اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

بعد نكسة حزيران المؤلمة عام ١٩٦٧ بدا الشارع العربي يغلي غضبا على الأنظمة العربية التي اُعتُبِرت مسؤولة بصورة مباشرة عن الهزيمة المخزية. ولم يكن الشارع العراقي بالمختلف، حيث نشطت الاحزاب السياسية غير الرسمية وصعدت من فعالياتها. وبدا واضحا آنذاك ان ثلاث تيارات كانت لها نفوذا في الشارع العراقي. الاول هو التيار الشيوعي الذي نجح في الفوز باكبر عدد من المرشحين في الانتخابات التي حصلت في الجامعات العراقية عام ١٩٦٧. كما ان المظاهرات التي حركها الحزب الشيوعي وخاصة في البصرة ونشاط الطرف المنشق عن الحزب والذي عرف بجماعة الكفاح المسلح بدا يكون له صدى في الشارع العراقي. من ناحية اخرى، ولقطع الطريق على الحزب الشيوعي كثف الاتجاهين القومي العربي والبعثي محاولاتهما للوصول الى الحكم عن طريق انقلاب عسكري اعتمادا على ما يملكونه من مؤيدين وكوادر في القوات المسلحة، العامل الذي لم يكن متوفرا بنفس الثقل للشيوعيون خاصة بعد التصفيات الشاملة التي تعرضوا لها بعد عام ١٩٦٣.

وأخبرني الاخ المرحوم أمير الحلو، الذي كان احد قياديي حركة القوميين العرب بأنهم كانوا على وشك التحرك للإطاحة بنظام المرحوم عبد الرحمن عارف عندما فوجئوا بوصول البعثيين الى السلطة. وفِي الحقيقة فان البعثيين كانوا أكثر تنظيما من الاتجاهين الآخرين ويمتلكون قيادة عسكرية واضحة تمثلت بالمرحومين احمد حسن البكر وحردان عبد الغفّار التكريتي وصالح مهدي عماش، وقيادة مدنية فاعلة تمثلت بالمرحومين عبد الله السلوم السامرائي وصدام حسين و عبد الخالق السامرائي وغيرهم. وكان اهم تعبير على قوة هذا الطرف هو التظاهرة الشعبية الكبيرة التي دعى لها الحزب بعد نكسة حزيران والتي قادها الثلاثي البكر وحردان وعماش، واخترقت شارع الرشيد الرئيس في بغداد من بدايته حتى نهايته. وبدا واضحا ان حزب البعث كان يخطط لتغيير نظام الحكم، الامر الذي تم في ١٧ تموز/ يوليو ١٩٦٨.

عائليا ارتبطت عائلتي بعائلة المرحوم مولود مخلص بعلاقة اخوة متينة بدأت بين المرحومين والدي والدكتور غائب مولود مخلص الابن الأكبر، وانتهاءا بعلاقتي مع الابن الأصغر رعد (الدكتور)، الذي كنت ادرس معه في ايّام الامتحانات الوزارية التي تسبق الالتحاق بالجامعة. وكثيرا ما كنت الاحظ تردد الشخصيات التكريتية البارزة على دارهم ، مثل حردان التكريتي واحمد حسن البكر، لزيارة السيدية (العلوية) الحاجة والدتهم ام غائب والتي كانت تتمتع بشخصية قوية وعقل راجح ، بالاضافة الى نسبها الرفاعي الشريف، وكونها زوجة الباشا كما كانوا ينادونها، صاحب الافضال الكثيرة على رجال تكريت وإلحاقهم بالكلية العسكرية. واتضح لي فيما بعد ان هذه الشخصيات كانت تعقد اجتماعات في ببت ال مخلص أعدادا للانقلاب على الحكم .

ونظرًا للدور الذي لعبه الملازم (اللواء) احمد مولود مخلص في الإعداد لما جرى في ١٧ نور/ يوليو ١٩٦٨ (ثورة ١٧-٣٠ تموز كما تعرف في ادبيات البعث)، حاولت ان اخرجه من صمته بعد هذه المدة الطويلة خدمة للتاريخ وللباحثين. وكانت نتيجة الحوار والاجابة على أسئلتي هذه الذكريات التي رواها بنفسه، يقول السيد احمد مخلص في رده :

