ستة مقالات عن العراق بالصحف العربية يوم الجمعة

 

1 الشيعة العرب وسيناريوهات المستقبل] ضرار بالهول الفلاسي الوطن البحرينية
في تصريحات لافتة، يقول المدير الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي أيه» مايكل بومبيو، إن تهديد إيران لأمن المنطقة وتعدياتها ضد جيرانها وكذلك خطرها على الأمن العالمي، كل ذلك تزايد منذ الاتفاق النووي الذي وقعه الغرب معها منتصف 2015، مشيراً إلى أن طهران اليوم «تقترب أكثر من ذي قبل من تحقيق الهلال الشيعي الذي لا يصب لا في مصلحة الولايات المتحدة ولا في مصلحة حلفائها»، داعياً في نهاية تصريحه إلى ضرورة التصدي للطموحات الإيرانية قبل أن تستفحل وتشعل المزيد من النيران المسعورة في المنطقة.

 

بالنسبة لنا، نحن أهل المنطقة، لم يأت الخبير الأمريكي بشيء جديد، فهذه معلومات نعرفها ونتعايش معها يومياً، لكنها تفتح الباب مشرعاً على تساؤلات مهمة تخص جزءاً مهماً من أبناء أوطاننا، ألا وهم إخواننا الشيعة العرب، وعلى الأخص تلك الفئة منهم التي تظن ولو للحظة أن إيران هي حاميتهم وهي من ستوفر لهم مستقبلاً مزدهراً أكثر مما وفرته لهم أوطانهم ودولهم التي ولدوا فيها ويحملون جنسيتها.

 

ابتداءً، نحن كأبناء المنطقة من سيحدد مستقبلنا ومن سيصنعه، بإذن الله تعالى وتوفيقه، لا الطموحات الإيرانية ولا التحذيرات الأمريكية، لذلك فإن السؤال المنطقي الأول هو: يا أخي الشيعي العربي، والخليجي خصوصاً، في صف من ستكون، بلدك أم إيران؟ دعني أذكرك بحجم التحريض والتدريب الذي قامت به إيران لتحريض وتشجيع الشيعة العراقيين ضد وطنهم العراق ونظام صدام حسين، ولسنا هنا في وارد الدفاع عنه.

 

وقد وصلت الأمور بإيران إلى حد منح الجنسية الإيرانية لمئات الآلاف من شيعة العراق وتجنيدهم في فيلق القدس ومنحهم رواتب عالية، وقامت قيادات عميلة لإيران بأعمال يندى لها الجبين من أجل التحريض على احتلال العراق وإسقاط صدام، بما يخدم الأجندة الإيرانية لا العراقية، وكلنا نعرف كيف أصبح العراق اليوم: مجرد حديقة خلفية مهملة للعبث الإيراني! حديقة يقول فيها رجل الدين الشيعي العراقي إياد جمال الدين: «والله الذي لا إله إلا هو، ما سرقه صدام والبعث في 35 سنة حكم، أقل مما تسرقه القيادات الشيعية الحالية في شهر».

 

إذن، يا أخي الشيعي الخليجي، في صف من ستكون: بلدك أم إيران؟ لتعرف الإجابة تذكر من جاء بهذه القيادات التي تحدث عنها إياد جمال الدين، وأذكرك أيضاً أن نصف قيادات نظام صدام كانوا شيعة، لكنهم كانوا في صف بلدهم، وليس في صف إيران.

 

ودعونا هنا نعود قليلاً إلى البحرين فأذكركم بمصير نصر ابن مذكور عميلهم الذي نصبوه على البحرين، ماذا حصل له عندما هزمه الشيخ أحمد الفاتح رحمه الله؟ هل هب الصفويون الفرس لإنقاذه ونصرته أم تركوه لمصيره، بعد أن أدركوا أنه ورقة واحترقت لا أكثر.

