اربع مقالات عن العراق يوم الاثنين في الصحف العربية

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
1الغلو الشيعي والغلو السني هدما الموصل

 

أسعد البصري

 

العرب بريطانيا
 

    مدينة محطمة، تاريخها انتهك وحاضرها مدمر ومستقبلها مقلق، هو حال الموصل بعد أكثر من ثمانية أشهر من الحرب لـ”تحريرها” من داعش، كما هو حال مدن عراقية غيرها دخلتها آلة الغلو، بطرفيه السني والشيعي، فسحقت معالمها ودنست الحياة فيها، ضمن صراع سياسي بمعالم مذهبية تتبادل الأدوار فيه؛ تارة يتقدم السني وأخرى تكون الغلبة للشيعي في صراع لن يستفيد منه العراق شيئا غير الخراب الذي لن ينقذ العراقيين منه غير ثقافة قوية تواجه المكر الإيراني وعقلانية علمانية عربية تتصدى للتطرف السني ومواقف واعية تقطع مع العنصرية القبلية، وكل ذلك يحتاج نقد العقل العراقي واقتلاعه من أزمته.

 

سكون عاصف

 

المغالاة كريهة حتى في الحُبّ، لهذا تجد الأغاني الأجنبية في معظمها خالية من الغلو. المجتمع الغربي لا يشجع على العشق بمعناه المرضي الذي مثّله مجنون ليلى. هذا النوع المرضي من العشق كان مرتبطا بعقلية قديمة انتهت.

 

المهم هو العلاقة السليمة بين الجنسين. الحب هو العناية الشاقة بهذه العلاقة. السعي الدائم نحو خلق ذكريات جميلة من خلال الاقتصاد والسفر والمعاملة الحسنة، اقتسام العمل في المنزل والاحترام المتبادل. انتهى ذلك الحُبّ المبالغ فيه وانتهت أدبياته الكريهة منذ العصرين الفيكتوري والباروكي.

 

المطلوب في العلاقة العاطفية ليس أن تقتل نفسك وليس أن تبالغ كثيرا بالكلام بل المطلوب أن تعيش جيدا. أن تحب الحياة على نحو سليم. هناك وعي صحّي في كل شيء؛ حتى الحُبّ هو جزء من اهتمامنا بصحتنا. فشريكة حياتك تنظم ساعات نومك في سرير مشترك، وهذا مهم جدا لصحتك.

 

كذلك الدين يدخل في هذا الفهم الجديد. فقد انتهت تلك المبالغات الغنوصية، خصوصا الفرق الباطنية وتمجيد الرموز. انتهت تلك المبالغات الصوفية أيضا. وكل تلك الأشياء الدينية كانت مرتبطة بفهمنا للعشق وغير منفصلة عنه.

 

يقول الحلاج مثلا “حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصاف باتصافه”، هذه مبالغات غير مفيدة فالعاشق المريض يحاول تقليد معشوقه في كل شيء. يتنازل عن شخصيته المستقلة ويصبح مسخا ذائبا في شخص المحبوب.

 

    هناك ضرورة إلى فكر نقدي علماني عراقي يستفز حاجة السنة إلى عقل ويستفز أيضا ميول الشيعة المعروفة بالعلمانية والجدل. الاختلاف العراقي يكمن في الخرافات والاتفاق لن يكون إلا في العقل

 

الكنديون يطلقون على ذلك كلمة “أوبسشن” وهو مرض يصيب بعض العشاق فيتحول إلى مهووس مختل عقليا. مثل هذا الشخص يبتعد الناس عنه، والمستهدف من هكذا عشق مرضي يتصل بالشرطة ويبلغهم بأنه متورط بعاشق مخبول.

 

إذا كان الإنسان المعشوق يتضايق من مثل هذه المبالغة مرضية ويتم عرض العاشق على الطبيب وتوقيعه على أوراق قانونية تأمره بالابتعاد عن المعشوق المنزعج. وهو سينزعج بكل تأكيد فلا أحد يطمئن لعشق المجانين فكيف بالخالق؟

 

في جمال العقل

 

بالنسبة إليّ درّبتني أسرتي مبكرا على الفلسفة. يعود الفضل في هذا لأبي الشيوعي. لا أحب الغنوص والصوفية والمبالغات يعجبني العقل. ما أجمل العقل.

 

وما هو داعش مثلا أليس مجرد مبالغة؟ رجل في إصدار داعشي يقول إن الله عزيز وإنه بحث فلم يجد ما يقدّمه سوى نفسه. ثم يريك الإصدار كيف يفجّر الأحمق نفسه. وما هو التشيع مثلا أليس مجرد مبالغة حول أشخاص مساكين لا ذنب لهم في هذه المبالغات. إن العقل نعمة لم نستخدمها كما ينبغي. وإلا ماذا تسمّي غسل الشيعة لأقدام الزوار الإيرانيين بوصفها أقداما مباركة تعبت سعيا نحو الحسين؟ أليس هذا مجرد مبالغة سخيفة.

