اسرار ضم الفرع للاصل بقلم اردني فليطلع العراقيون

اسرار ضم الفرع للاصل بقلم اردني فليطلع العراقيون

تنفرد «الشرق الأوسط» ابتداء من اليوم بنشر حلقات من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران، قبل نشرها في كتاب بعنوان «القرار»، سوف يحتفل بصدوره في 17 الشهر الحالي في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في عمان.

اسرار ضم الفرع للاصل بقلم اردني فليطلع العراقيون

وتزخر مذكرات بدران بالأحداث والمواقف التي يكشف عنها لأول مرة، وتوثق لمراحل مهمة مر بها الأردن خلال النصف الأخير من القرن الماضي. وسبق لمضر بدران أن أسس وترأس جهاز المخابرات العامة الأردني في نهاية ستينات القرن الماضي، ورئاسة الديوان الملكي على فترات، وكان قريباً من الملك حسين ومطلعاً على جوانب مهمة من صياغة القرار الأردني. وفي هذه الحلقة الأولى يروي بدران تفاصيل عن الجهود التي بذلها الأردن لمنع العمل العسكري العراقي ضد الكويت ويقول إن المساعي الأردنية كانت تهدف إلى إيجاد حل عربي – عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت. كما يتطرق إلى تفاصيل عن اتصالات الملك حسين مع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في الفترة التي سبقت حرب تحرير الكويت.

في 2 مايو (أيار) 1990 انعقدت القمة العربية في بغداد، وفي اجتماع مغلق مع القادة، خاطب صدام كلاً من الإمارات والكويت… كان الاجتماع متوتراً، وكانت قمة تتحدث صراحة عن الخلافات العراقية الكويتية.

وتحدث إلى العراقيين في إحدى الزيارات الرسمية لبغداد، بأن الكويتيين حفروا على حدودهم مع العراق، وسحبوا نفطاً خاماً من حوض مشترك مع العراقيين على الحدود (حقل الرميلة)، وذلك خلال انشغال العراق بحربها مع إيران. أثار ذلك استغرابي، وقدرت أنه سيسبب أزمة كبيرة بين البلدين.

كنا قريبين من العراقيين، تعبنا ونحن نحاول إقناعهم بأهمية ألا تصل الأمور بينهم وبين الكويتيين للعمل العسكري، ورغم أننا اتهمنا بأننا كنا نعرف عن احتلال العراق للكويت، لكنْ قطعاً لم نكن نعلم بذلك.

صحيح أن المؤشرات كانت واضحة لنا، وفكرنا بصوتٍ عالٍ في الأمر مع الراحل الحسين، وحاولنا أن نحذر صدام حسين من أي تهور على هذه الجبهة، لكن لم يكن لدينا أي علم بنية صدام اجتياح الكويت، أو بموعد ذلك الحدث الذي غير ملامح منطقتنا. وذهب فينا الظن إلى أن ما يقوم به صدام مجرد مناورات سياسية، عطفاً على مطالبة عبد الكريم قاسم سابقاً، بأن الكويت أرض عراقية، وهدد باسترجاعها، وقامت جامعة الدول العربية في حينها بإرسال قوات عسكرية للكويت.

كنت أعي أن صدام حسين الذي عرفته جيداً لديه نقاط حساسة لا يساوم عليها، فقد درست شخصية صدام، وأمعنت النظر طويلاً في تحليلها، وبقيت في الأشهر الثلاثة الأولى لمعرفتي به، أجلس في الاجتماعات صامتاً، فقط أريد أن أحلل شخصيته، فهو رجل يتعامل بانفعال شديد، إذا ما تعلق الأمر بالكرامة أو النخوة أو الشهامة. خلال زيارتنا الأخيرة لبغداد، وقبل احتلال الكويت، كان صدام قد أرسل رئيس وزرائه سعدون حمادي للكويت، حيث انتظر الأخير ليومين لمقابلة أمير الكويت، وهذا ما زاد (الطين بلة). بقيت الأمور تتطور، وحاولنا رأب الصدع بين الأشقاء، لكن محاولاتنا جاءت بعد أن ساءت الأمور كثيراً.

وقبل احتلال الكويت بأيام، كانت العواصم العربية تعج بالزيارات الثنائية والاجتماعات، وأذكر جيداً أنه في 29 و30 يوليو (تموز) 1990 وقبل احتلال العراق للكويت عقد اجتماعان منفصلان، الأول في السعودية بين ولي العهد الكويتي سعد العبد الله الصباح، ونائب الرئيس العراقي عزت إبراهيم الدوري، وكانت تعليمات صدام للدوري واضحة: «في حال وافقت الكويت على المطالب العراقية (خير وزين)، وإنْ لم توافق ارجعْ فوراً».

أما الاجتماع الثاني، فكان بين الملك الحسين والرئيس العراقي صدام حسين في بغداد، وتأخرت يومها عن اللحاق بالاجتماع بسبب قدوم رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي لعمان في زيارة رسمية. غادر صدقي للقاهرة، وغادرت أنا إلى بغداد حيث وصلت الساعة العاشرة ليلاً، وكان العشاء الرسمي قد انتهى، وجلست مع الراحل الحسين، الذي أبلغني عن توتر الوضع بين صدام والكويت.

طلبت أن أقابل صدام لأحذره من التهور والاستعجال، وبالفعل وقبل مغادرتنا – جلالة الملك وأنا – بغداد باتجاه الكويت حيث كانت وجهتنا مقررة سلفاً، قابلته وحاولت إقناع صدام بذلك.

لاحقاً، وبينما نحن في السيارة مغادرين إلى المطار، قلت لطه ياسين رمضان الذي كان النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي آنذاك، إنني لم أر صدام غاضباً لهذه الدرجة من قبل، وأضفت أن عليهم إقناعه بعدم التهور، فهذا سيضر بمصالحنا جميعاً.

في زيارة لاحقة خلال أيام احتلال الكويت، قال لي صدام حسين على ضوء حواري السابق مع رمضان: «بدك أبو نادية (طـه ياسين رمضان) يهدي علي، أنا من يهدي عليه خلال اجتماعات مجلس قيادة الثورة». لقد كان طارق عزيز هو الوحيد في القيادة العراقية الذي اتخذ موقفاً ضد حرب صدام على الكويت.

بعد ذلك وصلنا إلى الكويت، حيث بقينا في بالمطار والتقى الحسين بالشيخ جابر الأحمد الصباح، وبدا لي أن الأمور تتجه إلى مزيد من التوتر، وأن هناك نية لدى صدام لدخول الكويت التي كانت متمسكة برأيها، وكان العراقيون متشددين بموقفهم. أنا لم أحضر اجتماع الراحل الحسين بأمير الكويت، لكن بقيت ووزير الخارجية الكويتي وقتها، الشيخ صباح الأحمد الصباح، واقفين بانتظار انتهاء اجتماع الملك والأمير. هناك سألت الصباح، عن صحة ما يقوله العراقيون، عن الحوض النفطي المشترك بين البلدين، وسحْب الكويت النفط الموجود فيه، وأجابني بقوله إن هذا صحيح، وإنهم على استعداد للتفاهم على هذا الأمر، وإنهم أنتجوا من البئر 1700 برميل يومياً، وإن صدام يقول إن إنتاجهم تجاوز 2000 برميل نفط وأكثر. وعندها تأكدت أن صدام لن يتركها هكذا، لأن الموقف كله حدث وصدام مشتبك عسكرياً على الجبهة الإيرانية.