 

هنا أطرح عليك، يا أخي الشيعي العربي، والخليجي خصوصاً، السؤال التالي: ترى هل الجنة والشهادة محرمة على الشيعة الفرس وحلال فقط للشيعة العرب؟ لماذا أسأل؟ انظروا حولكم: هل ترون أي إيراني يقاتل في الميليشيات التابعة لفيلق القدس في العراق أو سوريا أو حتى لبنان؟ الموجودون كلهم من غير الإيرانيين الفرس، هل الجنة تقبل الشيعي الباكستاني والأفغاني والبحريني والسعودي والعراقي وحتى المتشيع النيجيري، وترفض الفارسي، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

 

الجواب بسيط: أنتم في نظرهم مجرد وقود محرقة لا أكثر، إذن لماذا تقبلون أن تقوموا بهذا الدور ومن أجل ماذا ومن؟ لكي تعرف الجواب أكثر، دعنا نفكر قليلاً، ماذا سيحصل لا قدر الله لو تحققت أحلام إيران وتأسس الهلال الشيعي، أو احتلت إيران دولة عربية بالكامل، تريدون جواباً عملياً: انظروا إلى واقع أشقائكم العرب الشيعة في الأحواز المحتلة في المحمرة وجوارها، وحتى بندر عباس وبندر لنجة، وقارنوا حياتهم مع حياة المستوطنين الفرس الذي تم جلبهم لتفريس تلك المناطق.

 

إن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه، ومن لم يستطع أن يوفر العدل والإنصاف والازدهار والحياة الكريمة داخل «جمهوري إسلامي إيران» لن يستطيع أن يحقق شيئاً من ذلك خارجها. إيران دولة مصاصي دماء، ولا يهمها خارج حدودها إلا الاستمرار في سفك الدماء لا أكثر، فهل هذا ما تريده لأسرتك ولنفسك يا أخي الشيعي العربي؟

 

لا أظن! هنا تحديداً، أذكرك بما فعلته لك ولأسرتك دولتك الوطنية التي عاملتك كمواطن ووفرت لك الحياة المستقرة الكريمة، ولم تتوقع منك شيئاً سوى أن تكون مواطناً بحق، وليس عميلاً لجهة أجنبية.

2 وزراء شيعة معصومون وعلى الإقالة عصيّون

 

هارون محمد

 

 العرب
القيمون على التحالف الشيعي لا يقبلون إدانة وزير شيعي حتى لو ملأ الأرض فسادا وخرابا، ثم يطلع أحدهم علينا ويقول ‘تعالوا نعقد مصالحة، الشيعة يحكمون ويسرقون، وأنتم تتفرجون وتصفقون’.

توهّم النائب عواد العوادي بأن ملفات الفساد التي أمضى ستة أشهر في متابعتها وجمعها ستسقط حكومة حيدر العبادي بكاملها ولا وزيرة الصحة عديلة حمود لوحدها، دون أن يدرك وهو البرلماني العارف بما يدور في الأقبية وخلف الكواليس، بأن الوزراء الشيعة من أتباع نوري المالكي وائتـلاف دولة القانون، معصومون عن الخطأ وعصيون على الإقـالة، لا يمكن المساس بهم، حتى لو قدم أطنانا من الوثائق والأرقام التي تكشف انحرافهم وتفضح سرقاتهم.

 

لقد أفسد نوري المالكي الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد وقوّض البقية الباقية من القيم والأعراف، لأنه ليس سياسيا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هو حاضنة تجمع مخربين يتعاطون مع العراق كمزرعة يقطفون ثمارها ويستحوذون على إيراداتها.

 

ولعلها من المضحكات المبكيات في العمل السياسي أن يجتمع التحالف الشيعي باستثناء التيار الصدري، قبل استجواب وزيرة الصحة عديلة حمود برلمـانيا، ويعد لها أجوبتها على أسئلـة واستفسارات النائب المستجوب، ويقوي قلبها ويدربها على كيفية مواجهته، ولكن رغم ذلك أخفقت الوزيرة في بيان الأسباب التي دعتها إلى استيراد سلال بلاستيكية للنفايات من شركة لبنانية يملكها مقربون من حزب الله بمبلغ أربعة ملايين ونصف مليون دولار، بينما يركن على مكتبها عرض من مصنع ألماني لصنع الآلاف من السلال في اليوم الواحد قيمته مع مستلزمات نصبه في حدود مليون يورو.