دوري في الإعداد

تخرجت من قسم العلوم السياسية في عام ١٩٦٦ والتحقت بكلية ضباط الاحتياط وتخرجت برتبة ملازم ثان، والتحقت بمديرية الاستخبارات العسكرية، وأصبحت احد ضباط الركن في المديرية حتى يوم ١٧ تموز ١٩٦٨. اثناء عملي، وبسبب من قربي من المرحومين حردان التكريتي اولا واحمد حسن البكر ثانيا، علمت إنهما، مع مجموعة اخرى من الضباط و المدنيين البعثيين، كانوا يخططون للقيام بانقلاب عسكري للإطاحة بحكومة المرحوم الفريق عبد الرحمن عارف. وطلب مني الاثنان ان أكون عينهما في مديرية الاستخبارات العسكرية. وقمت بذلك على أكمل وجه، حيث كانت التقارير التي ترفع عنهما وعن تحركاتهما تصلني بصورة مباشرة، وكنت أقوم بتشذيبها ورفع ما لا يشكل خطرا عليهما وانقل لهما التقارير التي اشعر بأنها قد تؤثر على خططهما. لا بل اكثر من ذلك كنت اكشف لهما الأشخاص المندسين بينهم وتنقل الأخبار عنهم كي يكون حذرين منهم. ويبدو ان المرحوم العقيد عبد الرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية، والذي كان الشخص الاقوى والأكثر نفوذا في المديرية، بسبب ضعف المدير المرحوم العميد شفيق الدراجي،  قد علم بخطط البعثيين. ( الذي نبه النايف هو المقدم ابراهيم عبد الرحمن الداود آمر لواء الحرس الجمهوري المكلف بحماية القصر الجمهوري والنظام، والذي فاتحه البكر وحردان برغبتها بالتعاون معه لقلب النظام لعلمهما بنفوذه وسيطرته من خلال قيادة للحرس، وذلك نظرا  للعلاقة القوية بينه وبين النايف. سعد). مباشرة قام النايف بإشعار المرحوم حردان التكريتي بعلمه بمخططاتهم ورغبته في التعاون معهم. وعندما اسقط في يد حردان اخبره انه سيتواصل معه عن طريقي، وإني انا سأكون صلة الوصل بينهما. ثم استدعاني حردان وأخبرني بان النايف سيرسل علي وطلب مني ان أنكر اية صلة لي به او بأية خطة للإطاحة بالنظام. في اليوم التالي استدعاني النايف وما ان دخلت عليه حتى بادرني بالسب والشتم وقال لي “انت بعثي ونحن لا نعلم بك ، بعثي في الاستخبارات وتعمل بحرية، والله لأجعل منك عبرة لمن يعتبر. ساصدر الان أمرا بنقلك الى ابعد نقطة على الحدود”. وعندما أنهى حديثه قلت له سيدي انت غلطان انا لست بعثيا وان معلوماته غير دقيقة، وانا رجل عسكري ومستعد لتلبية وإطاعة اي امر يصدر لي. وبعد حوار عنيف قصير حاول فيه استدراجي واخافتي، وامام استمرار انكاري قال لي اجلس، فجلست. فقال انا اعلم بما يخطط له البكر وحردان وعماش، وأريد ان التقي بهم. فقلت له سأنقل رغبتك الى حردان. (كانت علاقة حردان بعائلة مولود مخلص قوية جدا ومعروفة. سعد).نقلت الى حردان ما جرى بيني وبين النايف ورغبته باللقاء،  فاخبرني بان اصطحبه الى اللقاء الاول. وبالفعل اصطحبته مع المقدم ابراهيم الداود، آمر الحرس الجمهوري والمقدم سعدون غيدان، امر كتيبة الدبابات في الحرس الجمهوري، الى دار عائلتنا في المنصور، حيث كان في انتظارهم كل من البكر وحردان وعماش. طبعا اضافة الداود وغيدان لللقاء كانت حسب رغبة النايف للعلاقة الوطيدة التي كانت تجمعه بهما.(هذا القول يفند ما قيل بان النايف، او الداود،  كان يخطط لانقلاب يقوده هو، وانه لكي يضمن نجاح حركته بدا يبحث عن احزاب تدعمه، وانه استقر على البعثيين واستبعد القوميين لانه وجدهم أكثر تنظيما وتاثيرا. كما ان مفاتحة البعثيين الداود الذين أوصل الخبر للنايف جعله يطلب حضوره الاجتماع ، في حين كان غيدان ، وبحكم دهائه، قد استشعر بقدرات حزب البعث التنظيمية وقام بمد خطوط مع القيادة العسكرية للحزب وأصبح اقرب لقيادة الحزب منه الى النايف. وبالتالي فانه كان الوحيد من الثلاثة الذي استمر مع الحزب حتى وفاته. سعد). بعد اجتماعات عدة في منزل عائلة مولود مخلص، لم يحضرها سوى الأشخاص الستة المذكورين وبعد عدة لقاءات تظاهر البكر وحردان بالقبول بمشاركة النايف وبشروطه. في هذه الأثناء كانت هناك اجتماعات اخرى لقيادة حزب البعث تجري يوميا في بيت احمد حسن البكر، وكانت تضم اضافة الى العسكريين الثلاثة الكبار الكادر المدني في الحزب. (في هذه الاجتماعات كان يحضر صدام حسين وكريم الشيخلي و عبد الله السلوم السامرائي رحمهم الله،  وصلاح عمر العلي وغيرهم من الكادر المتقدم في الحزب.سعد). وفِي هذه الاجتماعات وضعت تحفظات على اشراك النايف والتركيز على الداود وغيدان.

اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968 اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968 اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