بعد عودتنا من الكويت طلبت مجلس النواب للاجتماع في جلسة سرية، وقلت في تلك الجلسة، إنني لن أتفاجأ إذا قام العراق باحتلال الكويت. كانت تلك الجلسة مساء يوم الأربعاء، وفي صباح اليوم التالي، الخميس 2 أغسطس (آب) 1990 دخل صدام الكويت، واستولى عليها كاملة في غضون أربعة أيام.

بعد أن احتل العراق الكويت واصلنا العمل للضغط على صدام للانسحاب، ولم نهدأ، ونحن نحاول الضغط عليه، تجنباً لأي عمل عسكري ضده تقوده أميركا وحلفاؤها.

وفي أحد الاجتماعات استطعت أن أحرج صدام حسين، وأضغط عليه بفكرة الانسحاب، قلت له: «أنت لم تكن تنوي أن تجتاح الكويت». لم يعجبه كلامي، لكنه اعترف بصحته، وقال إن قائد الكتيبة الذي ذهب إلى الحدود العراقية الكويتية، أبلغه أنه لا وجود لقوات كويتية على الحدود، وإنه سأل صدام: «هل أكمل الطريق نحو العاصمة؟»، فأجابه: «نعم»، وهذا ما جرى. استغربت أن من جملة الأسباب التي أدت إلى تلك الكارثة، اجتهاد قائد كتيبة عراقي، بطريقة غير صحيحة، عندما عاد إلى صدام لأخْذ رأيه، والأصل ألا يعود له ويكتفي بتنفيذ الأوامر الموجودة عنده.

وساطة أردنية لحل الأزمة

استمرت مساعي الحسين للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، فقد أعلن الراحل الحسين أنه أخذ وعداً من الرئيس المصري حسني مبارك والملك فهد بن عبد العزيز، بقبول وساطته للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، مقابل عقد قمة مصغرة في جدة. حيث طار الملك الحسين إلى بغداد في اليوم التالي لإتمام الاتفاق، وكان الاتفاق على عقد اجتماع قمة مصغر، إذا ما أخذت القيادة العراقية قراراً بالانسحاب السريع المحدد من الكويت.

القضية عند هذا الحد كانت في طريقها إلى الحل الكامل. والراحل الحسين أخذ موافقة العراقيين على الاجتماع في جدة، وطلب صدام حسين الرجوع لقيادة الحزب، لأخذ قرار الانسحاب من الكويت، وكان ذلك في تمام الساعة الرابعة عصراً، وقال صدام إن عزت إبراهيم سيتصل للإبلاغ بخبر الانسحاب.

فهمنا أن العراقيين مرنون بالتفاوض على مبدأ الانسحاب. ووصلنا مطار ماركا في الساعة 5:15 مساء.

وقد أدلى الراحل الحسين بتصريحات لشبكة CNN، وبعد أن صدرت التصريحات عادت مصر والسعودية عن موافقتهما لحضور القمة المصغرة والقمة الموسعة، وقال صدام للحسين: «إذا صدر قرار مجلس الجامعة بإدانة العراق، ترى يا أبو عبد الله كل واحد بأرضه».

وكان الاتفاق مع حسني مبارك على تأجيل اجتماع مجلس الجامعة، لتنجح الوساطة، إلا أنه في تمام الساعة 11 ليلاً، صدر قرار مجلس الجامعة العربية، وقد كنا أبلغنا وزير خارجيتنا مروان القاسم، أن على اجتماع الجامعة أنْ يستمع لخبر مهم عند الساعة العاشرة ليلاً، يتضمن موافقة مجلس قيادة الثورة العراقية على الانسحاب من الكويت، وحضور القمة المصغرة في جدة. بعد صدور قرار مجلس الجامعة، عرفنا أن الأمور أكبر من تحركاتنا الدبلوماسية، عندها أرسل سفيرنا في القاهرة مشروع قرار مجلس جامعة الدول العربية، الذي سيبحث في قمة القاهرة، يوم 5 أغسطس.

انعقدت قمة القاهرة وكانت مليئة بالمفارقات لأن المصريين قبل القمة كانوا قد أعلنوا موقفهم بإرسال قواتهم إلى حفر الباطن، وبالتالي موقفهم كان محسوماً في الأزمة، ولم يعد هناك أي مبرر للقمة. لم تأخذ القمة القرارات بالإجماع العربي، بل كان قرارها قرار مجموعة عربية.

كان وزير الخارجية مروان القاسم يحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب قبل القمة، وبعث للراحل الحسين بأن موقف القمة يذهب باتجاه «شجب وإدانة» اجتياح العراق للكويت، بشكل يحاكي قرار مجلس الأمن.

كنا في قصر الندوة صباحاً، أنا وزيد بن شاكر وعدنان أبو عودة، ولدى سماع الملك الحسين بالقرار غضب كثيراً، وقال: «الله أكبر، شو تركوا للوساطة»، وقال لنا أنْ نبلغ القاسم أن قرار الأردن التحفظ على القرار العربي.

بالنسبة للأردن، كنا لا نزال فاعلين على خط الوساطة مع صدام، لدفعِه للخروج من الكويت… وكان موقفنا في قمة القاهرة هو مع تشكيل لجنة عربية مصغرة، تقدم تقريرها خلال مدة محدودة، وأردنا من القرار أن نستفيد من الوقت، لصالح جهود الوساطة، كما أردنا من التقرير أن يسند الموقف العراقي، ويبين جوهر الخلاف بين العراق والكويت.

لم تتوقف مساعي الأردن لإيجاد حل عربي عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت، ولذلك قدمنا اقتراحاً بأن ننشر نصف جيشنا العربي على الحدود السعودية العراقية، وأن يكون جيشنا تحت تصرف السعوديين بالإضافة إلى الجيشين المصري والجزائري، فقد كنا على يقين بأن صدام حسين لن يضرب جيشاً عربياً، لكنه سيدمر أي جيش أجنبي، وسيشتبك معه.

لكن مقترحاتنا لم تتوافق مع التصورات الخليجية حول ما يجري، وهذا ما عقد من نجاح مبادرتنا للحل العربي العربي، إذْ بات جلياً أن التصور الخليجي استند إلى أن الاجتياح العراقي للكويت ناتج عن تنسيق أردني عراقي يمني فلسطيني، وأن الملك الحسين يعرف بالاجتياح… وأمام كل تلك الإشاعات والمعلومات الخاطئة، أخذ الخليج موقفه من وقف المساعدات للأردن.

وقال الملك حسين في أحد اجتماعاته بمجلس الوزراء، نهاية العام 1990 إنه اكتشف مؤخراً أن هناك حملة مركزة تجاه قيادات في الخليج العربي والمملكة العربية السعودية مستمرة منذ ما لا يقل عن سنتين، سعت لأن تعطي انطباعاً لهم بأن هناك تآمراً يستهدف الخليج والسعودية، وأن هذا الانطباع يؤكد وجود أهداف مرسومة عند العراق والأردن واليمن، وهو ما فسره الراحل الحسين على أنه السبب وراء معاناتنا خلال الفترة الماضية، وكيف كانت الوعود بالمساعدات لا تنفذ.

رحم الله الحسين، كان ينظر للعراق على أنه أمل جديد، وظاهرة عربية جديدة، وكان حريصاً على الخروج من المحنة قوياً صلباً معافى… لكن الملك كان يريد فعلاً الربط بين انسحاب العراق من الكويت، وانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية والقدس، حتى مع الرفض الأميركي والبريطاني لذلك، حيث كان يجد في الأمر فرجاً لحل القضية الفلسطينية. وقد دعم الراحل الحسين صدام في المبادرة التي أعلنها في 12 أغسطس 1990 حيث وضع القضايا العربية في سلة واحدة.