 

والفضيحة الكبرى أن عديلة حاولت تبرير استيراد شحنة من النعل الطبية ومفردها (نعال) بقيمة 900 مليون دينار، بأن هذه السلعة لا وجود لها في العراق في حين أبرز النائب الذي استجوبها نماذج منها تباع في الصيدليات والأسواق لو اشتريت الكمية المستوردة منها لما كلفت وزارة الصحة غير عشر المبلغ الإجمالي المدفوع لشرائها من الخارج.

 

أما تصرفات الوزيرة (العلوية) في التعيينات فقد أوضح الاستجواب أن وزارة الصحة باتت في عهدها ضيعة تابعة لـ”آل حمود”، حيث عمدت إلى تعيين أشقائها وأصهارها وأقاربها وأقارب زوجها في ديوان الوزارة ومديرياتها في المحافظات بعيدا عن الشروط والضوابط الوظيفية، ومع ذلك فإن التحالف الشيعي عد هذه التعيينات شرعية ولا غبار عليها ما دامت من صلاحيات الوزيرة التي من حقها تعيين من تشاء وفق اجتهادها.

 

والغريب أن التحالف الشيعي اجتمع مرة أخرى بعد استجواب الوزيرة واتخذ قرارا طلب بموجبه من نواب التحالف أن يتضامنوا مع الوزيرة (المظلومة) ويتصدوا لمسألة إقالتها، على اعتبار أن أجوبتها كانت كافية وشافية، أما ملفات الفساد الثابتة عليها فهي أخطاء بسيطة نتجت لأنها وزيرة تعمل بنشاط وجدية، وتنطبق عليها نظرية “من يعمل يخطئ” رغم أن هذه الأخطاء كلفت الميزانية العامة الملايين من الدولارات.

 

وواضح أن المعايير الطائفية والعرقية امتدت إلى قضايا استجواب الوزراء، ولكن بشرط ألا تقود إلى إقالة الوزراء الشيعة بدليل أن عمليتي استجواب وزير الدفاع السني خالد العبيدي وزميله وزير المالية الكردي هوشيار زيباري، أدتا إلى إقالة الوزيرين بسهولة رغم أنهما، وهذا ليس دفاعا عنهما، كشفا عن ملفات فساد كبرى أبطالها نـواب ووزراء وأصحاب بنـوك خاصة وتحويلات مالية هائلة هربت إلى خارج العراق، بينما الوزيرة عديلة عادت إلى مقر عملها منتصرة مع أن ملف الفساد الذي ثبت عليها يكفي لإقالتها وإحالتها إلى القضاء.

 

والمثير أن رئيس الحكومة حيدر العبادي يعرف أكثر من غيره حجم المخالفات في وزارة الصحة وسبق أن أصدر قرارا بإقالة الوزيرة عديلة من منصبها، إلا أنها تحدته ورفضت مغادرة الوزارة، بل إنها أصدرت بيانا أعلنت فيه أنها لن تنفذ قرار رئيس الوزراء الذي وصفته بأنه مخالف للدستور والتزم العبادي الصمت.

 

انتصرت عديلة وهزمت الاستجواب البرلماني ليس بالعدل ولا بالقانون، وإنما بدعم نوري المالكي ومساندة خضير الخزاعي وتأييد عمار الحكيم، واحتضان قادة الحشد الشعبي لها، فهؤلاء القيمون على التحالف الشيعي لا يقبلون إدانة وزير شيعي حتى لو ملأ الأرض فسادا وخرابا، ثم يطلع أحدهم علينا ويقول “تعالوا نعقد مصالحة، الشيعة يحكمون ويسرقون، وأنتم تتفرجون وتصفقون”.

