انت في
الرئيسية > مقالات > 11 مقالا عن العراق في الصحف العربية يوم الخميس

11 مقالا عن العراق في الصحف العربية يوم الخميس

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
1  منزلقات الانفصال – الاستقلال كردستانياً وكتالونياً  عبدالوهاب بدرخان

 

 

 الحياة السعودية
 

المفارقة أن استفتاءً على الاستقلال في كتالونيا الإسبانية تحول ساحة مواجهة في الشوارع بين رجال الأمن والناخبين، وأن استفتاءً مماثلاً في كردستان العراق أجري من دون عراقيل ولو في أجواء متوتّرة. هناك دافع قومي في الحالين، وخلفيات مرتبطة بالأزمة الاقتصادية بالنسبة إلى الكتالونيين، وأحلام من الماضي عمّقتها معاناة الحاضر بالنسبة إلى الأكراد، لذا تراكمت ملفّات كثيرة لتبرير السعي إلى الانفصال. لم تحلْ الديموقراطية الإسبانية وآلياتها دون المواجهة المريرة، ولم تحلْ السلطوية العراقية ووسائلها وميليشياتها دون أن يكرّس الأكراد طموحهم بالتصويت.

المفارقة الأخرى أن كلا الإقليمَين، في البلدَين المتناقضَين سياسياً، يمارس أعلى درجات الحكم الذاتي وما يندرج في إطار تقرير المصير، لكن كلاً منهما وجد أن ما ينقصه هو اجتياز الأمتار الذهبية المتبقّية ليصبح «مستقلّاً». لكن، ماذا يعني الاستقلال في هذه الأيام، وما العمل به؟ تلك هي المسألة. لاذت الحكومتان بالدستور في رفضهما الاستفتاء، إلى المحاكم الدستورية، إلى البرلمان في العراق، وإلى الذراع الأمنية في إسبانيا، ولم تلقيا من الإقليمَين سوى انعتاق وعدم اعتراف بمؤسسات الدولة، فضلاً عن إيمان راسخ بأن الحكم المحلي بات أعلى وأقوى من الحكم المركزي. ولا واقعية في ذلك، لأن منظّمي الاستفتاءين أرادوهما وسيلتين للتفاوض مع المركز، بغداد هنا ومدريد هناك، على إجراءات الطلاق، معتقدِين أن الحكومة المركزية لن تجد سبيلاً آخر غير الرضوخ مع أن رفضها الاستفتاء أضفى عليه صفة الاعتداء على الدستور. صحيح أن التعايش يغدو صعباً إن لم يكن مستحيلاً حين يطلب أحد «الشريكَين» الانفصال، لكن كل شيء يعتمد على المقدّمات التي تسبق الطلب، فبهذه الطريقة أجري استفتاء أيلول (سبتمبر) 2014 في اسكتلندا واستمرّ التعايش طبيعياً بعده، على رغم أنه لم يلبّ الرغبة في الاستقلال.

في نموذجَي كردستان وكتالونيا ثمة مشكلة مع الجوار. في الحال الإسبانية، فضّل الاتحاد الأوروبي الصمت أو النصح بالتهدئة، لم يكن مرتاحاً إلى موقف حكومة ماريانو راخوي التي كان عليها استباق المشكلة قبل تصاعدها، ولا مرتاحاً إلى حكومة كارليس بوغديمونت، إذ اتخذت قراراتها بمعزل عن الدستور وأقفلت النقاش أو أجّلته إلى ما بعد الاستقواء بصناديق الاقتراع. أربع دول أوروبية على الأقل قد تواجه المشكلة ذاتها مع مناطق وأقاليم لديها تاريخ «انفصالي»، من اسكتلندا البريطانية إلى كورسيكا الفرنسية إلى لومبارديا وفالونيا الإيطاليتين إلى الباسك الإسباني، عدا نزعات مماثلة في بلجيكا وألمانيا والدنمارك، وأي استجابة لإحداها تبدّد أسباب صدّ الأخرى، فالأمر ليس عدوى بل استحقاق مؤجل لكنه دائم الحضور.

