انت في
الرئيسية > مقالات > 12 مقالة عن العراق بالصحف العربية يوم الاثنين

12 مقالة عن العراق بالصحف العربية يوم الاثنين

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
1 الأكراد والمخاضان العراقي والإقليمي…

 

خيرالله خيرالله

 

العرب
المشكلة الحقيقية بكل بساطة تكمن في أن ليس في بغداد من يمكن أن يدفع في اتجاه عملية نقد للذات. ليس هناك من يمتلك شجاعة تسمح له بالإقدام على مثل هذه الخطوة.

استفتاء على صفيح ساخن

 

في منطقة كلّ ما فيها يتغيّر، بما في ذلك خرائط الدول ومواقعها على خارطة التوازنات العالمية، مثل العلاقة المستقبلية بين تركيا وحلف شمال الأطلسي، يبدو أكثر من طبيعي أن يبحث الأكراد عن مستقبل مختلف لهم.

 

في ظلّ هذه المعطيات، التي في مقدّمتها الزلزال العراقي المستمرّ، يأتي الاستفتاء المقرر في الخامس والعشرين من أيلول-سبتمبر الجاري، وهو حدث إقليمي أقلّ ما يمكن أن يوصف به أنّه ذو أهمّية وطابع تاريخيين.

 

في النهاية من يستطيع تجاهل أن العراق في العام 2017 لم يعد قادرا على أن يحافظ على وحدة أراضيه؟ من يستطيع تجاهل أنّ سوريا صارت مناطق نفوذ لخمس قوى عالمية وإقليمية هي أميركا وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل وأنّ مستقبلها في مهبّ الريح؟

 

لم يعد هناك شيء اسمه وحدة العراق بعد خطيئة تحول الحكم في بغداد إلى حكم مذهبي بدعم أميركي وإيراني في آن. ففي مؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد في لندن في كانون الأوّل-ديسمبر 2002، برعاية أميركية-إيرانية، صدر بيان تحدّث عن “الأكثرية الشيعية في العراق” وعن أن العراق سيكون دولة “فيدرالية”.

 

كانت “الفيدرالية” كلمة السرّ التي أقنعت الأكراد بحضور مؤتمر لندن. كانت عبارة “الأكثرية الشيعية” التي جعلت إيران ترعى مع الولايات المتحدة، أي مع “الشيطان الأكبر” مؤتمر المعارضة. هناك عقد غير معلن يجمع بين الذين شاركوا، كلّ على طريقته وأسلوبه، في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة من أجل التخلّص من نظام صدّام حسين.

 

    العاملان الإقليمي والداخلي يدفعان الأكراد إلى الاستفتاء الذي لا يعني بالضرورة إعلان الاستقلال فورا، كما لا يعني أنّ الطريق أمامهم سيكون سهلا، خصوصا في ظل مشكلة ضخمة اسمها كركوك

 

حصلت إيران على ما تريده. قام في بغداد نظام مذهبي. لم يعد سرّا أن عماد النظام صار مع مرور الوقت “الحشد الشعبي” الذي يضمّ مجموعة من الميليشيات المذهبية التابعة لأحزاب تابعة بدورها لإيران. ماذا يمكن أن يفعل الأكراد في مثل هذه الحال، خصوصا في ظل حاجة الحكومة المركزية في بغداد إلى كلّ دولار مصدره مبيعات النفط العراقي؟

 

شيئا فشيئا، فقد الأكراد أيّ نفوذ يذكر في إطار الحكومة المركزية. استطاع جلال الطالباني، رئيس الجمهورية، المحافظة في مرحلة معيّنة على حدّ أدنى من الشراكة في السلطة وذلك في ضوء تاريخ الرجل من جهة والعلاقة التاريخية بينه وبين إيران من جهة أخرى.

 

في الوقت ذاته، كان وجود هوشيار زيباري في موقع وزير الخارجية يشكل نوعا من الضمانة للوجود الكردي السياسي الكردي في إطار الحكومة. بعد اضطرار الطالباني إلى ترك موقعه بسبب المرض وحلول فؤاد معصوم مكانه ودفع هوشيار زيباري خارج الحكومة، لم يعد من وجود لحصة كردية في السلطة المركزية.

 

لم يعمل الوقت، إضافة إلى انهيار أسعار النفط، في اتجاه السعي إلى الخروج من الأزمة العميقة التي تواجه العراق والتي انعكست عجزا عن إقامة نظام مدني يكون نموذجا لما يمكن أن تكون عليه دول المنطقة. غرق العراق في المذهبية، خصوصا مع الانسحاب العسكري الأميركي ومع بقاء نوري المالكي في موقع رئيس الوزراء في العام 2010.

 

سار كلّ شيء في العراق في اتجاه مزيد من الشرذمة، خصوصا بعد تسليم مدينة مثل الموصل إلى “داعش” ثم استعادتها منه في 2017 في ظروف أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها غامضة. تبيّن أن الهدف لم يكن استعادة المدينة بمقدار ما أنّ المطلوب تدميرها وتكريس شرعية “الحشد الشعبي” بموافقة رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي لم يستطع أن يكون مختلفا على نحو جذري عن المالكي..

 

دفع العاملان الإقليمي والداخلي الأكراد إلى الاستفتاء الذي لا يعني بالضرورة إعلان الاستقلال فورا، كما لا يعني أنّ الطريق أمامهم سيكون سهلا، خصوصا في ظل مشكلة ضخمة اسمها كركوك.

 

لن تكون تسوية في شأن الاستقلال ومستقبل الأكراد من دون كركوك التي تعوم على حقول نفطية. إضافة إلى ذلك، تمتلك كركوك تميّزا واضحا مع وجود حقيقي للتركمان فيها.

 

ما يشفع للأكراد أنّهم تعلموا من تجارب الماضي القريب، بما في ذلك تجربة منتصف تسعينات القرن الماضي لدى حصول المواجهة المفتوحة بين الحزبين الكرديين الكبيرين، بين أربيل والسليمانية. كانت تجربة إقليم كردستان جدّ معقولة بعد العام 2003.

 

وفّر الإقليم، شبه المستقل، ملجأ آمنا للعراقيين الهاربين من الأجواء المذهبية التي سادت في بغداد وغير بغداد. لم يجد مسيحيو العراق والإيزيديون، وحتّى السنّة العرب، مكانا عراقيا يلوذون به غير كردستان. لا مفرّ من الاعتراف بأنّ حدا أدنى من الاستقرار تحقّق في كردستان على الرغم من كلّ الشوائب التي يمكن الحديث عنها والتي لا تخفى على أحد.

 

    إيرانحصلتعلى ما تريده. قام في بغداد نظام مذهبي. لم يعد سرّا أن عماد النظام صار مع مرور الوقت “الحشد الشعبي” الذي يضمّ مجموعة من الميليشيات المذهبية التابعة لأحزاب تابعة بدورها لإيران

 

كان هناك تفكير في كردستان في كيفية إقامة مدن تتسع لجميع العراقيين من كل المناطق والمذاهب والطوائف والقوميات. كان هناك تفكير في إقامة علاقات معقولة مع تركيا وفي إقامة جامعات ومعاهد توفّر مستوى تعليميا يليق بالمواطنين العراقيين ومستقبل أبنائهم. هذا يدلّ على وجود من يفكّر في المستقبل بدل البقاء في أسر الماضي والأحقاد..

 

لدى الأكراد حجة قويّة تدفعهم إلى التمسّك بالاستفتاء. تُختزل هذه الحجة في أن أحدا لم يقدّم لهم البديل الذي يحفظ لهم حقوقهم كشعب موجود على الخارطة السياسية للمنطقة. إنهّم موجودون في تركيا وإيران وسوريا أيضا. لكنّ السؤال المهمّ الذي سيطرح نفسه في كلّ وقت هو ما حقيقة الموقف الأميركي؟ إلى أي حدّ ستذهب الإدارة الأميركية في دعم حقوق الأكراد الذين أثبتوا أنّهم حلفاء يمكن الاتكال عليهم، خصوصا في الحرب على “داعش” في سوريا والعراق.

 

في انتظار البديل الذي يمكن أن يقنع الأكراد بتأجيل الاستفتاء، ليس أمامهم سوى المضي إلى النهاية في تنظيمه على الرغم من التهديدات التي يطلقها زعيم هذه الميليشيا المذهبية أو تلك وعلى الرغم من بقاء قضيّة مدينة كركوك عالقة، بل معلّقة.

 

في انتظار ما سيؤدي إليه المخاضان العراقي والإقليمي، يبدو أن الأكراد يسعون إلى المحافظة على حقوقهم وتثبيتها. الأكيد أن العراق الموحّد لم يعد لديه ما يقدّمه لمواطنيه على الرغم من كل ما يشهده من تطورات تعبّر عنها المواقف الأخيرة لمقتدى الصدر وعمّار الحكيم.

 

إذا كان من فشل عراقي بعد 2003، فإن هذا الفشل يتمثل في عجز الحكومات العراقية عن تقديم نموذج جاذب لا في داخل البلد ولا خارجه في أيّ مجال من المجالات. في المقابل، كان إقليم كردستان تجربة تغلب فيها الإيجابيات على السلبيات، إلى حدّ ما طبعا. كانت تلك التجربة ولا تزال خطوة على طريق إقامة دول مدنية ليس في وارد أن يطمح إليها أيّ مسؤول أو صاحب موقع في بغداد، مع استثناءات قليلة.

 

يبقى، كيف سيحلّ الأكراد عقدة كركوك؟ ما الذي سيحصل في المدينة يوم الاستفتاء؟ هل صحيح أن الاستفتاء منطلق لحروب جديدة في العراق.. أم أن في الإمكان الانطلاق منه للقيام بعملية نقد للذات؟

 

تكمن المشكلة الحقيقية بكل بساطة في أن ليس في بغداد من يمكن أن يدفع في اتجاه عملية نقد للذات. ليس هناك من يمتلك شجاعة تسمح له بالإقدام على مثل هذه الخطوة. عندما يكون هذا الوضع السائد في بغداد، هل في الإمكان توجيه أيّ لوم للأكراد حتّى من أولئك الذين يتذرّعون بالعلاقة القديمة القائمة بينهم وبين إسرائيل!

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
2 بعد الاستفتاء لن يعود الأكراد عراقيين

 

فاروق يوسف

 

 العرب
العراق بوضعه الضعيف والمفكك لا يزال مفيدا للأكراد. لذلك فإن لعبة الاستفتاء الذي أعلن الزعيم الكردي مسعود البارزاني أنه لن يكون ملزما إنما تهدف إلى أشياء أخرى غير إعلان الانفصال.

عراقية الأكراد في مهب الاستفتاء

 

وطن قومي للأكراد لن يكون ممكنا لمجرد الحديث المرسل عن وجود مثل ذلك الحق. فانفصال إقليم عن دولة قائمة ومعترف بحدودها دوليا لا يدخل عمليا في المنطقة التي تقرها القوانين.

 

أما الحديث عن حق تقرير المصير فهو لا ينطبق على الحالة الكردية، ذلك لأن مناطقهم ليست محتلة ولم تكن لديهم دولة سبق وجودها قيام الدولة العراقية الحديثة. يحدث انفصال الأقاليم في حالة واحدة هي انهيار الدولة التي هي جزء منها. كما حدث في يوغسلافيا السابقة. أما العراق الجديد الذي ساهم الأكراد في بنائه فإنه في حقيقته ليس دولة. وهو ما يعرفه الأكراد جيدا إذا لم يكونوا قد خططوا له أن يكون كذلك.

 

لقد عثر الأكراد على كلمة السرّ التي تجعلهم في منأى عن كل تداعيات الخراب الذي صار يضرب بكل تجلياته العراق منذ عام 2003 وفي الوقت نفسه كانت حصتهم من ثروة العراق تصل إليهم من غير عناء إضافة إلى أن الدستور العراقي الجديد ضمن لهم وجودا مؤثرا في إدارة الدولة العراقية.

 

لذلك فمن غير المتوقع عمليا أن يتخلى الأكراد عن أرباحهم في الدولة العراقية الجديدة من أجل أن يقيموا دولة فاشلة تضاف إلى سلسلة الدول الفاشلة في منطقة الشرق الأوسط.

 

وطنهم القومي سيكون فكرة مؤجلة. ذلك لأن الأكراد لن يكونوا مستعدين لمواجهة قطيعة عالمية ستفرض عليهم، تبدأ من الدول المجاورة لدولتهم المتخيلة لمجرد الرغبة في إلحاق الأذى بالعرب الذين هم من وجهة نظرهم أعداؤهم التقليديون.

 

العراق بوضعه الضعيف والمفكك لا يزال مفيدا للأكراد. لذلك فإن لعبة الاستفتاء الذي أعلن الزعيم الكردي مسعود البارزاني أنه لن يكون ملزما إنما تهدف إلى أشياء أخرى غير إعلان الانفصال.

 

* أولا، يرغب الأكراد في ضم كركوك الغنية بالنفط رسميا إلى إقليمهم.

 

* ثانيا، سيستعملون نتائج الاستفتاء الجاهزة سلفا ورقة ضغط على حكومة بغداد وفي الوقت نفسه على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المعارضين للانفصال.

 

* ثالثا، الاستيلاء على كركوك سيؤدي بالضرورة إلى قيام قاعدة لتعاون اقتصادي مشترك بين إقليم كردستان وتركيا وهو ما قد يؤدي إلى تليين موقف تركيا من مسألة قيام دولة كردية شمال العراق.

 

أما شيعة الحكم فلديهم ما يشغلهم عن المشروع الكردي الذي صار يطرق أبوابهم لا في كركوك وحدها بل في ديالى المدينة العراقية المحاذية لإيران. فبعد ما أرتكب من جرائم في حق المدن ذات الأغلبية السنية صار هاجس الثأر الطائفي يلاحقهم. لذلك فإنهم حريصون على ألاّ يفتحوا معركة خاسرة مع الأكراد.

 

يعرف الأكراد أكثر من ذلك. إنهم يعرفون أن طاقم الحكم الذي وصل إلى السلطة بعد 2003 برعاية أميركية يحرص على ولائه لإيران غير أنه بسبب انتهازيته السياسية لن يكون مستعدا للمغامرة بترك مكتسباته إذا ما خيرته الولايات المتحدة بينها باعتبارها ضامنة لاستمراره في السلطة وبين ولائه العقائدي لإيران.

 

يفهم الأكراد أسرار اللعبة. شيعة الحكم هم أميركيون إذا ما تعلق الأمر بالسلطة وهم إيرانيون إذا ما تعلق الأمر بالعقيدة. من هذا المنطلق فإن الأكراد لن يفكّوا ارتباطهم الصوري بحكومة بغداد. فهم لا يرغبون في أن يغادروا اللعبة خاسرين.