3   بين حمورابي وتشيلكوت تزعزعت حقوق العراقيين  طارق أشقر

 

  الوطن العمانية
 

حتى وقت قريب كان العراقيون كغيرهم من الشعوب العربية التي تشترك في إرث تاريخي عربي متداخل، يفخرون بأن حمورابي أحد أبرز ملوك بابل قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام هو أول من وضع القوانين على مستوى التاريخ الإنساني، حيث عرف ذلك في تاريخ القانون باسم (شريعة حمورابي) أو (قوانين حمورابي).

ولسخرية الزمن الذي كشف سوأة العدالة الأممية (المعاصرة اليوم)، يؤكد التاريخ بأن حمورابي البابلي كان يهدف من وضع قوانينه حماية الضعفاء من الأقوياء في تلك الحقبة من الزمن. أما الآن وبالمقاربة مع الجدل الدائر حاليا في المجتمع البريطاني على ضوء نتائج تقرير جون تشيلكوت رئيس لجنة التحقيق البريطانية بشأن الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 بمشاركة بريطانية، يتبين للمراقبين بأن حقوق ضحايا الحرب من العراقيين هي الوحيدة التي تزعزعت وفي طريقها إلى طي النسيان والكتمان.

يبدو ذلك واضحا من خلال السيناريو الذي يشهده الإعلام الغربي والبريطاني على وجه التحديد عبر تسليطه للضوء في هذه الأيام حول ما إن كان ينبغي على أسر عدد 179 مائة تسعة وسبعين عائلة بريطانية أن يرفعوا قضايا تعويض شخصية ضد رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير، أو محاكمته كرجل دولة سابق يرون أنه أخطأ في استخدام سلطته، وذلك بسبب دفعه للبريطانيين نحو أتون حروب غزو العراق التي أكد تقرير تشيلكوت بأن النظام العراقي حينها لم يكن يشكل خطرا على أمنهم.

لقد قامت الدنيا منذ منتصف العام الماضي وحتى اليوم في بريطانيا حول حقوق الضحايا البريطانيين في غزو العراق، بينما العرب كافة لم يحركوا ساكنا حتى اليوم حيال المطالبة بحقوق أكثر من مليون ضحية من العراقيين قتلوا ودمرت مقدراتهم بسبب نفس الغزو في عام 2003. وهذا ما يؤكد أن ضحايا تلك الحرب من العراقيين تزعزعت إن لم تكن ضاعت.

وبالعودة للمقاربة بين حمورابي وتشيلكوت بشأن حقوق العراقيين، نجد أن تقرير تشيلكوت رغم الإعلان عنه في يوليو من العام الماضي، إلا أن كل ما آثاره إقرار الرجل بأن غزو العراق لم يكن صائبا، هو فقط ظهور مساعٍ بين قانونيين بريطانين وأسر الجنود البريطانيين ضد بلير، فيما لم يكلف الإعلام الغربي نفسه للحديث عن أي مطالبات لصالح الضحايا المدنيين العراقيين، بينما كانت قوانين حمورابي قديما تستند إلى مبدأ السن بالسن والعين بالعين على كل من هو ضمن حدود مملكة بابل العراقية في ذلك الوقت.

وفي السياق نفسه، يشار إلى أن نتائج تقرير لجنة تشيلكوت التي بدأت عملياتها منذ تشكيلها في عام 2009، وتم الكشف عنها في العام الماضي 2016، سبق أن تأجلت كثيرا بسبب محاذير يرى المراقبون بأنها كانت ذات علاقة بحساسيتها تجاه الأمن القومي البريطاني. وبالمقابل يسرد التاريخيون بأن قوانين حمورابي بكافة موادها كانت معلقة للملأ على مسلة من حجر الديوريت الأسود في ميدان عام ليطلع عليها القاصي والداني وليتعرف المظلوم على حقوقه والظالم على جزائه، مما وسع من فرص أخذ كل ذي حق حقه في ذلك الزمن الخارج عن دائرة العولمة اليوم.