أما في الحال الكردية فالعراق ذاته مضطرب، ولا يختلف عن المحيط في عدم انتظامه والتزامه «دولة القانون» حتى في دولة مثل تركيا يُفترض أنها «ديموقراطية»، ثم إن المحيط ذاته ملتهبٌ بل متفجّر ومنشغلٌ بمشكلات داخل دوله وبحرب على الإرهاب. وعلى رغم أن الحوار العلني لم يتوقّف حتى عشية الاستفتاء واستمرّ غير علني بعده، إلا أن إمكانات التوافق ظلّت معدومة. لكن هذا الحوار جاء متأخّراً جداً. فلا أحد يجهل فداحة أخطاء حكومة نوري المالكي مع إقليم كردستان (ومع المكوّنات المختلفة) وعدم نجاح حكومة حيدر العبادي في معالجتها، مع أنها احتاجت إلى مساهمة «البيشمركة» في الحرب على «داعش». أما في المحيط، فإن إيران، خصوصاً تركيا رفعتا الصوت وكثّفتا التهديدات بالتدخّل العسكري (إذا اقتضى الأمر!)، ما يعني أن التدخّل قد يصبح مسوّغاً إذا بادر الإقليم إلى إعلان استقلاله، كترجمة طبيعية لنتيجة الاستفتاء. ويعلم الأتراك والإيرانيون، كذلك العراقيون، أن استخدام القوة ذو وجهَين، فدونه أولاً الوجود الأميركي في المنطقة، كما أنه كفيل بإفشال الغاية المنشودة وبتوفير فرص جديدة لتصعيد التوجّه الانفصالي الكردي بدل كبحه. والواقع أن سبل التخلّص من هذا التوجّه، أو إضعافه، ولو نظرياً، كانت لتتاح في ظل دول عادلة وطبيعية، وهو ما لم تكن عليه الحال في أيٍّ من الدول الأربع التي توزّع عليها الأكراد قسراً.

لم يمر الكتالونيون في تاريخهم المعاصر بالمعاناة القاسية التي نالت من الأكراد، ومع ذلك ها هم ينشدون الانفصال بعصبية فائقة أنستهم عقوداً من الانسجام في دولة لا تضطهدهم. لم يميّزهم فرانكو بمعاملة قمعية خاصة، ولم يمحُ مصطفى كمال أتاتورك المئات من بلداتهم وقراهم ولا شنّ صدّام حسين شيئاً كـ «حملة الأنفال» ضدّهم. لكن مساهمة الإقليم بخُمس الدخل القومي من دون أن تعود عليه بفائدة متناسبة، بل بدأ يسجّل تراجعاً في اقتصاده، دفعت حكومته إلى تبنّي رفض المشاركة في معالجة الصعوبات الاقتصادية في عموم إسبانيا، مثلما مانعت ألمانيا الاقتطاع من ازدهارها لسدّ العجز المالي في اليونان وإيطاليا والبرتغال. الخشية من تفاقم الأزمة شحذت الحسّ القومي المتوارث فكان الاندفاع إلى خيار الانفصال. أما الوضع في العراق وكردستان فمختلف وقد يكون معكوساً في أكثر من جانب، فالدولة المركزية توقّفت منذ أعوام عن دفع كل ما يترتّب للإقليم من الموازانة العامة، والإقليم المفدرل أعطى باستمرار إشارات دائمة إلى أن منطلقه وهدفه يصبّان في الاستقلال. كان هناك خيار «الشراكة» الذي أطّره الدستور، لكن الجانبين تضافرا على إجهاضه، كلٌّ بطريقته، فلا بغداد – المالكي المرتمية في أحضان إيران أدركت أخطار سياساتها عراقياً وإقليمياً، ولا أربيل غلّبت براغماتيتها لتحسب مسبقاً التداعيات العراقية والإقليمية لأي تحرّك نحو الانفصال. فالاستقلال كلمة سحرية جميلة، أما ممارسته والتمتّع به فقصّة أخرى.

من شأن الإقليمَين، كردستان وكتالونيا، أن يعتقدا أن لديهما المقوّمات اللازمة للاستقلال والانفصال، لكن هذا يستحق تفكيراً ثانياً، وعاشراً. ولا تتعلّق المحاذير بأخطار أمنية أو اعتداءات خارجية فحسب، وإن كانت واردة أكثر في المواجهة بين العراق وكردستان، بل بـ «مقوّمات» توافرت هنا وهناك نتيجة الارتباط بالدولة المركزية التي يعترف المجتمع الدولي بسيادتها ويتعامل معها. وحتى لو تعاطف العالم مع طموحات الأكراد والكتالونيين، فإنه يعرف مسبقاً تلك المقوّمات ويحاذر منزلقاتها، أو أنه في أحسن الأحوال سيستهلك وقتاً طويلاً قبل أن يعترف بالوضع الجديد. وعدا مآخذ كثيرة على إدارة «الدولة» في كردستان، وليس الفساد عاهتها الوحيدة، فالأهمّ أن اقتصاد الإقليم على افتراض انفصاله بلا أي معوّقات يعوّل على ارتباطه بالعراق، وهو يراهن في جانب كبير على استثمارات خارجية تهجس أولاً وأخيراً بالاستقرار. قد لا تكون هناك مشكلة استقرار بالنسبة إلى كتالونيا، غير أن الانفصال عن دولة كبيرة لا يضمن أن يحافظ اقتصادها على قوّته وزخمه، وهذه إشكالية واجهتها اسكتلندا حين تبلّغت مسبقاً أن شركات ومصانع ومصارف ستغادرها حال انفصالها.

