نسبة إلى قائد فيلق القدس الذي بات العراقيون الآن يتهمونه بالهيمنة على قرارهم السيادي، الجنرال قاسم سليماني. وفي أنشودة للرادود السيد بهاء الحسيني عنوانها «حرق دمهم» والمغناة بالعامية العراقية يقول: «صعدت الهستيريا يا سيد وراك، والضغط كلش صعد مولانا، ونحن نقدر علياك، نكسرله عين لكن مستحان عليك ما خلانا، حقدهم راح يقتلهم، حرق دمهم حرق دمهم، حائط يلي دق راسه يلي ضدك مقتدى، مضغوطين بدهم شلح مضغوطين بدهم شلح»..

في المقابل لم يكن وضع اسم النجف مقابل الرياض في الهاشتاغ إضعافًا لدور بغداد، بل كان فكرة ذكية ممن أطلقوه بهدف تجاوز ما تراكم من أخطاء في الفترة الماضية، ومن أجل مواجهة آلة الدعاية الإيرانية التي لم تتوقف عن الترويج عبر أدواتها الإعلامية والدينية والثقافية والسياسية لما تدعيه من عداء الدولة السعودية للنجف وموقعها الديني والثقافي والاجتماعي، وذلك بهدف توسيع الهوة بين العراقيين الشيعة وأشقائهم العرب، كما يحاول الهاشتاغ إبراز موافقة النجف ومباركتها التقارب الحاصل بين بغداد والرياض على كل الصعد، وفي هذا الشأن يعلق مسؤول إعلامي رسمي كان ضمن أعضاء الوفد الذي رافق رئيس الوزراء العراقي في زيارته للرياض، أن الذين أطلقوا الهاشتاغ (النجف والرياض جيران) كأنه وصلهم ما قاله الأمير محمد بن سلمان أثناء استقباله رئيس الوزراء حيدر العبادي عن موقع مدينة النجف ودورها في الحفاظ على مدرسة التشيع العربي والاعتدال وتعزيز انتماء العراقيين الوطني.

وهذا ما أكد عليه وزير الدولة السعودي لشؤون دول الخليج العربي السفير ثامر السبهان في تغريدة له على حسابه في «تويتر» حيث قال: «أؤمن بأننا يجب أن نفرق بين المذهب الشيعي الأصيل ومذهب الخميني المتطرف الجديد».

من استقبال الوزير السبهان للصدر على باب الطائرة، إلى الحفاوة غير الاعتيادية من نائب خادم الحرمين الشريفين الأمير محمد بن سلمان بضيفه الزعيم الشيعي العراقي السيد مقتدى الصدر، مشاهد تسببت بإثارة جدل واسع داخل الشارع العراقي، الذي تعامل مع الصورة التي جمعت الأمير والسيد كأنها رسالة سياسية تعلن عن تحولات جذرية في مواقف شريحة كبيرة من العراقيين الشيعة تجاه قضايا كانت من المحرمات السياسية، كما بات سهلاً أن تتلمس الآن في بغداد ما أدت إليه حركة الصدر الأخيرة تجاه السعودية من مواقف داخل أفراد الأسرة العراقية الواحدة بين مؤيد أو مترقب، حيث بدأت تتبلور الشخصية العراقية الوطنية التي دفعتها الهيمنة الإيرانية إلى البحث عن ما هو أبعد من هويتها الدينية. زيارة الصدر للرياض في هذه المرحلة دقيقة في حساباتها، وهي في توقيتها أقرب إلى كونها حداً فاصلاً بين زمنين؛ ماضٍ يمضي ولعله سيأخذ معه ما تبقى من الهيمنة، ومستقبل تتشكل فيه الفرصة للملمة ما تبعثر من السيادة والهوية…

يتبع.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
4 الآن… ما هو سر «داعش»؟!

 

 صالح القلاب

 

   الجريدة الكويتية
 

 

حتى الآن، ورغم الانتصارات التي يتم التغني بها، لم يتم إلقاء القبض على أحد قادة “داعش” الأساسيين الذين لديهم أسرار هذا التنظيم الذي أصبح منتشراً في العالم بأسره، والذي كان وجوده ولا يزال مبرراً للإبقاء على نظام بشار الأسد، روسياً وأميركياً وأوروبياً، وكل من يعنيهم هذا الأمر، بحجة أن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة هذا الذي يسمي نفسه “دولة الخلافة”، والقضاء عليه، وليس القضاء على نظام ارتكب من الجرائم أكثر مما ارتكبه النازيون والفاشيون وبول بوت وكل عتاة التاريخ القديم والجديد.