مساعي منْع العمل العسكري

رغم التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، كان الحسين يسعى من خلال الجهود الدبلوماسية لمنع العمل العسكري، وزرنا بالفعل واشنطن، والتقينا بالرئيس الأميركي جورج بوش، وقال بوش للحسين: «لن أسمح للعراق ولا لصدام ولا لأي أحد آخر، أن يتحكم بالنفط، لأنه مستقبل الأجيال في الولايات المتحدة والغرب، وصدام يريد الاستحواذ على 20 في المائة من احتياطي النفط في العالم، وهذا بالنسبة لنا أمن قومي، ولن نسمح لصدام بانتهاكه».

الحسين شرح في تلك الزيارة حيثيات الأزمة بين العراق والكويت، وأن فرص الحل العربي قد تؤجل الحرب في المنطقة. وأشار الحسين إلى أن حماية السعودية من أي تهديد عراقي تكون بوضع قوات عربية على الحدود العراقية السعودية. وجدد الحسين مطالبه بوقف حملات التصعيد ضد العراق، وحذر من أن العراق سيبادر برد الفعل على كل فعل أميركي.

الحركة الدبلوماسية للراحل الحسين لم تقتصر على واشنطن، ورافقناه في العديد من الجولات. قمنا بزيارات لشمال أفريقيا وأوروبا، وعدنا بانطباعات كثيرة، منها أن موقف ليبيا (مخلخل)، والتدخل العراقي بالكويت هو سبب التدخل الأجنبي في المنطقة بحسب قولهم.

بالنسبة لبريطانيا، فقد كانت تؤيد الحرب وتريد إسقاط صدام حسين، لا بل إن موقفها متشدد ومتطرف جداً من استمرار نظام صدام حسين رئيساً للعراق، بحسب ما فهمنا من البريطانيين، فهم لا يعيرون اهتماماً لِمن سيحكم الكويت بعد الحرب، المهم بالنسبة لهم إسقاط صدام، وهو ما استمعنا إليه من (مارغريت ثاتشر) والتي تمتلك عقلية ديكتاتورية كاملة، كأنها خارجة من استعمار الهند للتو.

بالنسبة للفرنسيين، فقد أبلغنا الرئيس الفرنسي «فرنسوا ميتران»، أنه متألم من موقف العراقيين، ومنزعج من صدام، لكنه لا يزال يعمل على تفعيل مبدأ الحل السلمي السياسي، وليس العسكري. أما ألمانيا، فكانت ضد استخدام القوة، وغمزوا لنا بأن ثاتشر هي من تدفع جورج بوش الأب لهذا الموقف ضد العراق.

في تلك الجولة، فشلت زيارتنا لموسكو، بسبب تضارب المواعيد، وبعدها توجهنا إلى بغداد، لوضعهم بصورة كل التطورات. قابلت طارق عزيز، وكان كلامه لا يوحي بالتفاؤل، لكنه ليس القائد، لذلك بقيت متفائلاً قليلاً. في أحد الاجتماعات هناك، تحدث قائد عسكري رفيع، وكان اسمه خلدون سلطان، وهو فريق في الجيش العراقي، قلنا للعراقيين في تلك الزيارة، إن هناك أفكاراً يمكن دعمها إنْ أبدى العراق المزيد من المرونة، فمن الممكن الانسحاب الأميركي من المنطقة والخليج، وأن يكون ذلك متزامناً مع خروج العراق من الكويت، وهذا يدور اليوم في أروقة مجلس الأمن، كما أكدنا لهم أن بوش من قال إن الحكومة الكويتية ليست مشكلته الرئيسة، وإنما الأهم عنده هو انسحاب العراق من الكويت.

في زيارتنا للعراق التي أعقبت الجولة الدولية، كان لقاء الراحل الحسين مع الرئيس صدام صريحاً جداً، وكاشف الزعيمان بعضهما بعضاً بكل ما يجول في خاطرهما، والنتيجة التي وجدنا صدام ممسكاً بها، هي ما طرحه في اجتماع سابق في 12 أغسطس 1990، وهو الذي تضمن مبادرة العراق في ربط انسحاب العراق من الكويت بحل القضية الفلسطينية، وأنْ لا عودة عن هذا القرار، فالمرونة ستفسر على أنها تراجع، وصدام قال: «لا تراجع عن هذا الموقف، والكويت محافظة عراقية، وانتهى الأمر».

على الجهة المقابلة، كان وزير الخارجية مروان القاسم، ينفذ جولة دبلوماسية على دول الخليج، وكم كانت تلك الزيارة ثقيلة عليهم، وصعبة علينا. كانت الزيارة بهدف تجديد التوضيحات حول الموقف الأردني.

قطر لم تجب على رسالتنا، فلم نزرها. وفي عمان، كان السلطان قابوس قد أظهر بعض الإيجابية، خصوصا أنه لم يتجاوب مع كل مطالب الأميركيين. الإمارات كانت في حالة غضب، ويقولون لنا: «هيك الملك حسين يعمل فينا! واحنا اللي ساعدناه»، فقد كانوا يعتبرون أن موقف الراحل الحسين في كفة، وموقف العالم كله في الكفة الأخرى.

كان ذلك يعني بالنسبة لنا في الأردن، قطْع المساعدات العربية، وهو ما أبلغناه لمجلس النواب، وأننا بوضع اقتصادي صعب، حيث طلبنا من ليبيا دفْع المساعدات، فسألونا عما إذا كان صدام حسين أعطانا من أموال البنك المركزي الكويتي، فأبلغناهم أن أميركا قالت لنا إن صدام حسين لم يستطع فتح خزنة البنك المركزي الكويتي، وفك شيفرة الكومبيوتر الخاص بها.

قبل قصف بغداد بأيام، زرت دمشق، وقابلت الرئيس حافظ الأسد لمدة ست ساعات متصلة، وقلت له إن الحرب الدائرة ليس لنا علاقة بها، وإن العلاقة السورية العراقية تحسنت مؤخراً، وهو ما يسند الأردن ويدعمه أمام التحديات الأهم وهي القضية الفلسطينية. وأن قوة العراق لكل العرب، وليست لصدام وحده. وسألت الأسد: «كيف سيوفق السوريون بين وجود جيشهم في حفر الباطن، ووجوده في الجهة الأخرى إذا ما حدث لنا أي شيء من جهة الإسرائيليين؟!».

ليجيبني الرئيس السوري بقوله إن أي هجوم إسرائيلي على الأردن هو هجوم على سوريا، وإن جيشه سيتدخل فوراً، ولن يترك الأردن وحده في مواجهة إسرائيل.

حاولت في ذلك الاجتماع الطويل، أن أدعو الأسد لمصالحة صدام، لكن الأسد قال لي إن الحسين أغلق الباب علي وعلى صدام في الجفر لمدة 14 ساعة للتفاوض على أساس المصالحة، لكنْ فشل ذلك الاجتماع بسبب غرور صدام، وغروره هو ما سيقتله.

كان السبب الجوهري لزيارتي الطلب المباشر من حافظ الأسد بالموافقة على تأمين الأردن بالنفط في حال قطع النفط العراقي عن الأردن. وأصدر الأسد أوامره لرئيس الوزراء السوري محمود الزعبي، بتأمين احتياجات الأردن من النفط، متى ما طلبت الحكومة ذلك، وبعد خروجي من عند الأسد، قال الزعبي إن ما طلبته من صلاحياته، وما من داعٍ لتدخل الرئيس الأسد بالأمر، فقلت له: «هكذا أضمن تنفيذ طلبي». وبالفعل، في أحد الأيام، التي طلبت فيها النفط من سوريا، منع وزير المواصلات السوري خروج الصهاريج المحملة بالنفط من العاصمة السورية دمشق إلى الحدود السورية الأردنية، فاتصل معه الزعبي وأبلغه أن الرئيس الأسد هو الذي أمر بذلك، وليس أي أحد آخر.