ثمة مخارج بين المأزقَين، وقد تزايد الحديث عن الكونفيديرالية في مدريد كما في بغداد، باعتبارها حلّاً يمكن سلوكه على رغم تعقيداته، علّه يرضي الطرفَين. هل يلبّي هذا الخيار الطموح القومي؟ ربما إلى حدّ معقول. لكنه يستلزم التفاوض أولاً، وفي العاصمتَين تتردّد عبارة «من دون شروط مسبقة» المساوية حكوميّاً لـ «عدم الاعتراف بالاستفتاء ولا نتائجه»، ويراها الانفصاليون «شرطاً مسبقاً غير مقبول» كونه ينسف أسس قضيتهم. إذا انتصرت إرادة التفاوض، وهو المرجّح، فإنه لن يكون سريعاً ولا سلساً، بل متخماً بالتفاصيل والتعجيزات، إذ إن الدولة المركزية ستكون مدعوةً حُكماً إلى تنازلات للإقليم. وفي أي حال ليست الكونفيديرالية مجرّد صيغة جاهزة يمكن تركيبها، لكن يمكن الافتراض نظرياً بأن خبرة إدارة الأقاليم ربما تسهّل الأمر في إسبانيا، كونها دولة مؤسسات منظّمة، إلا أنها لا تستطيع تمييز إقليم في حدّ ذاته. أما في العراق، وعلى الرغم من أن الدستور أقرّ الفيديرالية ومعايير محدّدة لإنشاء أقاليم ذاتية الإدارة، إلا أن التطبيق بجمع المالكي كل الصلاحيات ومعظم الوزارات في يده لم يترك مجالاً لشيء آخر غير إعادة إنتاج الاستبداد الصدّامي بنسخة أكثر سوءاً، وبالتالي فإن تفاوض العبادي مع الأكراد لا يستند إلى تجربة فيديرالية ناجحة ومؤهّلة للتطوير، وهذا مع تنحية كل الاعتبارات الأخرى جانباً، من وطأة الهيمنة الإيرانية إلى ضغوط ميليشيات «الحشد الشعبي» إلى واجبات إعادة لم شمل العراقيين بعد انتهاء محنة «داعش» إذا انتهت فعلاً.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
2  وساطة ماكرون بين العبادي وبارزاني  

رندة تقي الدين

 

 الحياة السعودية
 

يستقبل إيمانويل ماكرون غداً رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي الذي يقوم بزيارة رسمية إلى فرنسا ومن المتوقع أن يسمع الرئيس الفرنسي استياء العبادي من الاستفتاء الذي دعا إليه مسعود بارزاني حول استقلال إقليم كردستان العراق. ولا شك في أن أغلبية الأكراد تطمح منذ زمن بعيد إلى قيام دولة كردية مستقلة. إلا أن جزءاً من الشعب الكردي اختلف مع بارزاني حول توقيت هذا الاستفتاء. فقد نظمه في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة في الإقليم إضافة إلى وضعه السياسي المزعزع داخلياً. والشعب الكردي الذي قاتل بشجاعة لتحرير الموصل وفتح أبوابه أمام جميع الأقليات اللاجئة إليه لم يكن يحتاج في مثل هذا الوقت إلى عزلة مع قرار الحكومة المركزية إغلاق مطارات الإقليم. والعبادي الذي كان متعاوناً مع الأكراد يرى نفسه ضعيفاً أمام الذين يريدون التخريب على عمله السياسي مثل نوري المالكي والميليشيات الشيعية وكل وكلاء إيران على الأرض العراقية. صحيح أن الأكراد لهم تاريخ مؤلم وعاشوا مآسي تحت حكم صدام حسين وأنهم شعب شجاع ومناضل ولكن الانفصال عن العراق ليس في مصلحتهم لا الآن ولا مستقبلاً.