 

حلم الوطن القومي يمكن تأجيله أما المكاسب المالية فلا يمكن التفريط بها. غير أن ما لا يمكن تخيله أن يستعيد الطرفان الشيعي والكردي علاقتهما بعد إجراء الاستفتاء. صحيح أن حربا لن تقوم حتى وإن أعلن الإقليم الكردي انفصاله عن العراق غير أن أيّ نوع من العلاقة حتى وإن كانت على سبيل التآمر على الطرف السني لن يقوم بين الطرفين.

 

بعد الاستفتاء لن يعود الأكراد عراقيين حتى وإن لم يعلنوا دولتهم. وتلك نتيجة ستترتب عليها عمليات تهجير قسري ستصيب العراق بكارثة هي الأكبر من بين كوارثه في العصر الحديث.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
3   مصير الأكراد ليس على حساب سنة العراق  أسعد البصري   العرب
 

العرب يرون أن المشكلة في العراق ما زالت طائفية وخروج الأكراد سيحوّل السنّة إلى أقلية في البرلمان العراقي ويحدث خللا في التوازن الطائفي الحالي.

منذ أواخر صيف عام 2014 وعلى خلفية انسحاب الجيش العراقي من الموصل والبيشمركة الكردية تسيطر عمليا على محافظة كركوك الغنية بالنفط. الجيش العراقي لم يستطع حماية الموصل وهرب أمام تقدم داعش بينما الأكراد استطاعوا حماية كركوك أمام هجمات الدواعش المتكررة.

 

القيادة الكردية وعلى رأسها رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني تدعوا إلى استفتاء يوم 25 سبتمبر الجاري حول استقلال كردستان. البارزاني صرّح بأن الاستفتاء لا يعني الانفصال مباشرة، ولكنّه سيكشف وجهة نظر الشعب الكردي وسيكون ورقة قانونية مفيدة في المستقبل تدعم حق تقرير المصير.

 

العرب كانوا يدعمون الأكراد في الماضي كورقة مقلقة للأتراك وإيران يمكن استخدامها، غير أنهم اليوم يرون أن هذا الدعم لا يمكن أن يصل إلى درجة تقسيم دولة عربية ذات سيادة مثل العراق. العرب يرون أن المشكلة في العراق ما زالت طائفية وخروج الأكراد سيحوّل السنّة إلى أقلية في البرلمان العراقي ويحدث خللا في التوازن الطائفي الحالي. فالأكراد والعرب السنّة يشكلون نصف الوزن السنّي مقابل الشيعة حاليا.

 

مسعود البارزاني في زيارته الأخيرة إلى كركوك أوضح بأنه يعي تماما بأن كركوك خليط من الأكراد والعرب والتركمان والمسيحيين وأنه سيدافع عن حقوق الأقليات في الإقليم بنفس القوة التي يدافع فيها عن حقوق الأكراد عموما.

 

    العرب كانوا يدعمون الأكراد في الماضي كورقة مقلقة للأتراك وإيران يمكن استخدامها، غير أنهم اليوم يرون أن هذا الدعم لا يمكن أن يصل إلى درجة تقسيم دولة عربية ذات سيادة مثل العراق.. وإذا زج السنة بأنفسهم في موضوع الاستفتاء الكردي وهاجموا القضية الكردية بقسوة فإنهم يجازفون

 

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يرى أن الاستفتاء الكردي غير دستوري ولا يمكن التهاون مع قضية تمسّ وحدة العراق كما أن استفتاء من هذا النوع لا يمكن أن يتم دون التشاور وموافقة العاصمة بغداد. البرلمان العراقي أصدر قرارا برفض الاستفتاء وقّع عليه 173 برلمانيا من أصل 204 الأمر الذي أغضب النواب الأكراد وانسحبوا من القاعة وردّ البرلمان الكردي بتبني مشروع الاستفتاء. وهناك كلام عن قرارات قوية بطرد محافظ كركوك والميليشيات الشيعية على حدود المحافظة الغنية بالنفط في انتظار إشارة الزحف باتجاه مركز المدينة. الجنرال الإيراني قاسم سليماني نفسه توعّد الأكراد في حال عدم التراجع عن هذا الاستفتاء.

 

العرب يقولون إن سكان الحويجة هم حوالي نصف مليون مواطن عربي بمثابة ثلث سكان محافظة كركوك ما زالوا تحت نفوذ داعش والأكراد يعرقلون تحريرها قبل إجراء الاستفتاء الكردي. والسلطة الكردية منعت العرب من حق تسجيل العقار بأسماء عربية، وتقوم بهدم القرى والبيوت العربية بحجة التجاوز بينما تحمي مجمعات سكنية كردية في حالة تجاوز قانوني بكركوك. ويرى العرب بأن الاستفتاء في كركوك يجب أن يكون بالحوار والتراضي وتقوم به جهة محايدة وليس السلطة الكردية.

 

الأمم المتحدة في العراق أعلنت أنها لن تتدخل في هذا الموضوع ولن تتعاون فيه. كذلك السفير الأميركي في بغداد دوغلاس سيليمان، أبلغ الساسة الأكراد بأن “تأجيل الاستفتاء، من دون تحديد موعد آخر، يضمن استمرار دعم الولايات المتحدة لإقليم كردستان، وبخلاف ذلك، فإن واشنطن لن تعترف بنتائج أيّ خطوة كردية، تتخذ من جانب واحد”، بل إن الولايات المتحدة هددت بوقف التعاون العسكري مع إقليم كردستان في حال العناد والمضيّ في الاستفتاء.

 

اجتياح كركوك

 

أكراد العراق منذ 1991 يعيشون تجربة فريدة من نوعها. صحيح ليس عندهم دولة ولكن عندهم حكم ذاتي، صحيح ليسوا باريس الشرق لكن حالهم أفضل من حلب والموصل، صحيح ليس عندهم أمل بتقرير المصير لكنهم لا يهربون باتجاه العرب بل العرب يهربون باتجاههم، وصحيح ليس عندهم استقرار كامل لكن ليس إلى درجة تهديد المنشآت النفطية بسبب النزاعات العشائرية كما يحدث في محافظة البصرة مثلا التي تمثل مواردها النفطية 95 بالمئة من ثروة العراق الحالي. وصحيح أن الرواتب تتأخر وهناك فساد لكن لا يوجد مليون طفل كردي عراقي مشرد كما هو الحال عند العرب، وصحيح لا يوجد انسجام كامل بين الفصيلين الكرديين ولكن لا توجد عشرات الميليشيات التي تخطط أميركا لإبادتها بعد داعش؟ وصحيح الجامعات الكردية ليست بمستوى هارفرد ولكنها أفضل من جامعات اللطم والخرافات.

تجربة فريدة

 

الأكراد علاقتهم جيدة مع سنّة العراق، ونخشى إذا بالغ السنّة في مهاجمة الأكراد فقد يفتحون ملفات الأنفال بين عام 1986 و1989 حيث تم دفن الآلاف من الأطفال الأكراد أحياء واعتبرها المجتمع الدولي عملية إبادة جماعية ذهب ضحيتها 50 ألف كردي وتشرّد بسببها حوالي 180 ألفا، وضرب الأكراد بالسلاح الكيميائي في حلبجة عام 1988، ووقع تجريف المئات من القرى الكردية وتشريد سكانها أيام النظام السابق.

 

طالما السنّة مازالوا يمجّدون صدام حسين فمن الممكن أن يحمّلهم الأكراد المسؤولية ويطالبونهم بالثأر كما فعل الشيعة من قبل. إذا زجّ السنّة بأنفسهم في موضوع الاستفتاء الكردي وهاجموا القضية الكردية بقسوة فسيجازفون بحياة الآلاف من النازحين واللاجئين إلى كردستان.

 

المشكلة حاليا بين الشيعة والأكراد، وعلى السنّة الحذر من التدخل والتزام الهدوء. كل من الشيعة والأكراد يدّعي بأنه ضحية النظام السابق، ويدّعي بأن عنده تضحيات ومقابر جماعية، وكلاهما حليف للولايات المتحدة، وكلاهما يمتلك سلطة وجيشا نظاميا، وكلاهما قاتل داعش مع قوات التحالف. السنّي العراقي من جهة ثانية متّهم بالولاء للنظام السابق وبالبعث وداعش وغيرها ولا يمتلك سلطة نظامية وبحاجة إلى عطف الطرفين؛ الشيعة والأكراد.

 

شيعة العراق عموما بحاجة إلى حرب كبيرة خصوصا بعد أن توعّدت القوات الأميركية الميليشيات الشيعية واعتبرتها العدوّ القادم بعد القضاء على داعش. الحرب مع الأكراد ستمنح الحكومة الشيعية فرصة توحيد العراق قوميا والتخفيف من الانقسام الطائفي، كما أنها ستوفر لحكومة بغداد فرصة لتذويب الميليشيات في قوات نظامية قومية.

 

لا تحتاج الحكومة العراقية إلى اجتياح أربيل بل ستكتفي باجتياح كركوك وطرد السلطة الكردية منها. ربما تستمر الحرب لعام أو عامين لكن أدبياتها ستخدم الوحدة القومية في الجانب العربي من العراق وتضمن التحول الوطني للسلطة العراقية.

 

حصار إيران تركي لكردستان

 

لا نستطيع عزل الحدث العراقي عن الإقليمي فقد استقبلت تركيا لأول مرة منتصف الشهر الماضي الجنرال محمد باقري، رئيس هيئة الأركان الإيرانية، مصطحبا معه وفدا عسكريا رفيعا وقد التقى بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكذلك وزير الدفاع التركي. محور تلك المناقشات كان الأمن القومي للبلدين والتهديد الكردي في المنطقة. أعتقد بأنهما قد اتفقا على حصار كردستان العراق والقضاء على أسطورتها التي استمرت منذ عام 1991 لما تمثّله هذه التجربة من خطر وأهميتها لأكراد المنطقة في تغذية طموحهم وحلمهم القومي.

 

بعد مقاطعة قطر وتطويق الإسلام السياسي والقضاء على أطماع تركيا وإيران في المنطقة العربية فإننا لا بد أن نتوقع ردا من دولتين كبيرتين بحجم تركيا وإيران. أعتقد بأن الرد هو القضاء على أحلام الأكراد. كل من تركيا وإيران يعتبر إقليم كردستان العراق تهديدا لأمنه القومي ووحدته الوطنية.

 

على سنّة العراق الحذر في صراع من هذا النوع فلا تستطيع أن تطالب بإقليم سنّي لعشر سنوات وحجّتك في ذلك النموذج الكردي ثم فجأة تنتبه لمخاطر ذلك وتبدأ بتوجيه النصح للآخرين. فالشيعة لا يمكن أن يقاسموك بغداد أو يمنحوك سامراء، ولا الأكراد سيتخلّون عن كركوك في حالة التقسيم الفيدرالي، إضافة إلى أن سنّة العراق جماعات متناحرة ومتحاسدة لا توجد قيادة توحّدها كما في حالة الأكراد.

 

    كردستان تستطيع تسليم اللاجئين السنّة، وطرد المهاجرين بمئات الآلاف، وتحويل سنة العراق إلى ضحية لهذا التحول الجديد في العراق. طالما أن السنّة مهمّشون ولا يمتلكون أيّ سلطة

 

لا يمكن أن تكون المدن السنية قد دُمّرتْ بنسبة 80 بالمئة في حرب أهلية والنازحون يملأون إقليم كردستان ثم نكتب تحليلات سياسية تقول إن الأكراد لا مستقبل لهم. لقد أضاع سنّة العراق وقتا طويلا بالجهاد والجنة ومقاومة الأميركان، بينما الأكراد كانوا يبنون علاقات طيبة مع الأميركان ويكسبون ثقتهم.

 

سنة العراق بحاجة إلى عطف كل من الشيعة والأكراد وعليهم عدم التذاكي أو تقديم التحليلات الكيسنجرية للأكراد. فلا برهم صالح بحاجة إلى عبقريتهم ولا هوشيار زيباري تستوقفه رؤيتهم الدولية، ولا محمود عثمان سيدوّن أفكارهم الاستراتيجية في مفكرته. على سنّة العراق الانتباه إلى أن الشيعة قد ثأروا منهم بسبب النظام السابق بينما الأكراد لم يفعلوا ذلك رغم أن بإمكانهم فتح ملفات مرعبة واتهام سنّة العراق بالضلوع فيها.

 

مشكلتنا صارت واضحة حتى عند الغرباء. رئيس صحيفة تحرير الشرق الأوسط اللبناني غسان شربل يقول على سنّة العراق التخلص من الذكريات بمعنى أن عليهم نسيان ذلك الزمان الذي كانت هوية السلطة فيه سنّية والتعايش مع واقع جديد. إن مشكلة سنّة العراق الوقوع في فخ تركيا وقطر والإسلام السياسي وصاروا يقاومون الأميركان بالسلاح “لتحرير ديار المسلمين من الصليبيين” بل صاروا يقاتلون الشيعة “الروافض” حتى كانت النتيجة هدم بيوتهم وتحويل مدنهم إلى رماد.

 

ربما هناك صفقة ما. فكما أن قطر والإرهاب والمشروع الإخواني خطر حقيقي على الأمن القومي العربي، فإن الأكراد من جهة أخرى خطر حقيقي على الأمن القومي التركي والإيراني. المهم ألاّ يبالغ سنّة العراق في التدخل بصراع من هذا النوع حتى لا يكونوا الضحية الأولى فيه.

 

كردستان تستطيع تسليم اللاجئين السنّة، وطرد المهاجرين بمئات الآلاف، وتحويل سنة العراق إلى ضحية لهذا التحول الجديد في العراق. طالما أن السنّة مهمّشون ولا يمتلكون أيّ سلطة فمن مصلحتهم تجنّب المبالغة وعدم استفزاز الأكراد حتى لا يفتحوا على أنفسهم أبواب جهنم جديدة.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
4  الإيرانيون والأتراك في سوريا والعراق

 

 د. رضوان السيد

 

 

   الاتحاد الاماراتية
 

 

بلغت العلاقة بين إيران وتركيا أدنى مستوياتها بين العامين 2014 و2016. وقد سبقت بينهما اختلافات بسبب الموقف من بشار الأسد. فمنذ بداية الثورة في سوريا، توجَّه الحليفان: قطر وتركيا (وكانا صديقين للأسد منذ 2004) إلى الرئيس السوري بضرورة الإصلاح. بينما وقفت إيران مع الأسد منذ البداية، وكذلك روسيا، بعد تجربتها السلبية مع الغربيين في ليبيا. وبين العامين 2012 و2013 تدخل الإيرانيون في سوريا عسكرياً بواسطة «حزب الله»، وما عاد الأمر مقتصراً على الخبراء، والمساعدة في غرفة العمليات، بينما ذهب الأتراك والقطريون باتجاه دعم «الإخوان» في مصر وسوريا، وبدأوا بتسليح التجمعات بجوار دمشق وشمال البلاد.

