انت في
الرئيسية > مقالات > 9 مقالات عن العراق في الصحف العربية والامريكية يوم الجمعة

9 مقالات عن العراق في الصحف العربية والامريكية يوم الجمعة

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
1  الأكراد في مواجهة التهديدات والدرس السوري  سميرة المسالمة

 

 الحياة السعودية
  

تناقش الدول الأربع التي يمتد عليها الوجود الكردي (تركيا وإيران والعراق وسورية) قضية انفصال شمال العراق («كردستان») من منظور تحريمي، أو مما تعتبره أمنها القومي، مؤكدة أن ذلك غير قابل للمناقشة والحوار. وهي- أي الدول الأربع- كانت أمضت عقوداً تتجاهل وجود «المسألة الكردية»، اعتقاداً منها بأن التجاهل قد يؤدي إلى النسيان، وأن انتهاج الحظر والعنف والقسر في مواجهتها لشعوبها يقمع أو يجهض طموح هذه الشعوب بالحرية. وبينما كانت المسألة الكردية، ولا زالت، عامل تفريق بين هذه الدول، فإن القاسم المشترك اليوم بينها هو توحيد الموقف في القضية نفسها، برفض استفتاء كردستان العراق، والتوافق على فرض عقوبات عليها، بين أطراف إقليمية تعيش حالة خصومة بل وحرب بالوكالة في ما بينها.

وبينما يوحّد التخوّف من إقامة كيان كردي ديموقراطي هذه الدول، يتم في الوقت ذاته تجاهل مطالب الشعوب (وضمنها الأكراد) التي تبدي بوضوح رغبتها في أن تبقى ضمن إطار الدولة الواحدة، (في سورية مثالاً) إذ تهيئ الأنظمة المستبدة لسيناريو النظام العراقي، على رغم أنها ترى نتائجه على أرض الواقع، ولا تحاول تدارك أسبابه، منعاً من تكرار السيناريو الذي يقود فعلياً الشعوب إلى التفكير بالانفصال، أو اللجوء إلى حلول شبه انفصالية، ولعل هذا ما يجب أن تفعله هذه الدول، في ما تبقى لها من خيارات متاحة مع شعوبها لإقامة نموذج الدولة الديموقراطية، على أساس المواطنة المتساوية، بدل أن تقود تلك الشعوب إلى خيارات المواجهة مع التقسيم والانفصال، في ظل انعدام الرؤيا والحكمة والتقدير لهذه الأنظمة، ومع الأسف أيضاً عند بعض معارضيها (وثيقة لندن أيلول/ سبتمبر 2016 التي تتحدث عن رؤية المعارضة لسوريا الجديدة، والتي تلاقت فيها الهيئة العليا للتفاوض مع النظام في تجاهل السعي لإقامة الدولة الديمقراطية لمواطنين أحرار متساوين).

لعل ما حدث في العراق يعطي الدول التي ترفض الاستفتاء درساً جديداً في حق المواطنين أفراداً ومجموعات، أو قوميات، ويجعل تفكيرنا في سوريا القادمة يختلف عن الأوراق المتناثرة التي ابتدعتها المعارضة في رؤيتها لسوريا ما بعد المرحلة الانتقالية، كما ينهي إلى الأبد سياسات النظام السوري الإقصائية والاستبدادية، التي مارسها لنحو خمسة عقود ماضية. فالنظام السوري الذي يقف اليوم معارضاً لاستقلال أكراد العراق، هو ذاته الذي طالما استخدمهم كورقة ضغط ضد نظام العراق، كما هو حال تركيا في استخدامها الأكراد ضد النظام العراقي، واستخدام إيران وسورية لأكراد تركيا ضد نظام الحكم في تركيا، ولكن في وقت الحسم الذي اختاره أكراد العراق، بعد طول انتظار، تناست هذه الأنظمة خدمات الأكراد، وتوظيفاتها الضيقة والسلطوية لهم، كاشفة عن حقيقة أن خلافاتها البينية يمكن تجاوزها لتحل مكانها توافقات المصلحة المشتركة في عرقلة المشروع أو الطموح الكردي.

ومن نافل القول أن الأنظمة العربية تحديداً التي تعلن رفض الاستفتاء (سورية والعراق) لم تستطع خلال عقود من استقلال دولها بناء مجتمعات المواطنة، التي تجعل كل المواطنين يشعرون بالانتماء المتساوي لهذه الأوطان وإزاء القانون والدولة، كما لم تبن لهم مصالح تربطهم بها، تجعل من الصعوبة لأي مكون أو فرد أن يذهب به الحال اليائس من أنظمته إلى البحث عن سبل للخلاص منها، تحت ظل الدولة الواحدة أو بالانفصال عنها. ومثلاً فقد كان للعراق فرصة النجاة، بكل العراق، من خلال ما اتفق عليه في الدستور الفيدرالي الذي اعتمد اللامركزية (2005)، لكن ارتهان ساسة العراق لإيران وخضوعه لهيمنة ميليشياتها المذهبية والمسلحة، والتراجع عن الاتفاقيات المبرمة مع الأكراد، أعطى المبرر، وسهل على الرئيس مسعود البرزاني في شمال العراق اللجوء إلى خيار المواجهة- الاستفتاء، آخذاً بيد مؤيديه على الأقل، إلى إحياء حلم ظنت الأنظمة أنه قد مات، بفعل القمع والتجاهل والتعصب وطمس حقوق المواطنة الكاملة للأفراد والقوميات، وقيادة شعبه نحو استفتاء هو أشبه بمغامرة، فالرجوع عنها يساوي الإقدام عليها.

في المقابل، فإن الحديث عن الاستقلال وكأنه نهاية المطاف لحلم الدولة بإقامتها، يشوبه عديد من المشكلات، إذا لم يرتبط بإقامة دولة مواطنين متساوين وأحرار، وبأنظمة ديموقراطية تخضع للمؤسسات والقانون، وإذا لم يعتمد النظر في مصالح حقيقية تربط كل مكونات المجتمع، أولاً – على أساس فردي وهو الأهم، لأن المواطنة هي التي تشكل البنية المجتمعية الأساسية. وثانياً- على أساس جمعي يأخذ في اعتباره حقوق المكونات الإثنية أو القومية أو الطائفية، في التعبير عن ذاتها. أي أنه من دون هذا الترتيب فإن هذه الدولة قد تكون إزاء مشكلات تؤجل ولا تموت، كحال ما هو قائم في بلداننا العربية ومنهم سورية. وعليه فإن ما ورد في «الوثيقة السياسية» لضمان حقوق المكونات القومية والدينية في كردستان، من تركيز على حقوق المكونات فقط، يجعل التخوّف مشروعاً، حيث الحديث يدور أساساً، أو في معظمه، عن ديموقراطية توافقية للجماعات، إذ سيكون ذلك محور الحياة السياسية، وكأن من صاغها استرشد باتفاق الطائف لانهاء الحرب الأهلية في لبنان، (الديموقراطية الطائفية)، وبذلك تتجاهل الوثيقة- إلى حد ما- والتي يفترض أنها تؤسس لدستور جديد لحقوق المواطنين الأفراد المستقلين عن الكيانات والانتماءات الجمعية، ما قد يكرس العصبيات والهويات الجمعية، قبل الوطنية، على حساب حقوق المواطنة الفردية.

ما يجب فــهمه من قبل الأنظمة وتحديداً النظامين السوري والإيراني أن ما حصل يوم الإثنين الماضي 25 أيلول ليس نهاية مرحلة، سيغلق بعدها ملف الأكراد في المنطقة، بل هو بداية لما يمكن تســميته مواجهة الواقع، لفتح الملف الذي لا يزال بعضهم يظنه قد أقفل إلى الأبد. وهذا يشـــمل ســورياً (النظام والمعارضة)، لهذا على الأطراف المعنية بسوريا المســـتقبل، ولا سيما أطراف المعارضة، أن تفكر بطريقة أخرى، لمعالجة المــسألة الكردية، بالضد من الســياسات الإقصائية التي اعتمدها النظام في مصادرته حقوق الأفراد والجماعات، وفي تجزئته الجماعة الوطنية السورية، ووضــعه مكـــوناتها في مواجهة بعضها، بدل العمل على إيجاد فرصة للنجاة بها كوحدة سورية، قبل التشدق بشعارات الوحدة مع الآخرين، وهذا لن ينجز إلا بإقامة دولة سورية كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين متساوين وأحرار، وكدولة ديمقراطية «فيديرالية مثلاً» على غرار دول العالم المتحضرة، حيث الفدرالية على أساس جغرافي وليست على أساس اثني أو طائفي.

هكذا يمكننا القول بأن هذا هو الشرق الأوسط الجديد خاصتنا، وليس الذي كانت أعلنت عنه كوندليزا رايس الوزيرة السابقة لخارجية الولايات المتحدة الأميركية، منذ عام 2006، والأجدى أن نقول إن الأنظمة الاستبدادية هي التي تجعل من العرب عربين، ومن السيادة الوطنية مزارع حكم استبدادية، وبالتالي هي السبب الأساس في خلق «الفوضى الخلاقة» التي بشرت بها رايس ذات مرة.  

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
2  الاستقلال ترياقاً للكرد!  شورش درويش

 

 الحياة السعودية
  

يصدق على ما يحدث في العراق اليوم ما اصطلح على تسميته «لعنة التاريخ»، فحين تتشظى الهوية العربية إلى هويات طائفية متناحرة، وعندما يتحوّل الجيش الوطني إلى مؤسسة رديفة لمليشيات الحشد الشعبي، وحين يتحوّل البرلمان إلى مغالبة بين النوّاب والكتل على إثبات الولاء الطائفي، وحين تعجز الطبقة السياسية عن تحويل الدولة إلى أمّة عبر مسيرة من مئة سنة، فإننا إزاء كارثة تطاول هيئة دولة.

بذا تصبح عبارة ملك العراق فيصل الأوّل أقرب إلى القدر العراقي المحتوم منها إلى تشريح حالة موقتة توصيفاً لحال العراق سنة 1921: «في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية…».

خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، لم تنجح الطبقة السياسية في التأسيس لدولة المواطنة، ولم تسعَ إلى مقاربة الحالة الأثيرة للدولة المعاصرة (الدولة – الأمّة)، ولا انتشال الدولة الغارقة في الإيديولوجية البعثيّة الملوّثة، بل اندفعت إلى سياقاتٍ موازية لتلك الصداميّة حيث العنف المضاد باسم الطائفة والمظلومية الشيعية واجتثاث البعث. وإن كان لا بد من «استبشاع» ظلم ما، فلا بد أن يكون ظلم المظلومين المؤمنين بأن التاريخ أنصفهم حين مكّنهم من السلاح والسلطة والمال!

خلال السنوات ذاتها، رفل كرد العراق بحياةٍ أفضل، لجهة التنمية الاقتصادية والأمن والتعليم والخدمات والصحة، قياساً بعموم العراق، إلى أن دفعت بغداد أكرادها دفعاً صوب أكثر الخيارات حديّةً (الاستقلال). فقد عاملت بغداد كرد العراق كأنهم «سنّة»، وتشبيه الكرد بسنة العراق هنا على مرارته يبدو لي واقعياً، إذ يستبطن كل معاني الحرمان والاستبعاد ونقض الشراكة. فالرئيس الكردي المقيم في قصر السلام والطاقم السياسي الكردي في بغداد باتوا أشبه بظلال ساكنة، لا قيمة لهم ولا تأثير، وفوق ذلك مهدّدون بالإعفاء من مناصبهم لحظة تغضب بغداد أو تشاء، ومن دون الالتفات إلى الشراكة التي وضع أسسها من هم في الحكم في بغداد وأولئك الذين في أربيل في أكثر المراحل صعوبةً زمن صدام في لندن وصلاح الدين في كردستان.

خلال الأزمة التي سبقت استفتاء الإقليم، تعاملت بغداد بلا مسؤولية، وصدّعت رؤوس الإعلام بالأخطار التي ستحيق بالكرد حال استقلالهم، وبشّرت على نحو متكرّر بمصير أسود ينتظر الكرد أسوةً بما حل بأهل جنوب السودان، من فوضى وقتال أهلي وجوع ونهب للخيرات الباطنية، ولم يكن في جعبة بغداد سوى التبشير بالخراب العميم. أما في الأيام التالية للاستفتاء، الذي جاء بنتيجة تأييد تجاوزت الـ 92 في المئة، فقد أفردت بغداد ذراعيها مجدداً عبر حزمة من التهديدات والقوانين التي من شأنها أن تضاعف الأوضاع الاقتصادية في الإقليم سوءاً، إلى جوار التلويح بالحرب، ودائماً عبر مؤسستها القاضمة للدولة (الحشد الشعبي)، ناهيك عن إفساح المجال لمعمّمي العراق في تسعير الخلاف عبر ضخ التهديدات وإضفاء الطابع الشرعي عليها، وهذه الأخيرة تشكّل قطعاً للتراث الشيعي المعاصر الذي قال به المرجع الأعلى محسن الحكيم الذي أفتى بـ «حرمانية قتال الكرد»!

تتحزّم بغداد بسوء الجوار الكردستاني (الإيراني والتركي)، ويشدُّ من أزرها مقدار غضب الجمهوريتين من استقلال أحد أحجار البازل الكردي حولهما، ذلك أن من شأن أي اعتداء عسكري أو حصار يرمي إلى تجويع الكرد أن يزيد من حظوظ بغداد التفاوضية مع الكرد، على أمل بأن تساهم هاتان القوتان في إعادة الكرد مهيضي الجناح إلى دولة الطائفة الواحدة، وريثة دولة الحزب الواحد، وبالتالي القبول بالفتات السياسي، وتخفيض حصّة الإقليم الماليّة إلى مستويات أدنى مما هي عليه، فضلاً عن تمكين بغداد من التدخل في شؤون الإقليم الداخلية نكثاً بالشراكة وتنكيلاً بخصومهم السياسيين الكرد.

كانت الأهزوجة الشعبية الشيعيّة العراقية (الهوسه) إبان ثورة العشرين تعلي من شأن الكرد بالقول: «ثلثين الجنة لهادينا وثلثه إلكاكه أحمد وأكراده»، فإذا كان لكرد هذه الهوسه ثلث الجنة فإنهم والحال هذه لا مكان لهم لا في الدنيا التي تحكمها الطائفة السياسية، ولا في الآخرة التي هي بيد معمّمي الطائفة ذاتها. ليصبح خيار الانفصال أفضل ترياق يمكن أن يتناوله الكرد للتخلص من الدولة المسمومة.

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
3  التوافق الأميركي – الإيراني حول الاستفتاء يصدم أربيل  

راغدة درغام

 

 الحياة السعودية
 

لن يفيد أكراد العراق العناد القاطع في وجه الغضب العارم من قبل الحكومة العراقية وتركيا وإيران والاستياء الأميركي أيضاً من إصرار القيادة الكردية على إجراء استفتاء على قيام دولة مستقلة يؤدي عملياً الى تقسيم العراق. في المقابل، لن تكون حكمة من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن ينفذ توعده بإرسال قوات الى منطقة كركوك النفطية وفرض حظر جوي على كردستان العراق، ما لم يسلّم رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني السيطرة على مطاري أربيل والسليمانية الى بغداد. ثم أن تعهد العبادي للبرلمان العراقي أن الحكومة لن تدخل في حوار ومحادثات مع القيادة الكردية ما لم تقم بإلغاء الاستفتاء وما يترتب عليه، إنما يغلق الباب على التفاهمات السياسية الممكنة ويشرِّعها على المواجهة العسكرية بين أهالي العراق من أكراد وعرب ويستدعي تدخل تركيا وإيران ضد الأكراد.

تراكمات أخطاء القيادات الكردية وعنادها أدّت الى الوضع الراهن الخطير حيث زج الأكراد أنفسهم في زاوية صعبة لن يكون سهلاً الخروج منها بأمان. رأي الداعمين قرار إجراء الاستفتاء في موعده هو أن التراجع عن إجرائه «انتحار سياسي» لمسعود بارزاني من دون ضمانات دولية وموعد حاسم للاستقلال. الناقدون لقرار بارزاني يلومونه على المجازفة في وجه كل النصائح والتوسلات لتأجيل الاستفتاء كي لا يكون الأكراد مفتاح تقسيم العراق، وهم يقولون إن الأكراد الآن ينتحرون بين أنياب تركيا وإيران ودولة العراق بسبب الإصرار على الاستفتاء. لا مناص الآن من تراجع جميع اللاعبين وهناك ضرورة قصوى لدور أميركي وروسي استباقي وآني لمنع التدهور والمواجهة العسكرية.

الانفتاح الخليجي، السعودي خصوصاً، على العراق في الآونة الأخيرة يمكن أن يمهّد لدور إيجابي في إطار الموازين الداخلية، لا سيـــما أن العلاقات مع حـــيدر العـــبادي تتحسن. فما يقوله أكراد العراق هو أن دولة العراق باتت مذهبية تسيطر عليها فعلياً الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأن أحد أهم أهداف الاستفتاء هو الدخول في حوار جدي مع بغداد واستخدام نتيجة الاستفتاء كورقة ضغط نحو دولة كونفدرالية ديموقراطية، بدلاً من المضي بإخضاع العراق للإرادة الإيرانية. لكن ماذا الآن بعدما وصل التشنج الى درجات خطيرة وجرى توجيه الإنذارات ليس فقط بإلغاء الاستفتاء الذي تعتبره بغداد غير شرعي وغير دستوري، بل أيضاً إمهال القيادات الكردية 72 ساعة لتسليم المطارات والمعابر وإعادة الحقول الشمالية في كركوك والمناطق المتنازع عليها الى إشراف وسيطرة وزارة النفط الاتحادية في بغداد.

لعل أسهل التنازلات وأصعبها يكمن في تعريف مهمة الاستفتاء بما يجعله أقرب الى استبيان الرأي بدلاً من اعتباره وثيقة تخويل للمضي الى دولة كردية مستقلة في العراق. هكذا يمكن شراء الوقت لبدء المفاوضات مع الاحتفاظ بواقع لا يمكن التراجع عنه هو أن 92 في المئة من الناخبين الأكراد صوتوا لمصلحة الاستقلال. وهكذا يمكن الحكومة العراقية أن تتراجع بلطف عن طلبها التعجيزي واللامنطقي وهو إلغاء استفتاء تم إجراؤه بكل الأحوال. أوساط أميركية عدّة شجعت أكراد العراق على المضي الى الاستقلال واعتبرت أن قيام الدولة الكردية المستقلة في العراق بات واقعاً لا عودة عنه. هذه الأوساط باركت انتزاع الدولة الكردية لكركوك باعتبارها المصدر النفطي الرئيسي لها، وعلى أساس أن فرض الأمر الواقع على بغداد سيجعلها ترضخ له، وهي التي زرعت في أذهان القيادات العراقية أن الوقت المناسب لفرض الدولة الكردية المستقلة هو الآن، وهي التي ضخّت فيها الإصرار والعناد باعتبار أن الاستثمارات الكردية العسكرية في الشراكة مع الولايات المتحدة لإلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» لها مردودها الذي حان قطفه الآن.

المفاجأة أتت بالنسبة الى القيادات الكردية بمواقف إدارة ترامب التي صدمت القيادات وجعلتها تعتقد – ربما – أنها للاستهلاك وغير جدية. فالقيادة الكردية كانت عارمة الثقة بالدعم الأميركي لمشروع الاستقلال الذي هو عملياً مشروع البدء بتقسيم العراق. فهي حقاً وضعت الأكراد في الصف الأول من الحرب على «داعش» عبر «البيشمركة» في العراق واعتقدت أن ذلك الاستثمار وضعها في مرتبة مميزة لدى واشنطن.