عندما ارتفعت أسعار النفط اعتقد الأكراد أن الحقول النفطية ستعطيهم ثروة تغنيهم عن أي ارتباط بالعراق. ولكن سرعان ما تبين أن احتياطي الحقول الكردية ليس واعداً بالمقدار الذي كانوا يتوقعونه. وقد خرجت شركة «توتال» الفرنسية و «أكسون» من كردستان علما أنهما دخلتا للتنقيب هناك رغم استياء بغداد. ولكن تبين أن الاحتياطي أقل بكثير مما توقعه الأكراد. وهم ينتجون حالياً حوالى ٥٠٠ ألف برميل في اليوم تصدر عبر الخط التركي الذي لم يغلق على رغم التهديدات التركية وتباع الكميات إلى إسرائيل بأسعار مخفضة. وتجدر الإشارة هنا إلى معلومات بعض المصادر أن تشغيل الخط التركي وحقوقه تعود إلى صهر الرئيس التركي أردوغان.

زوار أربيل يتحدثون عن وجود عدد من البنايات التي تم بناؤها في العهد الذهبي لسعر النفط ومعظمها خال. وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية السيئة قام بارزاني بمجازفة في وقت غير مؤات، خصوصاً أن الأسرة الدولية لا تؤيد هذه الخطوة. وللأكراد علاقة قديمة وتاريخية مع فرنسا تعززت في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران وزوجته دانييل التي كانت مناضلة من أجلهم. وبقيت فرنسا على هذا النحو مع الأكراد ولكنها ليست راضية عن تحرك بارزاني. وقال مسؤول فرنسي لـ «الحياة» إن باريس أسفت لخطوة بارزاني ولكن أسفها إزاء هذا الخطأ مثل استياء والدة من خطأ طفلها فهي تحبه ولكنها تطلب منه تصحيح الخطأ. والمتوقع أن يقوم ماكرون بدور الوسيط بين بارزاني والعبادي. وقد يستمع إلى حجج العبادي ثم يتحاور مع بارزاني لإقناعه بتصحيح خطئه. ولكن هناك أيضاً أخطاء ارتكبتها حكومة بغداد منذ فترة طويلة، أولها عدم دفع المستحقات للأكراد من بيع النفط. فكان الاتفاق أن تدفع حكومة العراق ١٧ في المئة من الموازنة للإقليم ولكنها قلما التزمت بذلك، فالشعب الكردي يستحق تقاسم العائدات النفطية، خصوصاً أنه في الأوقات العصيبة كانت البيشمركة في طليعة المقاتلين لتحرير الموصل من «داعش» كما أن الإقليم استقبل النازحين، ولا يزال، فالمنطق والحق يقولان إن على القيادة العراقية أن تحترم حقوق الشعب الكردي. وعزل كردستان ليس الحل، بل هو يساهم في تفاقم الأزمة، وعيش الشعبين منفصلين يضاعف المشكلات ويكثف عداوات على الحدود مع تركيا وإيران ويفرح إسرائيل وهي الشريك التجاري على صعيد النفط الكردي الذي يباع عبر تركيا لإسرائيل بأسعار مخفضة، فالأمل أن ينجح ماكرون في إقناع الجانبين بضرورة العودة عن أخطائهما.

 

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
3  هل كتب «مام جلال» ذكرياته؟  مشاري الذايدي

 

 

 الشر قالاوسط السعودية
 

 

بعد عقود كلها قتال، عسكري وسياسي، والأخيرة أشرس، رحل الزعيم العراقي الكردي، أو الكردي العراقي، جلال طالباني عن هذه الفانية.

هذا الزعيم القبلي السياسي، سليل العشيرة الطالبانية المؤثرة، سيرة من سير التاريخ الحي، وله أوليات كثيرة، منها أنه أول رئيس كردي، يعي قوميته الكردية ومسيّس بها، يلي رئاسة الجمهورية العراقية.

مثّل مع الزعيم الكبير، رئيس إقليم كردستان، ثنائية مثيرة في الحركة الكردية العراقية، وغير العراقية.

كان «مام جلال» أقرب للجار الإيراني، وكان مسعود أبعد عن الإيرانيين، ويعيد البعض ذلك، مع الأسباب السياسية، إلى قرب السليمانية، معقل حزب طالباني، الاتحاد، إلى إيران، جغرافياً، ويعيده آخرون، إلى تباين ثقافي ومزاج طرقي، صوفي مختلف بين النقشبندية والقادرية، وطريق الزعامة الاجتماعية الكردية، يمر عبر الممر الصوفي التقليدي.

رحل جلال طالباني، المعروف بظرفه ودهائه، بعد سنين عاصفات، حتى يوم رحيله، بعد الحرب التي دقت طبولها بين بغداد، الشيعية هذه المرة، وأربيل على وقع الاستفتاء الاستقلالي الكبير.