تحديد موعد الثورة

بعد ان تم تحديد الموعد النهائي للحركة، قرر المجتمعون عدم اطلاع النايف عليه، وأخبروا الداود فقط،  الذي كان إشراكه أساسيا كونه يقود القوة التي تحمي القصر الجمهوري، وطلبوا منه ان لا يخبر النايف بذلك. الا انه نظرا للعلاقة الوطيدة التي كانت تربطه بالنايف قام بأخباره. في ليلة الحركة استدعاني النايف الذي كان منزعجا جدا، وطلب مني ان أذهب من توي الى البكر واسلمه رسالة كان قد كتبها على قصاصة ورق وتركها مفتوحة. وفِي الطريق الى منزل البكر قراتها فوجدته يقول فيها انه يبارك لهم حركتهم يوم غد ويرغب في المشاركة. ولما قرا البكر الرسالة اصفر وجهه وقال يجب ان نلغي الموعد، فخالفه الحضور الذين أكدوا ان كل الكادر الحزبي قد تَبَلَغَ ولا يمكن إلغاء الخطة او تأجيلها، وان الحل هو الموافقة على اشراك النايف والقبول بشروطه. وكانت شروط النايف ان يكون هو رئيسا للوزراء  والداود وزيرا للدفاع. في حين ان البكر وصحبه عرضوا عليه ان يكون وزيرا للامن القومي، الا انه اصر وقال “انا الاحق بهذا المنصب والذين أصبحوا روؤساء وزارات في السابق ليسوا بافضل مني”. (في كتابه عن الرئيس الراحل صدام حسين يروي أمير إسكندر نفس القصة نقلا عنه ويضيف ان من اقترح القبول بمشاركة النايف هو المرحوم صدام بنفسه،’ والذي اشترط ان يتم تصفية النايف مباشرة بعد الاستيلاء على القصر وعزل عارف. سعد). وعلى الرغم من ضمان دعم وتأييد النايف والداود الا اننا قمنا بنقل شاحنتين عسكريتين من الشباب البعثيين المسلحين  الى كتيبة دبابات الحرس الجمهوري، التي يقودها غيدان، للمشاركة في العملية. بعد نجاح العملية طُلِبَ مني انا نقل الرئيس المرحوم عبد الرحمن عارف الى منزل حردان التكريتي في منطقة اليرموك، الذي كان قد اخلي من عائلته التي ارسلها الى تكريت. وقمت بالعمل على أحسن وجه و تعاملت مع الرجل بكل احترام و مهنية عسكرية يستحقها مركزه ورتبته، وبعد ان اطمانيت على سلامته ووضعت الحراسة المطلوبة على الدار أديت له التحية العسكرية ، و عدت الى دار الإذاعة التي بدا فيها المرحوم حردان بتلاوة البيانات والمراسيم الجديدة. عندما اطمأنت القيادة على نجاح الثورة طُلِبَ مني ان اصطحب الرئيس السابق عبد الرحمن عارف الى المطار حيث كانت هناك طائرة في انتظاره نقلته الى تركيا. ومن ذلك اليوم تم تنسيبي كمرافق اقدم لحردان الذي عين رئيسا لأركان الجيش وقائدا للقوة الجوية.

الإطاحة بالنايف والداود

لقد كان التفكير بإزاحة النايف والداود هاجس قيادة البعث منذ الأيام الاولى. وكانت تتحسب للنايف اكثر وتعتبره ذَا صلات مشبوهة مع دوائر مخابرات خارجية. ( تاكدت هواجسهم عندما قام بترشيح وضم وزراء لوزارته كانت تثار حولهم شبهات الارتباط باجهزة مخابرات خارجية، كما ادعت قيادة البعث بعد الإطاحة به انه طرح بل وأصر على فكرة إلغاء شركة النفط الوطنية، مما يعني الغاء كل مكاسب القانون رقم ٨٠ الذي جرد الشركات الأجنبية من ٩٠٪‏ من الاراضي العراقية غير المستثمرة. وللتاريخ ففي تلك الفترة كانت شركة النفط الوطنية تشغل البناية التي كان المرحوم والدي يمتلكها في شارع السعدون في بغداد ، والتي كان الطابق الأرضي منها مخصصا لتجارة والدي للساعات. وبعد ايّام من تنصيبه رئيسا للوزراء شاهدنا من متجر والدي حضور النايف بمفرده الى مقر الشركة. وآثارت زيارته و سر اهتمامه بالشركة اكثر من سؤال لدينا ولغيرنا، خاصة وانه كان أمامه قضايا اخرى اهم كان يجب ان يركز عليها في الأيام الأُوَلْ من حكمه. ولا ادري هل كانت هذه الزيارة سبب الاتهام ام ما تحدث به عن الشركة بعدها هو ما اثار شكوك البعثيين تجاه نواياه؟ سعد).

في الأيام الاخيرة من تموز طُلِبَ من الداود بصفته وزيرا للدفاع ان يذهب الى تفقد القطعات العسكرية العراقية في الاْردن/ المفرق، ويشرح لها التغيير ويطمئنها على الأوضاع في العراق. وفِي يوم ٣٠ تموز ذهبنا جميعا قادة ومرافقين لتناول وجبة الغذاء اليومية في القصر الجمهوري التي كان يقيمها البكر لكل القيادة. وكانت العادة بعد كل وجبة غذاء ان تذهب القيادة الى غرفة الرئيس البكر لتناول الشاي. ولما قاموا لفعل ذلك التفت البكر للباقين وقال لهم “اخوان اسمحوا لي ان اختلي بالأخ ابو دريد” (وهي كنية النايف). بمجرد ان انفرد به توزع الباقين كل الى حيث يجب ان يكون تحسبًا لما سيجري،  وما كنّا نحن المقربون جدا نعرفه، وهو الإطاحة بالنابف. فقام حردان بصفته قائدا للقوة الجوية، بالاتصال بقاعدة معسكر الرشيد وطلب منهم تجهيز طائرة عسكرية من طراز أوكرانيا مع طاقمين لنقل شخصية ما الى خارج العراق. في حين ان عماش ذهب مباشرة الى كتيبة دبابات الحرس الجمهوري التي كان اغلب أفرادها من عشيرة الجميلات، نفس العشيرة التي ينتمي لها النايف، وليكون الى جانب سعدون غيدان ، وكذلك فعل اللواء حمّاد شهاب امر اللواء المدرع الثامن المكلف بحماية النظام الجديد. في تلك الأثناء دخل غرفة البكر كل من  صدام وبرزان وصلاح عمر العلي وجردوا النايف من سلاحه. وطلب منه صدام ان لا يحاول المقاومة وقال له تسير بهدوء وكأن كل شيء طبيعي وترد على التحية العسكرية حتى نصل الى السيارة التي ستقلك الى قاعدة الرشيد، وتذهب الى المغرب حيث تم تعينك سفيرا هناك، وانا خلفك ويدي على الزناد. وبالفعل امتثل النايف لذلك، ولم يثير الموقف أفراد حمايته في الخارج، (الذين كانوا اصلا محاطين دون ان يعلموا بالموالين لحزب البعث. سعد). ونقل الى القاعدة الجوية التي سُفِر منها. اما بالنسبة للداود فلقد تم الإيعاز الى ضباط بعثيين في القوات العراقية في الاْردن ، بإلقاء القبض عليه وتسفيره الى الجهة التي يختارها وانه اذا حاول العودة فسيتم إسقاط طائرته، وتم ذلك في نفس اليوم.