 

هل يعقل أن يحقق هذا النظام السوري كل هذه الانتصارات “الباهرة” التي يتغنى بها، وأيضاً التي تحققت في الموصل، بدون أسر واعتقال، ولو مسؤولاً “داعشياً” واحداً يتم التحقيق معه فعلياً ليكشف أسرار هذا التنظيم الذي نهب من بنوك الموصل وحدها 835 مليون دولار، والذي “تبخر” بعد احتلال هذه المدينة “الحدباء”، ولم يتم إلقاء القبض ولو على مسؤول واحد منه، وهذا هو ما يحصل الآن في الرقة، وما حصل ويحصل في كل المدن والمناطق والمواقع السورية التي مرة يسلمها نظام بشار الأسد لهذا التنظيم، وبالعكس والتناوب، و”على عينك يا تاجر”!

 

حتى يثبت نظام بشار الأسد أن الأولوية ليست لإسقاطه، وإنما للقضاء على “داعش”، فإنه وبتواطؤ روسي مكشوف، ومشاركة إيرانية لا أحد يستطيع إنكارها، ترك لهذا التنظيم الإرهابي مجال التسرب في معظم الدول الأوروبية، والقيام بعمليات إجرامية دامية صاخبة و”حسب الطلب”، وعلى غرار هذا الذي جرى مؤخراً في إسبانيا، وقبل ذلك في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وفي بعض الدول الإسكندنافية، وبهدف “إفهام” هذه الدول أنها ستتلقى المزيد إن لم ترفع أكفها عالياً، وتعلن أن الأولوية ليست القضاء على نظام دمشق، وإنما على هذا الـ”داعش” الذي، وللعجب، شملت خلاياه النائمة والمستيقظة الكرة الأرضية كلها، وخلال فترة قصيرة لم تتعد الثلاثة أعوام.

 

لماذا يا ترى لم يستطع هذا العالم كله، الذي تمتلك بعض دوله أهم وأفضل الأجهزة الأمنية المتفوقة، القبض ولو على مسؤول كبير واحد من الذين لديهم الأسرار الفعلية لهذا التنظيم…؟ ثم هل يمكن تصديق أن النظام السوري، الذي كانت بدايات “داعش” إطلاقه سراح المجموعات التي كان أرسلها لتضرب في العراق، والتي استهدفت وزارتي الخارجية والصحة في بغداد، لم يستطع اعتقال “داعشي” كبير واحد لديه ولو بعض أسرار هؤلاء الإرهابيين… وكل هذا مع أن عمليات تبادل الأراضي… والانتصارات المتبادلة بينهم وبينه لا تزال متواصلة، ولم تتوقف على مدى كل هذه الفترة الطويلة؟!

 

إن أسرار “داعش” ليست عند هؤلاء الشباب والأطفال الذين ضربوا ويضربون في جميع الدول الأوروبية… فهؤلاء مغرر بهم، وهؤلاء أكثريتهم “مرتزقة”… إن أسرار هذا التنظيم عند من خطوط اتصالاتهم، لا بل لقاءاتهم، مع الجهات السورية المعنية، لم تتوقف وأيضاً عند من غادروا الموصل دون إلقاء القبض، ولو على واحد منهم، ثم وقبل هذا وذاك عند القيادات “الداعشية” التي تبخرت واختفت بـ”قدرة قادر”، كما يقال، وفي مقدمتهم بالطبع “الخليفة” أبوبكر البغدادي الذي أعلن الروس أنهم قتلوه في الرقة، وحيث ثبت أنه لم يقتل ولا هم يحزنون… والله أعلم!