ثم هناك عنصر الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي كان مطاطياً في اعتبارات أكراد العراق إذ تارة تلقوا الدعم العسكري من إيران أثناء عمليات الحرب على «داعش» ومعظم الأحيان اعتبروا أن «الحرس الثوري» الإيراني يصدّر نموذجه عبر «الحشد الشعبي» في العراق ليستفرد بالسلطة. مأسسة «الحشد الشعبي» أخاف الجانب الكردي واعتبر أنه إذا لم يتحرك الآن، لفات الأوان، ولن يكون للأكراد مكان غداً.

«نحن عائق المشروع الإيراني في المنطقة» وفق تعبير مصدر كردي معني، «والقيادات الكردية رفضت جعل المناطق الكردية ممرات للأسلحة الإيرانية الى سورية». لذلك صُدِمت القيادات الكردية عندما أتى الموقف الأميركي ليدعم عملياً المشاريع الإيرانية للعراق «فأثبتوا الولاء لحليفهم الأكبر، وهو إيران، على رغم ما يدّعون بأنه يشكل خطراً على أصدقائهم ويصدّر الإرهاب».

الأكراد خائفون من إخضاع العراق لهيمنة إيران وهم يشعرون بالتهميش والإقصاء. لذلك ينظرون الى ردود الفعل الأميركية والتركية والإيرانية والعراقية بأن فيها «ظلماً وغدراً؟ حدة مواقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ضد إجراء الاستفتاء أدهشتهم. ردود الفعل الديبلوماسية والسياسية ربما كانت ضمن حساباتهم بأنها مجرد زوبعة لفترة قصيرة، ثم تهدأ، إنما الإجراءات العملية التي توعّد بها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والقيادات الإيرانية المختلفة هي التي دفعت أكراد العراق الى كابوس اليقظة.

علاقات الأكراد مع واشنطن تبقى في غاية الأهمية وهناك حاجة لتتوقف إدارة ترامب عن تكرار اللوم على عدم تأجيل الاستفتاء والإقدام على «تنفيسه» – إذا شاء التعبير – ليكون الوسيلة الى الحوار والمفاوضات حول كامل المسائل العالقة بين بغداد وأربيل كي يكون استقلال إقليم كردستان لاحقاً جزءاً من كونفيديرالية عراقية وطنية بدلاً من أن يكون نقطة الانطلاق الى تقسيم العراق الى ثلاثة أجزاء منفصلة.

في هذه الأثناء، يمكن الديبلوماسية الأميركية لو شاءت – أن تلعب دوراً لاحتواء الهيمنة الإيرانية على العراق برمته وفرض حكم ديني عليه على نسق الحكم الثيوقراطي في إيران. هذا يتطلب من واشنطن تبني استراتيجية شاملة وجدية ومتماسكة نحو الجمهورية الإسلامية الإيرانية – وهذا ما يبدو حالياً بأنه بعيد المنال رابضاً في الخيال. إذا بقيت السياسة الأميركية الخارجية مبعثرة تعتمد من البلاغة في الخطاب rethoric والمجاملة اللفظيةLip Service، لن يكون أمام العراق سوى التقسيم ليس لأن هذا ما يريده الأكراد وإنما هو تماماً ما تريده إيران لتتمكن من فرض القوس أو الهلال الفارسي الممتد من طهران الى بيروت عبر الأراضي العراقية والسورية التي تتركها واشنطن تستولي عليها بلا احتجاج.

روسيا شريك لكل من إيران وتركيا في سورية تحت عنوان الضامنين لوقف النار وهي كانت حريصة على صيانة الأكراد من الأتراك مع أن «القوات السورية الديموقراطية» حليف أميركي في الساحة السورية. بعض أكراد العراق يعتبرون أن ابتعاد الولايات المتحدة عنهم يشكل فرصة لروسيا أن تكون البديل الشريك، وهم يشيرون الى أهمية أن يكون لروسيا موطئ قدم في العراق علماً أن العراق ما زال مغلقاً أمام روسيا وأن روسيا كانت تعتبر العراق لها في الموازين الجغرافية – السياسية قبل حرب جورج دبليو بوش في العراق – وبحسب تقويم هؤلاء، أن روسيا قد تحبذ وحدة العراق لكنها «تفهم وتتفهم الإرادة الوطنية الكردية» وهناك حوار قائم مع حكومة إقليم كردستان يشمل صفقات نفط وغاز للأتراك دور فيها أيضاً.

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يُعد من أصلب المعارضين للاستفتاء اليوم فيما كان في الماضي القريب أقل انتقاداً له. فجأة انه يتعهد بتجويع الأكراد في الإقليم وبالعمل العسكري المشترك مع العراق إذا تطلب الأمر وهو ينسق مع إيران لاحتواء الطموحات الوطنية للأكراد في كل من تركيا وإيران. انه يهدد بإرسال قوات لإنشاء ممر عازل بين أكراد سورية وأكراد العراق عبر «درع دجلة» ليكون مشابهاً «لدرع الفرات» في شمال سورية.

الأجواء المشحونة خطيرة جداً والحاجة ماسة الى مبعوث أميركي أو دولي مهمته استباق التدهور عبر مقترحات عملية وعادلة تعالج التدهور الآني وتتقدم بآليات وإجراءات واقعية عبر حلول خلاّقة. فلا يكفي الاستياء من إجراء الاستفتاء أو من التهديد بغلق الحدود والأجواء. ذلك أن الاشتباك العسكري ليس مستبعداً وهو سيكون حقاً الكارثة حيث قوافل الجثث والجنائز تعود الى العراق مرة أخرى بسبب أخطاء القيادات المتراكمة.

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
4  العراق.. العرب السنة سيلحقون بالأكراد إن لم تنته الهيمنة الإيرانية!

 

 

صالح القلاب

 

 الشرق الاوسط السعودية
  

أخطر ما يمكن أن يترتب على خطوة «الاستفتاء» هذه، التي أقدم عليها أكراد كردستان العراقية، هو أن عدواها قد تنتقل إلى العرب السنة، وهذا احتمال وارد جداً إذا بقيت الأمور تسير وفقاً لما ترتب على معادلة ما بعد الغزو الأميركي في عام 2003، وإذا استمرت الهيمنة الإيرانية على هذا البلد العربي التي لا يستطيع كائن من كان إنكارها، والتي دأب على التغني بها حتى كبار المسؤولين الإيرانيين، خصوصاً جنرالات الثورة الخمينية، ومعهم كثير من رموز وقادة الميليشيات الطائفية التي تنضوي في ما يسمى «الحشد الشعبي»، الذي على رأسه هادي العامري.

بعد الغزو الأميركي وإسقاط النظام العراقي السابق في عام 2003، تحالف الأكراد مع الشيعة، الأكثر ارتباطاً بإيران وبحوزة الولي الفقيه، وفرضوا على العراق نسباً عددية طائفية وقومية، اعتبروا فيها – برعاية المندوب السامي الأميركي بول بريمر – أن العرب السنة يشكلون الأقلية في بلاد الرافدين، وأنهم يجب أن يبقوا هامشيين وثانويين، عقاباً لهم لأنهم كانوا هُمْ صدام حسين، وكان صدام حسين هُمْ. وحقيقة، إن ما عاناه هؤلاء، وما تعرضوا له من عمليات تهجير قسري واقتلاع على مدى نحو أربعة عشر عاماً، لم يسجل التاريخ مثله، لا في زمن المغول وهولاكو ولا في أي مرحلة من المراحل الظلامية التي مرت بها بلاد الرافدين.

لقد جعلت معادلة بول بريمر هذه، التي ألزم بها للأسف حتى الأشقاء الأكراد، نسبة العرب السنة العددية لا تصل إلى العشرين في المائة في العراق، مع أن المعروف أن كل المدن العراقية الرئيسية سنية، وأن أهل السنة يشكلون – إنْ في الوسط وإنْ في الشمال – الغالبية السكانية. وحقيقة، إنَّ هذا كان استهدافاً واضحاً، وقد تجلى في «خريطة» توزيع المناصب القيادية، وفي عمليات التغيير الديموغرافي التي كانت قد بدأت مبكراً، بعد الغزو الأميركي مباشرة، وأيضاً في عمليات التهجير القسري إلى الخارج، التي استهدفت أبناء هذه الفئة العراقية الرئيسية.

وتحت وطأة الاتهامات والملاحقات والمطاردات، وعلى أساس أن هؤلاء كانوا يشكلون القوة الرئيسية التي اعتمد عليها صدام حسين، والقوة الأساسية لحزب البعث الذي لا يزال مطارداً حتى الآن، مع أن الكل يعرف أن الرئيس العراقي الأسبق كان لا يتوانى ولا يتردد في إعدام كل من يخالفه، حتى من قادة هذا الحزب التاريخيين، وحيث بالإمكان – لو يتسع المجال في هذا المقال – إيراد، ليس قائمة واحدة، وإنما قوائم كثيرة بأسماء بعض من لا تزال تحتفظ بأسمائهم ذاكرة أضعفتها عوامل السنوات الطويلة.

الآن، بعد هذا «الاستفتاء» الذي كان خطوة متسرعة، ومن دون وضوح رؤية ولا دراسة كافية، أصبح الأكراد، الذين كانوا يرجحون الكفة السنية، مع أنهم في البدايات كانوا قد وضعوا أنفسهم في المكان الخطأ، خارج المعادلة العراقية؛ وهذا يعني أنه غير مستبعد أن يسير العرب السنة على الطريق الذي سار عليه هؤلاء، أي الكرد، إنْ لم يتم أولاً التخلص ونهائياً من هذه المعادلة التآمرية الآنفة الذكر، وإنْ لم يتم التخلص ثانياً وبصورة نهائية من الهيمنة الإيرانية على هذا البلد العربي الذي لا يقل تمسك الشيعة فيه بعروبتهم عن تمسك أشقائهم السنة، خصوصاً بعد تجربة كل هذه السنوات الطويلة القاسية من التحكم الإيراني والسيطرة الفارسية.