في مساء ذلك اليوم ايضا أعلن عن تشكيل حكومة جديدة رأسها البكر وعُينَ حردان وزيرا للدفاع وعماش وزيرا للداخلية، وكلاهما أصبحا نوابا لرئيس الجمهورية. ( كما تم اعادة تشكيل مجلس قيادة الثورة ليضم مدنيين من قادة حزب البعث اليه، كان من بينهم المرحوم صدام حسين. سعد)

الخطوة التالية : الإطاحة بالفريق حردان التكريتي

بعد ابعاد النايف كُلِفَ حردان بترأس جلسات مجلس الوزراء، وأصبح ينظر اليه بانه الشخص الثاني بعد البكر. ولكن مع مرور الأيام بدأت تظهر إشارات واضحة على محاولة الجناح المدني في الحزب لاضعاف كل من حردان وعماش، مع التركيز على الاول اكثر لمعرفتهم بشجاعته ومكانته بين ضباط الجيش عامة وطياري القوة الجوية خاصة. ورغم كل التحذيرات التي حاولت ان انقلها له بصورة مخففة، كان يرفض بعصبية ان يستمع لما أقول. وفِي احد الأيام نقلت له ما نقله لي المرحوم عبد الكريم الندا(من شيوخ تكريت ومقرب من البكر. سعد)  عن النيه لإبعاده، وكان جالسا في مكتبه فما كان منه الا ان انفعل وحطم جهازي الهاتف الموضوعين جنبه،  وأمرني ان لا انقل مثل هذه الأخبار الكاذبة له مطلقا. اما قصة اطمئنانه لانه اقسم مع البكر على ان لا يخون احدهما الاخر فلا صحة لها واعتقد انها مفبركة. ثم بدأت تحدث حوادث متفرقة لا يمكن ان يفهم منها الا انها كانت محاولات للتقليل من مكانة حردان، او إظهاره بمظهر العاجز او الضعيف ، كإلقاء القبض على أشخاص محسوبين عليه، كما بدأت اشعر بان هناك من يراقبه من مكتب العلاقات العامة ( المكتب الذي شكل نواة جهاز المخابرات) . ولكنه ظل لا يأبه بما يجري حوله. ( لا بل حتى الصحف كانت تساهم في هذا المجال بأساليب مختلفة وواضحة. كما انه وفي عام ١٩٦٩ صدر قرارا بتعين المرحوم صدام حسين نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة، الذي كان يرأسه المرحوم البكر. ولم يكن هذا القرار لوحده يمثل صعود الرجل الى مستوى قيادي متقدم ، واضعاف للخط العسكري، بل ما نص عليه القرار ايضا من ان نائب رئيس مجلس قيادة الثورة هو من ينوب عن رئيس الدولة في حالة سفره او شغور منصبه. وهذا يعني ان كل من حردان وعماش اصبحا، بحكم كونهما أعضاء في المجلس ، تابعين للبكر ومن ثم لصدام. وكان هذا كافيا لتنبيه كل من حردان وعماش عما ينتظرهما، الا إنهما اما لم يكن باستطاعتهما فعل اي شيء، وربما كانا مطمئنين بوجود البكر. سعد). ثم كانت هناك محاولات لإزعاجي ومضايقتي ، ليس لشخصي وانما لزج حردان في مشاحنات جانبية. وابرز مثل كان في عام ١٩٦٩ عندما حان وقت ترقيتي الى ملازم اول، اذ جرى استثناء اسمي من جداول الترقية. وعندما حاول حردان التدخل رفضت لأني كنت اعرف السبب الحقيقي. ثم قمت بمقابلة البكر وقلت له بالحرف الواحد “سيدي هذه النجمة على كتفي منحني إياها الرئيس السابق عبد الرحمن، وانا الان جئت لكي أعيدها لك لكي تمنحها لمن هو أفضل مني بنظركم” ، فرد علي ماذا تقول ابن الباشا، الا تعرف مكانتك عندنا الم أكن انا من اطلق عليك لقب “أمير الثورة”؟ نظرا لدورك فيها، قلت له فما هو سبب تاخر ترقيتي اذا؟ فقال ربما هناك خطأ غير مقصود. قلت له على كل حال ارجو ان تعتبر كلامي هذا طلبا للاستقالة. وتركته وعدت آلى بيتي. وفِي اليوم التالي اتصل بي شخص من الرئاسة وأخبرني بان مرسوما قد صدر بترقيتي الى رتبة ملازم اول.