 

إنّ هذا الاختلاف في تقدير المصالح وصل ذروته عندما ظهر كلٌّ من «داعش» و«النصرة»، بينما أقبل الإيرانيون على دعم الأكراد في سوريا، والذين أقبلت وشنطن على دعمهم أيضاً. وما حرَّكت الولايات المتحدة ساكناً عندما استقر «حزب العمال» الكردستاني في منطقة سنجار، ودخلت قواتٌ تركيةٌ إلى جوار الموصل، وتحججت بالكردستاني، وأنها لا تسمح بدخول ميليشيات «الحشد الشعبي» إلى تلعفر، لوجود أقلية تركمانية فيها.

 

صحيح أنّ العلاقات التجارية لم تتأثر. لكن الزيارات المتبادلة بين المسؤولين من الدولتين إلى كلٍ من أنقرة وطهران، خلال 2014 و2015 كانت حافلةً بالغضب وسوء الظن. ثم تغير المشهد كلياً بتطورات التدخل الروسي في سوريا (2014) أيضاً، إذ اضطرت تركيا، بعد إسقاط الطائرة الروسية، إلى مهادنة الروس، مدفوعةً ليس فقط بالغضب الروسي، بل وبتردي العلاقات مع الولايات المتحدة. والتقارب مع الروس في شمال سوريا، والسماح للأتراك بتحدي الأكراد و«داعش» على الحدود التركية السورية، خفّف من الصدام الإيراني التركي. فقد تدخلت موسكو وسيطاً بين الطرفين، ودفعت كلاً منهما للاعتراف بمصالح الطرف الآخر في سوريا والعراق. ثم أخذتهما معها إلى مفاوضات أستانا من جهة، كما أجريا محادثات ثُنائية بشأن التعاوُن ضد الإرهاب، وبشأن مخاوفهما من الدعم الأميركي للأكراد في سوريا والعراق.

 

أما بدء التعاوُن العملي فقد ظهر في الحرب على حلب. فالأتراك الذين اعتبروا حلب منطقة نفوذ لهم، ما لبثوا أن اضطروا لمفاوضة الروس على سحب المسلحين من المدينة وجوارها بعد أن تخرب معظم القسم القديم منها. وصار الإيرانيون إلى جانب الروس موجودين في الشمال السوري على حدود المناطق الكردية والتركية. وعندما كانوا يتفاوضون على حدود النفوذ في الشمال والشرق السوري، تبين للأتراك أن الإيرانيين صارت لهم علاقات بـ«داعش» و«النصرة» معاً، تفوق أحياناً علاقات تركيا بالتنظيمين. تدعم تركيا عدة تنظيمات مسلحة في الشمال السوري، وهي مهتمة بالأوضاع على حدودها هناك، أما الإيرانيون فمهتمون بالمناطق السورية الحدودية مع العراق. وقد خشي الروس والإيرانيون معاً أن تكون عملية الاستيلاء على إدلب وقراها (و«النصرة» هي المسيطر فيها) في هَول حرب حلب. لذلك، وبعد ظهور فكرة مناطق خفض التصعيد، استحثّ الروس والإيرانيون تركيا على دفع «النصرة» للخروج منها بدلاً من الحرب. وعندما لم يفلح ذلك، سلّم الروس والإيرانيون الزمام للأتراك الذين أعلنوا مؤخراً أنهم مع عشرين ألف مسلَّح عربي سوري سيقتحمون إدلب إن اضطرهم الأمر لذلك. بينما ذهب الإيرانيون لدعم قوات النظام لاقتحام دير الزور القريبة من حدود العراق، بمساعدة الطيران الروسي، مع استمرار قصف الأميركيين لدير الزور إلى جانب الرقة. ولأن قصة إدلب ودخول الأتراك إليها، قد جرت من دون تشاوُرٍ مع التحالف الدولي، فإن الأميركيين قاموا بخطوتين لإزعاج الحلفاء الثلاثة، شركاء «أستانا».

 

معنى هذا أنّ كلاً من إيران وتركيا استخدمت الإرهاب أو أعادت توجيه فصائله. وكما أخرج الإيرانيون «داعش» و«النصرة» طوعاً من جرود لبنان، فإنّ الأتراك قد يُخرجون «النصرة» طوعاً كذلك من إدلب. وقد عادت الشراكة بين الطرفين لمنْع الأكراد من الاستقلال في العراق وسوريا، وفي أن تكون لكلٍ منهما منطقة نفوذ، ولإيران على حدود العراق، ولتركيا على حدودها!

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
 5     

المواجهة تقترب في العراق

 

   حازم الامين

 

    الحياة السعودية
 

يكشف الاستفتاء الكردي حول الاستقلال في العراق يوماً بعد يوم حجم الهاوية التي تفصل بين العراقيين، لا بل بين العرب والأكراد في الإقليم. فالأصوات العربية المؤيدة الاستفتاء قليلة وخجولة ومقيدة، فيما رفع اقتراب الموعد من منسوب الخطاب القومي الكردي، ما جعل المناسبة منصة تراشق قومي غير مسبوق بين الجماعتين على ضفتي الحدث.

 

لكن الاستفتاء كشف أيضاً عن تفكك آخر، ذاك أن العراق الذي تحصل في رحابه معركة كبرى ضد «داعش» تخوضها قوى ملتبسة الهوية الوطنية والمذهبية، دولة تتخبط في أكثر من وجهة فشل. فشل اقتصادي بفعل تداعي أسعار النفط، وفشل سياسي كشفته انقسامات على مختلف المستويات، وفشل سيادي يتمثل في تصدر نفوذ قوى إقليمية قراره السياسي. وجاء الاستفتاء ليدفع عناصر الوهن هذه إلى أقصاها. فالسجال الذي يحف بالحدث حُمل على لغة سياسية وانقسامية تُشعر المرء بأن عراق سايكس بيكو لم يلتئم يوماً، وأن الخطاب «الوحدوي» القسري والدموي كان حاجة هذه الوحدة التي تترنح اليوم.

 

هناك رفض عربي عميق ثقافي وقومي وسياسي لأي خطوة كردية نحو الاستقلال. في العراق اختبر هذا الأمر على نحو قاطع، وفي سورية تلوح مؤشرات مشابهة. الأصوات العربية المؤيدة حق الأكراد في تقرير مصيرهم خافتة ومشروطة ومُدانة على نحو مضاعف. لا بيئة تستقبلها بصفتها صوتاً يملك حق الاختلاف، وهي إن وجدت فهي امتداد للصوت الإسرائيلي الذي أعلن وقوفه إلى جانب استقلال الأكراد. وفي مقابل هذا، كشف الاستقلال أيضاً عن شوفينية كردية أعلنت عن أن رغبتها في الاستقلال صادرة عن صوابية كردية في الانفصال عن الشر. فماذا لدى العرب سوى المذهبية و «داعش» والحشد الشعبي؟ الاستقلال وفقها لحظة افتراق عن هذه المؤشرات الجوهرية في الثقافة العربية.

 

لا أكراد مع الاستقلال إلا بصفته القومية والسلبية. بصفته مغادرة لحاضنة عربية. ولا عرب ضد الاستقلال إلا لأن الأخير خطوة باتجاه ضرب هيمنة تاريخية وثقافية. السجال في محيط الحدث ومن حوله يؤشر إلى ذلك. اللغة التي يستعين بها طرفا السجال ترد الانقسام إلى أصله في لاوعي الجماعتين، إذ تخرج الكلمات من الصدر مباشرة إلى اللسان، من دون عبورها في العقل. وهذا تمرين على قساوته وفضاضته وخطورته مفيد أيضاً، ذاك أنه يُزيح عن المشاعر كماً هائلاً من التقية التي كانت مارستها الجماعات في المنطقة حيال بعضها بعضاً على مدى قرون.

 

شوفينية عربية في مقابل شوفينية كردية. شوفينية السلطة المتداعية في مقابل شوفينية الضحية المستعدة للإنقضاض. لا مكان للمجاملات والصداقات التي انعقدت حول هذه العلاقة المريضة. الكل كشف عن وجهه. الكل قال كل شيء حيال الآخر. العربي مستعمر قبيح ومتخلف، والكردي لا يستحق أن يحكم نفسه وأن يستقل فيها.

 

أيام قليلة تفصلنا عن موعد الاستفتاء. ثلاثة نهارات وأربع ليال. وهذا وقت كاف لمشغلي خطاب الكراهية. ثمة حكومات أربع سيهزها الحدث، وثمة جماعات كردية أربع تنتظره.

 

المواقف تسير على نحو تصاعدي، وكل يوم يحمل ذروة جديدة في الانقسام. الجميع خائف. الأكراد لم يعد يمكنهم أن يتراجعوا والعرب والأتراك والإيرانيون يشعرون بأن خطر الانشقاق الكردي سيهز كياناتهم. الجماعات متماهية على نحو غير مسبوق مع مواقع حكوماتها. مسعود البارزاني نجح في جذب القوى الكردية المعترضة أصلاً على تفرده في السلطة وفي القرار، والحكومة العراقية (الشيعية) نجحت في اجتذاب السنة الذين تضطهدهم. خط انقسام يؤشر إلى مواجهة، وربما إلى حرب.

 

الاستفتاء اختبار لمستوى انقسام لم تختبره أجيال جديدة. العروبة إذاً معطى ليس «وهمياً»، والكردية في المقابل تغذت على هذه الحقيقة وانبعثت على نحو مشابه.

 

الوقت لم يعد يتسع لصوت العقل، ولمراجعة في المواقع والمواقف. الأكراد لا يستطيعون أن يتراجعوا، والحكومات من حولهم لا تتحمل استقلالهم. المواجهة لن يحول دونها سوى اختراق أميركي لخط الانقسام الملتهب، وهذا ما لا يلوح حتى الآن.

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
 6     

حروب «الحدود الكردية» في العراق وسورية بعد «داعش»

 

   جورج سمعان

 

    الحياة السعودية
 

الاستفتاء على استقلال كردستان في موعده الإثنين المقبل. لم تفلح الوساطات والمناشدات حتى الآن في ثني رئاسة الإقليم عن هذا الاستحقاق. بات مستقبل مسعود بارزاني على المحك. لا يمكنه التراجع لأنه سيخسر كل شيء، معه الكرد أيضاً. لم يعد في حساباتهم التراجع عن الانفصال، خصوصاً بعد تأييد البرلمان في إربيل هذه الخطوة بالإجماع، وإن قاطع عدد من نواب «كتلة التغيير» و «الجبهة الإسلامية». حتى هذه المقاطعة لا تعني رفض جمهور هاتين القوتين الاستقلال. الأمر يتعلق بخلافات حزبية داخلية معروفة بين رئيس الإقليم المنتهية ولايته وهذين الحزبين. وبعيداً من التهديدات الإقليمية المحمومة، خصوصاً من جانب تركيا وإيران، فإن المساعي الدولية التي تقودها الولايات المتحدة لم تثمر حتى الآن. لو نجح تسويق البديل الذي قدمه المبعوث الرئاسي الأميركي للحرب على «داعش» بريت ماكغورك وسفراء غربيون، لكان صرف النظر عن إعادة تفعيل مجلس نواب الإقليم. لم تقدم الضمانات التي طالب بها بارزاني. لأنه كان ولا يزال يريد خطوة متقدمة تفوق بمفاعيلها الاستفتاء. وحتى الكونفيديرالية فات أوانها على الأرجح بديلاً معقولاً. غير الذهاب نحو الانفصال يعد انتقاصاً من رصيده الشعبي. لم يرضَ بالتأجيل سنتين على أن تناقش هذه القضية في الأمم المتحدة، ما لم تقر بغداد صراحة بحق الكرد في تقرير المصير مقروناً بضمانات دولية، وما لم تحدد المنظمة الدولية نتيجة هذا النقاش موعداً جديداً لهذا الاستحقاق.

 

الثابت إذاً أنه لم يعد مطروحاً في أجندة كردستان طي صفحة الاستفتاء والعودة إلى طاولة الحوار لا مع بغداد ولا مع غيرها من عواصم إقليمية ودولية معنية. تأجيل الاستحقاق من دون بديل حقيقي يعني ببساطة انهيار كل ما بناه بارزاني في مسيرته السياسية. علماً أن ما قدمه ماكغورك نفت الناطقة باسم الخارجية الأميركية عمله به. الاقتراح صاغه وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس بعد زيارته الأخيرة إربيل، بالتفاهم مع مستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر. وواضح تماماً أن واشنطن تقر بما تسميه الطموحات المشروعة للكرد، لكنها تخشى أن يترك هذا الاستحقاق في هذا التوقيت بالذات آثاراً سلبية على الحرب ضد «تنظيم الدولة». ولا يمكنها الذهاب بعيداً في الضغط على إلإقليم حليفها الرئيس وشريكها المضمون في الحرب على «داعش». أما أن تكرر حرصها على وحدة العراق فمثل هذا قالته إدارة الرئيس جورج بوش الأب مع بدء انهيار الاتحاد السوفياتي. شددت على وجوب بقاء الاتحاد لكنها سرعان ما بدلت رأيها وكان ما كان من أمر الكتلة الشرقية.

 

والثابت أيضاً أن بارزاني أظهر عزيمة وصموداً في صراع الإرادات. وتمكن من فرض خيار الاستفتاء على جميع المعترضين. حتى الاتحاد الوطني الذي كان تردد في البداية لم يجد بداً من الاصطفاف خلف هذا الاستحقاق. وسيمنحه الاستفتاء مزيداً من الشرعية الشعبية لتكريس زعامة بلا منازع. وهذا ما سيعزز موقعه في مفاوضات لا مفر منها لاحقاً مع بغداد وأنقرة وطهران، يدعمه رأي عام واسع. أما التلويح بالحرب والوعيد بالويل والثبور فيبقى من باب التهويل. لا يبدو أن ثمة طرفاً يستطيع اللجوء إلى القوة خلال أيام لفرض تأجيل الاستحقاق أو إلغائه. بل لا مصلحة لأحد في مثل هذا الخيار. فلا الكرد أعلنوا استقلالهم بعد ولا هم أعلنوا الحرب على بغداد. ولا الحكومة العراقية في وارد أن توقف حربها على «داعش» والانصراف عن مشكلاتها الجمة من أجل شن مواجهات ميدانية تعجل في إعلان الاستقلال. جل ما يمكن التفاوض عليه في الأيام القليلة الباقية قبل الاستفتاء هو البحث عن إمكان تأجيله في كركوك والمناطق المتنازع عليها. وهو أمر يبدو مستبعداً في ضوء تصعيد بارزاني لهجته. فقد أعلن في إحدى جولاته قبل أيام أنه لن يقبل التفاوض على حدود كردستان، والعودة إلى «حدودنا في عهد حزب البعث». كما أن بغداد ستستمع إلى رأي إيران.