 

شخصيا ورثت موقفا علمانيا متطرفا عن أبي. كان مثلا يسخر من عناية المثقفين بالمعتزلة يقول ما فائدة ذلك؟ هؤلاء أناس عاشوا في زمن مظلم قبل ألف سنة. لم يكن هناك عقل سوى العقل الديني وتأثروا بفلسفة اليونان القديمة. كل ما استطاعوا فعله هو التوفيق بين الحق بالتفكير الأرسطي والدين.

 

ما أهمية ذلك في عصر الفلسفة الغربية الحديثة والتطور العلمي السريع. لماذا علينا العودة إليهم؟ العقل الغربي موجود ولا داعي للفّ والدوران.

 

ماذا نستفيد من الغنوص في عصر الأنوار الغربي؟ الشبلي وقف على الحلاج وهو يحتضر على الصليب وردد الآية “أولم ننهك عن العالمين”، ما هذه الشعبذة؟ رجل مخبول يستجدي الناس ببغداد لقتله. يقول لهم تصبحون مجاهدين وأنا شهيد لو قتلتموني. وحين تنوي السلطة قتله فعلا يهرب ويتخفى في الأحواز.

 

قضية سخيفة جدا. ماذا نفعل بهذه الثقافة المشبوهة. نشأت على يد أحد الشيوعيين العراقيين القدامى الذين لا يقبلون هذا التخريف وليس المحدثين الشيوعيين الذين يمجدون الغنوص الإسلامي.

 

الثقافة العراقية تحتاج إلى مراجعة علمانية جملة وتفصيلا. تقول فتاة عراقية أول مرة سمعت بك عام 2015 بجامعة بغداد. كان هناك طالب ذكر اسمك وقال هذا “كاتب شروگي من البصرة” ومنذ ذلك الحين صرت أقرأ كل كلمة كتبتها. البنت في النهاية أرسلت إليّ قصيدة حب.

 

المهم هنا أن العراق هذا وضعه حاليا. الإسلام نفسه حاول خلق مجتمع خارج القبيلة قائم على الأخوة الروحية والإيمان. في النهاية انتصرت القبيلة. بالنسبة إليّ حتى داعش أعتبرها في بعض جوانبها شيئا غريبا. وإلا كيف تخضع هذه القبائل الشرسة والمتغطرسة لحزب ديني؟

 

مجتمع عراقي محمل بالعنصرية والاحتقار لبعضه البعض، وطبعا العرب يتعاملون الآن مع إيران وليس مع شيعة العراق البسطاء. بعض أهالي الموصل، تلك المدينة التي تتفاخر بالضباط السنّة الباشوات والميراث العسكري العثماني جعلتهم إيران يمجدون ضابطا “شروگي” من مدينة العمارة (ميسان) تحديدا اسمه عبدالوهاب الساعدي. يرفعون صوره كبطل وطني ومحرر لهم ولمدينتهم. (تستعمل كلمة شروگي لتوصيف الفقراء من سكان العشوائيات).

إحراق مدن كبيرة وتشريد أهلها بسبب جدل سياسي يتلبس بلبوس المذاهب

 

لماذا نسميهم شعوبيين؟ الفرس دخلوا الإسلام وفتحوا القرآن على الآية “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” فقالوا حسنا نحن الشعوب وأنتم القبائل تشرفنا بمعرفتكم. نحتاج ثقافة قوية لمواجهة المكر الإيراني. نحتاج عقلانية علمانية عربية وليس هذا السعي بين داعش السلفية والصوفية الغنوصية والخرافات والعنصرية القبلية.

 

عامة الناس في واد والصراع الحقيقي بين الكبار في واد آخر. ليس من الناحية السياسية فقط بل من الناحية الثقافية. هل احترقت الموصل أم لا؟ ألا يقول ابن الموصل سيار الجميل إن الموصل هي هيروشيما العراق.

 

ويصرح هوشيار زيبارى بأن هناك 40 ألف قتيل من الموصل قضوا تحت الأنقاض بقنابل الحكومة الشيعية التي ترقص للنصر؟ هل هناك اليوم حرب في اليمن أم لا؟ ما الذي جاء بالفرس إلى اليمن؟ من الواضح أن القضية قضية مذاهب من وجهة نظر إيران.

 

فالشيعة الزيدية هناك وهم جميعا عرب أقحاح وقبائل ولكن من خلال المذهب الشيعي دخل الحوثيون ضمن مشروع إيراني، مثلهم مثل شيعة لبنان وحزب الله، والظاهر كما هو واضح ومن خلال تصريح لمستشار خامنئي حين قال إن بغداد عاصمة إيران في المستقبل أن هناك مشروعا لا نفهمه.

 

ما أصل هذا الكلام؟ هل أن رجلا بمنصب مستشار المرشد يتكلّم كلاما لا معنى له؟ بغداد قامت على أنقاض المدائن. حين استولى العرب على المدائن سنة 15 هجرية التي تبعد كيلومترات قليلة عن بغداد الحالية لم يدرك العرب بأنهم قد سيطروا على عاصمة الشرق التاريخية التي ورثت بابل لألفي سنة متواصلة وكان لا ينافسها حينها سوى القسطنطينية البيزنطية التي بقيت شامخة لثمانية قرون من سقوط المدائن حتى سقطت بيد العثمانيين (وليس العرب) بقيادة محمد الفاتح.