في تشرين الاول / اكتوبر ١٩٧٠ كُلِفَ المرحوم حردان بتراس وفد للذهاب الى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الامم المتحدة. وكانت خطة السفر هي ان يقوم بزيارة الى اسبانيا تلبية لدعوة رسمية من الجنرال فرانكو، حاكم اسبانيا آنذاك، ثم التوجه الى نيويورك، وكان الوفد يضم المرحوم الدكتور احمد عبد الستار الجواري وزير التربية، والسيد يحيى ياسين من ديوان الرئاسة و موظف كبير من الخارجية لا اتذكر اسمه. بعد يومين من بداية الزيارة وصل لنا تبليغ من الخارجية العراقية بعدم التوجه الى نيويورك والعودة الى بغداد بدعوى ان قرارا قد اتخذ بتمثيل العراق على مستوى وزير الخارجية. فتوجهنا الى جنيف، ومنها استقلينا الطائرة العراقية المتوجهة الى بغداد عن طريق بيروت. ونحن في الجو صدر أمرا باعفاء الفريق حردان من كافة مناصبه. وطبعا نحن كنّا في الطائرة ولا نعلم شيئا. وعندما حطت الطائرة في مطار بيروت وجدت شقيقي المرحوم باسل، والذي كان موظفا في السفارة العراقية، واقفا قرب سلم الطائرة وما ان نزلنا حتى أخذني جانبا وقال لي هل سمعتوا الخبر؟ فقلت اي خبر؟ فأخبرني بالقرار الذي صدر ومعه توجيه للسفارة بمنع حردان من العودة للعراق. و كان في استقبالنا القائم بالاعمال في السفارة العراقية آنذاك، الذي حاول بتودد ان يقنع حردان بالبقاء في بيروت لمدة أطول، وكان حردان يشكره ويرفض متعللا بمشاغله الكثيرة. وامام إلحاح القائم بالاعمال على ابقاء حردان مدة أطول واستغراب حردان من هذا الإصرار نهضت وقلت له سيدي الحقيقة التي لا يجروء احد على نقلها لك هو ان قرارا قد صدر قبل ساعات بإعفائك من كل مناصبك، مع تبليغ للسفارة بمنعك من العودة الى بغداد. فانتفض رحمه الله وقال انا عائد الى بغداد مهما كلف الامر وكانت النتائج، ومن لا يرغب في مرافقتي يمكنه البقاء هنا وتوجه للطائرة، وتبعناه نحن الوفد المرافق جميعا. عندما وصلنا الى بغداد وقبل الهبوط لاحظنا ان المطار ملغوم بالدبابات والمدرعات والقوات العسكرية المدججة بالسلاح. وعندما فتح باب الطائرة وترجل منها حردان ونحن خلفه استقبلنا المرحوم كريم الشيخلي على سلم الطائرة. وقام باصطحابنا نحن الوفد المرافق جانبا، في حين تم اصطحاب المرحوم حردان الى حيث كان يقف ناظم كزار مدير الامن العام، ورافقه الى داخل المطار، بينما نحن ذهبنا مع الشيخلي الى قسم اخر من المطار. من هناك اجرى الشيخلي اتصالات من احل تجهيز طائرة لنقل شخصية ما الى الخارج والى حيث يرغب. وبعد وقت ليس بالقصير من الانتظار طُلِبَ منا ان نذهب للتعرف على حقائبنا، ثم طلب مني الشيخلي الذي كان يرافقه عدد من تابعي ناظم كزار ان اؤشر لهم حقائب المرحوم حردان ، فاخذوها وذهبوا. اما بالنسبة لنا الوفد المرافق فلقد تم نقلنا الى مساكننا. ثم علمت ان حردان حاول الهبوط في لارنكا الا ان السلطات القبرصية رفضت ذلك، ثم توجه الى المغرب ، وبعدها انتقل ليقيم في الجزائر، بعد يوم او يومين اتصل بي شخص من مكتب رئيس الجمهورية وطلب مني ان أقوم بترتيب سفر زوجة وأبناء حردان على نفقة الدولة للالتحاق به. وبالفعل قمت بذلك، الا ان بسبب إصابة المرحومة زوجة حردان بمرض الربو وبسبب طول السفرة توفيت مباشرة بعد وصولها المغرب، وحاول حردان ان يعود لمرافقة الجثمان ودفنه في تكريت، الا ان طلبه رفض. اما بالنسبة لي فلقد تم نقلي الى مطبعة الجيش، وبعدها الى وزارة المواصلات، دائرة الخطوط الجوية العراقية وبقيت فيها حتى تقاعدت من الخدمة وتفرغت لرعاية عائلتي.

بعد حرب الخليج ١٩٩١، تم استدعائنا نحن من اطلق علينا ثوار ١٧ تموز، الى القصر الجمهوري حيث التقى بِنَا الرئيس صدام حسين وابلغنا بأنه قد تمت أعادتنا الى الخدمة والحاقنا بمكتب تابع لرئاسة الجمهورية. وفي الحقيقة اننا لم نكن نقوم باي عمل حقيقي سوى بعض المشاركات الرمزية للمكتب في بعض الفعاليات. وفِي اللقاء ابلغنا الرئيس بان من كان يحمل رتبة عسكرية يمنح رتبة أسوة بأقرانهم في الخدمة وتتم ترقيتنا معهم. اما بالنسبة للجنود وضباط الصف فابلغهم بأنهم سيمنحون رتبة عقيد في الجيش من اجل الراتب ويبقون عليها مدى الحياة. وهكذا منحت رتبة عميد ثم ترقيت الى لواء، حتى الاحتلال عندما غادرت العراق.)