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
 5    فلسطين وكردستان والوجدان العربي

 

 

   رستم محمودالحياة السعودية
  

بمعنى ما، كانت فلسطين ومسألتها أهم مؤلِّف للوجدان والذهن العربيين طوال القرن العشرين. ذُهل العرب لأن العالم كان يسير، وما زال، في سكةٍ معاكسة للعدالة المحضة والمنطق البديهي. كان «العقل العام» العربي يسأل العالم، وتحديداً اليهود، سؤالاً بسيطاً: إذا كان العالم «الحُر» قد خاض حرباً عالميّة ضخمة ضد النظام النازي في ألمانيا، كلّفت عشرات الملايين من الضحايا، وأحد أسبابها أن النازية كانت تسعى لأن تُنكر وتُلغي وجود اليهود، فلماذا لم ير هذا العالم الشعب الفلسطيني، ولماذا يسعى لأن يعوض اليهود/ الضحايا على حساب شعب آخر، وأن يصنع ضحايا آخرين، هم شعب فلسطين الذي يعيش على أرضه التاريخيّة ولم يعتدِ على اليهود!

 

كانت تلك القضيّة، التي هي في جوهرها مجموع إفراط النكران وفائض الهيمنة، والتي تحولت بالتقادم إلى معيار وآلية يفرز العرب بهما أصدقاءهم عن أندادهم. كانت هذه القضية الأمثولة والدلالة العُظمى على الخير والشر، الصلاح والطلاح.

 

قبل العرب، كان اليهود أنفسهم قد سألوا العالم، وبالذات الألمان، سؤالاً مُطابقاً لنظيره العربي: فإن كانت الإمبراطورية الألمانيّة قد تعرضت للتحطيم في الحرب العالميّة الأولى، على يد الروس والفرنسيين والبريطانيين، فلماذا على اليهود أن يدفعوا الثمن، وأن يكونوا ضحايا الثأر والقوة الألمانيّة المُتجددة، وأي شيء فعلوه حتى يسعى الألمان لمحقهم وإنكار وجودهم؟

 

اليوم، يسأل كردُ العراق العربَ، وبالذات عرب العراق وسورية السؤالَ الذي سأله العرب لليهود والعالم. لا يُقصد بالعرب هُنا تلك الجماعة العرقيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة التي تُحددهم في الذهن والمُخيلة القوميّة البعثيّة، بل العرب باعتبارهم الجماعة الثقافية واللغوية والوجدانية التي خضعت وجُرحت في الصميم لهول مأساة فلسطين طوال قرن، العرب باعتبارهم ضحايا النكران والمحق.

 

على سكة الاستقلال، يسأل كردي عادي نفسه: ما الذي يدفع أي عربي لأن يرفض استقلال كُردستان عن العراق، فالكُرد جماعة سُكانية إثنية ولغوية وشعورية وثقافية بذاتها، وهم متطابقون إلى حد بعيد، يعيشون على جغرافيتهم المتواصلة من دون انقطاع، ويملكون ميولاً موحدة إلى حد بعيد تخوّلهم أن يبنوا كياناً سياسياً مسالماً، في داخله ومحيطه. هذا فضلاً عن أن العراق بات مـــكاناً يولّد الحروب الأهلية الدورية، كما مارس كُل أشكال الاعتداء بحق الكُرد، وهو سيفعل ذلك من جديد لو استطاع. فوق ذلك، فالكرد لم يعتدوا على أحد، وبــالذات العرب. بل ثمة آلاف الضحايا منهم قضوا في سبيل القضايا العربيّة، واسهموا تاريخياً في رفد الثقافة والحياة العامة العربية بالكثير من الشخصيات. وأولاً وقبل كل شيء، هذه إرادتهم الحرة المطلقة.

 

لماذا إذاً يمكن أن يكون ثمة اعتراض عربي، على هذا الحق الذي يكاد أن يكون «حقاً بديهياً»؟!