لم تتوقف وساطاتنا لحل الأزمة تفاديا للعمل العسكري، وقبل شهرين من الحرب ذهبت لبغداد، حاملاً رسالة من الراحل الحسين إلى صدام، واجتمعت بالرئيس العراقي نحو ساعتين ونصف الساعة، كان سبب الرسالة المستجدات بحركة الممثل الشخصي لرئيس الاتحاد السوفياتي غورباتشوف، والاتصالات حول التوجه الفرنسي الداعي للحل السياسي للأزمة. وكالعادة، أعاد صدام حسين تأكيد موقفه الثابت، وأن الانسحاب من الكويت غير وارد، في تلك الزيارة، شعرت أن العراق ذاهبٌ لخيار الحرب، وقال لي فيها صدام: «فلتحدث الحرب… ولا تنازل، وإن العراق لن يبدأ الحرب، لكن إن بدأوا بالحرب فالجاهزية عالية، ويخطئ من يظن أن الحرب ستكون سريعة».

سامي عبداللطيف النصف

استدعت الحلقات التي تنفرد «الشرق الأوسط» بنشرها من مذكرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران عن حرب الخليج الثانية، قبل نشرها في كتاب بعنوان «القرار»، سوف يحتفل بصدوره في 17 الشهر الحالي في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في عمان، ردوداً من سياسيين وكتاب خليجيين عاصروا تلك المرحلة بكل تفاصيلها، وتابعوا مجرياتها كل من موقعه.

فتداعيات تلك الحرب التي غزا فيها العراق بقيادة صدام حسين الكويت قبل 30 عاماً، كانت كبيرة على المنطقة وخلفّت آثاراً سلبية على دولها، خصوصاً الكويت التي تكبدت خسائر كبيرة نتيجة للغزو وعملية تحريرها التي شارك فيها تحالف دولي بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع.

وبحسب بدران فإن مذكراته تذخر بالأحداث والمواقف التي يكشف عنها للمرة الأولى، وتوثق لمراحل مهمة مر بها الأردن خلال النصف الأخير من القرن الماضي، إضافة إلى تفاصيل عن الجهود التي بذلها الأردن لمنع العمل العسكري العراقي ضد الكويت، ويقول إن المساعي الأردنية كانت تهدف إلى إيجاد حل عربي – عربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت.

لكن رواية بدران لتلك الأحداث والوقائع والمفاوضات التي أجريت مع النظام العراقي لينسحب من الكويت، إضافة إلى الظروف السياسية والاقتصادية في تلك الحقبة والأسباب التي ساقها العراق لاحتلاله الكويت وما إلى ذلك، لم تلق قبولاً لدى بعض الكتاب الخليجيين فأرادوا أن يحاججوه بالوقائع والأدلة، خصوصاً أن بعضهم رأى فيها «نكأً للجراح»، وبعضهم الآخر اعتبر أن فيها أقوالاً كثيرة «غير دقيقة» وأنها تعتمد على الذاكرة وليس على الوثائق.

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثلاثون للغزو الصدامي الغادر للكويت، ومعروف أن كل الأعذار والذرائع التي استخدمها صدام ورهطه لتبرير الغزو والغدر وسفك الدماء قد تساقطت، وأقر صدام بذنبه ودفع التعويضات، كما تقدّم باعتذار معلن للكويت، ومثله قبل مدة، اعتذار نائبه عزة إبراهيم، ولم نعد نسمع حتى من العراق والعراقيين من يبرر ذلك التعدي، حتى قرأنا مذكرات رئيس وزراء الأردن آنذاك السيد مضر بدران الذي عاد لتكرار قلب الحقائق ومحاولة إقناع القارئ بأن الحمل الصغير، أي الكويت، يمكن أن يتحرّش ويحاول افتراس الذئب الكبير ممثلاً في العراق، حيث تبنّى جميع دعاوى صدام وجعلها مسلمات لا يأتيها الباطل من أمامها أو خلفها. لذا وجدت لزاماً أن أرد، خصوصاً أن هناك شباباً كانوا أطفالاً أو لم يولدوا بعد إبان تلك الكارثة الكبرى…

معروف أن صدام وصل إلى مركز القوى بالسلطة بعد انقلاب يوليو (تموز) 58، وبدأ على الفور عمليات إبادة غير مسبوقة بقصر النهاية، ثم انقلب على الشيوعيين والأكراد، وبدأ بحروب مدمرة ضدهم وتصفيات غادرة للقيادات السياسية والعسكرية وألحقها حال وصوله إلى الحكم عام 79 بمذبحة قاعة الخلد، وانقلابه على مشروع الوحدة مع سوريا، وبدء هجومه على إيران عام 80، واستخدم إبانها الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً ضد الأكراد من شعبه في عمليات الأنفال 87 – 88 ولم يسمع العالم قط قبل ذلك بمن استخدم أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه.

مع انتهاء حربه مع إيران في 8-8-88 بدأ، منذ ذلك الوقت المبكر، بالتحضير لغزو الكويت عبر عرض معاهدات عدم اعتداء على جيران العراق ومنهم إيران واستثناء الكويت من تلك المعاهدة، كما يذكر الفريق الركن رعد الحمداني، وهو أحد قيادات الحرس الجمهوري التي غزت الكويت، في كتابه «قبل أن يغادرنا التاريخ». ويقول إن صدام بعد أيام من انتهاء الحرب 88، طلب منهم الاستعداد لخوض حرب أخرى، وأنهم في صيف 89 قاموا بمناورات بالصحراء جنوب العراق، أي أن التهديد والوعيد الصوتي كان يوجَّه غرباً نحو إسرائيل، بينما تتجه القوات جنوباً نحو الكويت. ويضيف الحمداني في شهادته، أنه تم استدعاؤه إلى مقر رئيس الحرس الجمهوري إياد فتيح الراوي أوائل شهر يوليو 90 وأُخبر بصريح العبارة بعد أن أقسم على القرآن بكتمان السر، أن يستعد وفيلقه لغزو كامل للكويت، وهو ما يعني أن قرار الغزو كان منتهياً منه، وأن لقاء صدام مع السفيرة الأميركية غلاسبي ومؤتمر جدة أواخر شهر يوليو، كانا تحصيل حاصل بالنسبة لصدام ومن معه من متآمرين، ولا يمكن وضع اللوم على ما جرى فيهما لتبرير الغزو…

أما أكذوبة الزحف المبرمج للكويت على المزارع وحقول النفط العراقية، فقد طالبت الكويت فور صدور المذكرة العراقية منتصف يوليو 90، بإيجاد حل عربي لا غربي للإشكال عبر تشكيل لجنة من الجامعة العربية تزور الحدود وترى على الطبيعة ما يجري، وتتعهد الكويت بشكل مسبق، بقبول توصياتها. وقد رفض صدام الحل العربي، وطالب بحل ثنائي، كان سعدون حمادي قد تقدم به لأمير الكويت إبان زيارته للبلاد في ربيع 90، ومضمونه مطالب مالية مليارية ضخمة وشق سياسي وأمني يمس سيادة الكويت، وبه مقابلة الإحسان بنكران الجميل، حيث طلب العراق «تقنين» التسهيلات التي منحتها الكويت للعراق إبان حربه مع إيران في الموانئ والمطارات الكويتية، حيث طالب بألا تصبح تلك المواقع تحت السيادة الكويتية، بل ضمن معاهدة دفاعية تسمح للعراق باستخدامها عند حاجته إليها من دون مشورة الكويت. وكان رد المسؤولين الكويتيين أن ذلك احتلال مقنن، وتساءلوا عمّا سيحدث لو دخل العراق في حرب مع السعودية أو أي دولة خليجية، فهل يُعقل أن تستخدم الموانئ والمطارات الكويتية ضد تلك الدولة الخليجية؟