 

كانت المدائن رأس الجسر الوحيد صوب فارس وآسيا العليا والمركز الإداري للإمبراطورية الساسانية. والوطن الرئيسي للهجة الفهلوية القديمة، العاصمة المالية والعلمية لبلاد الشرق. كانت المدائن باب الأمجاد الفارسية في نظر الفاتحين العرب. وقرب المدائن القديمة المحترقة عاد سلمان الفارسي ليعيش بعد وفاة النبي وهناك قبره حاليا.

 

فهم التاريخ

 

لا تقل لي هذا تاريخ قديم. لتعرف شعور الجنرال قاسم سليماني وهو يتجول ببغداد ويقودها سياسيا عليك أن تتأكد من أنه زار المدائن وطاق كسرى وبكى عند قبر مواطنه سلمان الفارسي الذي تبناه النبي بحسب الروايات. كيف نهمل الماضي؟ وهناك حروب وصراع وملايين المشردين بسبب هذا الماضي أو على الأقل باسمه ثقافيا.

 

إن المحزن في الحرب الدموية الأهلية داخل العراق ليس أنه صاحب ثروة نفطية وبلد خصب لا يستحق شعبه هذا النوع من الحياة، بل المؤسف أن التنوع الثقافي فيه هو من النوع الفريد. المسيحية والسنة والشيعة روافد ذات قوة ثقافية كبيرة في العراق. والمؤسف أيضا هو فشل الشيعة لأن الجانب السياسي عندهم قد طغى على الجانب الثقافي.

عامة الناس في واد والصراع الحقيقي بين الكبار في واد آخر

 

لا أحد ينكر فضل الشيعة في التاريخ الإسلامي، لقد شكلوا الركن القوي للمعارضة والجدل والتفسير والتأويل للرموز. لم يكن أحد ليتجرأ على إغناء الثقافة الإسلامية ومعارضة التفسيرات الرسمية للعقيدة والحياة الروحية لولا مساهمتهم الضخمة في هذا المجال. نقطة ضعف الشيعة هو الطموح السياسي.

 

في العراق مثلا ضحّى الشيعة بفرصة حقيقية لبناء البلاد بسبب طموح سياسي كبير تقوده طهران لبسط النفوذ الشيعي في الشرق الأوسط. تم إهمال مساهمة الشيعة الحقيقية في الثقافة وفي التأويل والفكر والتنوع في الإسلام، وركزوا حين استلموا الحكم على الثأر والحروب والأحقاد وتهجير السنة وإبادتهم وهدم مدنهم.

 

الخطأ الذي وقع فيه السنة بالمقابل، واشتغلنا لسنوات على تصحيحه، هو الانزلاق للجدل المذهبي، وهو جدل لا طائل منه. فقد امتلأت المجلدات به منذ القرون الوسطى ولا فائدة منه إطلاقا. الصراع سياسي بالأساس وتحويله إلى مذهبي قد يقود الشيعة إلى الميليشيات إلا أنه سيقود السنة إلى داعش ولن نستفيد شيئا.

 

الاعتقاد بأن الدين أفضل من اللادين أو أن مذهبنا أفضل من مذهب آخر يعتبر زاوية ميتة في الجدل الثقافي. المذاهب الإسلامية لها جذور عميقة ولا يمكن اقتلاع ثقافة على حساب ثقافة. علاقة الفرس بالإسلام والتشيع مثلا تمتد عميقا إلى النبي ونشأة الإسلام ألم يقل النبي لصاحبه سلمان الفارسي “سلمان منا أهل البيت” يعني النبي ربط الفرس بأهل البيت أو على الأقل جذبهم إلى هذه القضية يعني “أهل البيت” والفرس قضية قديمة لا فائدة من الجدل فيها.

 

مع ظهور الإسلام كان هناك سلمان الفارسي وكان صاحب فكر وتنوع ثقافي وحتى النهاية كان للشعب الآري الإيراني المساهمة الأضخم في الحضارة الإسلامية؛ الفلسفة والأدب والعمران والعقائد والفقه والتصوف والطب والموسيقى والهندسة.

 

نحن لا نُنكر مساهمة الفرس الضخمة ولا أهمية المذهب الشيعي في الإسلام. الجدل في هذا لا يفيد ولكن التشيع مثل غيره من المذاهب فيه نزعات متطرفة فكريا وسياسيا كالقرامطة والنصيرية قديما وكالخمينية حديثا. لا تختلف هذه النزعات في جوهرها عن التطرف الداعشي السني. ولا أحد يعرف كيف ستنتهي حكاية كهذه. حتى الآن تم إحراق مدن سنية كبيرة وتشريد أهلها بسبب جدل سياسي يتلبس بلبوس المذاهب.