 

وحتى إيران التي يرى غلاة قادتها أن الاستفتاء «مشروع صهيوني» هو المرحلة الأولى في «مؤامرة لتقسيم العراق وقيام إسرائيل جديدة»، ليست في وارد استخدام القوة لإرغام الكرد على إلغاء الاستفتاء. قد لا ترى بداً في المرحلة التالية للاستحقاق من حوار مع قيادة الإقليم للحصول على ضمانات لحدودها. وهي لن تكون، مثلها مثل تركيا بمنأى عن أي حريق كبير يندلع في كردستان أو على حدوده. فلهذه كردها ولتلك أيضاً، وقد وفرت لهم الحروب المشتعلة في الإقليم، كل أنواع السلاح ووفرت لهم الخبرات القتالية اللازمة. وفي ظل الصراعات الدولية والإقليمية على المنطقة ستكون هناك قوى وجهات خارجية جاهزة لمدهم بما يحتاجون من دعم. حتى رهان بعضهم على حزب العمال وعلاقته الجيدة مع «الحشد الشعبي» قد لا تفيد. فالهدنة القائمة بين طهران والقوى الكردية القريبة من الحزب مردها إلى رغبة الطرفين في اقتطاع حصته من الجغرافيا السورية. علماً أن الفرع السوري للعمال الكردي تمر تجارته من النفط السورية عبر كردستان. وليست لديه مصلحة في أي مشكلة مع إربيل. وأبعد من ذلك كيف للحزب الديموقراطي الكردي أن يعرقل توجه الإقليم نحو الاستقلال وقد دعت الهيئة التنفيذية لـ «الفيديرالية الديموقراطية لشمال سورية» إلى المشاركة في الانتخابات بعد أيام؟

 

لم يعد يفيد التوقف عند تحديد المسؤوليات عما آل إليه الوضع في العراق. صحيح ما يسوقه بارزاني عن استئثار بغداد بالسلطة وتحويل الدولة دولة دينية والكرد يريدونها كما في الدستور دولة مدنية ولا يرغبون في أن يكونوا خدماً. لكن ما يسوقه له خصومه صحيح أيضاً فهو ساهم في نظام المحاصصة وأفاد من الدعم الأميركي، وكذلك من الثنائية الكردية الشيعية التي أدارت الحكم إثر سقوط نظام صدام حسين. ولا شك في أن الإقليم لم يجد أي مصلحة في أن يكون «تكتل عربي» واسع يحول دون تحقيق طموحات الكرد في الانفصال. ولم يكن يعنيهم قيام حكم قوي في بغداد يكرر التجارب السابقة معهم. وهم على حق في ذلك. وحتى أعتى مناوئيهم زعيم «دولة القانون» نوري المالكي وفروا له ولاية ثانية. بل حالوا دون نزع الثقة عنه عندما تنادت قوى عدة لإطاحته. على رغم أنه وجه إليهم تهديدات واضحة وحشد قوات من الجيش الذي أشرف على بنائه على حدود الإقليم ملوحاً بالحرب. ولن تكون هناك ترجمة لما يرفع من شعارات عن «وحدة» عرب العراق بمواجهة الإنفصال، فالصراع المذهبي لم يبق شيئاً من وشائج هذه الوحدة. حتى أن مجاميع سنية عدة تلوذ بالإقليم، وبعضها يدعو إلى شمله بالاستفتاء!

 

الأيام السبعة الفاصلة عن موعد الاستفتاء حافلة بالغموض وبكثير من الأسئلة عن اليوم التالي لهذا الاستحقاق، وكذلك عن اليوم التالي لهزيمة «داعش». ليس واضحاً مشروع الحوار الذي سيقوم بين بغداد وإربيل في شأن الاستقلال، وما هي آليته ومتى يعلن، وما هي القضايا التي سيشملها هذا الحوار وأبرزها الحدود، هذا إذا تجرأت حكومة حيدر العبادي المقبل على انتخابات مصيرية، على بدء حوار في هذا الشان. علماً أن الكرد لا يبدون ولن يبدوا أي مرونة في احتمال التنازل عن الحدود الجديدة التي رسموها في أثناء مشاركتهم في الحرب على «داعش»، خصوصاً كركوك التي ستشكل بنفطها عماد اقتصاد الدولة الوليدة. وقضية الحدود هي المحك لمستقبل العلاقة بين بغداد وإربيل بعد سقوط آخر معاقل «تنظيم الدولة». فهل تتنازل المكونات العراقية الأخرى من عرب وتركمان وأقليات أخرى عن هذه المناطق بسهولة؟ والأمر نفسه بدأ يطرح في سورية أيضاً مع استعداد كردها لانتخابات في إطار فيديرالي يستقلون فيه بإقليمهم. ولا يبدو أن دمشق يمكنها مواصلة التنسيق معهم بعدما شارفت الحرب على «تنظيم الدولة» وبقية الفصائل نهايتها في بلاد الشام. وبدأت نذر المواجهة بين «قوات سورية الديموقراطية» بغالبيتها الكردية وقوات النظام في السباق إلى دير الزور ومنها الحدود مع العراق. قد تكون النزاعات الحدودية عنوان الحروب المقبلة للكرد مع شركائهم «السابقين» في كل من العراق وسورية… وربما في إيران وتركيا.

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
7  تعقيدات المسألة الكردية

 

 محمد بدرالدين زايد

 

  الحياة السعودية   
 

 

ليس أصعب من المسألة الكردية، خصوصاً بالنسبة الى الذين لا يزالون متمسكين بأن الحفاظ على وحدة المصالح العربية وسلامتها يقتضي الحفاظ على وحدة الكيانات العربية القائمة وسلامتها، ومنع مزيد من الانهيارات والتفككات، كما أنه تكفي العالم العربي مشكلاته وجروحه وأوجاعه الراهنة فلا يضيف إليها جرحاً جديداً، ومن الواضح أنه ما زالت هناك مساحة من التفاعلات والأدوار الداخلية والخارجية خلال الفترة القصيرة المقبلة حول مسألة الاستفتاء، على أن سؤالاً يبقى، وهو هل يمكن تجاهل ضرورة تناول هذه المسألة بأكبر قدر من التروي والموضوعية. وما أقترحه هنا هو تناول الأمر من زوايا عدة تشمل ما هو ممكن وما هو غير ذلك وما هو محظور وما هو غير ذلك.

 

1- لعل الملاحظة الأولى هي أن جوهر المسألة الكردية ومنطقها يتضمنان أمرين متناقضين بالضرورة بالنسبة إلى العقل العربي، الأمر الأول أن إعادة تقسيم المنطقة وقيام كيانات طائفية، ترسخ من مفهوم الشرق الأوسط الفسيفسائي الذي يصبح من حق إسرائيل الوجود فيه، ويهدد كيانات عربية وشرق أوسطية أخرى، كما أن فتح باب التعديلات الحدودية يفتح الباب أمام أشكال متنوعة من عدم الاستقرار بأبعاده المختلفة، متجاوزاً عدم الاستقرار السياسي إلى اهتزازات اقتصادية كبيرة، ويصاحب كل ذلك العديد من مظاهر عدم الاستقرار الاجتماعي والمعاناة الإنسانية لكثير من البشر الذين يعيشون متداخلين على جانبي هذه التعديلات الحدودية ويهدد بكثير من المآسي الإنسانية. من ناحية أخرى، فإن مبدأ حق تقرير المصير، الذي لعب فيه العالم العربي دوراً مهماً، والإصرار على استعادة الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، يستلزمان أيضاً الاعتراف بحقوق الجميع، وعلى رأسهم الأقلية الكردية التي عايشت الشعب العربي قروناً طويلة، من هنا كان تذكرنا دوماً اهتمام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بالمسألة الكردية واستقباله قيادات الأكراد في وقت كانوا يواجهون ظروفاً صعبة لا تقارن بما حصل عليه الشعب الكردي في العقود الأخيرة في العراق، والتي كان الكثيرون يعولون على كفاية هذه المكتسبات وإمكان طي صفحة الانفصال بعد تحقق الحكم الذاتي وبأشكال متقدمة لا تقارن مع حالتي الأكراد في كل من تركيا وإيران، للأسف لم يحدث هذا ليستمر تناقض منطق هذه المسألة في العقل العربي أمراً لا يمكن تجاهله.

 

2- الملاحظة الثانية أن تجربة انفصال جنوب السودان بما لها وما عليها، تقدم دروساً مهمة للشعوب التي تلعب الأطراف الخارجية دوراً رئيساً في الترويج لانفصالها، والمؤسف أنه في حالة كردستان تحديداً، فثمة تساؤلات كثيرة من الآن، حول ممارسات سياسية وتجاوزات بأشكال مختلفة داخل الإقليم، حتى للاستقلال والانفصال، وهناك تساؤلات تحيط بالنخب السياسية في هذا الإقليم وربما عبرت عنها كتابات كردية مهمة وأخرى في دوريات أميركية وصلت إلى حد توقع «نيوزويك» في مقال منذ فترة بأنها ستكون دولة كردية فاشلة، ولن ندخل في تفاصيل هذه الجوانب، ولكنها تثير القلق بشأن مصير ومستقبل هذا الكيان إذا تم انفصاله، كما يثير هذا القلق تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الكيان الجديد على إدارة علاقات خارجية متماسكة منع التغلغل في داخله، ومن ثم أثر ذلك في استقامة وسلامه العملية السياسية داخل الدولة الجديدة.

 

3- الملاحظة الثالثة حول طبيعة رد الفعل العراقي، فللأسف لم توضع خطة متكاملة للتعامل مع هذه القضية والبناء على الإنجازات التي تحققت للأكراد، وفي بعض المراحل بدا وكأن هناك استسلاماً لإرادة الدولة العظمى التي تبنت المسألة الكردية كما أن تورط حكومات عراقية سابقة في ممارسات طائفية لا تشجع في خلق مناخ وطني صحي يتم فيه بناء شراكة حقيقية بين مكونات الوطن، وكان ذلك كفيلاً بإضعاف أصوات القوى الانفصالية، كما يأتي الانشغال الراهن بالمواجهة ضد «داعش» ليصعب من خوض معركة ولو سياسية ضد فكرة الانفصال، وللأسف فإن إرادة الحكومة العراقية لن تكون وحدها كافية لإيقاف هذه التطورات.

 

4- أما رد الفعل العربي، فربما لولا تحرك الأمين العام للجامعة العربية الذي لم تتم الاستجابة له حتى الآن، لما استطعنا رصد أي رد فعل عربي مناسب، وهنا لا يمكن المرء إلا التساؤل عن قدرة ردود الفعل العربية في ظل التعقيدات الإقليمية وتناقض الاعتبارات المحيطة بالأمر.

 

5- أما الملاحظة الخامسة فتتعلق بما يجب أن يكون محظوراً في ظل المعطيات الراهنة، وهو أن يتم التعامل بالإكراه والعنف، سواء لفرض استقلال كردستان أو لمنع استقلالها، ففي المجمل الآن وبعد زمن من تجاوز سوء الفهم العربي – الكردي وبعد الوصول إلى نمط حالي أكثر صحة وسلاسة من النمط التركي الكردي، وليس حتى كالنمط الإيراني – الكردي الذي ما زالت فصوله في مراحلها الأولى ولم تتكشف بعد، بسبب تركيبة القمع الإيراني، فإننا رغم تجاوز مرارات سابقة في العلاقات العربية الكردية، فإن هذه المرارات ذاتها التي تم تجاوزها لا تقارن أبداً بنظيرتها الكردية – التركية، كما أن هناك رصيداً مهماً من التعايش التاريخي وأقليات كردية تعيش في بلدان عربية أخرى بعضها منصهر تماماً كما في مصر، ومن ثم فمن الحكمة للطرفين الحفاظ على علاقات ودية بل السعي لبناء شراكات استراتيجية بين الجانبين، سواء مالت الكفة تجاه الانفصال أو الاستمرار في الدولة العراقية.

 

ما يجب قوله في النهاية هو أن عمق التفاعل التاريخي العربي الكردي كان يجب أن يفتح المجال لحوار أكثر جدية وصدقية من الجانب الكردي قبل التحرك قدماً نحو خيار الاستقلال، وأن تؤجل هذه الخطوة لما بعد طرد «داعش» والقضاء عليه وفي ظروف طبيعية للدولة العراقية، وربما تؤدي الاعتبارات العديدة إلى تأجيل هذه الخطوة. على أنه في جميع الأحوال يجب أن يبقى الإطار الاستراتيجي الذي يجب الحفاظ عليه وهو ألا تترك كردستان للأطراف الخارجية وتلك المجاورة للعالم العربي، وأن تستمر الجهود الجادة لإيجاد صيغة تستوعب الأكراد في وطن متفتح يسمو فوق الطائفية بكل صورها، أما إذا كان الانفصال المؤلم حاصلاً ولا يمكن منعه فالشراكة البناءة هي أفضل حماية لمصالح الطرفين. وأن يكون العالم العربي دولاً وجامعة عربية حاضراً وشريكاً ومحتضناً هذا الكيان الجديد الذي لا يجب تركه للآخرين.

 

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
8  هل يدرك برزاني كارثية ما يزمع الاقدام عليه؟ وهل ستخدعه التجربة الارتيرية؟ وما الذي يجب ان يتفهمه الاكراد ليخدموا قضيتهم ولا يُستخدموا كحوامل لمشاريع غيرهم؟

 

 عبدالوهاب الشرفي

 

    راي اليوم بريطانيا
  

أعلن الزعيم الكردي ورئيس اقليم كردستان العراق مسعود برزاني عن اعتزامه القيام باستفتاء لانفصال الاقليم عن الدولة العراقية الاتحادية في نهاية شهر سبتمبر الجاري و اثار هذا القرار أزمة عاصفة في العراق لاسباب عدة منها مخالفته للدستور العراقي و شموله لمناطق مختلف عليها بين الحكومة الاتحادية و حكومة الاقليم و عدم اجماع المكونات الكردية عليه و التبعات الخطيرة على الاقليم وعلى العراق  التي قد تترتب عليه وغير ذلك من الاسباب .

باستثناء برزاني و مكونه  لم يحظ هذا التوجه بأي مساندة وازنه من اي طرف بل حظي برفض قوي عراقيا و اقليميا و دوليا وارسلت العديد من الدول تحذيراتها من المضي في هذا الطريق على رأسها تركيا و ايران ، و تدخلت دول اخرى للعمل على اقناع البرزاني بالعدول عن ما يعتزمه كالولايات المتحدة الامريكية ، ومع كل ذلك لازال برزاني مصر على المضي وذهب بقراره الى برلمان الاقليم و تبعا لغالبية مكونه فيه تمكن من الحصول على موافقته بالقيام بالاستفتاء .

الملفت والمستغرب هو مضي البرزاني ومكونه في طريقه وصولا للاستفتاء مع ما تحمله هذه الخطوة من عبثية بالنسبة للهدف الذي يلوّح به وهو قيام دولة كردية من جهة وما تحمله من مخاطر قد تعصف بما حققه اكراد العراق وبأمن واستقرار  الاقليم كذلك من جهة ثانية .