يجب أن يدرك أصحاب القرارات الفعلية في العراق، والمقصود هنا هو الولايات المتحدة وليس إيران، أن هذه «التركيبة» الطائفية والمذهبية، التي جعلت الأكراد، وبعد طول معاناة، لم يعد أمامهم إلا هذا الخيار الصعب، وإلا مغامرة «الاستفتاء» هذه، ستجعل العرب السنة يلحقون بهم، ويسيرون على خطاهم. والفرق هنا أن المؤكد أن هؤلاء، أي العرب السنة، إن هُمْ أقدموا على مثل هذه الخطوة، فإنهم بالتأكيد لن يواجهوا رفضاً كالرفض الذي واجهه الأكراد، خصوصاً من قبل الأتراك والإيرانيين، فهناك في هذه المنطقة أكثر من عشرين دولة عربية سنية، والمعروف أن الشرق الأوسط كله من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي هو عبارة عن بحر عربي سني، مع كل الاحترام والتقدير والمحبة للفئات الأخرى، وللأقليات القومية والدينية المتعددة.

لقد سمعنا، وهذا مثبت ومعروف ومؤكد، أن هناك من «تنبأ» – وهذا كان قبل عام 2003، عندما كان صدام حسين لا يزال في ذروة قوته وسيطرته الداخلية، وفي ذروة مكانته العربية والدولية – بأن مصير العراق هو التجزئة، وأنه سيصبح ثلاث دول بدل دولته الواحدة؛ هي: دولة سنية في الوسط، ودولة شيعية في الجنوب، ودولة كردية في الشمال. وهنا، فإن أغلب الظن أن أشقاءنا الكرد عندما اختاروا هذا الخيار الصعب، وأصروا على هذا «الاستفتاء»، وعلى هذا الانفصال، ربما استندوا إلى هذه «النبوءة» الكارثية القديمة.

وبالطبع، فإنه يجب عدم الاكتفاء بمجرد رفض هذه النبوءة القديمة الكارثية، بل يجب مقاومتها، أولاً من قبل العراقيين أنفسهم (السنة والشيعة)، وثانياً من قبل العرب الشرفاء، وثالثاً من قبل الدول المعنية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي بما أنها «تسلَّمت» عراقاً موحداً في عام 2003، فإن عليها أن تحافظ على بقاء هذا العراق موحداً، كما كان قبل احتلاله في عام 2003، فشَرْذَمَة كهذه إن كانت في مصلحة الإسرائيليين والإيرانيين، فإنها ليست بالتأكيد في مصلحة الأميركيين ولا الروس ولا أي من دول الاتحاد الأوروبي.

وهكذا، فإنه على الشرفاء من الطائفة الشيعية، وهم كثر بالفعل، وفي مقدمتهم السيد مقتدى الصدر، أن يوقفوا محاولات دفع السنة العرب إلى خارج الدائرة العراقية الموحدة، كما دفعوا الأكراد إلى خارج هذه الدائرة، فالعراق الواحد الموحد يجب أن يبقى بعيداً عن التجزئة والانشطار. ويقيناً أنه إذا حصل العكس، لا سمح الله، فإن الهيمنة الإيرانية ستتجذر وتتعزز في هذا البلد العربي الذي بقيت الكوفة منذ زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حتى الآن عنوان عروبته، والذي احتله الصفويون لسنوات طويلة لكن في النهاية لم يصح إلا الصحيح؛ والصحيح أن بلاد الرافدين لن تكون إلا عربية، وأنها ستبقى عربية، كما كانت في عهد المناذرة، وبعد ذي قار وهاني بن مسعود الشيباني، وفي زمن الأمويين والعباسيين، وبعد الثورة العربية الكبرى التي كان من خيرة رموزها عددٌ من القادة العراقيين.

ربما أن الأشقاء الأكراد لن ينجحوا في «قفزتهم» غير المحسوبة العواقب حسابات جيدة هذه، لكن حتى إنْ هُمْ بقوا يتمسكون بنتائج استفتائهم هذا، فإنهم يجب ألا يصبحوا بعيدين عن العراق وأهله، وإنهم يجب ألا يعاملوا العرب كما يعاملهم الإيرانيون والأتراك. ومع التأكيد على أنه إن لم يتم تغيير هذه المعادلة العراقية الجائرة، التي وضعها بول بريمر بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، والتي هي السبب الرئيسي للهيمنة الإيرانية على بلاد الرافدين منذ ذلك الحين حتى الآن، فإن العرب السنة سيضطرون إلى السير على الطريق الذي سار عليه أشقاؤهم الكرد. إنَّ هذه هي حقائق الأمور، وإنَّ هذا البلد العربي العظيم ذاهب إلى التشظي، إن لم يجر تدارك هذه الأمور بسرعة واستبدال هذه المعادلة – المؤامرة التي بقيت سائدة بقوة هيمنة نظام الولي الفقيه وأعوانه، والتي إن هي لم تستبدل بمعادلة جديدة، فإن على العراقيين والعرب أن يقرأوا على «عراقهم» الموحد العظيم الفاتحة… واللهم فاشهد.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
5  لماذا يُحذّر أردوغان من “مُؤامرةٍ” زاحفةٍ إلى بلاده يَقودها “لورانس عرب” جديد؟ وهل ستَنجر تركيا إلى حربٍ في كردستان العراق تكون مَصيدةً أمريكيّةً لاستنزافها؟

 

 عبد الباري عطوان

 

 

 راي اليوم بريطانيا
  

أدلى الرئيس رجب طيب أردوغان بالعديد من التصريحات مُنذ يوم الإثنين الماضي، موعد الاستفتاء الذي أصرّ على إجرائه السيد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، لكن أخطرها في نظرنا اعترافه الذي وَرد في كلمةٍ أدلى بها أثناء حفلِ تخريجِ دُفعةٍ من ضُبّاط الشرطة، بأن بلاده تركيا مُستهدفة بـ”مؤامرة”، وأن الأحداث التي تَشهدها سورية والعراق والمُخطّطات التي تُنفّذ عَبرها ليست بمَعزلٍ عن تركيا.

وأضاف “الهَدف من إنشاء دولةٍ مُستقلّةٍ في كردستان العراق هو تقديم العَون لِمَن يريدون تمزيق وحدة الشعوب وإحداث صراعات لا نهاية لها في المنطقة بأسرها”.

***

تركيا في اعتقادنا هي المُستهدف الأكبر من مَشروع أحفاد لورانس العَرب الجديد، لأنها تُشكّل المُستودع الأضخم للأمّة الكرديّة أولاً، ولأنّها القوّة الإقليميّة العُظمى التي ظلّت مُتماسكةً، ولم تَصل إليها أذرع المُؤامرة الأمريكيّة التفتيتيّة التي مزّقت العراق وسورية ثانيًا، ولأنّها شقّت عصا الطّاعة مع أمريكا والغرب عُمومًا، وأسّست حِلفًا استراتيجيًّا مع الداهية بوتين ثالثًا.

الرئيس أردوغان لوّح باللّجوء إلى الخِيار العَسكري ضد إقليم كردستان، وقال بالحَرف الواحد، “يُمكن أن تَصل قوّاتنا إلى شمال العراق في ليلة ليس فيها قمر”، وأكّد أنه “في اللّحظة التي ستُغلق فيها الحدود لن يَجد الأكراد ما يأكلونه أو يَشربونه”، ولكن هُناك سُؤالين، الأول، هل يُمكن أن يُنفّذ الرئيس أردوغان تهديداته هذه؟ وهل يَسمح له العالم الغربي الذي يَقف خَلف هذه المُؤامرة بتجويع أكثر من خمسة ملايين كردي؟

نُقطة ضعف التّحالف الرباعي المُضاد للاستفتاء الكردي (العراق إيران، تركيا، سورية) هي تركيا، والرئيس رجب طيب أردوغان نفسه، لأن هذا الرجل يتمتّع بأعلى درجات “البراغماتيّة”، ويُمكن أن يتنصّل من كُل هذه التهديدات إذا ضَمِن مصالح بلاده، وأبرزها العوائد التجاريّة، والحِفاظ على الوحدة الترابيّة التركيّة، فهو يَميل دائمًا حيث تَميل رياح هذهِ المصالح، والأمثلة كثيرة لا يتّسع المجال لحَصرها.

السيد البارزاني الذي أقدم على مُقامرة الاستفتاء هذهِ يُدرك هذه ِالحقائق جيّدًا، ولهذا بادر بإعطاء حديث إلى واحدةٍ من الصّحف التركيّة المُقرّبة منه “تركيا” نَشرته اليوم، قال فيه “لا نُريد دولةً مُستقلّة تقود إلى الحرب، ونُريد حَل المشاكل بالحوار، وإن هذا الاستقلال ليس الهَدف منه تهديد الأمن القومي لتركيا، وليس من مصلحة تركيا ولا إقليم كردستان إغلاق الحدود، فالتبادل التجاري بين الجانبين وصل إلى 10 مليار دولار، وكان من المُقرّر أن يَصل إلى 16 مليار دولار بنهاية العام الحالي” إنه، السيد البارزاني، استخدم اللّغة التي يَفهمها الرئيس التركي جيّدًا.

الحُدود التركيّة مع شمال العراق لم تُغلق حتى كتابة هذه السطور، أنبوب النفط الذي يُعتبر شريان الحياة للإقليم ما زال مَفتوحًا، ويَضخ النفط بمُعدّلاته الطبيعيّة إلى ميناء جيهان، ومنه إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي الذي تستورد ثلاثة أرباعه (500 ألف برميل يوميًّا).

ما قاله السيد بن يلدريم، رئيس الوزراء التركي مُخاطبًا مُواطنيه اليوم بأن عليهم أن لا يقلقوا لأن تركيا لن تَقوم بشَن أيّ حربٍ في المنطقة، وعلى إقليم كردستان خُصوصًا، ربّما الأكثر تجسيدًا للمَوقف التركي الحقيقي في هذهِ الأزمة.

***

تركيا تَخوض جميع حُروبها في المنطقة بالإنابة، وتتجنّب بقَدر الإمكان الزّج بقوّاتها في حُروبٍ مُباشرةٍ، إلا بما نَدر، وعلى نطاقٍ ضيّق، مِثلما حَدث في شمال غرب سورية، ومدينة الباب تحديدًا، وتترك هذه المُهمّة لحُلفائها الآخرين، ولا نَستبعد أن يكون هؤلاء هم العراقيون والإيرانيون هذهِ المرّة.