ولم تتوقف المطالبات التعجيزية عند ذلك الحد، بل كانت هناك مطالبة بالسيطرة العراقية على كل الجزر الكويتية بما في ذلك فيلكا المأهولة بالسكان. والغريب أن العراق لم يقدم أي مقابل لتلك المطالب، فلا تحديد للحدود ولا معاهدة عدم اعتداء، كما حدث مع الآخرين، ولا تعهد بدفع أو توقيف المطالبات المالية المليارية. وكان واضحاً أن تلك المطالبات وُضعت لتُرفض، كي يتلوها الغزو المخطط له منذ عامين، والذي يراد به، كما تقول إحدى النظريات، إشغال أو تدمير الجيش العراقي كي لا ينقلب على صدام خصوصاً بعد اكتشاف مؤامرة لاغتياله إبان العرض العسكري في 6 – 1 – 90 من ضباط عشيرة الجبوري.

أما الادعاء بأن الكويت لم تلتزم بحصتها المقررة من «أوبك» مما أثر على أسعار النفط، فالرد عليه واضح وسهل، فالإنتاج الكويتي آنذاك لم يتعدَّ 800 ألف برميل مما مجموعه 77 مليون برميل من الإنتاج العالمي للنفط، فهل يُعقَل بمن ينتج هذه الكمية الضئيلة أن يتحكم بأسعار النفط ارتفاعاً وهبوطاً؟ وقد صدر آنذاك عن «أوبك» قائمة بـ9 دول قادرة فنياً على تجاوز حصتها، لم تكن بينها الكويت. ولو كان تجاوُز الحصص جريمة تتسبب بخفض الأسعار، لكان المدان الأول بها صدام الذي أعلن عدم تقيد العراق بأي حصة لحاجته إلى الأموال للإعمار. مثل ذلك القول بأن الكويت كانت تسرق 2000 برميل من حقول عراقية وأنها تمددت على المزارع العراقية، أيْ منطق تحرُّش الحمل بالذئب، وقد أثبتت لجنة الحدود الأممية التي كان العراق عضواً فيها أن العراق هو من تمدّد على الأراضي وحقول النفط الكويتية، وقام طبقاً لذلك بالانسحاب من الكويت لا العكس. ويجدر القول إن السعودية والكويت خصصتا نفط المنطقة المحايدة بينهما للعراق دعماً له، وكانت حصة الكويت 200 ألف برميل، فهل يُعقل أن تمنح الكويت العراق إبان حربه مع إيران تلك الكمية لتسرق ألفي برميل من نفطه؟ لقد ثبت أن الكويت كانت تُخرج النفط من حقولها الصغيرة بالشمال الواقعة ضمن الأراضي الكويتية.

لقد توقّعنا يا دولة الرئيس بعد مرور 30 عاماً وتكشّف الحقائق الجلية، أن نقرأ اعتذاراً أو تصحيحاً أو تفنيداً لدعاوى صدام الكاذبة لا تكرارها. كما تمنينا، وكما قمتم بقيادة سيارتكم لـ20 ساعة ذهاباً وإياباً من عمان إلى بغداد لمشاهدة ما فعلته الحرب بها على الطبيعة، أن تستقلوا الطائرة المريحة لمدة ساعة من بغداد إلى الكويت لتروا ما فعله جند صدام ومن عيّنهم حكاماً عليها من أرذل وأشرس الخلق، شقيقه ورئيس مخابراته الدموي سبعاوي الحسن ثم تلاه ابن عمه علي حسن المجيد الكيماوي، بالشعب الكويتي المسالم والمجازر التي ارتُكبت بحقه، ولترى كذلك كيف تغيرت أحوال رعيتكم العاملين بها من أردنيين وفلسطينيين للأسوأ، مقارنةً بما كانوا عليه من رفاه ورغد عيش قبل ذلك.

ووددنا كذلك لو أبديتم رأيكم ولو بشكل عارض في إشعال رجال صدام الحريق في آبار النفط الكويتية التي شكّلت أكبر كارثة بيئية بالتاريخ وأحالت نهار الكويت، لأشهر طويلة، إلى ليل مظلم، ولو سألتموه عن سبب خطفه وقتله مئات الأسرى الكويتيين؟ وهل قتل الأسرى العزّل من صفات الكرامة والنخوة والشهامة التي وصفتَ بها صدام؟

لقد اشتهر عن صدام قوله الشيء والعمل بعكسه. فهو من أصدر البيان القومي العربي عام 80 الذي يمنع تعدي دولة عربية على أخرى، وشقيقه ورئيس مخابراته ومن جعله حاكماً على الكويت سبعاوي الحسن، هو من أصدر عام 88 كتاب «حل النزاعات بين الدول العربية»، والذي حرّم خلاله استخدام القوة. كما أعلن صدام في لقاء صحافي عام 89، أن تهديد دولة عربية لأخرى يدفعها للاستعانة بالأجنبي لمواجهة الشقيق، وعاد وخالف كل ما قال، ولم تقل له أو تذكّره القيادة الأردنية بتلك الأمور، بل قامت ومعها القيادة الفلسطينية، بطمأنة الكويت وادّعت أن صدام لن يستخدم خياره العسكري.

لقد خطط صدام لحربه الأولى بعزل الرئيس البكر، ومهّد لحربه الثانية وغزو الكويت بقتله وزير دفاعه المحب للكويت ودول الخليج المرحوم عدنان خير الله، ولم تكن الأحداث في عهد صدام وليدة الصدفة، بل عمليات تخطيط وتآمر ورهانات خاسرة دائماً. ومع الغزو استمرت الدبابات العراقية ولم تتوقف إلا على الحدود السعودية، وكان بإمكانها منح الطمأنة عبر التوقف عند ضواحي المدن الكويتية بعيداً عن الحدود السعودية. وبدأت المؤامرة الرباعية التي طُبخت في مجلس التآمر العربي الذي انسحبت منه مصر، تطل برأسها بشكل فاضح. فالملك حسين طلب أن يلقَّب بـ«الشريف حسين» والرئيس اليمني يطالب بجنوب المملكة، وياسر عرفات وبعد أن أُخرج من عمان وبيروت بات يحلم بجعل الكويت مستقراً له يحكمه خصوصاً مع مواصلة صدام زحفه لنفط المنطقة الشرقية، المخزون الأكبر في العالم. وقد أخلّ الملك فهد، بذكائه ودهائه بتلك المؤامرة، بدعوته القوى العربية والدولية للقدوم للمملكة، وكان مستغرباً جداً احتجاج القيادة الأردنية تحديداً على ذلك الطلب الذي كانت هي أول من قام بمثله حال قيام انقلاب 14 يوليو 58، حينما طلبت على الفور من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا إرسال قوات إلى الأردن. فقامت بريطانيا بإرسال الآلاف من جنودها من قاعدتها في قبرص بالطائرات عبر الأجواء الإسرائيلية إلى عمان، وقد أنزلت أميركا قواتها في لبنان ورفضت إرسالها إلى الأردن، بعد أن تنامى لعلمها أن الأردن يريد من تلك القوات الأميركية وبالتعاون مع ضباط عراقيين، الزحف إلى بغداد وإسقاط النظام الجديد هناك، وأن الاتحاد العربي الذي يضم الأردن والعراق يسمح بذلك، إلا أن الولايات المتحدة لم ترغب في الدخول في ذلك الصراع…