 

بهذا المعنى، فالقبول باستقلال كُردستان، وحتى الدفاع عنه إذا لزم، يغدو نمطاً لاتساق الوجدان والعقل العربي مع ذاته. وعبر التاريخ كان ثمة الكثير من المواقف الشبيهة بهذا، إذ استــــطاعت كـــيانات وشعوب أن تغير موقعها وصورتها وعالمها الرمزي والخطابي، من خلال التفاعل الاستثنائي مع حدث ما، وقد اثبتوا من خلالها إجراء قطيعة مع ما كان قائماً في الماضي. لا يعني الأمر أن العرب كجماعة مارسوا بحق الكرد فظاعات بذاتها، لكن التجارب القوميّة العربيّة، في سورية والعراق، فعلت ذلك بكل إصرار ومـــباشرة. لذا فإن موقفاً عمومياً إيجابياً من قبل العقل العام العربي تجاه حق الكُرد البديهي في بناء دولتهم الخاصة، يثبت ثلاثة تفاصيل بسيطة وبالغة العُمق:

 

فمن جهة، أن الموقف العربي من قضية الشعب الفلسطيني ليس مُجرد نزعة عصبوية عرقية مع عرب فلسطين، بل خيار أخلاقي ووجداني مُدافع عن حق مُستلب. ونضج العقل العام العربي، لا سيما في سورية والعراق، قد وصل إلى سوية تجاوز معها المراهقة البعثيّة الإجرامية، السياسية والأخلاقية والروحية، وأن الذات العربية لم تعد تطيق الرهان القومي الساذج، الذي يربط حُسن أحوال العرب بضخامة الكيانات جُغرافيا وسكانياً وقوتها عسكرياً فحسب. وأخيراً، إن إشكال الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان التي تطالب بها الأغلبية العُظمى من العرب، ليست مجرد خيارات آنيّة وعابرة، بل جزء حيوي من تأثر العرب ومشاركتهم في العالم المعاصر.

 

الموقف العربي الإيجابي من استقلال كردستان سيكون مُطابقاً لجواب الألمان الإيجابي حيال اليهود بعد الحرب العالميّة الثانية، مع فارق أن الحق الذي سيأخذه الكُرد لن يكون على حِساب أحد، وأغلب الظن سيكون لمصلحة العرب.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
 6    أبرز الميليشيات الإرهابية في المنطقة..!

 

   صدقة يحيى فاضل

 

    عكاظ السعودية
  

تنتشر هذه الميليشيات الإجرامية الآن في البلاد المضطربة، والتي كانت تحت سيطرة ديكتاتوريات قمعية… تعتبر هي أهم أسباب ما آلت إليه الأمور في هذه الدول من اضطراب وعدم استقرار وخراب. فلولا تلك الديكتاتوريات لما أصبحت هذه البلاد لاحقا نهبا للقلاقل والمحن، وكل هذه الفتن. ويستغرب من يتباكى على تلك الأنظمة، معتقدا أن عودتها ستضمن عودة «الأمن»…؟! إنه الجهل السياسي المركب.

 

إن أهم وأقوى التنظيمات الإرهابية المسلحة بالمنطقة تتواجد الآن في: العراق، سورية، اليمن، ليبيا، وغيرها. في الساحة العراقية تتواجد الآن ميليشيات عديدة، منها: الميليشيات الشيعية، وخاصة: فيلق بدر، عصائب أهل الحق، لواء أبو الفضل العباس، جيش المهدي، جيش المختار. ويشار إليها مجتمعة بـ «ميليشيات الحشد الشعبي». وتحظى هذه الميليشيات بالإضافة لاعتراف الحكومة العراقية الحالية، بإمكانات بشرية ومادية كبيرة. ومعظمها يتلقى دعما ماديا ومعنويا هائلا من إيران…؟! ونتيجة لذلك، أصبح لهذه القوات دور عسكري وسياسي بالغ الخطورة على الساحة العراقية، وغيرها. وهناك ميليشيات سنية، وطائفية نشطة أقل قوة وتمكينا.

 

أما أقوى التنظيمات الإرهابية المسلحة الخارجة على القانونين العراقي والدولي، فهي حركة «داعش»، التي تستهدف كل ما عداها، والتي تتمدد حاليا في كل من العراق وسورية، والتي تقول الدول المتنفذة في المجتمع الدولي إنها تحاربها، وإن القضاء عليها قد يستغرق سنوات… حركة «داعش» الإرهابية ما زالت هي الأخطر، والأكثر تمكنا ونفوذا وسيطرة على الأرض، لدرجة أنها تدعي أنها «دولة». فهي تسمي نفسها «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام»، ويرمز لها بـ«داعش». وتحيط الكثير من الشكوك بقيام ونمو وتوسع هذا التنظيم الإرهابي (الإسلاموي) الذي نشأ في محافظة الأنبار التي تسكنها غالبية سنية. وظهر، أول ما ظهر، عام 2013م، في مدينة «الفلوجة» (في الأنبار، وتبعد عن بغداد 60 كم) أثناء ما سمي بـ «انتفاضة المحافظات الغربية». وأصبحت الفلوجة أول مدينة يسيطر عليها هذا التنظيم، ومنها أعلن عن إقامة ما يسمى بـ«دولة الخلافة الإسلامية».