وعليه كان حريا بالإعلام الغربي والعربي المتابع في هذه الأيام الجدل الدائر حول مدى إمكانية محاكمة بلير من عدمه بسبب فقدان المجتمع البريطاني لأرواح أبنائه، حريا به أن يوسع دائرة التناول لتشمل أيضا تسليط الضوء على فقدان المجتمع العراقي لأكثر من مليون ضحية عراقية.

أما الدرس الأكثر إيلاما لذوي الضحايا العراقيين لغزو العراق، هو أن جدودهم كانوا قبل ثلاثة آلاف سنة يفاخرون بعمومية العدالة في زمن محدودية التواصل بين الأمم، بينما أنهم الآن في زمن العولمة وتحول العالم إلى قرية صغيرة متواصلة بين كافة أرجائها وتعيش حالة تشدق بالعدالة الأممية… فإنهم يراقبون من على البعد حقوق أبنائهم تتزعزع فيما توجد مطالبات بحقوق آخرين أقل عددا منهم إلا أنهم مساوون لهم في المقدار كبشر لهم الحق في الحياة، غير أن الإعلام الغربي بتجاهله أظهر وكانت الفئتان من الضحايا من طينة مغايرة متباينة الخصائص والحقوق ومدى توفر من يطالب بحقوقهم.

 

4  خطر «داعش» بعد الموصل والرقة  سلمان الدوسري

 

   الشرق الاوسط السعودية
منذ منتصف العام الماضي وتنظيم داعش يتصدع إثر ضربات قاسية متتالية، هدّت

 

الكيان الرئيسي الذي اعتمد عليه في ترويج دولة الخلافة المزعومة، فبعد

 

الهزائم العسكرية المتتالية للتنظيم في سوريا والعراق وتآكل مواقع نفوذه،

 

واقتراب هزيمته في الموصل، والمعركة الكبرى المرتقبة لاستعادة الرقة، أصبح

 

شعار «باقية وتتمدد» الذي روّج له التنظيم طويلاً منتهي الصلاحية، بل تحوّل

 

شعار التنظيم إلى الحفاظ على القلة الباقية. صحيح «داعش» لم يفقد كل أسباب

 

البقاء بعد، ولا يزال يسيطر على مساحة جغرافية تعتبر مهولة مقارنة

 

بالتنظيمات الإرهابية، من ضمنها معظم الحدود بين سوريا والعراق، غير أن

 

أدوات هذه السيطرة تضعضعت وسط معارك عسكرية حامية الوطيس، وتراجع كبير في

 

القدرات البشرية والمالية والتنظيمية. ومع هذا كله، فإن «داعش» بصفته فكرة

 

ستبقى قائمة لفترة طويلة حتى بعد طردها من الموصل والرقة.

 

لم تكن خطورة تنظيم داعش، الذي أعلن الخلافة على دولته المفترضة في سوريا

 

والعراق في يونيو (حزيران) 2014، في استمرار هذه الدولة أو الخلافة، فهي

 

ليست أكثر من فكرة مؤقتة قامت بناءً على ظروف غير منطقية، وبالتالي فإن

 

نهايتها متوقعة، ومن الاستحالة استمرارها. الخطورة الحقيقية القادمة في

 

تجزئة التنظيم إلى منظمات وجماعات إرهابية صغيرة تستغل الفوضى وعدم

 

الاستقرار الذي تعيشه المنطقة، سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن،

 

أو حتى شبه جزيرة سيناء؛ وهو ما يساعد في استمرار أفراده في القيام بعمليات

 

إرهابية في مناطق مختلفة حول العالم، وطالما لا تزال هناك جيوب متعددة

 

ستستفيد من حالة عدم الاستقرار في مناطق الصراع بالشرق الأوسط، فإن

 

العمليات التي تروّع العالم بين الحين والآخر ستستمر. ربما يواجه تنظيم داعش

 

حرباً في سوريا والعراق قد تؤدي به إلى الانهيار، لكن أعمال العنف لن تتوقف،

 

فكما يقال نهاية الحرب لا تعني بالضرورة بداية السلام.