الاستفتاءات هي آلية قياس وليست آلية اتفاق او قرار بمعنى ان الذهاب لعملية استفتاء هو امر يتطلب ان يكون هنا اتفاق او قرار اولا ومن ثم يتم استفتاء الجمهور المعني حوله وفيما اذا كان سيحظى بالقبول او بالرفض ، اما ما يراد ان يتم الان فهو كمن يضع ” العربة امام الحصان “، وهذه النقطة هي التي تجعل العملية عبثية ولن تقرّ حقا لاقليم كردستان بالانفصال و لو كانت نتيجتها ايجابية مئة بالمئة ،  وكلما سيترتب عليها هو تأكيد البرزاني و مكونه لرغبتهم في الانفصال عن الاتحاد العراقي لا اكثر وستضل مسألة الانفصال مسألة متعلقة باجرائتها القانونية التي عنوانها التفاوض السياسي مع الدولة الاتحادية وهو امر يمكن ان يناضل له برزاني دون الحاجة لخطوة مثل الذهاب لاستفتاء لن تضيف لموقفه شيئ ولن تمنحه حقا على الاطلاق بمقابل انها ستستتبع  مخاطر مصيرية بالنسبة لاقليمه ولامتيازاته الحالية .

الذهاب لاستفتاء داخل أراض الاقليم المتفق عليها كان سيكون أخف من ناحية التبعات وسينظر اليها كخطوة لقياس رغبة الاكراد في الانفصال يتحدد في ضوئها موقف الحكومة الكردية تجاه حمل قضية الانفصال و تساعد في  التفاوض رسميا بشأنها مع الحكومة الاتحادية ، لكن دخول مناطق مختلف بشأنها بين الحكومة الاتحادية و الحكومة الكردية يجعل من هذه الخطوة غاية في الخطورة وقد يترتب عليها الانزلاق لمواجهات عسكرية كون الامر اصبح متعلقا بحسم تبعية هذه المناطق للاقليم الكردي بقرار من طرف واحد وليس بالاستفتاء .

عدم الفهم الواضح  لما تعنيه عملية ” استفتاء ” لدى برزاني ومكونه وانها آليه قياس وليست آليه قرار في شأن كانفصال اقليم قد يدفع الدولة الكردية تحت اغراء نتيجة ايجابية قد تتحقق  الى الذهاب لفرض ” فصل ” – وليس انفصال – الاقليم عن الدولة الاتحادية وهو امر سيجر احتمال المواجهه مع الحكومة الاتحادية  من جهه  و سيجر المكونات داخل الاقليم لصراع حول صيغة السلطة التي يجب ان تتشكل لحكم الاقليم بعد فصله كصيغة سياسية جديدة لواقع جيوسياسي جديد ، اذا ان الحكومة الحالية ستفقد شرعيتها لدى المكونات داخل الاقليم المنبثقه من الصيغة الاتحادية و ستسعى هذه المكونات للعمل على قيام صيغة جديدة ” لشرعية ” الحكم في الاقليم .

كذلك ارتباط ” المسألة الكردية العراقية ” بالمسئلة الكردية ككل في  مختلف الدول المحيطة و كذا الملفات المفتوحة في المنطقة بكاملها لابد ان يضع الاقليم تحت مخاطر التدخلات الخارجية فيه او في قضيته بشكل مباشر ومحوري  لان فرض ” فصل ” الاقليم سيتحول الى قضية متعلقة بالامن القومي للعديد من الدول المعنية و التي تمثل ” المسألة الكردية ” او مسألة قيام كيان مستقل على حدودها غاية في الحساسية لما قد يترتب على ذلك  من تهديدات للأمن القومي لهذه الدول .

لم يسمع في اي قضية انفصال في اي مكان في العالم ان الاستفتاء سبق الاتفاق السياسي – اذا استثنينا تجربه مندفه غير ذات جدوى في اسبانيا –  وهذا الامر متعلق بالموقف الدولي و الموقف الاممي تجاه اي خطوة فرض  ” فصل ” للاقليم ترتيبا على نتيجة إستفتاء ، فلا تستطيع اي دولة كانت ولا الامم المتحدة ان تتعامل مع هذا الوضع كوضع طبيعي يمكن الاعتراف به او التعامل معه ، فالعراق دولة اتحادية معترف بها دوليا وحدودها و نظامها السياسي مسجلان وموثقان ومحميان بالقانون الدولي  و اي عمل يترتب عليه تغيير في جغرافيتها يعني ” تقويض ” جمهورية العراق الاتحادية و ليس فقط  ” انفصال ” اقليم فيها .

ترتيبا على ما سبق يمكن القول ان ما سيترتب على مضي برزاني ومكونه في الاستفتاء وما قد يحاول ان يرتّب عليه من ” حدود ترسم بالدم ” هو اهدار لحالة العلاقة القائمة بين الاتحاد و الاقليم بما فيها من امتيازات ليست بالقليلة من جهة ، و تعريض الاقليم و العراق ككل لمخاطر الانزلاق للمواجهات العسكرية البينية من جهة ثانية ، و  تعريض الداخل الكردي لسجالات وربما صدامات داخليه حول صيغة الحضور في السلطة تبعا للواقع الجديد من جهة ثالثة ، اضف الى ذلك تعريض الاقليم للتدخلات الخارجية بما فيها العسكرية ضد مناطق ” منشقة ” قد لا تمانع الحكومة الاتحادية من حصول ذلك لمعرفتها بما يترتب على ” الفصل ” من مخاطر للدول المحيطة المعنية من جهة رابعة .

كيان واحد فقط مع ان حاله فيما يتعلق بمسألة الاعتراف و التعامل الرسمي مع الاقليم ” كدولة مستقله ” هو حال مختلف دول العالم  من عدم القدرة على ذلك لما فيه من انتهاك للقانون الدولي و للامن و السلم الدوليين ، الا ان احتمال تدخله للدفع ببرزاني ومكونه للمضي قدما قائم و هو الكيان الصهيوني ، فهو الوحيد الذي يقوم معه احتمال تقديم دعمه في هذا الاتجاه لكن لن يكون ذلك لمساندة الاكراد للحصول على دولة – كما قلنا ليس ذلك في امكانه اساسا – وانما لتوضيف القضية الكردية لصالح ضرب الاستقرار بشكل اكبر في المنطقة ضمن الحرب الباردة له مع ايران و استهدافا منه لتركيا على خلفية المواجهه مع الاخوان ، وفي الاخير  لن يكسب الاكراد شيئ على الاطلاق بل سيخسرون كثيرا وكثيرا جدا .

تجربة اخرى ظاهرها مماثلة خاضها الكيان الصهيوني ونجح فيها وهي فصل ارتيريا عن اثيوبيا ، لكن هذا التماثل الظاهري هو تماثل خادع سواء من حيث الاسلوب فما تم في اثيوبيا تم باتفاق سياسي بين اثيوبيا وما اصبح لاحقا دولة ارتيريا وليس باستفتاء وفرض ” فصل ” كأمر واقع ، او من حيث تركيبة القضية ”  فالمسألة الارتيرية ” لم تكن متداخله باخرين كماهي ” المسألة الكردية ” التي تتداخل مع الاكراد المتوزعين على اكثر من دولة و ما لإرتباط قضاياهم بالامن القومي لتلك الدول من أثر  ، وبالتالي حتى الاحتمال الافتراضي بان الكيان الصهيوني هو الوحيد الذي يمكن توقع تشجيعه لمسعى ” فصل ” اقليم كردستان العراق هو خطورة اضافيه لهذه الخطوة لان خصوصياتها مختلفة تماما عن تجربته السابقة في اثيوبيا .

لا اريد ان يفهم من كلامي اعلاه انني ضد تقرير المصير بالنسبة للاكراد  بل انني ممن يتفهمون مطالب الاكراد في قيام دولة لهم اذا كان ذلك سيعفي المنطقة من حالة اللاستقرار المترتب على القضية الكردية ويتم باتفاقات سياسية  ، وما حذرت منه اعلاه هو كي لا تستخدم القضية الكردية لصالح اجندات للاعبين اخرين من جهة وان لا يسير نضال الاكراد في طريق يجلب ويلات وليس فيه اي ايجابي قد يتحقق للاكراد على الاطلاق كونه طريق غير موصل للنتيجة من جهة ثانية .

ما يجب ان يتفهمه برزاني وغيره من القيادات الكردية في العراق وفي غيرها ان هناك محددات سياسية يجب مراعاتها عند النضال لقضيتهم واول هذه المحددات انه من غير الممكن لاي دولة كانت ان تتعاطى جديا مع قيام دول مستقلة للاكراد ( في وضعهم الحالي ) مهما سمعوا من بعضها كلاما متفهما او مشجعا فكل ذلك لن يتعدى كونه تفهما لرغبة سياسية وليس تعاط مع حق سياسي وبين الاثنين فرق كبير  ، وثاني هذه المحددات ان النضال الكردي يجب ان يتم على مسارين اثنين في ذات الوقت اولها مسار فردي وهو النضال الذي يستوعب ان الفرصة المتاحة سياسيا و الممكن العمل عليها من قبل الكيانات الكردية في مختلف الدول التي يتوزعون عليها هو الوصول لوضع الاقاليم ضمن دول اتحادية ، وثانيها هو مسار جماعي يبدء بتوحيد الاكراد انفسهم في مكون سياسي اعتباري واحد يمثل الاكراد في مختلف الدول التي يتوزعون عليها يناضل من اجل قيام دولة كردية مستقلة بموازاة المسار الاول لانه من غير الممكن ان تتعاطى جديا اي دولة او منظمة مع مطلب استقلال كيان كردي منفرد دون غيره كون ذلك سيمثل اضرارا بالامن والسلم الدوليين بتشجيع النزعات الانفصالية لدى الكيانات الكردية الاخرى ،  لكن سيكون من الممكن التعاطي مع ( مطلب قومي ) للاكراد كوحدة واحدة كون ذلك سيسهم في حل سياسي لقضيتهم يترتب عليه تعزيز للامن والسلم الدوليين ، بمعنى انه لايمكن التعاطي جديا مع قيام دولة كردية مستقله لاكراد العراق ومثلها لاكراد تركيا ومثلها لاكراد سوريا وهكذا لكن يمكن التعاطي جديا مع جمع اقاليم او كيانات الاكراد جميعها في دولة واحدة مستقله ، وثالث هذه المحددات ان اي نضال كردي في اي من المسارين يجب ان يلتزم بالسلمية و التفاوض السياسي  فهو النضال الوحيد الذي يمكنه ان يفضي الى نتيجة بينما اي صورة اخرى من النضال يُتوقع انه بالامكان فرض نتيجة ما كامر واقع عبرها هو نوع من الوهم السياسي كلما سيترتب عليه ان تتحول القضية الكردية الى حامل لمشاريع الدول ذات الاجندات المختلفة في المنطقة ولن ينال منها الاكراد شيئ غير الويلات و التشرذم و ضرب ماهو متيسر حاليا من الاستقرار للكيانات الكردية ، ورابع هذه المحددات هو ان اي توجه او انشاء لاوعية سياسية مشتركة يجب ان يتم باجماع كردي كي يحمل صفة التمثيل للقضية الكردية فعليا – وليس رؤية لمكون او لعدد من المكونات الكردية مع اهمال اخرى –  ويمكن ان يتم التعامل معه من الدول و المنضمات المعنية كمكون قادر على ان يجسد اي اتفاقات او تفاهمات تتم معه كواقع دون معارضة مكونات كردية  غير ممثله فيه لهذه التفاهمات او الاتفاقات المتعلقة بتقرير المصير للاكراد  .

من الجدير ببرزاني ومكونه ان يعيدوا النظر في خطوتهم المزمعة و يبحثوا لهم عن مخرج منها لعبثيتها و ما ستجلبه من مخاطر دون اي مكسب كان ،  وان يرتبوا خطواتهم بشكل ينطلق من منطق سياسي سليم وليس من اندفاعات او ردود فعل او تكتيك مجازف ، وان يعملوا على ان يضيفوا للرصيد الذي تحقق لاكراد العراق دون غيرهم من الاكراد لا ان يجازفوا به . وعليهم ان يتفهموا ان كثير من الخسارات تحصل ليس لعدم امتلاك مقومات الحق وانما لخطاء السير باتجاهه .

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
9 سورية والعراق: من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية

 

 زياد حافظ

 

 صحيفة راي اليوم بريطانيا
 

 

فجأة وبعد حالة أنكار غريبة يركّز الاعلام الغربي والعربي على التطوّرات العسكرية التي تحصل في الميدانين السوري والعراقي.  المقالات والتعليقات والمداخلات التلفزيونية وغيرها من وسائل التواصل العام والخاص تغصّ بمعلومات وآراء متعدّدة.  معظم هذه الآراء تجمع على أن التطوّرات الميدانية ستحمل تطوّرات سياسية.  فما هي هذه التحوّلات السياسية المرتقبة؟

في رأينا لقد بدأت منذ فترة التحوّلات السياسية على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي لأن التحوّل الاستراتيجي حصل مع إيقاف المشروع الأميركي في العراق، وصمود المقاومة في لبنان وغزّة، ومع صمود سورية في وجه العدوان الكوني.  أما التداعيات السياسية فهي متعدّدة.  فلا يمكن إجراء مقاربة للتحوّلات الدولية دون مقاربة انعكاساتها إقليميا وعربيا، وكما لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي بعيدا عن التطوّرات الدولية والعربية، وأخيرا لا يمكن فهم التطوّرات في المشهد العربي دون الالتفات إلى التحوّلات الدولية والإقليمية.  فأي قراءة لأي مشهد تصبح قراءة متعددة الأبعاد.

فعلى الصعيد الدولي نشهد بروز كتلة سياسية وجغرافية وبشرية واقتصادية وعسكرية في العالم أكبر وأفعل من مجموعة “المجتمع الدولي” المكوّن أساسا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وذلك منذ تبيّن أن الهيمنة الأميركية تتعثر في مطلع الألفية الجديدة.  المجموعة الجديدة هي مجموعة البريكس.  لن نسترسل في سرد تطوّرات التي رافقت نشأة البريكس بل نكتفي بما حصل في اللقاء الأخير لقمة تلك الدول التي عُقدت في مدينة زيامين الصينية. فالقمة الأخيرة لها دلالات عديدة إضافة أنها المدينة التي كان عمدتها في السابق الرئيس الصيني الحالي زي جين بينغ.

الدلالة الأولى تكمن في طريقة الاستقبال الحار والفائض في الاحترام لمسؤولي الدول المشاركة خلافا عن الاستقبال الرسمي والمتعالي (والبارد أحيانا) الذي يحصل في الغرب تجاه الدول التي تعتبرها دول الغرب أقل شأنا (لا ننس دفع الرئيس الأميركي لرئيس الجبل الأسود في اجتماع قمة الأطلسي الأخير أمام الشاشات).