 

هناك ضرورة إلى دعوة مخلصة إلى فكر نقدي علماني عراقي يستفز حاجة سنة العراق إلى عقل ولكنه يستفز أيضا ميول شيعة العراق المعروفة بالعلمانية والجدل ونبذ الالتزام العقائدي الديني. الاختلاف العراقي يكمن في الخرافات والاتفاق لن يكون إلا في العقل. قال ابن رشيق “العقل يقع على العقل” فلا توافق ممكنا بين المجانين والمغالين. لا غنوص ولا شيعة ولا تطرفا سلفيا ولا صوفية. الحل في العقلانية الغربية الرائعة ولا بديل عن المنطق العقلاني المعاصر.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتبمكان النشر
2لندعم استقرار العراق

 

 

د. شملان يوسف العيسى

 

 الاتحاد الاتحادية
  

يقف العراق اليوم في مفترق طرق بعد تحرير الموصل من إرهاب تنظيم «داعش» وبدء الخلافات بين الفصائل السياسية التي تحكم العراق، والأمر المؤكد هو أن الصراعات الداخلية بين السياسيين الذين يحكمون العراق لن تهدأ بعد القضاء على التنظيم الإرهابي، بل إن كل المؤشرات تشير إلى بدء الخلافات وعودة الصراعات الكاملة على أسس طائفية بغيضة. فالانقلاب الذي قاده عمار الحكيم داخل «المجلس الأعلى الإسلامي» بخروجه من هذا التنظيم وتأسيس تيار جديد، قام بإقصاء الحرس القديم وجاء بقياديين شباب لديهم صلات طيبة بالمعسكر الغربي.

 

والسؤال الآن هو: لماذا غيَّر القادة العراقيون مواقفهم السابقة تجاه الأوضاع الداخلية وعلاقاتهم بإيران وإبداء الرغبة في التقرب إلى الولايات المتحدة؟

 

هناك أسباب كثيرة لذلك التحول؛ أهمها أن حكومة حيدر العبادي التي يدعمها الجناح الشيعي المعتدل، نجحت في تقليص دور الميليشيات، إذ أصبح الجيش الحكومي وقوات النخبة في دائرة الضوء وتتجه إليهما أنظار الجميع، مما سيساهم في تحديد اتجاهات الناخبين خلال الاقتراع العام الذي سيجري في ربيع 2018، إلى درجة جعلت رئيس الحكومة يتجاهل ذكر قوات «الحشد الشعبي» في بيان النصر، لأنها لم تلعب دوراً مهماً في المعارك على مدى عدة شهور، إثر تزايد إمكانيات القوات النظامية تدريباً وتسليحاً ودعماً دولياً.

 

الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب غيّرت النهج القديم لسياسة الرئيس السابق أوباما الذي قام بالانسحاب من العراق في عام 2011. واليوم عادت القوات الأميركية للعراق في صيغة مستشارين، وكانت أعدادهم في البداية 5000 شخص، ثم ازداد عددهم إلى 12000 من الخبراء والمدربين والطيارين، وتمت إعادة تأهيل عدد من القواعد العسكرية، مثل قاعدة «القيّارة» في الموصل، وقاعدة «بلد» في محافظة صلاح الدين، و«عين الأسد» في غرب الأنبار.. وكلها تقع في مناطق سنية في شمال العراق وبجوار الأكراد، مما يدل على أن السياسة الأميركية قد غيّرت اتجاهها في عهد الرئيس ترامب. ومن أولى أولويات الولايات المتحدة حالياً القضاء على الإرهاب، وكذلك وضع كوابح للتمدد الإيراني في العراق والمنطقة. فقد صرح الرئيس الأميركي مؤخراً بأن إيران تدعم الإرهاب، وأن بلاده لن تتساهل مع السياسة الإيرانية في المنطقة، وهي السياسة الرامية إلى خلق الفوضى وعدم الاستقرار.

 

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أعلن عن قبوله بالوجود الأميركي المحدود، وبغرض تدريب قواته وتهيئتها لمواجهة الإرهابيين في مرحلة ما بعد «داعش».

 

لكن ما هي خيارات إيران تجاه التصعيد الأميركي في العراق والمنطقة؟ إيران رغم خطب قادتها الثورية واعتبارها الولايات المتحدة «دولة استكبار شيطانية»، فإن النظام الإيراني يعي ويعرف قدراته العسكرية ولن يغامر بمواجهة مع الولايات المتحدة، لذلك تعمد إيران إلى احتواء وامتصاص الهجوم الأميركي عليها، خصوصاً أنها حققت مؤخراً ما تراه «مكاسب» لصالح سياستها في المنطقة.

 

لذلك فالمطلوب من دول الخليج العربية هو دعم الحكومة العراقية بكل إمكانياتها، فتحرك السعودية نحو تحسين علاقتها ببغداد، ودعوة سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار العراق.. خطوات في الطريق الصحيح. نأمل أن يغير قادة العراق وساسته أسلوب حكمهم وتفكيرهم بما يخدم مصلحة العراق وشعبه بكل طوائفه ومكوناته، فالعراق بلد متحضر وغني وكل ما يحتاجه هو الاستقرار السياسي.

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
3 

    الشيعة… و«خديعة العبدلي»

 

    خليل علي حيدر

 

  الايام البحرينية
  

 

من يطالع بعناية الدستور الإسلامي الإيراني مثلاً أو كتب محمد باقر الصدر أو مؤلفات علي شريعتي أو الكثير من أدبيات الإسلاميين الشيعة في إيران والعراق ولبنان يرَ تأثير الفكر الشمولي والاقتصاد الموجه والعداء للغرب وأشياء كثيرة أخرى في فكر يفترض فيه أنه قائم على آيات القرآن ونصوص الحديث الشريف.