انتهى حديث احمد مخلص.

للحكاية بقية: نهاية حردان التكريتي المفجعة

اضافة الى ما تكلم به الاخ احمد مخلص، اسمح لنفسي ان أضيف هذه الحادثة التي عشتها شخصيا. عندما وصلت الى جنيف نهاية تشرين الاول/أكتوبر ١٩٧٠ لدراسة اللغة الفرنسية وقبل ان التحق بدراستي في بريطانيا،  وجدت الاخ سفيان مولود مخلص الابن الثاني في العائلة، قد سبقني اليها مديرا لمكتب الخطوط الجوية العراقية. ورغم فارق السن بيني وبينه آلا انه رعاني رعاية الاخ الأكبر، وأصبحنا قريبين من بَعضنا جدا. وعندما راني في المطار عند وصولي سألني عن صدى اعفاء حردان من مناصبه، فقلت له ان الامر كان متوقعا، ولم تحدث اي ردود فعل، وان الناس لا تتكلم بذلك علانية.

في بداية عام ١٩٧١ اتصل بي سفيان وطلب مني ان احضر على وجه السرعة، فلما التقيته اخبرني بانه في اليوم التالي سيحضر حردان مع أولاده  الى جنيف قادما من الجزائر، وان موعد قدومه يتزامن مع موعد قدوم الطائرة العراقية من بغداد، وهو ملزم باستقبالها وتوديعها. ولا يستطيع استقباله ولا يريد احد ان يعرف بقدومه. وطلب مني ان أقوم بالمهمة والحفاظ على سريتها لئلا تصل الأخبار للسفارة العراقية ونتعرض كلانا لما لا تحمد عقباه. فقلت له لاتقلق. (وللعلم فان الاخ سفيان كانت تربطه علاقة صداقة قوية مع المرحوم حردان حيث عمل مرافقا له اثناء خدمته الاحتياط، وشهد معه احداث عام ١٩٦٣ وعندما كان قائدا للقوة الحوية، وعندما سيطرالمرحوم عبد السلام عارف على الحكم ، قام بالسنة التالية باعفاء المرحوم حردان من مناصبه  وابعده الى الخارج، وابعد معه سفيان. وظل الاثنان في الخارج حتى وفاة عبد السلام عارف عام ١٩٦٦.) وبالفعل ذهبت للمطار بالموعد المحدد، ووجدت المرحوم حردان قد خرج لتوه من قاعة الجوازات، فتوجهت اليه، وعندما شاهدني مقبلا عليه لم يتعرف عليّ، ورمقني بنظرة حادة. ولعلمي بهواجسه قلت له مباشرة انا فلان أبن فلان، فتبسم وقال لقد تغيرت كثيرا عن الأيام التي كنت تدرس فيها مع رعد في بيت مخلص. فقلت له هذا امر مر عليه حوالي عشر سنوات. واصطحبته واولاده الى شقة الاخ سفيان حسب طلبه. وانا في الطريق قلت له يبدو انك متعب وحركتك صعبة وانا الذي كنت اعرف حيويتك ونشاطك، فضحك وقال انا أعاني من أمراض في المفاصل ، والأطباء ينصحوني بان أعيش في جو حار، ولكني الان مضطر للعيش في الجزائر وهي بلد معروف برطوبته العالية ، وهذا ما يزيد من معاناتي. بالنسبة لي فلقد وجدت الرجل محبطا فاقدا لحيويته، منطو على نفسه وتكسو وجهه سمة حزن عميق، وكأن صدمة إخراجه من منصبه من قبل رفاق الامس لا تزال تؤثر عليه. بعد وقت قصير وصل الاخ سفيان وجلس معه، وانتقل حديثهما الى وضع حردان وزياراته المتكررة للكويت وظل يحذره منها ويطلب منه ان يكون حذرا جدا في تنقلاته، الا انه المرحوم حردان ظل يردد ان لا شيء يدعو للقلق فأنا طلقت السياسة، وزيارتي لأغراض طبية، وكل ما أريده هو ان يُسمح لي بالعودة الى بيتي في تكريت كي أعيش فيه.  (ولا ادري هل كان رده هذا هو بسبب وجودي ام انه كان حقيقة يقصد ذلك)، ثم أضاف ان كل زياراتي هي بعلم السفارة والسفير العراقي. وبالفعل فلقد تم اغتياله بعد شهرين من هذه الزيارة تقريبا في الكويت وهو بصحبة السفير العراقي وفِي سيارته. اما قاتله، والذي كُرِمَ بتعينه سفيرا في السودان فلقد لقي حتفه بعد أشهر بحادث سقوط الطائرة التي كانت تقله الى وظيفته الجديدة.

اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

عبد الرحمن محمد عارف يروي خفايا أحداث 17 تموز 1968  

   اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

                 اعداد / د.هادي حسن عليوي

ماذا جرى صبيحة السابع عشر من تموز عام 1968 في العراق، وكيف سيطر الانقلابيون على القصر الجمهوري؟ ومن ثم ارغام عبد الرحمن محمد عارف رئيس الجمهورية على مغادرة العراق الى المكان الذي يرغب فيه، مقابل الحفاظ على حياته وسلامة عائلته.