 

وفي خضم المعركة الكبرى ضد «داعش»، علينا ألا ننسى أن التنظيم كان، ولا

 

يزال، رائداً في استغلال وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات بطريقة لم

 

تفعلها أي جماعة إرهابية أخرى، ولعل المحزن أن الحرب الدعائية والبروباغندا

 

التي يتبعها التنظيم لا تتعرض للهزائم بقدر مواقع التنظيم الفعلية على

 

الأرض، نظرياً يتوقع أن المعركة الواقعية هي الأصعب والأكثر خطورة وتكلفة،

 

إلا أن الواقع ينبئنا بأن المعركة الافتراضية لا تزال تحبو، وسواء كان ذلك

 

تراخياً من الشركات الكبرى لوسائل التواصل الاجتماعي أم لا، فإن التنظيم

 

«باقٍ ويتمدد» في العالم الافتراضي مقابل تراجع كبير على الأرض، وهذا ما

 

يصعّب عملية الحرب على التنظيم؛ فإعلامه فاعل وقدرته على جذب المؤيدين

 

مستمرة، وحتى تحريضه على العنف باستغلال الشبكة العنكبوتية متواصل. من يصدّق

 

أن الحرب الواقعية أضحت أسهل من الإلكترونية؟!

 

يقول وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون، الذي توقع محاصرة الرقة بعد

 

أسابيع لبداية الهجوم الحقيقي عليها: «إذا تحررت الرقة بعد الموصل، فإننا

 

سنشهد بداية نهاية هذه الخلافة الرهيبة»، ومع تعدد الضربات العسكرية

 

للتنظيم في معاقله وهزائمه الواحدة تلو الأخرى، فإن نهاية الخلافة المزعومة

 

مجرد وقت، والتنظيم كـ«دولة» سيموت لا محالة، إلا أن خطورته بصفته أشرس

 

التنظيمات الإرهابية في العالم ستبقى وقتاً من الزمن لا يمكن حسابها، ربما

 

ينتهي التنظيم بشكله الحالي، لكنه سيتفتت إلى تنظيمات داعشية صغيرة منتشرة

 

في مناطق عدم الاستقرار، ومنها بالطبع عالم الإنترنت الافتراضي.

 5     

إيران تدمِّر العراق مرتين

 

 محمد السلمي  الوطن السعودية     
 

في يوم من الأيام كان الإيراني يحلم بالسفر إلى العراق، سواء من أجل العمل أو من أجل النزهة والاستمتاع،أما اليوم فيُضرَب بالعراق المثل في الخراب والدمار وعدم الاستقرار

 

مؤخَّرا رصد مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية مشهدًا بثَّته إحدى القنوات التلفزيونية الإيرانية، جرى تسجيله على الخطّ الحدودي الفاصل بين العراق وإيران. في هذا المشهد ظهر المذيع الإيراني إلى جانب عدد من عناصر القوات المسلحة الإيرانية ليقف أمام الكاميرا ويعبر عن المشهد المؤلم. يقول المذيع ما ترجمته: «هنا الخط الحدودي، الخط الفاصل بين دولتين، الجمهورية الإسلامية في إيران، والعراق، إحداهما تعيش في أمن كامل وشامل، وأخرى تعيش حالة كاملة من انعدام الأمن. في ذلك الجانب (العراقي) كل الأمور مزعجة ومؤذية، القنابل والصواريخ والعناصر الإرهابية. وفي هذا الجانب (إيران) الشيء الوحيد الذي يزعجنا اليوم هو صوت هبوب الرياح».