أثارت تطورات صدور الأحكام في قضية «خلية العبدلي» واختفاء المحكومين، الأجواء الطائفية في الكويت، كما أدت إلى توتر العلاقات الكويتية الإيرانية إلى أقصى حد، إلى جانب استفسارات كثيرة حول مسار القضية وطرق حفظ الأمن في البلاد، وغير ذلك. ولا شك أن ما قامت به هذه المجموعة من شباب الوسط الشيعي الكويتي من ارتباط بحزب الله اللبناني وتخزين كميات كبيرة من أخطر الأسلحة والمتفجرات في مزرعة بالعبدلي شمالي الكويت، عمل إرهابي بالغ الخطورة على أمن البلاد، ولهذا صدرت أحكام الحبس ما بين 5 إلى 15 عامًا، فضلاً عن حكم بالإعدام.

وكانت النيابة العامة قد وجهت في الأول من سبتمبر 2015 إلى عدد من المتهمين في القضية تهمة ارتكاب أفعال من شأنها المساس بوحدة وسلامة أراضي دولة الكويت، وتهمة السعي والتخابر مع جمهورية إيران الإسلامية ومع جماعة حزب الله التي تعمل لمصلحتها، للقيام بأعمال عدائية ضد الكويت، من خلال جلب وتجميع وحيازة وإحراز مفرقعات ومدافع رشاشة وأسلحة نارية وذخائر وأجهزة تنصت بغير ترخيص بقصد ارتكاب الجرائم بواسطتها. (كونا القبس 20/‏7/‏2017)

وقد انتهى حكم محكمة التمييز الصادر في القضية 302/‏2016 إلى إدانة المتهمين، وصدرت بحقهم أحكام مختلفة، ثم حذرت وزارة الداخلية المواطنين والمقيمين من التستر عليهم بعد تواريهم عن الأنظار.

وكانت القضية قد انفجرت بعد فترة قصيرة من الحادث الإرهابي ضد مسجد الصادق، وما تسبب فيه من قتل وتدمير، على يد «داعش»، فأثار جوًا من التعاطف مع الشيعة وتعززت مشاعر التقارب المذهبية والوحدة الوطنية، ثم سرعان ما أفسدته قضية خلية العبدلي!

والآن، وبعيدًا عن الانفعال، وحرصًا على تطوير المشاعر وترشيد التفكير في العلاقات البالغة حدًا مؤلمًا من التوتر، نتساءل بحق: لماذا يقع بعض شباب الشيعة في مصائد التخريب للحرس الثوري الإيراني ومخططات حزب الله في إيران ولبنان، بهذه السهولة والتكرار، المرة بعد المرة منذ أربعين سنة تقريبًا، أي منذ «الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979؟

ما الذي يجعل الوسط الشيعي الكويتي بيئة مولدة لمثل هذه الجماعات ومتقبلة للكثير من أفكار وشعارات الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه وتحركات «حزب الله» ثمة في اعتقادي قضايا وأسباب وتفاصيل منها:

1- لا أحد تقريبًا يوجه أي نقد علني صريح إلى السياسات والسلبيات الإيرانية، فالمتدينون يرى معظمهم في هذه السياسات عين الصواب مهما خلقت من أزمات ومهما سببت من إحراجات للشيعة في الكويت والدول الخليجية والعربية، ومهما تصاعد الانتقاد ضدها في الإعلام.

فالمحامون الكويتيون الشيعة مثلاً يعرفون جيدًا مخالفات السلطات في إيران لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن دستورها منحاز وأن السلطات القضائية فيها لا تلتزم بقواعد المحاكمة العادلة، وأنها تصدر أحكامها بالجلد والإعدام وغيرهما، دون التفات إلى حقوق المتهم، وأن دية المرأة الشيعية والسنية وغيرها نصف دية الرجل وغير ذلك، ولكن لا أحد من هؤلاء المحامين والمحاميات في المجال الحقوقي الكويتي يرفع صوته أو صوتها بأي نقد أو ملاحظة وبأي توعية للشباب مثلاً!

وأستاذ الجامعة الكثير الانتقاد لغياب «الديمقراطية الكاملة» في الولايات المتحدة ودول الغرب، والكثير الملاحظات على «الثغرات السياسية» في مختلف الأنظمة العربية والإسلامية، والعارف بمستلزمات النظام السياسي الحديث، لا يرى بأسًا في نظام ولاية الفقيه، والذي ينص دستوره على سلطات لا حد لها لمرشد الثورة، عددها بموجب المادة 110 من الدستور 11 مادة منها: تعيين السياسات العامة، والقيادة العامة للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلام، وتنصيب وعزل وقبول استقالة صغار القضاة وكبارهم، واستقالة رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، واستقالة وبالطبع تعيين رئيس أركان الجيش والقائد العام لقوات حرس الثورة، وبقية القيادات، وتنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه، وحق عزله بعد سلسلة إجراءات… إلخ، وهكذا لا يكتب هؤلاء مقالاً واحدًا أو ورقة بحثية أكاديمية حول الوضع، ولا يلقون محاضرة ولا يقومون حتى بتدريس هذا النظام في الجامعة، ومناقشة ما للنظام… وما عليه!