كل ذلك وغيره من احداث سمعها العراقيون عن لسان المنتصرين، لكنه لم يسمع رواية طرف المعادلة الثاني، في هذه الحلقات يكشف عبد الرحمن محمد عارف رئيس الجمهورية آنذاك احداث قصة 17 تموز عام 1968.
يبدأ الرئيس عبد الرحمن محمد عارف روايته قائلا:

            اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

تسلمت تقريرا من مديرية الامن العامة صبيحة يوم 17/ 5/ 1968 جاء فيه انهم رصدوا بعض التحركات السياسية لعناصر بعثية دائمة الاتصال بعبد الرزاق النايف، وترتئي الدائرة عدم التحرش فيهم حتى تكتمل الصورة لعناصرها القيادية، وقد قمت بالاتصال فورا بالنايف وأبلغلته ان هناك عناصر بعثية تستغل اسمك في التحرك، فنفى ذلك، وأعرب عن عزمه لاعتقال من هو بعثي الا انني فضلت تأجيل الامر، كي لا افسد تحريات قوات الامن.

             اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

عندها عرفت ان هناك حركة ما لقلب نظام الحكم، وعلى اثر ذلك دعيت الى اجتماع في 28/ 5/ 1968 ضم اربع عشرة شخصية عسكرية وقومية من بينهم اعضاء في حركة الثوريين العرب الذين تركوا العمل قبل اسابيع، اضافة الى عبد الرزاق النايف وابراهيم الداود وولدي قيس وفي الاجتماع تمت مناقشة ما جاء في ذلك التقرير، من دون الايحاء الى مصدره، فأجاب النايف دون الاخرين:

بان ما ورد اليكم سيدي الرئيس هراء وليس له صحة والاحوال على جانب من الاستقرار الكبير

ويضيف الرئيس عارف:

طرح النايف علينا اقتراح نقل ضابط وضباط صف من الوحدات الفعالة المرابطة في بغداد او القريبة منها للشبهات التي تحوم حولهم لانهم من البعث العربي الاشتراكي، كما اقترح اعادة 27 ضابطا اوقفوا عن العمل بعد حركة تشرين الثاني عام 1963 ومنحهم جميع حقوقهم المغبونة، وتبين لي ”يقول عارف بعد انقلاب 17 تموز ان ضباط القائمة الاولى كانت من البعث اليساري”الموالي لسوريا “ والقائمة الثانية من البعث اليميني ”جناح عفلق “ وكان النايف يهدف من ذلك ابعاد القائمة الاولى كي لا تجهض حركتهم الانقلابية من قبل جماعة البعث اليساري.

ويكمل عارف حديثه مع الباحث هيثم غالب الناهي المنشور في كتابه خيانة النص قائلا:

   اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

استلمت خبرا في الثاني من حزيران مفاده ان السفارة البريطانية تلتقي بصورة مستمرة مع بعض الضباط، ما زالوا في السلك العسكري وبعضهم من المتقاعدين، وقد شوهد كل من حردان التكريتي واحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش واكرم الياسين يزورون السفارة البريطانية ليلا على شكل مجموعات لم تتجاوز الاثنين، وبواقع مرتين للفترة الماضية، التي لم تتجاوز الشهرين كما شوهد احمد حسن البكر مرات عدة يزور السفارة البريطانية منفردا كل ثلاثة ايام مع بزوغ الفجر حتى لا يكشف امره.

فقررت استدعاء البكر دون الاخرين لمعرفتي بكيده ونواياه وسبق وان حذرته من اللعب بما لا يحمد عقباه قبل سنة، حين كانت هناك شكوك حول تحركه السياسي، فتم اللقاء في داري مساء الثامن من حزيران عام 1968 وحين وصوله مترجلا من مسافة بعيدة من الباب الرئيسي صاح بمجرد ان رآني:”سيدي الرئيس انت فخر، انت عزة، لولاك ماكان لي اثر “.

فقلت: اجلس احمد، لي حديث خاص ومحرج معك، واحلفك بالله ان تجيبني بصراحة وتخرج معززا مكرما، خبرني هل انتم بصدد انقلاب وتغيير نظام الحكم، واذا كان كذلك لماذا تتجهون للاجنبي؟”شنو عدكم انسويه، العراق ما يتحمل نكسة “.

      اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

الا ان احمد حسن البكر ما ان انتهيت حتى قال لي بالحرف الواحد:

سيدي انت تدري، انا حتى من البعث اعلنت براءتي وانا الان تماما بعيد عن العالم السياسي.

   اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

فسألته وزياراتك للسفارة البريطانية فاجاب بكل صلافة:

”سيدي تعتقد اخون وطنيتي وموقفي من الانكليز وازور سفارتهم وانا واحد من ضباط 14 تموز وانت اكثر العارفين، ونبيك محمد وشايه.. “.

          اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

                      صالح مهدي عماش

فقلت له: اسمع احمد زين، وبلغ حردان وصالح وجماعتك الاخرين ما في اسهل من الاعتقال، لكن لا اريد ان اسيء لمن حمل الرتبة العسكرية وبعضكم كان معنا في خلايا ثورة 14 تموز 1958.