الحَذر مَطلوبٌ، وتجنّب الحُروب خيارٌ حكيمٌ وآمن، إذا لم تَكن له تَبِعات أخطر على الوحدة الترابيّة لِمَن يُقدم عليه، ولكن ليس في كل مرّة تَسلم الجرّة.

الدولة، أو الدّول الكُرديّة المُستقلّة التي تتبلور تدريجيًّا، ستكون ذات حدود مفتوحة، وقابلة للتمدّد، تمامًا مثل حدود إسرائيل، الدولة الوحيدة التي تُجاهر علنًا بتأييدها وتَعمل من أجلها، وقد تكون الأراضي التركيّة هي اللّقمة الأكبر التي سيَتم ابتلاعها.

ليت الرئيس أردوغان تنبّه إلى مخاطر هذهِ المُؤامرة التي حذّر منها قبل سنوات، وتجنّب توريط بلاده والمَنطقة فيها، لأن المُؤشّرات تقول أن تركيا والعراق وإيران ربّما تكون ساحة أحدث فُصولها وامتداداتها الجديدة، فإسرائيل التي تَقف خلفها بقوّة، مِثلما وَقفت خلف تقسيم السودان، ودَعمت سد النهضة الأثيوبي لتعطيش مصر وتجويعها، لا يُمكن أن تنسى أن تركيا دولة مُسلمة، وَصلت قوّاتها إلى فيينا، ورَفض سُلطانها عبد الحميد قيام دولة لليهود في فلسطين.

اتفاقية سايكس بيكو التي جَرى توقيعها قبل مِئة عام وفتّتت الدّولة العثمانيّة، تتعرّض حاليًّا لعمليّة “تصحيح”، وبما يُؤدّي إلى تطبيق معاهدة سيفر عام 1920 التي أعطت للأكراد دولة قوميّة في الدّول الأربع، وأجهضها كمال أتاتورك، واستبدلها بمُعاهدة لوزان عام 1923 التي نَسختها استرضاءً له وتركيا “الحديثة”، بصورتها وحدودها الحاليّة، فهل يَتصدّى أردوغان لـ”المُؤامرة التصحيحيّة” الجديدة التي تَحدّث عَنها؟

نترك الإجابة للأيّام والأسابيع القليلةِ المُقبلة.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
6  عشرة أسباب لرفض استقلال كردستان العراق

 

 حمدي جوارا

 

 

 راي اليوم بريطانيا
  

سألني صديق حميم عن أسباب مقنعة لرفضي استقلال ما يسمى بكردستان العراق.. فرصدت له هذه الأسباب.

اولا : الانفصال دائما يكون له تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية يمكننا تفاديها ولا داعي لها في الوقت الذي نمر به.

ثانيا : إذا لم يكن هناك توافق دولي فهذه قد يسبب كارثة وخاصة في منطقة ملغومة مثل العراق … تصور إيران ترفض وتركيا ترفض وسوريا ترفض والدولة لن  قائمة بعد كل هذا لأنهم سيحاصروها منذ البداية .

ثالثا : إذا قبلنا الانفصال على أساس قبلي أو طائفي فسيقيم التركمان دولتهم والمسيحيون سيطالبون بدولة لهم والسنة سيطالبون الانفصال والشيعة لن تقبل ذلك وهكذا.

رابعا : تركيا تعتقد أن كردستان لو استقلت فإن ذلك سيشجع أكراد تركيا بجزء من أراضيها وهذا سيسبب مشكلة في الداخل التركي حيث سيتخذ أكراد تركيا أرض كردستان كملاذ للتدريب والإعداد والإمداد.

خامسا: أكثر من دولة فيها مطالبات بالانفصال وخاصة في أفريقيا.. المغرب ..مالي ودول قريبة منا  … .حتى في إسبانيا وفرنسا هناك انفصاليون وبلجيكا …. وبعض البلدان يطالبون بطرد الأجانب وغيرها من المواقف وهذا التصرف سيشجع آخرين للمضي قدما بخلق اضطرابات في بلدانهم .. ولذا ترى الانفصاليين يساند بعضهم بعضا ويعضد بعضهم بعضا ..

سادسا : هناك أخطاء نعم فيه أخطاء من قبل الدول وخاصة أكراد العراق ظلموا لأنهم ليسوا عربا لكن حل ذلك المشكلة لا  يعني أن ننفصل .والحوار السياسي هو الوسيلة إلى نيل الحقوق وبطريقة سلمية دون فرض واقع بالقوة …

سابعا: ليس بالضرورة انه اذا تم الانفصال يعني أن أبواب الخير ستفتح و سيكون سهلا لذلك بعض من أهالي جنوب السودان يريدون الرجوع إلى السودان الأصل..

ثامنا  : يبدو أن إسرائيل تساعد كثيرا الانفصاليين في الدول لأن ذلك في صالحها وخاصة في الشرق الأوسط وحتى في أفريقيا …لذا يجب أن نطرح هذا السؤال من الذي سيستفيد من الانفصال؟ إذا رأيت دول فتيقن  انها هي التي ستستفيد أكثر سياسيا واقتصاديا وربما ستتخذ كورقة ضغط للآخرين.

تاسعا: نحن نمر بمشاكل سياسية وحروب طاحنة في المنطقة فإذا فتحنا جبهة جديدة فهذا خطر على الجميع واستنزاف  جديد لقدرات الأمة.

عاشرا: شخصيا اعتقد ان الأكراد استغلوا سقوط الدولة العراقية منذ مجيئ الأمريكان واستغلوا الأوضاع المضطربة لفرض واقع لهم بالقوة ففي الوقت كان العراقيون يحاربون الاحتلال الأمريكي كان الأكراد يحاربون من أجل استقلال كردستان وهذا خبث سياسي وطريقة غير شريفة للوصول إلى هذا الاستقلال .  تماما مثلما أراد انفصاليو مالي فرض واقع أثناء انهيار الدولة منذ 5 سنوات وتحالفوا مع الدواعش من محاولة دولة وهمية سموها أزواد..

لهذه الأسباب أرفض هذا الاستقلال بل الاستغلال من الأكراد..

 ولو كان الكردي صلاح الدين انفصاليا أو كان  لديه هذه الثقافة الانفصالية لما حكم مصر ولما خاض معركة من أجل تحرير القدس من أيدي الصليبيين ..

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
7  الأكراد.. و«قاعدة الثُّلُث»

 

 

خالد عمر بن ققه

 

 الاتحاد الاماراتية
 

ردود الأفعال على استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق مخيفة ـ بالرغم من أنها لا تزال في بدايتها ـ ليست فقط لأكراد العراق وسوريا وتركيا وإيران، وإنما لكل شعوب المنطقة، وكلّ المعطيات تشبر إلى صراع دموي وشيك قد يُعمَّر لسنوات، وسيُكرِّس مزيداً من أزمات المنطقة، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار تهديدات كل من: بغداد وأنقرة وطهران، وهنا يطرح السؤال الآتي: ما هي رهانات أكراد العراق لإقامة دولتهم المستقلة؟.. الإجابة تبدو جليّة في «قاعدة الثُّلث» التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية بعد احتلالها للعراق عام 2003، إذ أن كل المواقف والتصريحات والمبادرات الأميركية منذ الأيام الأولى للاحتلال وإلى غاية انتصار الجيش العراقي على «داعش»، ركزت على تقسيم العراقيين على أساس مذهبي وعرقي في وقت واحد، حيث يأتي الحديث على أن المكونات الرئيسية للعراقيين، هي الشيعة والسنة والأكراد.

 

طبعاً كان ذلك التصنيف، وسيبقى، قسمة ضيزى بخصوص التقسيم الحالي والمستقبلي للعراق، وكون العراقيين بعد سقوط نظام «البعث»، قبلوا بتشكيل دولة جديدة مؤسسة على تلك القاعدة، وحولوها إلى نظام سياسي اتحادي ( دستور 2005)، فمن الطبيعي أن تكون النتيجة على النحو الذي تعيشه العراق اليوم، وإذا سلّمت بغداد بنتائج الاستفتاء لصالح الاستقلال فعليها القبول بانتهاء الوحدة الترابية للعراق، وظهور كيانات جديدة، وهو ما قد تنتهي إليه لدول عربية أخرى ـ مشرقاً ومغرباً ـ لديها أقليّات على أساس عرقي أو مذهبي، قد لا تكون بنفس التخطيط الذي جرى تنفيذه في العراق، وإنما بأسلوب مختلف، فلكل بلد خصوصيته.

 

 

استفتاء كردستان العراق، قد يكون مقدمة لحالتين محتمل حدوثهما، الأولى: وضع الأكراد في المواجهة، كتجربة أولية لما هو مخطط للمنطقة، وأقصد تقسيمها إلى دويلات، وقد تنتهي إلى خسارتهم، حيث سيتم إجهاض مشروع دولتهم المنتظرة قبل ولادتها، والأيام المقبلة ـ كما تشير تصريحات الحكومة المركزية في بغداد وقادة دول الجوار ـ ربما تكون مُحمّلة بمفاجآت غير سارة للأكراد عموماً وليس في العراق فقط، خاصة بعدما أبدى كثير من الأكراد في إيران خاصة، وفي تركيا أيضاً ولكن بدرجة أقل، تأييدهم الاستفتاء وعبروا عن فرحتهم في مسيرات حاشدة.. هنا يجب التذكير بأن الأكراد لم يستفيدوا من تجارب التاريخ لجهة تحقيق حلم دولتهم، واليوم يختارون وقتاً غير مناسب، ونقصد هنا الوضع العام في العراق.