ويبدي رجال الدين ورجال الأعمال والبرلمانيون الشيعة وغيرهم نفس الإعجاب بكمال هذا النظام والإشادة به، فليس من المستغرب، بعد هذا كله، ألا يرى أحد من الشيعة الكويتيين أو الخليجيين أي مأخذ يستحق التعليق في إيران. ويسافر الشباب والعائلات إلى إيران يحملون مئات وآلاف الدنانير التي تساوي الملايين من العملة المتدهورة هناك على مدى أربعين عامًا، فلا عجب أن يعيشوا هناك كالملوك، وأن ينفقوا في أسبوع ما لا تصرفه أو تحصل عليه الأسرة الإيرانية في أسابيع وأشهر وسنوات.

2- لا يتجنب الكثير من الشيعة أو أغلبهم نقد السياسات الإيرانية فحسب، بل يهاجمون من ينتقدها، ويبحثون عن دوافعه المشبوهة ومشاكله الشخصية والسياسية، ولا يحاول أحد منهم مقارنة تخلف إيران مثلاً بتطور تركيا وكوريا الجنوبية ودول آسيا وأوروبا التي لا تملك شيئًا من بترول إيران! أو النظر إلى الأمور وأعباء العزلة الإيرانية من وجهة نظر الإنسان الإيراني الذي يعاني، في مطارات العالم وفي مجال الفيزا والسفر والإقامة، كل أنواع الشكوك والموانع، أو التساؤل البريء: لم تورط إيران نفسها في كل هذه المشاكل حول العالم ومع دول بعيدة عنها كالأرجنتين أو دول إفريقيا! ولماذا تزايد إيران على الفلسطينيين في «حب غزة والقدس»؟ ولماذا تخلق جيشًا موازيًا للجيش اللبناني، بل أقوى منه وأكثر عدة وعتادًا… داخل لبنان؟! ولماذا تنفق كل هذه الأموال على الصواريخ وتطوير الأسلحة الممنوعة… وغير ذلك؟

والأغرب من ذلك أن الشيعة عمومًا وفي العالم العربي خاصة، وبعكس داخل إيران، لا يبدون أي استياء من تشويه هذه السياسات لصورتهم المذهبية، ولكل هذه العداوات والتهديدات المثارة ضدهم على صعيد النشر والإعلام والفضاء الإلكتروني! وكأنه من الطبيعي تمامًا أن تتعرض تجمعات الشيعة ومساجدهم ومحلاتهم وحافلاتهم للاعتداء والتفجير في دول كالعراق وسورية وأفغانستان وباكستان… كل أسبوع أو شهر!

3- لا أحد من القيادات أو الفعاليات الشيعية يشرح في الوسط الطلابي أو في المساجد أو الحسينيات خطورة الأعمال التخريبية من أمثال «خلية العبدلي» على المجتمع الكويتي وصورة ومصالح الشيعة ومخاطر تنامي الشكوك في عموم الطائفة، حيث سيدفع البريء أضعاف ثمن المذنب.

وتلعب التكتلات الشيعية الكويتية هنا كذلك دورًا سلبيًا، إذ لا تحاول إنضاج وعي الشباب وتطوير عقليتهم السياسية وتوسيع أفق تفكيرهم الاجتماعي وغير ذلك، بل تسعى هذه التكتلات والهيئات والتجمعات والقيادات إلى تشجيع التعصب والانتماء الطائفي والتخندق المذهبي الذي يهدد أول وأكثر ما يهدد مصالح هؤلاء الشباب في التوظيف والارتقاء المعيشي، والإخاء الوطني… وهكذا تتوالد في الوسط الطلابي والديني على الدوام المزيد من الشخصيات المزايدة مذهبيًا، والمتطرفة طائفيًا والتي سرعان ما تجد نفسها في خدمة أي فكرة تخريبية أو سياسة متشددة.

4- لا أحد كذلك يذكر شباب الشيعة أو يشرح لهم تطور الأحداث السياسية المؤلم في المجال الطائفي الكويتي والخليجي والعربي منذ عام 1979، وحوادث التفجير وخطف الطائرات ومحاولات التفجير في مكة التي أعدم إثرها العديد من أبناء العائلات الكويتية الشيعية… وهكذا فإن تخزين الأسلحة في العبدلي مجرد ورقة في ملف من الأحداث التي لا علاقة لها بمصالح الكويت وبمصالح الشيعة خاصة. والأخطر من هذا أن مثل هذه الأحداث المليئة بالعبر ودوافع التوعية تشرح للشباب شرحًا طائفيًا مشوهًا، وتبرر بحجج سياسية واهية، ولا يقال للشباب إنها كلها كانت لخدمة سياسات إيرانية مؤقتة، ودورًا في صراع إيراني مع هذه الدولة أو تلك، كما هو عليه الحال منذ أربعين سنة مضت… وربما أربعين سنة قادمة!