فراح البكر مجيبا:” سيدي والله لم افكر يوما بالتآمر عليك، ولم افكر يوما ان اطمح اصير رئيس، والواقع انا لحد يومك هذا أتأرق واخجل من رئاستي للوزراء في عام 1963 وما نتج عنها، انت اهلا للقيادة ونحن اتباعكم، راح اطلع منك للبيت الى ان انت دز عليّ “

وفعلا كما يذكر عبد الرحمن عارف ان البكر التزم داره حتى دخول البعثيين القصر الجمهوري وسألتهم: اين احمد؟ فقال في الاذاعة يذيع البيان الاول للثورة!فقال لهم: بلغوه ان عبد الرحمن يقول:”ان من علامته اذا وعد اخلف “

ويقصد عارف بذلك الحديث النبوي الشريف علامات المنافق ثلاث.. اذا وعد اخلف واذا تحدث كذب واذا ائتمن خان “.
في السابع عشر من حزيران سلمت الامن العامة الرئيس عارف تقريرا مفصلا عن خيوط الانقلاب العسكري وبمساعدة دول اجنبية من خلال سعد صالح جبر وناصر الحاني ويقول قيس نجل الرئيس عارف:

       اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

لم ار والدي حزينا مثل ليلة الثامن عشر من حزيران ولم اره مترددا مثلما وجدته ذلك اليوم، فمرة يأمرني الاتصال بفلان للحضور ومرة اخرى بعد دقائق يتراجع.

ومع صبيحة التاسع عشر من حزيران اتصل الرئيس عارف بالاستخبارات العسكرية واطلعهم على ما ورد له من تفاصيل، وطلب حضور كل من عبد الرزاق النايف وابراهيم الداود، ويقول الرئيس عارف:

حين واجهت النايف والداود بما يضمرانه مكيدة لي، تناول ابراهيم الداود كتاب الله ”المصحف الشريف “ من على طاولتي وقالا نحلف بالقرآن نحن اتباعك ونحميك اكثر من انفسنا ولا نتآمر عليك، ولكي يؤكد النايف موقفه مني قام على اثر ذلك بالقاء القبض على العديد من الضباط وضباط الصف والمدنيين من البعثيين، قدرت اعدادهم حينذاك بمائة واربعة وستين عسكريا وعدد لا يستهان به من المدنيين لان التقرير الذي ورد الي ينص على ان هناك انقلابا عسكريا يقوم به البعث العربي الاشتراكي مع دولتين عربيتين مجاورتين.

            اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

ويذكر الرئيس عارف ان المعلومات تلك اخذت من شخصيتين اردنيتين تم القاء القبض عليهما، وهما يرومان دخول السفارة البريطانية ببغداد بالمستمسكات بعد ان روقبا بدءاً من دخولهم الاراضي العراقية.لكن تبين فيما بعد ان عبد الرزاق النايف قد قام باعتقال العسكريين والمدنيين من البعثيين من جناح سوريا ليبقى الشارع فارغا لجناح عفلق.

ويبدو مما تقدم وسيرة عبد الرحمن عارف ان هذا الرجل كان حسن النية بدرجة مفرطة، فكيف لا يتحقق من الاشخاص المعتقلين بمعزل عن النايف اذا كانت التقارير تشير الى تورطه بالانقلاب! خاصة ان التقارير تؤكد ان جناح عفلق هو المتآمر وليس البعثيين بشكل مطلق!

       اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

ويبدو ان الصورة تتكرر فالبرغم من تقارير الامن والتحذيرات العديدة من الداخل والخارج فان عبد الاله”الولي على العرش “ ونوري السعيد بقيا مترددين ولم يتخذا ما يتطلبه الامر للحفاظ على النظام الملكي، وها هي نفس الصورة تتكرر لدى عبد الرحمن عارف.

المهم ان الرئيس عبد الرحمن عارف طلب من ابنه قيس الاتصال بالصحفي سامي فرج علي مراسل جريدة الانوار اللبنانية في بغداد وحال مجيئه يقول الرئيس عارف:

اخبرته مباشرة بوجود مؤامرة وشيكة الوقوع ضد العراق، ترأسها بريطانيا وتدعمها دولتان عربيتان ماليا وعسكريا والبعث هو المرشح.عليك بنشر تلك المعلومات من دون ذكر اسمي” اي اسم الرئيس عبد الرحمن عارف “ لكوني لا اريد الاحراج مع الدول المجاورة.

  اليوم العراقيون يستذكرون 17 تموز 1968

وكان صيد جريدة الانوار سمينا فقد نشرت المعلومات وبشكل تفصيلي مع تعليقات موسعة، ومانشيتات رئيسية وفي اليوم التالي تناولت الصحف الاخرى”عربية واجنبية “المعلومات واخذت تحلل ما اثار ضجة واسعة وقتها.

لكن سامي فرج علي لم يلتزم بما طلبه عارف من عدم ذكر اسمه وعدم الافراط ببعض التفاصيل بل ذكر كل ماحواه اللقاء والمعلومات التي تسلمها كما حذرت الانوار اللبنانية الشعب العراقي من مغبة عودة البعث ثانية كل ذلك جعل سامي فرج علي اول معتقل سياسي بعد 17 تموز عام 1968.ومع كل ذلك فالنتيجة هي وقوع الانقلاب في صبيحة 17 تموز.. ولم يفاجأ عبد الرحمن بدخولهم القصر، وكان جاهزا ليس كعادته فعندما سئل اين ترغب الذهاب؟ اختار عارف تركيا لسببين:

الاول قربها من وطنه الذي اجبر الرحيل منه والثاني لكونه توا كان عائدا من تركيا، وقد سلم اليه مفتاح مدينة اسطنبول فاجلالا لهم اختار تركيا ويقول عارف رب موقف لن انساه ابدا، هو وجود السفير البريطاني ببغداد في مطار بغداد حال دون مغادرتي العراق فقد صافحني وقال: وداعا هذا ثمن من لم يحترم التاج البريطاني .لنستكمل في الحلقة الثانية خفايا واحداث 17 تموز 1968 يرويها عبد الرزاق النايف وقادة حركة الثوريين العرب المرتبطة بالنايف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.