إن الحل العربي الذي ذكره الرئيس مضر بدران وذكره كذلك «الكتاب الأبيض» الأردني، تضمن أكذوبة تعهد صدام بالانسحاب من الكويت حال عقد قمة في جدة تضم السعودية والعراق ومصر والأردن. وهذا ما كذّبته مصر في ردها على «الكتاب الأبيض»، إذ قالت إن صدام ولا حتى الملك حسين لم يتحدثا قط، عن انسحاب عراقي، وكل خطب ولقاءات صدام إبان الغزو تكذّب ذلك، وقد أصرّ حتى يومه الأخير على عدم الانسحاب رغم رؤيته للقوة الأعظم بالتاريخ تحتشد أمامه، فهل يعقل أن ينسحب لقاء قمة مصغرة؟

وأما الغضب الصدامي – الأردني المشترك من تطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالكويت وعدم تطبيقها في القضية الفلسطينية، فلا يقول بها مبتدئ علوم سياسية ، فجميع قرارات القضايا العربية صدرت من «U.N» تحت البند السادس من الميثاق الذي يحث على الحوار لحل الإشكالات العالقة، وكان الفلسطينيون والعرب هم من يرفضون الحوار، أي يرفضون تطبيق القرارات الأممية. أما غزو صدام فقد صدرت قراراته تحت البند السابع الذي ينص على استخدام القوة إذا فشل الحوار، وهو ما تم وشهد العرب والعالم للمرة الأولى توحّد الشرق والغرب على دعم الحق الكويتي كما لم يشهد التاريخ من قبل…

لقد اعتذر صدام وتراجع عن دعاواه الكاذبة، واعتذرت المنظمة، فما الحكمة من إعادة دولة الرئيس مضر بدران تلك الأكاذيب، وأن يكون صدامياً أكثر من صدام؟

يُقال «عامل الناس كما تحب أن يعاملوك»، وأختم بسؤال دولة الرئيس عن مقدار قبوله بتبادل الأدوار فيما لو أن صدام بعد أن أنشأ جيش القدس وهدد بحرق نصف إسرائيل قد توجه غرباً وهو الاتجاه الجغرافي الصحيح واجتاح الأردن وعاث بها وبشعبها فساداً وقتلاً وتدميراً بحجه خدمة القضية الفلسطينية والتحرير الكاذب للقدس، فهل سيرضى كل من الكويت والسعودية ودول الخليج بالاصطفاف مع صدام ومحاولة منع صدور إدانة لفعله من الجامعة العربية والأمم المتحدة ومنع وصول القوات الدولية والعربية لتحرير الأردن من احتلاله بحجة أن هناك حلاً عربياً لا تُعرف تفاصيله ولم يقل به صدام؟ الإجابة واضحة يا دولة الرئيس.

في هذه الحلقة الثانية من مذكرات رئيس الوزراء الأردني السابق مضر بدران التي تنشرها «الشرق الأوسط»، يروي تفاصيل عن استعدادات الأردن لمواجهة آثار الغزو العراقي للكويت على الأردن، ومنها إشراك الإسلاميين في الحكومة التي كان يرأسها ومحاولة تفادي الأزمة الاقتصادية نتيجة انقطاع إمدادات النفط العراقي.

كما يذكر بدران تفاصيل الزيارة الخطرة التي قام بها إلى بغداد في اليوم الثاني للحرب، ولقاءه مع طه ياسين رمضان وطارق عزيز، وما فوجئ به من نقص الاستعدادات في صفوف الجيش العراقي لمواجهة الحرب.

ظلَّ صدام متمسِّكاً بموقفه، من أنَّ الجندي العراقي، سيقبل الانسحاب من الكويت فقط إذا انسحبت إسرائيل من القدس والأراضي المحتلّة. طبعاً، كانت تلك فرصة لإسرائيل لتدمير العراق بسلاح أميركا.

لكن، الخلاصة التي اقتنعتُ بها مبكراً، بعد فشل مبادرات الملك الحسين، ومبادرة الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، أنَّ أميركا كانت تبلغ سفيرنا لديها، وأبلغني سفيرهم عندنا، أنَّ المُبادرات لن تمُرّ، وأن الأميركان وجيشهم صاروا على الأرض.

في تلك الفترة بدأنا نرصد تداعيات الموقف الدولي من العراق، وإنْ كانت الحرب قريبة أم بعيدة، وأخذنا احتياطاتنا. كان هناك بعض التفاؤل، لكن قطعاً هذا لا يكفي. ولتمتين جبهتنا الداخليّة أجريتُ تعديلاً وزارياً في 1 يناير (كانون الثاني) 1991، حيث أشركتُ نواب الحركة الإسلاميّة في حكومتي، وفي تلك الأثناء كانت تُقرع طبول الحرب، وكان لا بدّ من عمل جماعي، كما أنّني منذ تشكيل الحكومة كنتُ قد التزمتُ بتوجيهات الحسين بإشراك الإسلاميين في الحكومة، وأعتقد أنَّ الظَّرف كان مناسباً لدخولهم الحكومة، فقد كانت أوامر الحسين منذ تشكيل الحكومة بإدخال الإسلاميين، حتى إنه قال لي «يا أبو عماد إذا بدهم التربية والتعليم أعطيهم إيّاها»،

عندها عرفتُ أنه يريد ذلك لأمر ما. كان موقفي متشنِّجاً تجاه اختياراتهم للحقائب الوزارية، ورفضتُ أن أعطيهم وزارة التربية، وخضتُ معهم في مفاوضات لمدة ثلاثة أيام، وكل يوم يعودون لي بأسماء، وأقول «أنا أطلب منكم حقائب، أمّا الأسماء فهذا قراري وليس قراركم».

في أوَّل اجتماع لمجلس الوزراء بعد التعديل، وضعنا الأوراق على الطاولة، كان التطوُّر الأهمّ فوز رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر بالانتخابات، خلفاً لمارغريت ثاتشر، التي كانت متشدِّدة جدّاً في موقفها ضدّ صدام، بخلاف موقف ميجر كليّاً. كان همّنا أن نحتاط معيشيّاً لأي طارئ عسكري، ولا نريد للمواطن أن يتأثَّر بنقص أي من السلع الأساسيّة. فحضَّرنا مخزوننا من السلع الأساسيّة، وكان همّي النفط وأنَّ الحرب ستقطع عنّا النفط العراقي، استعنتُ بالباخرة في ميناء العقبة، وخزّنّا فيها النفط الذي يكفينا لمدة 18 يوماً، وهي المدة التي تكفينا حتى نجد مصدراً بديلاً عن النفط العراقي، وكذلك تعاملنا مع كل السّلع الأساسيّة التي يجب أن تكون متوفِّرة، وكنّا مستعدين لمراقبة التجّار حتى نتجاوز أقلّ المشاكل، مثل الاحتكار أو التلاعب بالأسعار.

كما كنّا نعبّئ ضدّ أي خطر قادم من إسرائيل،… لكن ما كان يطمئننا حقّاً هو وصول معلومات من مصادر موثوقة، تفيد بأنَّ حركة الجيش الإسرائيلي عاديّة، وأنّها وضعت صواريخ مضادة للطائرات على جبال الضفة الغربيّة، وهو إجراء دفاعي وليس هجوميّاً، وقلنا إنَّ أي هجوم إسرائيلي على العقبة، يستهدف مخزوننا الغذائي، سنردّ عليه بضرب إيلات، ونعلم أنّ مستودعات النفط لديهم في إيلات. وقلتُ في مجلس الوزراء إنَّ أي هجوم علينا، سنردّ عليه، وقلنا إنَّ سريّة مورتر قد تدمِّر ميناء إيلات ومستودعاتها.