إن بعض تنظيمات التشيع السياسي في الكويت المرتبطة بالسياسات الإيرانية لا تزال تردد مثلاً شعار «الموت لأمريكا»، فهل مثل هذا الشعار الذي يخدم الصراع الإيراني الأمريكي، يخدم الشيعة خارج إيران؟ ألم تكن الولايات المتحدة الأمريكية سبب عودة الشيعة والسنة إلى الكويت عام 1991؟ ألم تكن القوة الأمريكية هي التي أسقطت النظام العراقي السابق عام 2003؟ ألا يدرس آلاف الطلبة والطالبات الشيعة في أمريكا؟ ألا تقدم هذه الدولة كل ألوان المساعدة الغذائية والدوائية والمالية وغيرها للجوعى والمرضى المسلمين؟ ألا يستعين بالهيئات الأمريكية كل المظلومين الشيعة والسنة؟ فلماذا يردد البعض شعار «الموت لأمريكا» بهذا التقليد الأعمى؟

5- لا أثر لأي نقاش علمي عميق حول المصالح الوطنية للشيعة في الكويت خلال الحملات الانتخابية، كل ما هناك تكرار لبعض «شكاوى الحرمان» و«التمييز»، والتي لا يلوم أحد من الشيعة ونخبهم نفسه فيها بعض الشيء، ولا يجد المحامي ورجل الدين والأستاذ والإعلامي والإنسان المرتبط بهذه الجهة أو تلك طرفًا فيها أو مسؤولاً عنها.

لا تثار مثل هذه النقاشات كذلك، وكما ذكرنا في أوساط النخبة والطلاب والديوانيات… ولهذا تتكرر الكوارث، إذ تبقى فرصة التلاعب بالمشاعر وخداع العامة بالنموذج المثالي مفتوحة، دون توعية أو تنوير… أو تحذير.

6- تعاني الطائفة الشيعية منذ عام 1971 أو أكثر قليلاً انقسامات حادة في عدة اتجاهات ولعدة أسباب، وبخاصة مع صعود المد الديني والتشيع السياسي، وبخاصة بعد نجاح الثورة الإيرانية، فالمؤمنون بهذه الثورة والمتحمسون لها طاردوا القيادات الاجتماعية والدينية الشيعية التقليدية والمسالمة للطائفة في الكويت، على صعيد المساجد والحسينيات والبرلمان والجمعيات والإعلام، ونسفوا قواعدها الانتخابية وقضوا على مفاتيحها الاجتماعية، لصالح القيادات الجديدة الملتزمة بفكرة الثورة الإيرانية والأحزاب الشيعية الحركية النابعة من مدن مثل «النجف» و«قم» في العراق وإيران، و«جبل عامل» و«سهل البقاع» في لبنان. وهكذا لم يكن البديل الفكري والمذهبي مستمدًا من تجارب الشيعة في الكويت وقيمهم المذهبية والدينية المتوارثة، بل كان استيرادًا لفكر شيعي صاغه بعض قادة الحركة المعارضة للشاه في مدينة «قم» أو المعارضة لحزب البعث في النجف وكربلاء، أو النابت في أجواء طائفية في جنوب لبنان وسهل البقاع. وفي معظم الأحوال كان هذا الفكر الشيعي الجديد الذي قامت عليه الحركة الدينية والمذهبية في إيران والعراق ولبنان متأثرًا أشد التأثر بفكر الإخوان المسلمين وحزب التحرير ونشاطات الإسلاميين الإيرانيين والصراع مع الأحزاب الشيوعية في العراق وإيران ولبنان، حيث انتقل الكثير من جمهور هذه الأحزاب والمعجبين بها إلى الأحزاب الشيعية الوليدة.

ومن يطالع بعناية الدستور الإسلامي الإيراني مثلاً أو كتب محمد باقر الصدر أو مؤلفات علي شريعتي أو الكثير من أدبيات الإسلاميين الشيعة في إيران والعراق ولبنان يرَ تأثير الفكر الشمولي والاقتصاد الموجه والعداء للغرب وأشياء كثيرة أخرى في فكر يفترض فيه أنه قائم على آيات القرآن ونصوص الحديث وغير ذلك. بل هناك من يتساءل عن مدى إسلامية أو شيعية مبدأ «الجمهورية» التي قامت عليه الدولة الجديدة بدلاً من «الإمامة» مثلاً، الإطار المقدس للشيعة في الحكم.

ونتيجة استيراد التجارب المذهبية من إيران والعراق ولبنان إلى الكويت، وعدم تطوير رؤى سياسة ومذهبية محلية قائمة على مصالح الشعب الكويتي والطائفة الشيعية في علاقاتها ضمن وطنها وبتأثير تجاربها وعلاقاتها، تتوالى على الطائفة منذ أربعين عامًا حوادث التصادم بين المصلحة الوطنية والتوجهات المذهبية، وبين مسيرة الثقافة الدستورية الكويتية وتعليمات التشيع السياسي، وبين حصيلة التعليم العام والجامعي الكويتي والثقافة الدينية المذهبية.

ومن بعض نتائج عدم توافق هذه التوجهات تقع المشاكل التي نعانيها، وسيقع للأسف المزيد.

بقي الكثير مما يمكن الحديث عنه، نتركه لمقال قادم!