الدلالة الثانية هي مضمون المحادثات سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي.  ففلسفة هذه المجموعة هي الاستقرار ضمن حدود القوانين الدولية واحترام الدول وبهذا تختلف مع دول “المجتمع الدولي” التي تضرب عرض الحائك المواثيق الدولية والقانون الدولي.  فقرار رفض أي مغامرة عسكرية في الأزمة الكورية كان بمثابة “نقض” لبعض التوجّهات الأميركية التصعيدية تجاه كوريا الشمالية.  ويأتي هذا التوافق بعد اهتزازات في العلاقات بين الصين والهند ومحاولات الأخيرة في بلورة مبادرة منافسة لمبادرة الحزام والطريق الواحد، وذلك مع اليابان وبعض الدول الإفريقية تحت عنوان الممر الإفريقي الاسيوي للنمو.

  أما على الصعيد الاقتصادي فكانت القرارات تثبّت المضي في إنشاء منظومة مالية دولية مستقلّة عن الدولار ما يحصّن الاستقلالية السياسية التي تتسم بها هذه الدول.  وعلى ما يبدو فإن هذا التوجّه يقلق الإدارة الأميركية التي وجّهت على لسان وزير المال ستيفين منوخين تحذيرا للصين بمنعها من “الدخول إلى النظام المالي الأميركي والدولي للدولار” كما ذكر موقع “فورين بوليسي” و”روسيا اليوم”.  جاء هذا التحذير بعد اعتراض الصين على عقوبات قاسية بحق كوريا الشمالية غير أن التهديد الأميركي أبعد من ملابسات الأزمة الكورية.  غير أن الصين وحلفائها ماضون في إنشاء المنظومة المالية الموازية للدولار لردع الهيمنة الأميركية على العالم من الناحية الاقتصادية. فما يحصل في الميدان السوري والعراقي يُترجم على الصعيد الدولي بالمزيد من الاستقلالية عن الهيمنة الأميركية.

الدلالة الثالثة، وهي ربما الأهم في اللقاء الأخير، هو الانفتاح على العالم. فدعوة مصر وغينيا وتايلاند والمكسيك وطاجكستان ترمز إلى إقناع العالم أن الغرب ليس المرجع الوحيد للقرار السياسي والاقتصادي العالمي.  دعوة مصر لها دلالات عديدة. فعبر مصر تدخل البريكس الوطن العربي كما تركّز وجودها في القارة الإفريقية مع وجودها في الجنوب عبر جمهورية جنوب إفريقيا إحدى الدول المؤسسة لمجموعة البريكس، ووجود غينيا الغنية بالموارد الطبيعية من معادن (بوكسيت، ذهب، الماس) والتي رفضت منذ استقلالها الهيمنة الفرنسية على مقدّراتها.  فهي منذ حكم الرئيس المؤسس للجمهورية الغينية أحمد سيكو توري خارج منطقة الفرنك الإفريقي ٍسي أف آه والنفوذ الفرنسي المباشر. فثلاث دول إفريقية وازنة مشاركة أو مدعوة كمراقب في مجموعة البريكس لها معاني كثيرة أهمها أن الدول المستعمرة القديمة تراجعت سيطرتها وهيمنتها بشكل ملحوظ على القارة الإفريقية.  أما دعوة المكسيك فهي مع البرازيل الدولة في أميركا اللاتينية صاحبة الشأن الاقتصادي الأبرز وعلى أبواب الولايات المتحدة.  فيما بعد نعتقد أن فنزويلا وكوبا ستصبحان ضمن مجموعة البريكس اللاتينية.

أما على الصعيد الأميركي فحالة الإرباك هي المسيطرة على كافة مفاصل الإدارة والحكم.  فالتحوّلات الميدانية في سورية والعراق لا تساعد على حسم الإرباك.  فمن جهة هناك نزعة الرئيس إلى عدم التورّط في حروب جديدة ومن جهة أخرى هناك نزعة القيادات العسكرية التي لا تعرف كيف تنهي الحروب لتقلّل من خسائرها.  فبعد الحرب العالمية الثانية لم تربح الولايات المتحدة حربا في العالم رغم انخراطها في حروب مستمرة والان هي منخرطة بشكل أو بآخر في حروب في سبع دول دون نتيجة إيجابية لها تذكر. فالميل الطبيعي عند القيادات العسكرية هي المزيد من التدخل لأنها لا تستطيع أن تقرّ بهزيمة ميدانية.  هذا هو الحال في أفغانستان والعراق وسورية واليمن والصومال وباكستان وكاميرون.

هنا لا بد من ملاحظة تطوّر جديد في موقف المؤسسة العسكرية وهو عدم الرضوخ لمشيئة الكيان الصهيوني.  هناك دلائل عديدة عن ذلك التحوّل الذي بدأ منذ بضعة سنوات في جلسات استماع للقيادات العسكرية في الكونغرس الأميركي مفادها أن سياسات حكومة الكيان تهدّد الأمن العسكري للقوّات الأميركية في المشرق العربي.

أما الحضور العسكري الأميركي في الساحتين العراقية والسورية فهو محدود ولا يستطيع تغيير المعادلات الاستراتيجية التي ترسم في الميدان.  كل ما يمكن أن تفعله هو محاولة في إمساك ورقة في التفاوض.  فروسيا التي تقود الحملة السياسية للحل السياسي للصراع في سورية تحرص على حفظ ماء الوجه الأميركي دون أن يسبّب ذلك أي ضرر لمصالحها في سورية والعراق وعامة المشرق، ولكن كل ذلك يُبقى اليد العليا لروسيا وحلفائها الإقليميين والدولة السورية.

وأخيرا على الصعيد الأوروبي فبات واضحا أن الدول الوازنة في الاتحاد تجنح إلى الإقرار بالهزيمة الميدانية والسياسية في سورية وتحاول التخفيف من الخسائر وحفظ دور ما في المعادلة السياسية الجديدة وربما المساهمة في إعادة إعمار سورية.  فالاتحاد الأوروبي يتعرّض لهزّات عديدة وقوية نتيجة سياسات خاطئة أدّت إلى تدفّق اللاجئين من سورية والعراق ما مسّ بالأمن القومي الداخلي لدول الاتحاد.

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (II)

أما على الصعيد الإقليمي فالدور المتنامي للجمهورية الإسلامية في إيران يشكّل تغييرا نوعيا في المعادلة القديمة التي كانت تضم كل من إيران الشاه وتركيا والكيان الصهيوني.  فحتى تركيا بدأت تبلور خيارات تدلّ على توجهّ نحو الشرق بدلا من الغرب.  قصر نظر الاتحاد الأوروبي في رفض انضمام تركيا إليه فرض ذلك التحوّل.  والجمهورية الإسلامية في إيران كانت حريصة، مع حليفها الاتحاد الروسي، على احتواء تركيا وقد نجحا بالفعل. فخيارات تركيا تحت حكم اردوغان أصبحت محدودة ولا مفر من الانخراط في المحور الآسيوي الجديد.  من هنا نفهم صفقة الصواريخ الدفاعية الروسية S400 مع تركيا.  الجدير بالذكر هنا أن الكيان الصهيوني حاول الحصول عليها وفشل كما فشل في منع بيعها إلى تركيا.  فهل هذا تمهيد لخروج تركيا من الحلف الأطلسي؟

أما على صعيد الكيان الصهيوني فهو يسجّل التراجعات المتتالية.  فصورة دولة التفرقة العنصرية التي يريدها الكيان أخسرته الكثير من التأييد الذي كان يحظى به في العديد من الدول الأوروبية وحتى في الولايات المتحدة.  من جهة أخرى رضخ الكيان للمنتفضين في الأقصى وفي المعتقلات عبر إضراب الأمعاء الخاوية التي نقلتها مواقع التواصل الاجتماعي العالمي بعد إخفاق الاعلام المهيمن الرسمي والمولي للكيان في نقل الصورة.  المواقع الإلكترونية عديدة في العالم تندّد كل يوم بالأعمال الإجرامية التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني ما يساهم في تراجع التعاطف إن لم يلغه كليّا.  ومن تجلّيات ذلك التراجع التصويت في إحدى هيئات الأمم المتحدة (اليونسكو) على أن لا حق لإسرائيل في مدينة القدس وخاصة الشق العربي من المدينة، وأن مدينة الخليل والحرم الابراهيمي جزء من التراث العالمي ولا يحق للكيان تغيير معالمهما.  كما أن تعاظم حملة مقاطعة البضائع والاستثمار وفرض العقوبات بي دي أس في أوروبا والولايات المتحدة حتى ضمن الجاليات اليهودية دليل على تراجع مكانة الكيان الصهيوني وعدم فعّالية الدعاية الصهيونية.

من معالم التراجع الصهيوني تراجع الكيان في التأثير على مراكز القرار والنفوذ في العاصمة الأميركية.  في مقال لموقع “فيترانز توداي” جاء فيه أن التصعيد الكلامي لقيادات الكيان ضد الجمهورية الإسلامية في إيران يعكس الهلع الذي يسود قيادة الكيان بعد تعثّر جهود نتنياهو في إقناع الإدارة الأميركية في ضرورة التدخّل العسكري في سورية.  وموقع “فيترانز تودي” يعود لقدامى المؤسسات الاستخبارية الأميركية ويضّم أهم العقول والمحلّلين العسكريين والسياسيين.  وهم على تناقض مع سياسات رموز الدولة العميقة التي يعرفونها جيّدا كونا كانوا جزءا منها في السابق وما زالوا على تواصل وثيق مع من يعمل داخلها حتى الآن.  لذلك قراءتهم قراءات مدروسة ومبنية على معطيات ليست دائما في التداول وتتجاهلها عمدا وسائل الاعلام المهيمن عندما تتوفر.  على سبيل المثال نذكر المقالات العديدة التي تفنّد مزاعم الإدارة والاعلام المهيمن في استعمال الجيش العربي السوري للسلاح الكيمياوي في مختلف محطّات الصراع في سورية.

وعلى ما يبدو فإن الرموز المؤيّدة للكيان داخل البيت الأبيض وداخل الإدارة وأروقة الكونغرس لا تستطيع إقناع من يمسك بمفاصل الدولة العميقة لتجيير قراراتها لمصلحة الكيان إلاّ بالحد الأدنى. فحتى الساعة لم يتم نقل السفارة الأميركية إلى القدس كما لم يقبل الرئيس الأميركي بمهاجمة سورية وإيران. أقصى ما يمكن أن يقدّمه هو المزيد من العقوبات على إيران دون المساس بالاتفاقية.

الخلاف في الأولويات واضح.  إدارة ترامب تركّز على محاربة داعش بينما حكومة الكيان تعتبر أن “الخطر الإيراني” هو أكبر.  جاء ذلك في مقالة لإيتمار رابينوفيتش على موقع “بروكنز″.  رابينوفيتش كان في السابق سفيرا للكيان في واشنطن واليوم هو أستاذ جامعي.  يشاطره في هذا الرأي قائد السلاح الجوي للكيان الصهيوني الذي يعتبر أنه يمكن التعايش مع داعش في سورية ولكن من المستحيل التعايش مع الجمهورية الإسلامية وحليفها حزب الله.  إذا التباين واضح بين الولايات المتحدة والزعيق الصهيوني خير دليل أن وجهة النظر الصهيونية لا تجد آذانا صاغية لها في الإدارة.

كما أن الادعاء الصهيوني بأنه اخترق القارة الإفريقية وحوّل الموقف التاريخي لمعظم دول القارة من مناصرة للحق العربي إلى الحياد في الحد الأدنى وإلى التأييد للموقف الصهيوني في الحد الأقصى أصيب بنكسة كبيرة بعد صدور قرار تأجيل القمة الإفريقية الصهيونية في توغو.  ويأتي هذا التراجع بسبب الضغط الشعبي والرسمي لعدد من الدول العربية ما يشير إلى هشاشة الادعاءات عن الغياب العربي أمام الكيان الصهيوني.

وأخيرا وليس آخرا هناك فقدان الكيان الصهيوني القدرة على التأثير على قرارات الجامعة العربية.  فاللجنة التي تُشكّلها الجامعة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية لمنع الكيان من حصول على مقعد دائم في مجلس الأمن يشكل تطوّرا هاما وينقض ادعاءات الكيان بأن الدول العربية أصبحت تريد التطبيع.

ما يبقى للكيان الصهيوني من أوراق هو القليل.  يحاول الكيان الصهيوني استخدام الورقة الكردية.  فما جاء في مقال نشرته صحيفة يديعوت اهارونوت للأستاذ الجامعي يارون فريدمان هو تلازم المسار الكردي مع الكيان الصهيوني. فالتحريض الصهيوني على المضي بالانفصال هو لإرباك كل من الجمهورية الإسلامية في إيران والعراق وتركيا وسورية كما هو أيضا لإحراج الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي.  فالفوضى التي يمكن أن ينتج عن عملية الانفصال قد تخدم بشكل مباشر المصالح الصهيونية.  قد تكون الورقة الأخيرة التي يمكن أن يلعبها الكيان قبل التسليم بالهزيمة أو اللجوء إلى الحرب.  نشير هنا إلى سلسلة مقالات الدكتورة نيفين مسعد في صحيفة الأهرام حول المسألة الكردية وفرص نجاح/فشل المغامرة الكردية.  أما بالنسبة للخيار العسكري فقائد السلاح الجوي الصهيوني أعرب عن ثقته بأن جيش الكيان يستطيع هزم حزب الله بمفرده ولكن لا يستطيع هزم إلاّ مع تدخل الولايات المتحدة.  لكن هل هذا ممكن ضمن المعادلات الجديدة؟ نشكّ في ذلك لأن الولايات المتحدة عاجزة عن الدخول في حروب جديدة لاعتبارات عديدة تعود لجهوزية القوّات المسلحة والمزاج العام الأميركي الرافض لأي حرب جديدة.

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (III)

عرضنا في المقال السابق بعض التحوّلات الدولية والإقليمية الناتجة عن التحوّلات الميدانية في كل من سورية والعراق.  وكما ذكرنا سابقا فإن المشهد الدولي لا ينفصل عن المشهد الإقليمي والعربي.  وكذلك الأمر بالنسبة للمشهد العربي.  ففي السياق العربي نبدي الملاحظات التالية.

 أولا-كانت الإنجازات الميدانية في كل من العراق وسورية إضافات عزّزت الدور الإيراني وعلى حساب دور حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وفي مقدمتهم دولة الكيان الصهيوني وفي الجزيرة العربية حكومة الرياض ومجلس التعاون الخليجي.  ففي هذا السياق، نعتبر أن فعّالية مجلس التعاون ككتلة سياسية مهيمنة على المشهد السياسي العربي خلال العقد الماضي تراجعت بشكل ملحوظ بعد انفجار الأزمة بين حكومة الرياض وحكومة الدوحة.