وعن مطالبهم بمناقشة الخطط العسكريّة، صُدمتُ أكثر، فكيف أسمح بذلك! لأنَّ الخطط العسكريّة لا تُناقَش في مجلس النواب، ولا يتم الاستعراض بها على التلفزيونات، فنكرِّر أزمة نكسة حرب 1967، وشرحتُ لهم خطّنا الإعلامي الذي نعمل به على جبهات متوازية، وأبلغتُهُم أنّ العراق لا يستعرض بقوّاته العسكريّة على التلفزيونات، وأنكَ تذهب لبغداد لا تجد أي مظهر عسكري، فلماذا أقوم أنا بهذا الدَّوْر!

نحو الحرب

على الرّغم من كل الجهود التي بُذلت لحلّ الأزمة سلمياً، فإنّ التجهيزات العسكريّة كانت تمثل إرهاصات واضحة بأنَّ الحرب قادمة، ومع ذلك كنّا نسعى لأن يكون الخيار السلمي هو خيار ربع الساعة الأخير، ولا نريد أن نفقد الأمل. زار بوش أوروبا، وكنّا نخطط للقاءٍ يجمع الراحل الحسين مع بوش في باريس، وفعلاً اتّصل الحسين مع البيت الأبيض، لكن أُلغي اللقاء من طرف الأميركيين.

الحسين كان يريد أن يطرح على بوش فكرة اللقاء مع صدام حسين. وبعد أن فشلت مساعينا، حاولنا أن ندعو للقاءٍ موازٍ يجمع وزير الخارجيّة الأميركي جيمس بيكر مع نظيره العراقي طارق عزيز، وأنّ هذا اللقاء قد يفضي، إنْ كان إيجابيّاً، للقاء بوش بصدام.

مع تطوُّر الأحداث، شعرنا أنّ لقاء بيكر – عزيز، لن يكون أكثر من لقاء لإبراء الذمّة؛ لأنّ أميركا صارت بموقفها أكثر تطرُّفاً، وجنوحاً نحو الحرب. كان اللقاء بين بيكر وعزيز، مقدَّراً له أن يجري في 3 يناير؛ تمهيداً للقاء قد يحدث بين بوش وصدام في 12 من الشهر نفسه، وكان لدينا انطباع أكيد بأنَّ اللقاء لو جرى لتراجعَت حدّة التصريحات السياسيّة عن الحرب، فلدى الجانب العراقي استعداد للحديث عن الخيار السلمي. بالمحصّلة، اللقاءان لم ينعقدا، واستبدل بهما لقاء في 9 يناير بين عزيز وبيكر، وكلّ ما أردنا رصده هو أنّ نتائج اللقاء ستكون دلالة جيدة في استقراء مستقبل الأزمة.

بدأت الأحداث بالتسارع، وكان الراحل الحسين عائداً للتوّ من جولته إلى بريطانيا وألمانيا ولوكسمبورغ، وظلّ يؤكد – رحمه الله – موقف الأردن من الخيار السلمي، وضرورة التعامل بالاهتمام ذاته مع قضايا الشرق الأوسط، وأنَّ ذلك سيكون له قيمته في الحلّ السياسي للأزمة العراقيّة مع الكويت.

كنّا مجتمعين في مجلس النواب، وكانت الساعة تشير إلى موعد الجلسة الثانية لدي كويار (خافيير بيريز دي كويار الأمين العام للأمم المتحدة وقتها) مع صدام بعد أن انتهت الجلسة الأولى من دون أي نتائج تدعو إلى التفاؤل، وكل ما نحتاج إليه من العراقيين، أن تأخذ القيادة العراقيّة موقفاً آخر يفوِّت الفرصة على أي عمل عسكري تخطِّط له الولايات المتحدة، وتلك الفرصة كانت تعني لنا السّماح للاتحاد السوفياتي ككتلة شرقيّة، بالعودة لمناوراته المناوئة للكتلة الغربيّة.

التطوُّر الخطير، كان موافقة الكونغرس الأميركي، على إعطاء جورج بوش صلاحيّة إعلان الحرب، وهو ما أكّد حسم الخيار العسكري ضدّ العراق، وقد هدَّد بتلك الصلاحيات باستعمال القوة، وكان يوم 15 من الشهر نفسه اليوم الفاصل بين الحرب والسّلم.

كان يوم 17 يناير 1991 يوماً حزيناً ومؤلماً وطويلاً وصعباً، فقد كان موعد إعلان فشل جهود الحلّ السلمي واندلعت الحرب. على الفور اجتمع الراحل الحسين مع لجنتَي الطوارئ في مجلس الأمة ومجلس الوزراء. لم أرَ الحسين حزيناً كما رأيتُه في تلك اللحظات، وتحدَّث بحديث بالغ الأهميّة، وكان صلباً في موقفه.

لقد كشف الراحل الحسين لنا جميعاً عن جهود قام بها رئيس الديوان الملكي الشريف زيد بن شاكر، حيث زار الرياض في محاولة أخيرة للحلّ؛ على أساس الحوار العراقي – السعودي المباشر. وأطلَعَنا على الموقف، وقال إن السعوديين قالوا لأبو شاكر أن يذهب للعراق ويطالبه بالانسحاب الفوري، وإذا رفض العراقيون التصريح بذلك، أن يصرِّح هو بموقفهم.

كان اللقاء صعباً، لكنّ الحسين – رحمه الله – شحنَنا بمعنويّات عالية، وتحدّث بخُلقٍ هاشمي رفيع، عن القِيَم والمبادئ العروبيّة، وظلَّ متفائلاً أنْ تخرج الأمّة من تلك الأزمة حرّة منتصرة. كما كشف الحسين عن حراكه السياسي الأخير، والرِّسالة التي وصلته من ميخائيل غورباتشوف، وتفيد بمحاولة الأخير طلب تأجيل الضربة يوماً أو يومين للاتِّصال ببغداد للانسحاب. ولكن الضربة الجويّة سبقت محاولة روسيا الأخيرة. كما قال إن (غورباتشوف) وجَّه نداء لمساندته بمهمّة سحب العراق من الكويت، وإنَّهُ أبلغه أنَّ العراق لن ينسحب وهو تحت القصف.

في ذلك الاجتماع قدَّمنا للراحل الحسين تقديراً لمعالجتنا لأزمة الوافدين المتوقَّعة، فالتقديرات كانت تشير إلى أنَّ 200 ألف وافد سيتوجّهون لتركيا، و200 ألف إلى إيران، و100 ألف لسوريا، و750 ألفاً إلى الأردن، وهو ما سيجعلنا أمام تحدٍّ خطيرٍ في مواجهة هذا العدد الضّخم.

أبلغنا الراحل الحسين ببدء الاعتراف بسقوط طائرات أميركيّة في سماء العراق، وقلتُ له إنَّ العراقيين قالوا إنهم يتوقعون أن 18 ألف طن من القنابل والصواريخ ستسقط عليهم، وتقديراتهم أنَّ ذلك سيكون بتنفيذ 2500 طلعة جويّة.