تعنوان المقالة او الافتتاحيةاسم الكاتبمكان النشر
4 «أقنعة» للسياسيين العراقيين

 

 محمد علي فرحات

 

 

   الحياة السعودية
    

وصل سياسيو العراق إلى الجدار المسدود. ها هو وطنهم يتهدّم بفعل استيلاء «داعش» على جزء كبير من مساحته وبفعل الحرب المستمرة لتحريره من هذا التنظيم. الجدار مسدود أمام الحكم والمعارضة، وبالتالي أمام العرب سنّة وشيعة، فليس باللجوء إلى المتطرفين يستعيد العراقيون وطنهم، وليس بإلصاق التهم بالشركاء يتم إضعافهم والاستيلاء على نفوذهم السياسي والاقتصادي والثقافي.

 

وبعيداً من شعور طهران بالخطر على نفوذها، ثمة مؤشرات شعبية عراقية واضحة إلى أن السياسيين الذين تسلّموا الحكم من المحتلّ الأميركي قد فشلوا، وأن المحيطين بصدام حسين، إن وجدوا، ومعهم مؤيدوه الذين يحنّون إلى عهده، لا يشكّلون بديلاً، فهم أسقطوا أنفسهم حين حرّضوا على انتحار نينوى لمجرد الانتقام، ويشاركهم المسؤولية رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي الذي يُجمع الأطراف على أنه ضيّق الأفق.

 

ابتعد السيد عمّار الحكيم عن «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، خصوصاً عن الذين شاركوه في تشكيل المجلس في إيران، وعمد إلى تقريب الشباب لتشكيل حزب بديل سمّاه «تيار الحكمة الوطني»، تاركاً الصيغة الطائفية وطارحاً نفسه وحزبه في خدمة المواطنة.

 

وتكرّست الفرقة بين رئيسي الوزراء الحالي حيدر العبادي والسابق نوري المالكي الشريكين أيضاً في قيادة «حزب الدعوة» الذي يضع كتابات سيد قطب في صدارة أدبياته إلى جانب مؤلفات السيد محمد باقر الصدر. ويتهيأ العبادي لإعلان حزب جديد باسم «الحرية وإعادة البناء» منفتحاً على عراقيين من أديان وطوائف وإتنيات عدة.

 

واستتباعاً لشراكة رئيس البرلمان سليم الجبوري في الحكم الذي تهيمن عليه أحزاب شيعية، فإنه سيتبع نهج زعماء هذه الأحزاب ليؤلف حزباً منفتحاً بدوره على الأطياف العراقية كلها.

 

هكذا يعبُرُ السياسيون العراقيون الطوائف، ليس نتيجة نقد ذاتي لمسارات أكملت التخريب الذي بدأه المحتل الأميركي، بل لأن الطائفية السياسية وصلت إلى جدار مسدود ووزّعت العراق إقطاعات على قوى الإقليم وقوى عالمية.

 

ولم تحمل الأنباء خبراً عن عزم نوري المالكي على تشكيل حزب جديد. يبدو أنه سيرث «حزب الدعوة» بما فيه من أيديولوجيا إخوانية ذات مسحة شيعية، لكنه إذ يعي أن الزمن تخطى أدبيات حزبه، فقد نظم لنفسه زيارة رسمية لموسكو اجتمع خلالها مع الرئيس فلاديمير بوتين ساعياً إلى استدعاء النفوذ الروسي إلى العراق ليوازن النفوذ الأميركي، ذلك أن النفوذ الإيراني الطاغي لم يعد مقبولاً وهذا ما يدركه المالكي جيداً وتدركه طهران.

 

وإذا كانت زيارة المالكي موسكو لاستدعاء نفوذها حاجة إيرانية بسبب الحلف القائم في المنطقة بين الدولتين، فإن العراق الذي عجزت حكوماته بعد الاحتلال الأميركي عن ملء فراغ سبّبه انهيار الدولة وجيشها، يحتاج لملء هذا الفراغ إلى حكومات عابرة للطوائف يطمئنّ إلى سياساتها العراقيون، كما يحتاج إلى توازنات في نفوذ الجيران بعدما أدت وحدانية النفوذ الإيراني إلى عزلة العراق عن محيطه الجغرافي وتفكُّك جماعاته وانتشار أجواء انعدام الثقة بينها لئلا نقول العداء.

 

لذلك نلاحظ في موازاة تغيير الأحزاب والأقنعة الجديدة للسياسيين، زيارات متبادلة بين بغداد والرياض واتفاقات اقتصادية وأمنية بين البلدين اللذين تفصل بينهما حدود طويلة تحتاج إلى تحكُّم متبادل، وقد تكون هذه الزيارات تمهيداً لتقارب سياسي يحتاجه العراق، من باب الاستناد إلى عمقه العربي ممثلاً بالسعودية، وفي هذا بعض التوازن الضائع بين إيران وتركيا الصديقتين- اللدودتين.

 

العراق في مرحلة انتقالية والحرب على «داعش» ستترك فراغاً لن يملأه «الحشد» ولا التكتُّلات الطائفية ولا النفوذ الإيراني. المرشّح الوحيد لهذا الاستحقاق هو الدولة العراقية الجامعة وأحزاب سياسية منفتحة على الشعب ومصالحه المتكاملة، ولا تكتفي بأقنعة تحجب التعصُّب وضيق الأفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.