ثانيا-إن قراءتنا لتلك التطوّرات تفيد بأن مصر لعبت دورا مفصليا في تحييد دور مجلس التعاون التي كانت تقوده حكومة الرياض.  لذلك أصبحت حكومة الرياض مكشوفة وأضعف بعد الإخفاق المدوي في كل من اليمن والعراق وسورية وحتى في لبنان مع “تحرّر” نسبي لرموز لبنانية موالية لها من توجهّات كادت تبعدها نهائيا عن السلطة.  ونضيف إلى كل ذلك تراجع سعر برميل النفط الذي أثّر بشكل مباشر وكبير على قدرة حكومة الرياض في الاستمرار في سياسة الانفاق الداخلي والخارجي العبثي في آن واحد.  كما أن الابتزاز الأميركي لحكومة الرياض أفضى إلى شفط ما يقارب 450 مليار دولار من احتياطها المالي.  وبغض النظر إذا ما تمّ دفع تلك المبالغ أو لا فإن الانطباع في مجمل الأوساط المراقبة هي تراجع القدرة المالية لحكومة الرياض في التأثير على القرار العربي بشكل عام وبالتالي على الصعيد الإقليمي والدولي.

دور مصر في إفشال قمة ترامب ونتائجها السياسية المرتقبة لتشكيل حلف أطلسي عربي سني في مواجهة إيران وتلقائيا محور المقاومة كان عبر الخطاب الذي ألقاه الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي في قمة الرياض التي جمعت قادة من الدول العربية والإسلامية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.  فمصر تستعيد تدريجيا وعلى خطى ثابته استقلالية قرارها السياسي.  فمن جهة حافظت على التواصل والتفاهم مع حكومة الرياض حتى في المغامرة غير المحسوبة في العدوان على اليمن وعلى محاربة جماعات التعصّب والتوحّش والغلو التي دعمتها حكومة الرياض بشكل مباشر وغير مباشر.  وبالتالي استطاعت أن تحيّد في الحد الأدنى حكومة الرياض تجاه توجّهات مصر وفي الحد الأقصى الاستفادة من المساعدات المالية.  غير أن إصرار الرئيس المصري في خطابه في القمة على إدانة كل من يموّل الإرهاب فجّر العلاقة مع حكومة الدوحة، وبالتالي وحدة الموقف في مجلس التعاون.    ومن المفارقات التي نتجت عن تلك القمة هي الانفصام في المواقف.  فمن جهة كانت بعض قرارات تلك القمة إدانة لجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وحزب الله، ومن جهة أخرى فتحت مصر صفحة جديدة من العلاقات مع حركة حماس.  فترميم العلاقة بين مصر وحماس يقلق الكيان الصهيوني وينسف نتائج قمة الرياض في حلف سني يخدم أهداف الكيان.

من جهة أخرى وبعد خمسين سنة على خروج مصر من اليمن تحت ضغط حكومة الرياض وما رافقها من شبهات بدور الأخيرة في العدوان الصهيوني على الجمهورية العربية المتحدة أصبحت مصر من يستطيع إخراج بلاد الحرمين من التعثّر في اليمن عبر احتواءها وليس عبر احتواء حكومة الرياض لمصر. قد ينقلب المشهد كلّيا وذلك بسبب حكمة ودقّة السياسة المصرية في الملفّات المعقّدة.

ثالثا-أما على صعيد علاقة مصر بالكيان الصهيوني فرغم كل التصريحات الرسمية بين الدولتين فهناك أنباء مصدرها وسائل الاعلام في الكيان الصهيوني تفيد أن صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والتي تشمل تسليم 17 طائرة من طراز أف 35، هي لمواجهة “العدو” المصري!  كما أن المشروع الصهيوني لربط المتوسط بإيلات عبر قناة يمر بالأردن هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري لأنه تعدّي مباشر على قناة السويس.

رابعا-إن قرار جامعة الدول العربية بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية في إنشاء لجنة مهمتها العمل على منع حصول الكيان الصهيوني على مقعد دائم في مجلس الأمن لم يكن ليحصل لولا مباركة مصر.

خامسا-إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العقيدة القتالية للجيش في جمهورية مصر العربية هي أن العدو هو الكيان الصهيوني، وبما أن الكيان لم يعد يخف نظرته العدائية لمصر ففي رأينا فإن الخط البياني للعلاقة بين مصر والكيان سيصل إلى تفريغ اتفاقية كامب دافيد من مضمونها في فترة قد لا تكون بعيدة.  عندئذ يكتمل دور مصر في التوازن الإقليمي والدولي وعلى الصعيد العربي.  وما قد يسرّع في ذلك التحوّل العداء الأميركي لمصر المتمثّل بقرارات الكونغرس الأميركي بتخفيض ملموس للمساعدات الأميركية وربطها بقرارات تمسّ السيادة المصرية.  هذا ما لا تقبله مصر وقد يحرّرها من الجنوح إلى الولايات المتحدة.  لم تصل الأمور حتى الآن إلى القطيعة مع الولايات المتحدة عير أن الحكومة المصرية بادرت منذ فترة بتبنّي سياسة التوازن وتنويع مصادر تسليحها ونسج علاقات مع البريكس التي تُوّجت بدعوتها لحضور القمة الأخيرة لها.

من التحوّلات الميدانية إلى التحوّلات السياسية (IV)

التحوّلات الميدانية في كل من العراق وسورية ستشكّل قاعدة للتحوّلات السياسية في المشرق العربي بشكل مباشر.  فالتلاقي الميداني بين قوات الجيش العربي السوري وحلفائه وفي طليعتهم المقاومة مع قوات الجيش العراقي وحلفائه على الحدود له دلالات عديدة.

أولا-أن التلاقي هو الرد القومي على تجاوز مفهوم الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية والذي حاول تسويقه مشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام على حد زعمه.  فالتلاقي على الحدود يكرّس وحدة الدم العربي في مواجهة المشاريع التقسيمية والتفتيتية التي يحاول الحلف الصهيوأميركي فرضه على بلاد الشام وبلاد الرافدين. وهذا التلاقي يحاكي ويشفي غليل المواطن العربي الذي ينادي إلى وحدة الصف والموقف والتكامل تمهيدا عند تسمح الظروف الموضوعية والذاتية لتحقيق الوحدة، حلم أبناء الأمة.

ثانيا-إن تصريح القائد الميداني لقوّات حزب الله على الحدود السورية العراقية وتأكيده على عروبة العراق هو الرد الميداني على ما حاول المحتل الأميركي تحقيقه في نزع عروبة العراق عن دستوره.  كما هو تأكيد على إفشال تقسيم العراق إلى كيانات مذهبية متناحرة.  فالعروبة تجمع أبناء الأمة بينما الطروحات الأخرى تفرّق بينهم.

ثالثا-إن تأكيد أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أن الرئيس السوري بشّار الأسد هو القائد لمحور المقاومة يؤكّد أولا على قومية المعركة في وجه جماعات التعصّب والغلو والتوحّش، وثانيا، أنها تنفي الادعاءات المشكّكة في الدور العربي لمحور المقاومة.  فالتحالف مع الجمهورية الإسلامية في إيران هو تحالف ندّي وليس تحالفا تابعا لأي جهة إقليمية أو دولية.

رابعا-إن قرار الرئيس السوري بالتوجّه نحو “الشرق” على صعيد السياسي والاقتصادي يشكّل نقلة نوعية مفصلية قد تُخرج نهائيا الغرب من التأثير في الأقطار العربية في منطقة شرق الأوسط.  إن التلاقي الميداني السوري العراقي يواكب التلاقي السوري مع العمق الآسيوي أولا مع إيران وثانيا مع دول البريكس.  هذا التلاقي يربط بحر الصين ببحر المتوسط بشك غير منقطع رغم محاولات الولايات المتحدة في قطعه بتواجده المتعثّر في أفغانستان.

هذا الصمود ثم النصر التاريخي والأسطوري بدأت انعكاساته على المحور المناهض لمحور المقاومة.  فالسجال المؤسف الذي شهدنا في اجتماع على مستوى المندوبين في الجامعة العربية يعيدنا إلى ما شهدناه منذ ست سنوات عندما تمّت مخالفة ميثاق الجامعة بتعليق عضوية دولة مؤسسة لها أي الجمهورية العربية السورية.  إن السياسات العبثية التي اتبعتها بعض الدول الخليجية بدءا من تغطية احتلال العراق إلى تغطية العدوان الأطلسي على ليبيا إلى العدوان الوحشي على اليمن والعدوان الكوني على سورية أتت أكلها.  فمن استثمر في احتلال العراق وفي الفتنة المذهبية يحصد ما زرعه من مأسي وخيبات أمل وتراجع في المصداقية والنفوذ.  وهذا التراجع قد ينعكس سلبا في داخل هذه الدول التي استسهلت المراهنة على الخارج.  هذا المشهد لا يُفرحنا بل يؤلمنا.  والجامعة العربية مدعوة اليوم قبل غدا أن تقوم بمراجعة جذرية وجريئة لسياساتها منذ تغطيتها لاحتلال العراق حتى الساعة.  ولا تكتمل هذه المراجعة في المؤسسة وفي الدول المؤثرة فيها إلاّ بعد الرجوع إلى مقاومة الغرب والكيان الصهيوني.  كما أن المراجعة داخل الجامعة العربية يجب أن يترافق بمشاركة الشعوب فجامعة الدولة العربية مقتصرة على الحكومات وتقصي الشعوب وهذا لم يعد ممكنا.

إن التحوّلات في العراق وسورية ستكون حبلى بتطورات على الصعيد السياسي والاقتصادي في المشرق العربي.  فعلى الصعيد السياسي فإن التلاقي الميداني بين القواّت العراقية وحلفائها مع الجيش العربي السوري والمقاومة وحلفائه يعني أن أي مغامرة قد يقدم عليها الكيان الصهيوني أو حتى الولايات المتحدة والحلف الأطلسي سيواجه بطاقات بشرية ومادية من كل قطر عربي.  هذا هو فحوى رسالة أمين عام حزب الله في أحد خطاباته الأخيرة محذّرا العدو وحلفائه من أي حماقة.  فالجبهة الشرقية التي حاولت الدول العربية في الستينات إيجادها أصبحت قائمة وهذا ما يقلق الكيان الصهيوني.

من التداعيات السياسية أنهاء حالة النفور بين الدولة اللبنانية والجمهورية العربية السورية علما أن شرائح وازنة في تكوين الكيان اللبناني لم تقطع علاقاتها مع سورية رغم سياسة “النأي بالنفس″ العبثية.  موازين القوة تغيّرت والمصلحة اللبنانية تقضي بالتفاهم مع الدولة السورية.  وقد بدأت ملامح التغيير في المشهد السياسي اللبناني حيث رموز التشدّد تجاه سورية بدأت بمراجعة مواقفه للحفاظ على مصالحها.  كذلك الأمر بالنسبة لحكومة الأردن التي تسعى إلى فتح صفحة جديدة مع سورية.

ولا بد لنا من الإشارة أن النصر الذي يتحقّق أمامنا سيكون له انعكاسات كبيرة على الصراع مع الكيان الصهيوني.  فنهج المقاومة ينتصر في لبنان وسورية والعراق، وبطبيعة الحال في فلسطين.  نتوقّع نقلات نوعية في نهج المقاومة في فلسطين بعد ترتيب البيت الداخلي وعودة بعض الفصائل إلى نهج المقاومة وليس التفاوض.  فما زالت اللاءات الشهيرة في قمة الخرطوم منذ خمسين سنة صالحة اليوم.

وإذا ربطنا هذه التحوّلات مع التصدّع في مجلس التعاون والعودة التدريجية لدور مصر فإن ملامح نظام عربي جديد بات على الأبواب.  غير أن التغيير المرتقب يحتاج إلى عمل دؤوب لتكريس استقلالية ذلك النظام وتحصينه من اختراقات التطبيع والتبعية.  فما كان مستحيلا منذ فترة وجيزة أصبح ممكنا بل واجبا.  فهذه هي مسؤولية النخب العربية المسكونة بوحدة هذه الأمة ونهضتها.

أما على الصعيد الاقتصادي فورشة عملية إعادة إعمار خاصة بلاد الشام والتشبيك المرتقب مع بلاد الرافدين بالنسبة للبنى التحتية ستجعل المنطقة تشهد فورة اقتصادية لم تشهدها سابقا.  غير أن المشكّكين يثيرون مسألة التمويل الممسوك من المؤسسات المالية الغربية ما يعيد دخولها إلى المنطقة.  نعتقد أن البدائل للمؤسسات المالية الغربية موجودة وأن الإمكانيات متوفرة سواء من الصين أو الهند أو روسيا أو دول آسيوية أخرى تدور في فلك البريكس خاصة وأن كل من العراق وسورية تعومان على بحر من النفط والغاز.

في النهاية فإن النصر في سورية والعراق أمام الهجمة الكونية عليهما تحت عناوين جماعات التعصّب والغلو والتوحّش غيّر في المعادلة العربية والإقليمية والدولية.  يبقى استثمار هذا النصر لمصلحة شعوب المنطقة. ونختتم باقتباس ما جاء به الدكتور علي فخرو في مقال مثير قائلا: ” والآن، وبعد أن واجه القطران نفس المؤامرات، من نفس المصادر، بنفس أسلحة الغدر والخيانات من البعيد ومن الإخوة الأعداء القريبين، وبعد أن نجح كل ذلك في نشر الدمار والاقتلاع واضطرار الملايين للخروج إلى منافي الضياع وفي معاناة ستة ملايين من أطفال سوريا وخمسة ملايين من أطفال العراق من المرض والجوع والحرمان من الدراسة والتشرد في الشوارع، وبعد أن ضعفت الدولتان إلى حدود العجز أمام حركات الانفصال والتقسيم وإشعال الصراعات الطائفية والقبلية….. الآن وكلاهما يحصدان ما زرعه ضياع فرصة التوحيد التاريخية التي أشرنا إليها، فان السؤال (…) لا بد أن يطرح نفسه ويستدعي الجواب الواضح الصريح. السؤال: هل تعلم القطران الدرس، وهل سيستفيدان من عبر أوجاع وأهوال الجراح المتماثلة والمشتركة؟

بمعنى آخر هل سيحدثان زلزالاً استراتيجياً في الأرض العربية من خلال توجههما بخطي ثابتة، حتى ولو كانت تدريجية، نحو تبني وتنفيذ خطوات وحدوية في الاقتصاد والأمن الداخلي والخارجي والسياسة والعمالة والنظام المجتمعي المدني والتربية والتعليم وحقوق المواطنة، على سبيل المثال؟

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
10 ماذا يريد اكراد العراق ؟  احمد المرشد  صحيفة الشبيبة العمانية

لطالما اعتبرت الدولة الكردية المستقلة هدفًا لمعظم الأكراد المنتشرين في 4 بلدان وهي تركيا وإيران والعراق وسوريا، ما يجعلها أكبر قومية دون دولة في العالم، إلا أن مستقبل أكراد العراق في ضوء الاستفتاء الجديد في 25 سبتمبر المقبل، يكتب فصلًا جديدًا في مستقبل الشرق الأوسط.