 

***

 

وتعتنق هذه الحركة المشبوهة فكرا دمويا متخلفا ومتحجرا وبالغ التطرف، تدعي أنه الإسلامي الأصح…؟! والإسلام النقي من هذا الفكر براء – كما هو معروف. ويتواجد أنصار لها وتوابع في كل من: اليمن، ليبيا، سيناء، الصومال، شمال نيجيريا، باكستان، وغيرها من البلاد العربية والإسلامية. وزعيم هذا التنظيم هو سيئ الذكر: أبو بكر البغدادي. وهو شخص يشتبه أنه صنيعة الموساد الإسرائيلي، ويقال إنه قتل أثناء معركة تحرير الموصل من داعش. وغالبية أنصار الحركة هم أتباع فكريين لداعش. إذ إنهم يؤيدون التوجه الأيديولوجي الداعشي دون أن تكون لهم صلة مباشرة بالتنظيم في عاصمته الحالية مدينة الرقة.

 

وفي الواقع، يتمدد نفوذ تنظيم داعش من مشارف حلب غربا حتى مدينة الكرمة، قرب بغداد، شرقا. ومن مدينة القائم في الأنبار جنوبا حتى الموصل وسنجار شمالا. إذ أصبح يهيمن على نحو 25% من مساحة العراق، ونحو 20% من مساحة سورية. وهو أكثر تركزا ونفوذا في محافظة الأنبار… فمن أصل 41 مدينة في الأنبار، كانت حركة داعش تسيطر على 36 مدينة منها، بينما تقع خمس مدن فقط بيد القوات الحكومية العراقية والموالين لها.

 

وبتاريخ 17 مايو 2015 م، تمكن تنظيم داعش من بسط سيطرته الكاملة على مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار. وحاولت قوات الحكومة العراقية، مدعومة بقوات من «الحشد الشعبي»… تحرير مدينة الرمادي من قبضة داعش دون جدوى، رغم سقوط مئات القتلى والجرحى من الجانبين المتحاربين. ولكن الجيش العراقي تمكن من تحرير هذه المدينة بتاريخ 28/‏12/‏2015م. وبعد تحرير مدينة الموصل بتاريخ 7/‏7/‏2017م، بدأ نفوذ داعش ينحسر بشدة من كامل التراب العراقي. وتقول قوات التحالف الدولي ضد داعش إنها تحضر الآن لاسترداد مدينة الرقة، لتنهى وجود هذا التنظيم على الأرض.

 

***

 

ويصعب، في الواقع، تغطية أهم النقاط المتعلقة بحركة داعش، فكرا وتنظيما وسلوكا، في عجالة كهذه. لهذا، ذكرنا بعض أهم ما يتعلق بتلك النقاط، وقد نتحدث عن البعض الآخر لاحقا. إن قيام ونمو وتوسع هذه الحركة تم بمساعدة – مقصودة وغير مقصودة – من دول كبرى وأطراف دولية معروفة… استفادت من وجود هذه الحركة مؤقتا. ولا يمكن أن لا يكون لأعداء الأمة العربية، إذا، الدور الأكبر في قيام ونمو وتوسع هذه الحركات… التي لعبت دورا بارزا في تمزيق دول المنطقة ونشر الاضطراب والقلاقل وعدم الاستقرار في ربوعها، إضافة إلى تشويه الإسلام بشكل غير مسبوق في التاريخ. وما كان التخاذل «الدولي» في محاربة حركة داعش إلا لتمكينها من تنفيذ الدور المرسوم لها. نأمل أن لا يتحفونا الآن بما هو أشبه، وربما أسوأ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.