يا لهذه الوقاحة المتكررة! يدرك ذلك المذيع الإيراني قبل غيره حقيقة أن ما يحدث في العراق حاليًّا هو بسبب عناصر بلاده من الحرس الثوري والميليشيات الطائفية والإرهاب الذي يخدم مصالح النظام الإيراني قبل غيره. نعم، يعاني العراق عددا من الإشكاليات الكبيرة والكثيرة، ولكنها جميعًا قادمة من حدوده الشمالية والشرقية، فلم يكن العراق يعرف لا الطائفية ولا الصراع المذهبي، ولم يبرز أكثر من خمسين ميليشيا طائفية في العراق إلا بعد تَدخُّل هذا النظام الإيراني في الشأن الداخلي للعراق، ويجري إيصال عملائه إلى السلطة ليسيطروا على مفاصل الدولة. في يوم من الأيام كان الإيراني يحلم بالسفر إلى العراق، سواء من أجل العمل أو من أجل النزهة والاستمتاع، أما اليوم فيُضرَب بالعراق المثل في الخراب والدمار وعدم الاستقرار!

أما وصف المذيع إيران بأنها تتمتّع بالاستقرار الكامل والتامّ، وأن الإيرانيين لا يزعجهم إلا صوت الرياح، فما هذا إلا مبالغة كبيرة يدركها المذيع قبل أن يدركها غيره. في عام 2014 حلّ العراق في المرتبة الأولى على قائمة الدول الأكثر تعاسة في العالَم، حسب مؤسسة «غالوب» التي تقدّم الاستشارات الإدارية والموارد البشرية والبحوث الإحصائية، أما إيران فقد جاءت في هذه الإحصائية في المركز الثاني بعد العراق مباشرةً.

لقد حاول هذا المذيع أن يخدع الشعب الإيراني مرتين، الأولى حين قارن إيران بالعراق الذي يعيش أسوأ مراحل تاريخه الحديث، والثانية حين حاول إقناع الشعب الإيراني بأنه يعيش حالة استقرار على جميع الأصعدة، في حين يقول الواقع إن إيران هي الدولة الأولى من حيث عدد الإعدامات في العالَم نسبةً إلى عدد السكان، وإنها الدولة الأولى في حالات إعدام الأطفال والقاصرين، وإن جواز السفر الإيراني يتذيل التقييم العالَمي من حيث السماح لحامليه بدخول الدول دون تأشيرة، والأهم من ذلك أن حاملي الجنسية الإيرانية وُضعوا على قائمة مَن يُحظَر دخولهم الولايات المتحدة الأميركية حاليًّا، في حين خرج عراقيُّو الجنسية من هذه القائمة.

كذلك تجاهل المذيع أن قرابة 40% من الشعب الإيراني يعيشون تحت خط الفقر، وتناسى أن متوسط دخل المواطن العراقي الذي لا يزال يعاني الأمرَّين أكثر من متوسط دخل نظيره الإيراني بمراحل كثيرة، وفي الوقت نفسه تجاهل المذيع الذكي ما تعيش فيه مناطق شرق إيران وشمالها وغربها، حيث ينتشر الحراك المسلَّح من الشعوب غير الفارسية، مثل البلوش والأكراد والعرب، مما يشكِّل تحديًا أمنيًّا للنظام الإيراني، حتى وصل تقييم الخطر الأمني في منطقة مثل بلوشستان إلى «مرتفع»، وَفقًا لمؤسَّسات بحثية عالَمية.

نعم، إن العراق، عربًا وأكرادًا، شيعةً وسُنَّةً، يعاني من العبث الإيراني، ويدركون جيدًا أن نظام ولاية الفقيه يعمل ليل نهار على إبقاء العراق دولة فاشلة تعيش حالة من الفوضى والدمار، حتى لا تقف في وجه مشروع طهران التوسعي، من جانب، ومن جانب آخر، تبقى مثالًا للفشل يستخدمه نظام ولاية الفقيه في مخادعة الشعوب في إيران.

على الشعب العراقي مسؤولية قبل غيره لإدراك هذه الحقيقة من خلال العودة إلى تاريخ العلاقة بين البلدين وربطها بما يراه على الواقع حاليًّا، كما أن على الدول العربية مسؤولية إنقاذ البوابة الشرقية للوطن العربي وإعادتها إلى الحضن، وإعادة تأهيلها بعيدًا عن النزعات الطائفية أو القومية. حمى الله العراق وأهله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.