فهناك نحو 5 ملايين كردي عراقي يعيشون حاليًا في منطقة الحكم الذاتي الكردية شمالي العراق، والتي تتألف من 4 محافظات هي: دهوك وأربيل والسليمانية وحلبجة.

ويرافق حلم إقامة «كردستان مستقلة» هدف آخر يتمثل في الحصول على الأراضي المتنازع عليها والممتدة من مدينة سنجار إلى غرب الموصل، وصعودًا نحو مدينة خناقين على الحدود الإيرانية، بالإضافة إلى محافظة كركوك الجنوبية الغنية بالنفط.

إلا أن مساعي إقامة دولة كردية تواجهه العديد من العقبات، التي ينبغي تجاوزها على غرار تهديدها المباشر للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط الذي ما يزال هشًّا.

فرغم التوقعات شبه المؤكدة بأن عملية الاستفتاء محسومة مسبقًا، وذلك بحسب تطلعات حلم الشارع الكردي، والتي تأتي بعاطفية أكثر للاستقلال، باعتبار أنهم يناضلون لهذا الهدف منذ أمد بعيد، إلا أن مستقبل الإقليم يعدّ غامضًا في ضوء التقلبات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة.

وحال نجاح الاستفتاء، نجد أن الدولة الكردية المستقلة في العراق لن تكون مطلة على البحر، وبالتالي ستعتمد على تركيا أو إيران نظرًا لانفصالها عن العراق، في الوقت الذي يعتبر فيه الكثيرون أن سوريا بلد مقسّم بالفعل.

فمن غير المرجح أن تدعم إيران خطط رئيس الإقليم، مسعود برزاني، لإعلان دولة كردية متاخمة لحدود مقاطعة كردستان التابعة لها (المعروفة باسم كردستان الشرقية).

وتبدي الولايات المتحدة ترددها إزاء الاستفتاء، كما تأتي هذه الجهود في فترة زمنية أقل ما يقال عنها إنها سيئة، في ظل حرب مفتوحة في العراق وسوريا ضد تنظيم داعش.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لعداء مسعود برزاني تجاه حزب العمال الكردستاني، خصم تركيا الكردي في تركيا وسوريا، أن يشكّل عنصرًا آخر لضمان قبول تركيا بمسألة إقامة دولة كردية مستقلة، برغم إعلان عدد من المسؤولين الأتراك رفضهم للاستفتاء.

أما الاتحاد الأوروبي فتحفّظ على إجراء الاستفتاء في إقليم كردستان، واعتبر أن مصلحة الشعب العراقي تقتضي بقاء العراق موحدًا.

إلا أن خبراء يرون أن الإقليم يواجه آفاقًا قاتمة نتيجة الانتكاسات الاقتصادية والأمنية التي يتعرّض لها، إذ ما يزال تنظيم داعش يهدد المنطقة الكردية، بالإضافة إلى تقلبات أسعار النفط، الذي يعدّ المورد الرئيسي لميزانية الإقليم في ظل توتر العلاقات مع حكومة بغداد، ما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية، التي ألقت بظلالها على المؤسسات في أربيل.

وفي ظل ذلك، حاول الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، خلال زيارته الأخيرة لأربيل، إقناع رئيس إقليم كردستان، مسعود برزاني، بتأجيل الاستفتاء لفترة وإجراء مفاوضات بين أربيل وبغداد برعاية من المجتمع الدولي، إلا أن برزاني رفض ذلك.

فمساعي الأمين العام للجامعة العربية تأتي في إطار وحدة الأرض العربية، في ظل مآسٍ وتقلبات سياسية تشهدها منطقة الشرق الأوسط مرورًا بالأزمة السورية والحرب على داعش، إضافة إلى زعزعة إيران لاستقرار المنطقة.

ويرى مراقبون أن إمكانيات ومقومات الدولة ليست متكاملة لإعلان دولة الكرد المستقلة، فالخلافات ما تزال جوهرية بين الفصائل الكردية، بدليل إصابة البرلمان الكردي بالشلل، كذلك تردي الوضع الاقتصادي، الذي يعتمد على مساعدات الحكومة المركزية، وعدم صرف رواتب الموظفين منذ فترة طويلة.

وأضافوا أن هدف الأحزاب الحاكمة في إقليم كردستان العراق من طرح الاستفتاء هو امتصاص غضب الشارع المحلي وطمأنته بأنه ما يزال يناضل من أجله، ومن أجل الحصول على استقلاله، وأن ما يجري من ضغوط على المواطن، هو نتيجة للمطالبة باستقلاله، وهو بذلك ينأى، بنفسه على الأقل، عن أسباب التدهور الاقتصادي في الإقليم ومشاكله الأخرى ليحمّل الحكومة المركزية في بغداد أسبابها، وبالتالي فهذه الأحزاب تحاول تقوية مواقعها وتثبت أقدامها وتزيد من تعلق الشارع بها، الذي سيعتبرها الأكفأ في قيادة الأكراد لتحقيق أحلامهم.

وفي ظل ما سبق، سيضيف الاستفتاء بشأن قيام دولة كردية مستقلة، الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى الانفصال عن العراق بحكم الواقع، إنْ لم يكن بحكم القانون، عنصرًا متقلبًا جديدًا إلى الساحة السياسية في الشرق الأوسط.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
11 أزمة الاستفتاء: باب الفرص لم يغلق بعد

 

 عريب الرنتاوي  صحيفة الدستور الاردنية
 

 

تقترب أزمة استفتاء إقليم كردستان من بلوغ ذروتها، لم يتبق سوى أسبوع على موعد إجرائه، فيما الوساطات الإقليمية والدولية ما زالت تصطدم بالفجوة الواسعة التي تباعد ما بين بغداد وأربيل، ولغة “الحوار” بين الجانبين تتحول إلى تقاذف بالاتهامات والتهديدات، والأيدي تتوزع على “أزندة البنادق” والقلوب على حد سواء.

من بين أهم الوساطات الناشطة على خط بغداد – أربيل، تلك التي أطلقتها واشنطن في ربع الساعة الأخير … وتقول “التسريبات” أنها تنطوي على عناوين عدة، من بين أهمها: تعميق المسار الفيدرالي في المرحلة القادمة، تزامناً مع إطلاق حوار جدي بين بغداد وأربيل مجدول زمنياً، فضلاً عن طرح قضية الكونفدرالية، ربما لأول مرة على جدول أعمال المتفاوضين.

برلمان كردستان اجتمع على نحو طارئ، لأول مرة منذ عامين تقريباً، وقرر إجراء الاستفتاء في موعده، لكنه أبقى القرار النهائي بيد القيادة السياسية في الإقليم، تحسباً لأية طارئ، وتجاوباً مع أي عرض قد تقدمه واشنطن وتقبل به بغداد ويلبي الحد الأدنى لمطالب الكرد العراقيين.

الشيء ذاته تجلى ما بين سطور مسعود البرزاني، رئيس الإقليم، في رسالة تُليت بالنيابة عنه، في ملتقى “الديمقراطية وتقرير المصير” الذي نشارك فيه عرباً وكرداً، إذ في الوقت الذي شددت فيه الرسالة على إجراء الاستفتاء في موعده، إلا إنها لم تغلق باب الحوار والتسويات والحلول الوسط، وهذا أمرٌ مفهوم، فالإقليم، ورئيسه بشكل شخصي، لن يتراجع عن فكرة الاستفتاء في الموعد المحدد في الخامس والعشرين من أيلول/ سبتمبر الجاري، إلا نظير “مكتسبات” يستطيع بها تسويق تراجعه وتسويقه.

حتى الآن، وبصرف النظر عن مآلات وساطات ربع الساعة الأخير، فإن بمقدور البرزاني أن يشعر بالارتياح لما تحقق من إنجازات على المستويين العام والخاص:

على المستوى العام، وضع الاستفتاء قضية استقلال الإقليم على جدول أعمال الدولي، وبات أهم عنوان على الأجندة العراق في مرحلة ما بعد داعش … هذا تطور مهم، وسيصبح من الصعب على أية أطراف أخرى، أن تجادل وتضغط لمنع الاستقلال الكردي عند المحاولة التالية … هذا أمرٌ يمكن القول إنه بات محسوماً، خصوصاً مع وضع قضية “الكونفدرالية” على جدول الأعمال، متجاوزة “الفيدرالية” كسقف لمطالب الكرد.

وعلى المستوى العام أيضاً، نجح البرزاني في شد العصب القومي لأكراد العراق، بعد أن اشتدت بهم الضائقة الاقتصادي والتهديد الأمني والانقسام السياسي … لا صوت في الإقليم يعلو على صوت الاستفتاء، وصاحب حقوق الملكية الفكرية في هذا المشروع، هو البرزاني شخصياً.

أما على المستوى الشخصي، فقد نجح الرجل في تفعيل البرلمان الكردي المعطل، وجذب القوى الأخرى إلى جلسات البرلمان، مرجئاً حتى إشعار حكاية الانتخابات وتجديد الشرعيات، وهو المنتهية ولايته منذ عامين، ويسعى في التمديد والتجديد والتوريث، شأنه في ذلك شأن كثير من الحكام العرب.

تتوزع فرص نجاح الوساطة الأمريكي وفشلها، مناصفة بين الاحتمالين، كما تقول مصادر كردية مطلعة هنا في السليمانية … كل شيء جاهز ووارد … لكن ما يخشاه الكرد أن يكون مرور الزمن نوعاً من تقطيع الوقت، بدل أن يُستغل في بناء تفاهمات وتوافقات حول القضايا بين المركز والإقليم … فيما تدرك بغداد بكل من فيها، أن الكرد ماضون في مشروعهم الاستقلالي، طال الزمن أم قصر، وبصرف النظر عن طبيعة “الصفقة” التي يمكن ان تعرض عليهم.

قلنا سابقاً أن مسألة استقلال كردستان، ليست سوى مسألة وقت وأن على العرب التكيف مع هذه الحقيقة، وأن الانفصال الطوعي خير من الوحدة القسرية، وأن البحث يتعين أن يجري حول المستقبل وما يمكن أن يستبطنه من فرص، بدل البقاء في أسر الماضي بما فيه من عقد وذكريات مؤلمة … وما ينطبق على العرب ويطلب منهم، ينطبق بالدرجة ذاتها على الكرد، الذين يتعين عليهم الخلاص من خطاب “المظلومية” منذ اللحظة التي سيصوتون فيها بـ “نعم” لاستقلال الإقليم، وألا يتورطوا في إعادة انتاج تجارب “المركز” في بغداد، وألا يسلكوا طريق الشوفينية العربية المركزية، مع غيرهم من مكونات الإقليم.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
12 لمـاذا انفصـال الأكـراد الآن ؟

 

 رشيد حسن  صحيفة الدستور الاردنية
 

 لا نعرف الاسباب الحقيقية على وجه اليقين “حتى الان” التي تدفع مسعود برزاني الى التمسك برأيه، والاصرار على انفصال اقليم كردستان عن العراق، واعلان دولة كردية لهذا الاقليم .

نحن نعلم قبل غيرنا القمع والاضطهاد الذي تعرض له الاكراد في تاريخهم، وهو قمع لم يستثن شعبا واحدا في الوطن العربي من أدناه الى اقصاه، فكافة الشعوب العربية تعرضت ولا تزال تتعرض للقمع والاضطهاد، كما يتعرض الاكراد، لا بل في احيان كثيرة … اكثر مما يتعرض له الاشقاء الاكراد، الا أن هذا القمع والاستبداد ليس مبررا اطلاقا لاي كان للاستقواء بالعدو الصهيوني .

 فمقاومة الاضطهاد والاستعباد لا تعني التطبيع مع المحتلين، وفتح كافة الجسور معه .. بل تقتضي مناصرة المظلومين مثل الشعب الفلسطيني الشقيق، فقضية الحرية قضية واحدة لا تتجزأ، ودعم المظلومين ومساعدة الشعوب المقهورة، لها الاولوية على اجندة الشعوب التي تعاني من الظلم ومصادرة الحقوق.

ونعود من حيث ما بدأنا ….

فكافة دول العالم وخاصة الدول العربية وأميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي، اعلنت رفضها للانفصال، ودعت البرزاني الى تأجيل هذا الاستفتاء، وخاصة واشنطن ومن المرجح ان يستجيب البرزاني لرغبة حليفته،خلال الايام القادمة، وقبل الموعد المقرر للاستفتاء في 25 الجاري.

وبوضع النقاط على الحروف..

فان الدولة الوحيدة التي تؤيد الانفصال، واقامة دولة كردية في شمال العراق، هي دولة العدو الصهيوني، وهذا –في تقديرنا– ليس مستغربا، ولا مفاجئا، فاستراتجية العدو الصهيوني تقوم أصلا على تفتيت، وتمزيق الدول العربية واقامة دول طائفية متنازعة، متقاتلة، لتبقى اسرائيل هي الأقوى في الأقليم.

هذه الحقائق والوقائع تفرض علينا التساؤل ؟؟

لماذا يصر البرزاني على توثيق علاقاته مع العدو الغاصب لفلسطين؟؟

خاصة وهو يرى ان هذه العلاقة محكومة بالفشل وستسبب اضرارا بالغة للاكراد؛ لانها قائمة على الكراهية والانتقام من العرب وقائمة على التنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولحقه في تقرير المصير، واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.

ونضيف..

اليس من العيب على من يدعي انه يسعى لتحقيق الحرية والاستقلال والكرامة والعدالة لشعبه، ان يناصر ويدعم الاحتلال الصهيوني، الذي يشن حرب ابادة على شعب اعزل منذ اكثر من 100 عام، وقام بتهجير اكثر من نصف مواطنيه، وتهويد قدسه واستباحة مقدساته الاسلامية والمسيحية، وحصار مليوني فلسطيني في قطاع غزة ..منذ11 عاما والحكم عليهم بالموت البطيء.

ونضيف ايضا..

لماذا لا يتعظ البرزاني من تجارب من سبقوه الى الكيان الصهيوني ؟؟

او لم يسمع بمصير دولة جنوب السودان وقادته ممن غرر بهم العدو ودعم انفصالهم، وها هم يخوضون منذ ذلك الحين حروبا اهلية قبلية، ادت الى موت مئات الالاف اضافة الى الجوع والامراض التي فتكت بشعب جنوب السودان، وها هم ابناؤه يدعون الى العودة الى الخرطوم ..

باختصار..!!

نحن في المقابل لا نبرىء الانظمة وسياساتها القائمة على العسف والظلم والجور، فهي المسؤولة عما حدث ويحدث لشعوب الامة، ولكن هذا كله لا يبرر الاستقواء باعداء الامة، ما يعني دخول العراق والامة كلها، في حروب جديدة، بعد حروب داعش والتكفيريين الخوارج. 

اترك تعليقاً

Top