الحالة الثانية، ميلاد دولة كرديّة على الأراضي العراقية فقط، يأوي إليها أكرد الدول المجاورة وتكون أرضهم الموعودة، وهذا يعني أن العراق سيُقسَّم إلى دولتين على الأقل في القريب العاجل، ويبدو أن هناك وعوداً من الغرب بدعم الدولة الكردية الناشئة، وإن أظهرت دُوُله خلاف ذلك في الوقت الحالي، ومن تابع تصريحات النُّخب السياسية والثقافية الكردية يدرك هذا، ثم أنه ما كان لرئيس إقليم كردستان العراق «مسعود البرزاني» القيام بهذه الخطوة لولا ضوء أخضر من دوائر صنع القرار في العواصم الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، وإن كانت تبدي تحفظها على الاستفتاء في محاولة لمواساة العرب، وخاصة العراق، ويبدو أن سوريا أدركت خطورة مد جسور بين أكرادها وأكراد العراق، فسارع وزير خارجيتها إلى تقديم وعود بحكم ذاتي لأكراد بلاده بعد الانتصار على «داعش».

 

المتوقع أن ينتهي إقليم كردستان العراق إلى قيام دولة معترف بها، ما لم تحدث مفاجآت حاسمة وقد تكون عسكرية، وهذه أيضاً محفوفة بالمخاطر، لأن الأقليات تحظى بدعم دولي من الدول الكبرى، لم يعد في مقدور الدولة الوطنية الموحدة الحصول عليه.. ومهما يكن الأمر، فإن الأيام المقبلة مليئة بالمآسي لأمم المنطقة وشعوبها، وخاصَّة العرب والأكراد.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
8  الأكراد وبراجماتية ما بعد الاستفتاء

 

 إيثيان ثارور

 

 

 واشنطن بوست
  

كان يوم الاثنين الماضي تاريخياً لملايين الأكراد في كردستان العراق، فبعد قرن من اليأس والإهمال سنحت لهم فرصة التصويت على استقلالهم في استفتاء مثير للخلاف نظمته حكومة إقليم كردستان صاحبة النفوذ على المناطق التي غالبيتها أكراد في شمال العراق، ومن شبه المؤكد أن تتمخض النتيجة التي ستظهر في الأيام القليلة المقبلة عن موافقة على الاستقلال.

 

لكن بالنسبة للآخرين في المنطقة، يمثل هذا بداية المشكلات. وأصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش بياناً يوم الاثنين الماضي أيضاً حذر فيه من «التأثيرات المحتملة المزعزعة للاستقرار» لهذا الاقتراع. وحكومة العراق وأيضاً حكومتا تركيا وإيران رفضت الاستفتاء، وأكد مسؤولون أكراد أن التصويت غير ملزم ويعتبرونه تجلياً فحسب للإرادة الكردية لتقرير المصير ورسالة موجهة لبغداد، لكن الحكومة العراقية أرسلت رسالتها الخاصة أعلنت فيها إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع تركيا بالقرب من الأراضي الكردية العراقية، وفعلت إيران الشيء نفسه على امتداد حدودها وأغلقت نطاقها الجوي أمام رحلات الطيران القادمة من إقليم كردستان العراق والذاهبة إليه.

 

 

ويجادل مسؤولو حكومة إقليم كردستان أن هذه لحظة طال انتظارها، ومنذ عام 2003 وبقيادة أميركية، تمت إزالة النظام «البعثي» الذي أرساه صدام حسين، وتمتع أكراد العراق بدرجة كبيرة من الاستقلال الذاتي عن بغداد واستطاعوا بفضل مواردهم النفطية الكبيرة إقامة مؤسسات لدولة محتملة في المستقبل، وقاتلت مليشيا البشمركة على الخطوط الأمامية ضد «داعش» في صراع شهد تعاوناً أمنياً وثيقاً بين البشمركة والولايات المتحدة. ويشعر مسؤولون أكراد وبخاصة مسعود البرزاني رئيس كردستان العراق أن لحظتهم الحاسمة غدت قريبة في غمرة الاضطرابات والصراعات التي تعصف بالعراق وسوريا، وأشار بيان سامي عبد الرحمن الممثل البارز لحكومة إقليم كردستان في واشنطن في وقت سابق هذا العام إلى شعور الأكراد التاريخي بالحرمان من حق إقامة دولة بعد خروج دول أخرى من أنقاض الدولة العثمانية، وقال: «التغيرات حدثت قبل نحو 100 عام وكان الأكراد متفرجين، لكن نكون متفرجين مرة أخرى»، وذكر عبد الرحمن أن الموافقة على الاستقلال في الاستفتاء ستفتح المجال لعملية مفاوضات تمهد الطريق إلى انفصال في نهاية المطاف.

لكن بعض المنتقدين داخل حكومة إقليم كردستان الشهيرة بشقاقاتها يرون أن الاستفتاء محاولة من برزاني وحزبه الحاكم كي يعزز قبضته على السلطة، وهناك حزبان منافسان بارزان وهما «الاتحاد الوطني الكردستاني» و«حركة التغيير» تذمرا من الاستفتاء لكنهما شاركا فيه في نهاية المطاف، وأشارت الصحافية الكردية «أمبرين زمان» في موقع «كريستيان ساينس مونيتور» إلى أن «كلا الحزبين ينظران إلى الاستفتاء باعتباره قوة استحواذ من البرزاني الذي ضعفت قبضته بسبب التراجع الاقتصادي طويل الأمد الناتج عن انخفاض أسعار النفط عالمياً». ومن المثير للاستفزاز أن الاستفتاء أجري في منطقة كركوك المتنازع عليها والغنية بالنفط التي تتمتع فيها قوات البشمركة بنفوذ منذ عام 2014 حين اندفعوا إلى العاصمة الإقليمية للدفاع عنها ضد داعش، واحتمالات العنف تبدو مرتفعة حالياً.

 

وحتى الولايات المتحدة التي بذلت الكثير تاريخياً من أجل دعم أكراد العراق تعارض تماماً الاستفتاء، ويخشى مسؤولون أميركيون أن يدمر الإقدام على استقلال كردي في الوقت الحالي حملتها ضد «داعش» ويضر بحملة إعادة انتخاب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مرشحهم المفضل في أبريل 2018. ويجادلون أن الوقت غير ملائم الآن. واعتبر العبادي الاستفتاء «غير مشروع»، بينما ترفض حكومتا تركيا وإيران نتائج الاستفتاء.

 

وعملت الحكومة التركية عن كثب مع البرزاني، لكنها تحذر الآن من تداعيات وخيمة إذا اكتسبت حركة الانفصال المزيد من الزخم، وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الاثنين الماضي أيضاً أن «بعد هذا، دعنا نرَ عبر أي القنوات سترسل حكومة شمال العراق نفطها أو أين ستبيعه؟»، وحذر الرئيس التركي أن بلاده ستمنع تصدير نفط حكومة إقليم كردستان قائلاً: «الصنبور لدينا. وحين نغلق الصنبور ينتهي الأمر»، وتركيا تواجه بالطبع تمرداً كردياً طويل الأمد خاصا بها، وكان هذا التمرد قد اندلع مرة أخرى عشية الحرب الأهلية السورية مع ظهور منطقة سورية للأكراد ذات حكم شبه ذاتي على حدود تركيا الجنوبية. وتحرص أنقرة على إعادة مارد القومية الكردية إلى قمقمه وتخشى احتمال ظهور دولة كردية مستقلة منفصلة عن العراق.

 

لكن ديفيد بولوك من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» يعتقد أن جيران حكومة إقليم كردستان قد يخففوا من حدة مواقفهم بعد الاستفتاء. وحسب «بولوك» فإن «الأطراف الخارجية لن يكون أمامهم إلا التعامل مع التداعيات بطريقة براجماتية». وإذا لم تتغلب الحكمة، وما لم يظهر طريق مثمر للمحادثات بين بغداد وأربيل، سيندلع الشرر والالتهاب الجيوسياسي المعقد بالفعل سيتزايد تعقيداً وخاصة أمام الولايات المتحدة، ولدى مايكل ستيفنز الباحث في دراسات الشرق الأوسط في المعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الأمن والدفاع (روسي) قناعة بأن «الدول الديمقراطية الغربية لا تريد تقريباً أن يُنظر إليها باعتبارها معارضاً لإرادة جمعية لملايين الأشخاص الذين صوتوا من أجل الانفصال عن العراق، لكنها لا ترغب أيضاً في أن تكون المهندس الأساسي لتمزق دائم في منطقة متمزقة».

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
9  استفتاء كردستان: الاستقلال بعد التفاوض مع بغداد!  هدى الحسيني

 

 

 الشرق الاوسط السعودية
  

متى يكون الوقت مناسباً لإجراء استفتاء على الاستقلال؟ الجواب يحدده من يوجه إليه هذا السؤال في كردستان أو في كاتالونيا. فالذين يتطلعون إلى الإعلان عن أمتهم، ليس هناك وقت أفضل من الحاضر كي يقرروا مصيرهم بأيديهم، ويغيروا مسار التاريخ. في المقابل، هناك القادة الوطنيون الذين يتمسكون بالحدود القائمة، ويريدون الحفاظ على وحدة الأراضي فيجدون دائماً أسباباً وجيهة لمعارضة هذه التحركات. لكنه الحق بالحرية والاستقلال، وسيظل مشتعلاً.

بعيداً عن الحجج الدستورية، التي لم تُطبق منذ وضع الدستور، يرى المعارضون في بغداد والخارج أن الاهتمام يجب أن يركز أولاً على هزيمة «داعش»، مع العلم أن القوات الكردية لعبت وتلعب دوراً حاسماً في هذه الحرب التي قال محمد رعد، النائب في البرلمان اللبناني عن «حزب الله»، إنها انتهت، وإن حزبه يعيش الآن زمن الانتصار تلو الانتصار.

من شأن استقلال كردستان أن يكشف هشاشة الدولة العراقية الخاضعة للنفوذ الإيراني، ويزيد من حدة الانقسامات بين السنة والشيعة. نتذكر كيف أن إيران وتركيا هبّتا لمساعدة قطر خلال الأزمة الخليجية، لم يصدّق أحد بالطبع أن موقفهما مبدئي وليس موجهاً ضد دول الخليج العربي وضد مصر، والدولتان أسرعتا إلى فرض الحصار على كردستان بمجرد تطلعها إلى الاستفتاء، وأثبتتا ما يعرفه الكرد: «أن لا أصدقاء لنا سوى الجبال».