في اليوم الثاني لقصف بغداد، وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بدأ الهجوم العراقي على إسرائيل، قصفت بغداد تل أبيب بـثمانية صواريخ، انفجَر منها سبعة. كانت التوقُّعات تشير إلى أنَّ أي ردّ إسرائيلي سيستخدم الأجواء الأردنيّة، وعندها سيقع المحظور؛ لأنّنا لن نسمح بذلك، وتعليماتنا تؤكِّد أنَّ ضرب العقبة سيقابله ضرب لإيلات.

الخوف بالنِّسبة لنا كان استهداف مصفاة البترول، والتي تعني لنا الحياة أو الموت، فجاء الاقتراح بإطفاء وحدات التكرير، وتفريغها، لتقليل أي خطر إنْ وقع الأسوأ، واقترحنا تخزين المحروقات بمحطّات الوقود.

وبالنِّسبة لأي اختراق إسرائيلي لمجالنا الجوّي، كانت التعليمات تفيد بضرب أي محاولة، وأبلغنا الأميركيين بذلك.

إلى بغداد تحت القصف

في اليوم الثاني للحرب على العراق قمتُ بزيارة سريّة لبغداد. رتَّبتُ جيداً للزيارة على الرّغم من أنَّ الملك الحسين وزيد بن شاكر أبديا انزعاجهما من الفكرة؛ لأنّهما اعتبرا الزيارة مخاطرة أمنيّة عالية، إضافة إلى كلفة الأمر السياسيّة في حال كشفها. وعلى الرّغم من ذلك أعددتُ جيداً للزيارة، حيث جهّزتُ مركبتين للمغادرة، وزوّدتهما بالوقود اللازم، كما حضّرت وقوداً إضافياً، حيث عبّأتُ جالونات بنزين ووضعتُها في صناديق المركبتين.

ذهبنا ونحن لا نعلم شيئاً عن الطريق، ولا نعلم بطبيعة ظروفها، ولا نعلم عن المدّة الزمنيّة التي ستستغرقها الرحلة. انطلقتُ صوب العراق ولم أخبر أحداً من أسرتي.

بدأنا السير على الطريق، وبالكاد ترى أحداً عليه، والمشكلة تكمن بسهولة استهداف المركبتين، لأنَّهُما تسيران بسرعة عالية ويمكن رصدهما، كان الهدف من الخروج بمركبتين هو إن تعطّلت إحداهما، تبقى الأخرى تعمل. وسرنا على الطريق الدولية بالسيارات المصفّحة، على سرعة 200 كم بالساعة، وكانت مجازفة خطيرة؛ لأنّ أي مشكلة على الطريق، قد يصعب تفاديها بوزن السيارة المصفّحة وهي على سرعتها؛ لأنّها تحتاج إلى مسافة طويلة لكي تتوقَّف. لم تغفُ عيناي لحظة على الطريق، فكان هدفي حفظ الطريق بشكل جيّد، حتى أضمن العودة متجنِّباً كلّ الأخطار.

كانت مغامرة خطيرة، فقد كنّا نرى الطائرات الحربيّة من بعيد، تتّجه نحو سماء بغداد تقصف وتعود لقواعدها، وكان كلّ همّي أن أعبّئ السائقين بالمعنويّات المرتفعة، وألا يخافا من أي خطر حولنا. كنّا نمرّ على دوريّات الجيش العراقي، وكانوا يطلبون منّا الخبز، وكنتُ أستغرب من الأمر، فكيف لم يحسب الجيش العراقي حساب جنوده بالطعام اللازم خلال ما يتعرَّضون له من حرب؟

تابعنا المسير بسرعة عالية إلى أن وصلنا بغداد، وتوقفنا عند سفارتنا، وإذ بها مغلقة، سألت عن الموظفين في السفارة، فأبلغني الحارس أنّهم خرجوا للغداء، واتَّصل بهم ليعودوا. سألتهم: «كيف تغلقون السفارة؟»، فأجابوا بأنَّهُم لم يتبلغوا بزيارتي لبغداد، كما أنّهم إنْ لم يخرجوا للغداء في تلك الساعة، فستغلق المطاعم والمحال، ويمكثون في عملهم من دون طعام، وأبلغوني أن لا طعام لديهم سوى البرغل، فالخبز والطحين مقطوعان في بغداد.

طلبتُ منهم الاتصال بطارق عزيز وطـه ياسين رمضان، ويبلغوهما أنّي موجود في بغداد وأريد لقاءهما.

تركتُ المركبتين، وجاءني (بك أب) عراقي، نقلني لمقرّ رمضان وعزيز، واستغربتُ من كل هذه الإجراءات الضعيفة لمواجهة حرب دوليّة لا يعرف العراقيّون أمدها، فقد كان طارق عزيز مقطوعاً من الوقود، وسألته «إذن، كيف سأعود لعمّان بهذه الحالة، فالمركبتان انتهى مخزونهما من الوقود!».

واستغربتُ كيف لهم أن يدخلوا حربهم تلك، من دون أي احتياط غذائي، أو في المحروقات أو الكهرباء، وقلتُ إننا في الأردن ولسنا هدفاً في الحرب، أنهينا الاستعدادات كلّها قبل أن تبدأ الحرب. نصحتُ بتأمين كل الاحتياطات اللوجيستيّة، ونصحتُ برسم خطة شاملة لتأمين بغداد، بكلّ مستلزماتها من الغذاء والدواء والمحروقات. وفعلاً فقد كسرتُ الحصار على بغداد بطُرُق عدة، وضمنتُ أن يستمرَّ تمويني لهم بكلّ متطلَّبات الحياة الأساسيّة، من غذاء ودواء، حتى إنّي كرَّرتُ لهم مرّات كثيرة نفطاً خاماً في مصفاة البترول عندنا، وأعدتُ إرساله لهم.

التقيتُ طـه ياسين رمضان لمدَّة أربع ساعات، وبحثتُ معه كلّ الأمور المشتركة، وأبلغني أنّ أمورهم جيِّدة، وما حصل أقلّ من توقُّعاتهم. أمورهم العسكريّة كانت منظّمة جدّاً، وانتقدتُ أمورهم التنظيميّة الإداريّة، فالمحال كانت مغلقة، ولم أجد سيارة شرطة في الشارع، لا ماء ولا كهرباء، ولا أفران، ولا محطة وقود، سوى محطة واحدة تعمل بطريقة يدويّة لأنَّ الكهرباء مقطوعة عن بغداد، لكن وعلى الرّغم من ذلك، كانت الناس عاديّة والانضباطيّة تامة، فعند حدوث القصف، تذهب الناس للملاجئ، ويبقى الجيش الشَّعبي للحراسات المدنيّة.

قيل لي إنَّ جزءاً من سكان بغداد غادروا باتِّجاه الشمال وإلى الحدود الإيرانيّة، وأبلغني رمضان أنّ الضّربات العسكريّة من قوى التحالف، لم تصب 80 في المائة من الأهداف، وأكّد لي قدرة العراق على إثبات سقوط عدد من طائرات التحالف، وأنَّ طيّاري تلك الطائرات، إمّا أحياء، أو في الأكفان.

خلال وجودي في بغداد وقعت غارتان، والمقاومات الأرضيّة مَنَعَت الطيران من الاقتراب، والعراقيّون كانوا يجرّون قوى التحالف لمعركة أرضيّة، وقيل لي إنَّ ضرب إسرائيل لم يكن مخطّطاً له في تلك اللحظة، ولكن بسبب كذب أميركا بإعلانها تدمير منصّات الصواريخ العراقيّة، فعل العراق ما فعل. وقال لي رمضان إنَّ أرقام المنصّات مأخوذة من الاتحاد السوفياتي، وإنَّ العراق بنى غيرها؛ لأنّهُ توقّع سرقة الأرقام من الروس، وتسريبها للولايات المتحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.