تعارض تركيا وإيران، وهما لاعبان إقليميان أساسيان لهما مشاكلهما مع الأقلية الكردية، تعارضان بشدة أي دولة كردية في العراق، ويعود جزء من هذه المعارضة إلى رغبة كل منهما في السيطرة على الثروة النفطية في الإقليم. قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم الاثنين الماضي إن أنقرة ستغلق معبر خابور الحدودي مع شمال العراق خلال الاستفتاء، وهدد الأكراد بعرقلة تصدير نفطهم: «الحنفية لدينا، ولحظة نغلقها، ينتهي كل شيء».

الذي أثقل على الاستفتاء كان مدينة كركوك. ووضعها المستقبلي، وهذه قد تؤدي لاحقاً إلى نزاع مسلح. لأنه من غير المرجح أن تتخلى السلطات الكردية عنها تحت أي ظرف من الظروف.

المشكلة التي رمى بها الاستفتاء في وجه تركيا هي كيف يمكن لأنقرة أن تتعامل مع كردستان العراق بصفتها كياناً مستقلاً؟ أما إيران فكما تدعي دائماً، على أساس أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولا تعتدي عسكرياً على أي دولة قريبة، فإنها إما تتدخل بناءً لوحي إلهي، كما قال علي شمخاني مسؤول الأمن القومي الإيراني، من أن المرشد خامنئي تدخل في سوريا تلبية لـ«وحي إلهي»، وهي الآن أغلقت حدودها مع كردستان بناءً على طلب العراق، كما قال الناطق باسم الخارجية الإيرانية.

وفي نهاية الأسبوع الماضي قال رئيس الإقليم مسعود بارزاني: «لدينا خياران: الاستقلال أو الاستسلام». ولوحظ أن أكراد إيران أكثر المرحبين بالاستفتاء.

تمثل كردستان العراق الشريك المثالي لواشنطن: كيان ديمقراطي، ومستقر وقد أثبت أهميته ورغبته في العمل مع الولايات المتحدة في قضايا الأمن الإقليمي، وبخاصة الحرب ضد «القاعدة» و«داعش». لكن مشكلة واشنطن أنها لو صادقت على الاستقلال حتى بطريقة غير مباشرة، ستزيد من غضب شريك تحتاج إليه في الحلف الأطلسي هو تركيا، وليس معروفاً ما ستكون ردة فعل أكراد سوريا، وقوات «الدفاع الذاتي» التي تستعملها واشنطن الآن رأس حربة في «حربها» مع روسيا في سوريا. مشاكل الأكراد كثيرة ومحزنة. كانت علاقة أنقرة بأربيل قوية، وكانت علاقة أكراد العراق بأكراد سوريا غير مريحة. الآن كل طرف كردي يحارب على جبهته، وتبقى جبال قنديل لمقاتلي «حزب العمال الكردستاني» وزعيمه عبد الله أوجلان.

مع دعوته إلى الاستفتاء، رفض بارزاني كل محاولات واشنطن ثنيه عن خطته، هو كان يعرف أن واشنطن متشبثة بمفهوم العراق الموحد، وبالتالي لن يكون هناك وقت مناسب لإجراء الاستفتاء الكردي، لا الآن ولا لاحقاً.

كان بارزاني يعرف أن الاستفتاء لن يقود مباشرة إلى الاستقلال؛ لذلك كان هدفه طرحه على طاولة المفاوضات مع بغداد، هو سيبقى ولا أحد يمكنه أن ينزع الأمل.

تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات في العراق قاب قوسين أو أدنى، فانتخابات الأكراد مقرر إجراؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أما الانتخابات البرلمانية والمحافظات على مستوى العراق ككل فسوف تجري في أبريل (نيسان) من العام المقبل، وكان حيدر العبادي رئيس الوزراء وهو يتعامل مع مسألة الاستفتاء يرى ثقل منافسه الأخطر، الذي تحركه طائفيته وإيران، نوري المالكي رئيس الوزراء السابق الطامح إلى حكم كل العراق وتحويله تابعاً شيعياً لإيران. لذلك؛ كان في حسابات عبادي أن يظهر صلابة ويقف ضد الاستفتاء متهماً الأكراد بالعنصرية لتجنب خطر تعرضه لحملة من منافسيه السياسيين، وعلى رأسهم المالكي حاملين الشعار ضده بأنه رئيس الوزراء الذي فقد كركوك. لكن العبادي في دفاعه عن موقفه داخل السياسات الشيعية المتناحرة، أضر بعلاقته مع أربيل؛ لأنه سيحتاج إلى دعم الكرد في تشكيل حكومته المقبلة للاحتفاظ برئاسة الحكومة. هناك أيضاً واشنطن التي ستطالبه برد الدين، ولن ينسى ما طالبه به خامنئي عندما استقبله مؤخراً: العمل على إنهاء الوجود الأميركي في العراق، وعدم المساس بـ«الحشد الشعبي».

من منظور إقليمي أوسع، ربما نظر البعض إلى كردستان المستقلة على أنها قد تكون مجرد خطوة أولى نحو إعادة رسم حدود الشرق الأوسط بشكل عام على أسس عرقية ودينية، لكن هذا التغيير بدأ فعلاً وقد يكون هو ما دفع ببارزاني إلى المطالبة بالاستفتاء من أجل الاستقلال، فالمد الإيراني كسح المنطقة، والعائدون من بغداد يعترفون بأنها صارت مدينة شيعية، وكان أول ما أقدم عليه «الحشد الشعبي» بعد تحرير الموصل، إنشاء مدرسة «الإمام الخميني» في المدينة السنّية، والذي يرى بيروت وأحياءها في ذكرى عاشوراء الآن، يشعر كأنه داخل إلى مدينة كربلاء أو النجف، ثم إن إيران أطلقت العنان لحركة «النجباء» التي يقودها الشيخ العراقي المولد الإيراني الانتماء أكرم الكعبي لتأمين «الهلال الشيعي البري» الذي يصل العراق بسوريا وبـ«حزب الله» في لبنان. ويتهمون الأكراد بأنهم يحاولون تغيير حدود قائمة منذ مائة سنة!

عبر البحر الأبيض المتوسط – مشكلة الأكراد بملايينهم الثلاثين أن لا منفذ بحرياً لهم – هناك تغيير آخر بدأ يتفاعل في منطقة كاتالونيا الإسبانية، حيث من المقرر إجراء تصويت على الاستقلال في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. منذ سنوات تحتج كاتالونيا، أغنى منطقة في إسبانيا، على قيام الحكومة الفيدرالية بنقل ثرواتها إلى مدريد، وأصرت على أنها بالانفصال ستكون أفضل حالاً. الأسبوع الماضي أرسلت مدريد رجال الشرطة لاعتقال قادة كاتالونيا الداعين للانفصال. إن ظهور كاتالونيا مستقلة يمكن أن يشكل سابقة خطيرة في أوروبا؛ لأنها قد تشد غيرها وتقنع المناطق الأخرى التي تجنح إلى الاستقلال، مثل بلاد الباسك في إسبانيا، والفالندر في بلجيكا، وحتى بافاريا في ألمانيا أن تحذو حذوها. من المفارقات المثيرة للاهتمام في العالم الذي يزداد صغراً رغم العولمة، أن العديد من الشعوب لا تريد أن تذوب في كيانات كبرى. بل تطالب بأن تكون أمماً ناشئة. مهما قيل، لا توجد صيغة ثابتة لقياس شرعية أي ادعاء بالحق بالاستقلال، لكن من الصعب إنكار هذا الحق على أي مجموعة لها لغتها، وتقاليدها وثقافتها، ولها تاريخها من الهزائم والانتصارات.

لقد حرك مسعود بارزاني أعماق كل أكراد المنطقة بدعوته إلى استفتاء حول استقلال أكراد العراق. منذ مئات السنين يتهاوى الأكراد في الجبال بسبب رغبتهم في الاستقلال، كل الأكراد. إنه حق ولنكفّ عن اتهامهم بكل شيء إلا بأنهم أصحاب حق. مجازر من كل الأنواع لاحقتهم. خسروا كل شيء وظلوا ممسكين بالحلم. قال بارزاني للأتراك: تفضلوا أبيدونا. الذين حاولوا في السابق رحلوا. وبقيت كردستان.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
10   اليوم التالي بعد الاستفتاء

 

 بكر صدقي

 

 

 القدس العربي
 

 

بعد مسار متوتر ومشحون بتهديدات وتحذيرات من دول الجوار، ومن المجتمع الدولي أيضاً، تم الاستفتاء بسلام وفي موعده المحدد. ولم تكن نتائجه خارج التوقعات: بلغت نسبة المشاركة، حسب التقديرات الأولية، 72٪ ممن يحق لهم الإدلاء بأصواتهم، ونسبة الذين صوتوا بنعم لاستقلال إقليم كردستان 93٪. الآن يبدأ مسار جديد، يتضح من نتائج الاستفتاء أن غالبية ساحقة من سكان الإقليم يريدون له أن ينتهي بقيام دولة كردستان المستقلة، بصرف النظر عن المسافة الزمنية التي تفصلهم عن ذلك.

كانت هناك مخاوف عدة من عدم انقضاء يوم الخامس والعشرين من أيلول على خير، منها تفجير الساحة بعمليات إرهابية، لم يكن مستبعداً أن تلجأ إليها جهات تعتبر نفسها متضررة؛ ومنها احتمال استمرار الشقاق الكردي الداخلي بين المتمسكين بالاستفتاء في موعده وأولئك المعترضين على التوقيت؛ ومنها أخيراً أن ترضخ قيادة الإقليم أمام التهديدات والتحذيرات والمعارضة الداخلية، فتؤجل موعد الاستفتاء.

كل ذلك أصبح الآن وراءنا، وحقق الاستفتاء، بمجرد إجرائه، كثيراً من أهدافه. فقد طرح حق تقرير المصير لكرد العراق للنقاش العام، لأول المرة بهذه المشاركة الواسعة من الرأي العام، سواء في العراق والدول المجاورة التي تعتبر نفسها معنية، أو في المجتمع الدولي. وإذا كان خصوم حق تقرير المصير، أو المعترضين على بعض جوانبه كالتوقيت وترسيم الحدود والنموذج السياسي الذي يمكن لكردستان مستقلة أن تقدمه وغيرها من الاعتبارات، ما زالوا يشكلون نسبة كبيرة من الرأي العام، فلا يفوت المراقب، بالمقابل، اتساع رقعة المرحبين بامتلاك الكرد لمصيرهم بعد قرن من النكران والآلام، بنسبة فاقت التوقعات.

أما في الرأي العام العراقي نفسه، في قسمه العربي، فقد لعب التوتر السني ـ الشيعي دوره في مواقف العراقيين من الاستفتاء ومن حق تقرير المصير للكرد. ففي المناطق المتنازع عليها صوت كثير من العرب (السنة) بنعم للاستفتاء، من منطلق خصومتهم مع الحكومة المركزية التابعة لإيران. فحتى من كان منهم يحمل أفكار القومية العربية، وجد نفسه أمام خيارين غير عروبيين، بين بغداد إيرانية الهوى وأربيل الصريحة في كرديتها. مع تفضيل للثانية عند المقارنة بين الأوضاع هنا وهناك.

في حين كان هاجس الكيان الفيدرالي الذي فرضه حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا كأمر واقع، حاضراً في مواقف السوريين العرب من استفتاء إقليم كردستان، وبخاصة أن «الإدارة الذاتية» القائمة في تلك المناطق المحاذية للحدود التركية، قد بدأت انتخاباتها المحلية في توقيت متقارب مع استفتاء إقليم كردستان، وما تشكله ممارسات الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في مناطق سيطرته، وفي حربه على داعش تحت مظلة التحالف الدولي، من عامل سلبي في الوعي العام. ومع ذلك لوحظ، في الرأي العام العربي في سوريا، ترحيب فاق بحجمه التوقعات، باستفتاء كردستان وبقيام دولة كردية مستقلة هناك. ومن المحتمل أن الخطاب العقلاني الهادئ لقيادة الإقليم، وعدم انجراره وراء الاستفزازات، قد لعب دوراً إيجابياً في الاتساع النسبي للتعاطف مع مشروع الإقليم الاستقلالي. نقطتان شديدتا الأهمية ركز عليهما هذا الخطاب: أن موضوع استقلال الإقليم هو موضوع لا يتجاوز بطموحه حدود الإقليم إلى المناطق الكردية في الدول المجاورة، وتأكيده على احترام التنوع القومي والثقافي داخل حدود الإقليم. وقد أصدرت اللجنة العليا للاستفتاء وثيقة تتعلق بحقوق المكونات غير الكردية داخل الإقليم، تصل حد الكيانية الفيدرالية، بمن في ذلك يزيديو شنغال الذين يعتبرون أنفسهم هوية فرعية مستقلة عن باقي الكرد، قائمة على أساس الاختلاف الديني. من نافل القول طبعاً أن هذه الوثيقة تبقى مجرد وثيقة ما لم تتم ترجمتها إلى التزامات واضحة بشأن تضمين الحقوق المذكورة في دستور الدولة القادمة. وهذا ما يمكن أن تقدمه قيادة الإقليم للأطراف التي ستدخل معها مفاوضات قد تكون طويلة وشاقة قبل الوصول إلى الاستقلال المأمول، سواء الحكومة العراقية المركزية أو دول الجوار، أو المجتمع الدولي عموماً الذي لا يمكن للكيان المفترض قيامه أن يستغني عن مباركته والاعتراف به. الواقع أن الاستفتاء، بنتائجه التي لم تخيب التوقعات، سيضع جميع الأطراف المعترضة، بدرجات متفاوتة، على استقلال الإقليم، في موقف حرج فحواه معارضة إرادة شعب الإقليم التي تم التعبير عنها بالوسائل السلمية الديمقراطية. وهذا مما تحقق من أهداف الاستفتاء.

مع ذلك أمام الإقليم وقيادته السياسية تحديات كبيرة في المرحلة القادمة. لندع جانباً تهديدات دول الجوار، العراق وإيران وتركيا، فهي في تقديري لن تتجاوز مستوى الخطاب إلى إجراءات ملموسة تم التهديد بها، من المفترض أن تخنق الإقليم المحروم من إطلالة بحرية تفتحه على العالم. فتلك الدول لا يمكنها أن تشكل تحالفاً متماسكاً ضد الإقليم، فضلاً عن مصالح اقتصادية وسياسية تربطها بالاقليم لا يمكنها أن تشطب عليها بسهولة.

فالتحدي الحقيقي أمام الإقليم هو القدرة على بناء مؤسسات دولة قابلة للحياة، وتكون نموذجاً جذاباً يبرر استقلالها عن العراق، وتقنع المجتمع الدولي بالاعتراف بها. كذلك فإن الاعتماد الحصري على دعم وحماية الولايات المتحدة الذي لم ينقطع منذ 1991، سيؤدي إلى تبعية تفقد الاستقلال إيجابياته، فضلاً عن تشكيله عبئاً سياسياً واقتصادياً على الحليف الأمريكي نفسه. وربما هذا هو سبب الموقف المتحفظ للإدارة الأمريكية من الاستفتاء.

ولعل من أهم التحديات والمخاطر على التجربة الوليدة هو اليد الإسرائيلية الممدودة بسخاء غير نظيف. فالعلاقة مع دولة قائمة على الاحتلال والعنصرية لا تشرف قضية تحررية مشروعة كقضية حرية الشعب الكردي واستقلاله التي دفع في سبيلها، طوال قرن، الكثير من الدم. وليس من مصلحة الدول العربية المعنية إطباق الخناق على كردستان بما قد يجبرها على التقارب مع المحتل الإسرائيلي. ولهذا الإجبار باب لا يخفى على أحد: إذا رفضت دول الجوار التفاوض على استقلال الإقليم، وتلا ذلك إعلان هذا الاستقلال من طرف واحد، فردت هذه الدول بالحرب، فلا يستبعد أن تعرض إسرائيل على الإقليم المساعدة العسكرية. هذه سيناريوهات مستبعدة جداً في ظل الظروف القائمة. فلا العراق ولا إيران ولا تركيا في وضع مرتاح يسمح لها بالقيام بمغامرات عسكرية خارج حدودها. وليس أمام الإقليم إلا استخدام كل إمكاناته الدبلوماسية الناعمة، وبنفس طويل، والابتعاد عن أي استفزاز، وتقديم حوافز اقتصادية، في الطريق الوعر الطويل باتجاه الاستقلال.

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
11  فتى عربي في كردستان!

 

 حلمي الأسمر

 

 

 الدستور الاردنية
 

-1-

زرت كردستان العراق قبل سنوات، حين مشيت في شوارعها وأسواقها، لم أكد أجد من يتكلم العربية، إلا من هم في سن فوق الأربعين أو الخمسين حتى، دندنت بيني وبين نفسي، وبصوت يكاد يكون مسموعا ما قاله المتنبي:

 

وَلَكِنّ الفَتى العَرَبيّ فِيهَاغَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ

مَلاعِبُ جِنّةٍ لَوْ سَارَ فِيهَا سُلَيْمَانٌ لَسَارَ بتَرْجُمَانِ

حينما كنا نقول لهم: أنتم أحفاد صلاح الدين الأيوبي، كانوا يسخرون منا، ويقولون: صلاح الدين «لكم» و»منكم» ويعنون العرب، فهو ليس مصدر فخر لهم، ويكادون ينكرون نسبته لقوميتهم!

كردستان العراق بلاد جميلة جدا، وأكلها من أطيب ما يمكن أن تأكله في حياتك، ولكنها منسلخة عن عراقها وأمتها منذ سنوات طويلة، ولها علاقات وطيدة بالكيان الصهيوني في فلسطين منذ عقود طويلة، وأعجب ما أعجب له بعد الاستفتاء على «استقلالها» كيف «يندهش» بعض الكتاب والمعلقين من «جنوحها» لهذا الأمر، وهي على الأرض «مستقلة» أكثر من كثير من بلادنا العربية التي تحتفل بعيد استقلالها كل عام!

 

-2-

بصراحة، لا أحمل مشاعر سلبية تجاه كل شعب يريد الاستقلال، ويقرر مصيره بنفسه، فنحن في زمن الدولة القطرية، وهو النمط السائد في العالم، لكن ما لا أعجب منه، ولا يعجبني البتة، أن تكون «إسرائيل» حليفة «الدولة» الكردية الأولى، وأن ترفع رايات صهيون في سماء بلاد مسلمة و»سنية!» أيضا، (يا لسخرية هذا الطرح المذهبي، ويا لسخفه وصفاقته) ..ما علينا..

 

-3-

في صحيفة يديعوت العبرية، يوم 26/9/2017، مقال بعنوان: «كردستان والفلسطينيون: المقارنة غير واردة» قال فيه كاتبه يوعز هندل» أن «اسرائيل ملزمة بان تؤيد – استراتيجيا وأخلاقيا – إقامة كردستان مستقلة. فتاريخ إسرائيل والاكراد في العراق مليء بالتعاون العسكري، الاقتصادي والسياسي. من بيع السلاح عبر التدريبات العسكرية وحتى الزراعة – فقد كانت اسرائيل مصدرا لدعم هام لهذه الأمة المظلومة. صحيح أن معظم الأمور تمت من تحت الرادار – في فترات معينة لاعتبارات مفهومة – ولكن هذا لم يمنع الاكراد من الإعراب في عدة مناسبات عن تقدير علني لإسرائيل.  دولة كردية مستقلة ستكون حليفة هامة لاسرائيل. ما كان مخفيا سيصبح مع الزمن علنيا. هذه حقنة تشجيع لدول أخرى في المنطقة، وفضائل علاقات الود مع اسرائيل ستصبح موضع جذب لدول أخرى!

اترك تعليقاً

Top