تذكرت بعد وفاة مام جلال، خبرا نشر في مارس (آذار) 2009 مفاده أن الرئيس العراقي جلال طالباني قال، حسب وكالة «مهر آباد» الإيرانية: «أنا لا أخطط للاستمرار رئيساً. نهاية هذا العام ستنتهي ولايتي وآمل في أن أتقاعد. سأعود إلى بيتي وسيكون لدي الوقت لكتابة مذكراتي».

وكتبت حينها متمنيا لو تفرغ جلال لهذا الأمر الجليل، وكيف أن ذلك سينير كثيرا ظلمات الجهل السياسي لدى المتابع العربي والكردي عن التاريخ.

لست أدري هل وجد مام جلال الوقت قبل مرضه 2012 لكتابة وعده أم لا.

ساسة المنطقة فقراء في كتابة المذكرات وتنوير السلف بما فعله الخلف، وفن كتابة المذكرات كما قيل من قبل هو فن «دخيل» على الثقافة العربية وشبه العربية، لذلك ظلت مذكرات قليلة تصنف ضمن المعايير الغربية، ومنها مذكرات سعد زغلول، السياسي المصري الأشهر، قبل عبد الناصر، كتب عنه المؤرخ المصري عبد العظيم رمضان سلسلة عن سيرته بدأت منذ عام 1987 وصدرت في عدة أجزاء.

تُعتبر مذكرات زغلول من أهم المذكرات السياسية لكونها مذكرات كتبها زغلول بشكل شبه يومي ولاستخدامه الشخصي، وليست للنشر، وبالتالي فهي ليست «ذكريات»، أي مثل تلك التي كتبها معظم الساسة العرب بعد انتهاء الحدث وبأعصاب باردة. لم يستنكف عن أن يكتب فيها عن أزماته المالية، وخلافاته الزوجية، وحتى لعبه القمار «محمد عفيفي مجلة المجلة – أغسطس (آب) – 2007».

حينها كتبت: «سيدي الرئيس جلال طالباني، أتمنى أن تفي بوعدك وتكتب مذكراتك، بكل ما يمكنك، من الصدق والوضوح، لعلك بذلك تسنّ سنة حسنة للمترددين من السياسيين».

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
4 ما بعد الاستفتاء في كردستان العراق وما قاله فؤاد عارف لصدام حسين  سعد ناجي جواد

 

 

 راي اليوم بريطانيا
 

الان وبعد ان هدأت هبة الاستفتاء وخفتت نشوته الطاغية لابد من تقييم هادئ لنتائجه ولحسابات الربح والخسارة ، ليس فقط لمن قام به وانما لإقليم كردستان العراق خاصة  وللعراق عموما. مع الاعتراف ان اي تقييم بهذا الخصوص لا يمكن ان يكون مقبولا لكل الاطراف اولا ولا يمكن ان يكون محايدا ثانيا مهما حاول اي كاتب خاصة اذا كان من أبناء العراق بالذات. فالمشاعر الوطنية لا تعرف الحياد والمسائل المصيرية لا تعرف المهادنة او اية محاولة لمسك العصا من الوسط. و من هنا فاني اعترف باني ترددت كثيرا في الكتابة خشية ان أكون منحازا او غير منصف، ولكني سأحاول جهدي وعسى ان أوفق.

لا ادري لماذا عادت الى ذهني في يوم ٢٥ أيلول الماضي ذكريات يوم ٢ آب ١٩٩٠، عندما قرر الرئيس الراحل صدام حسين اجتياح الكويت ضاربا عرض الحائط كل التبعات الخطيرة التي قد تتمخض عن مثل هذا العمل. وبالتاكيد انا هنا لا أشبه الاستفتاء بالاجتياح، ولكن ما أعاد الذكرى الى ذهني هو حالة النشوة والابتهاج العارمة التي اجتاحت الشارع العراقي بعد هذا العمل المحفوف بالمخاطر الجمة والعظيمة، ولم يستمع احد الى صوت العقل الذي كان ينادي بالعدول عنه والانسحاب، ولم تقبل القيادة العراقية آنذاك كل التنازلات الكويتية والتي كانت كبيرة جدا، ولم يع العراقيون الذين اندفعوا بتأييدها ، خطورة هذه الخطوة الا بعد أشهر عندما بدا الحصار يؤرق عيشهم ويعض في جنباتهم ، ثم لعنوا اليوم الذي حل فيه هذا العمل عندما دمرت مدنهم وبلادهم ثم احتلت .

ابتدا يجب الاعتراف بان السيد مسعود البرزاني بإصراره على اجراء الاستفتاء قد حقق شعبية كبيرة وغيرمسبوقة بين أكراد العراق، وربما بين الاكراد في الدول الاخرى ايضا، وهذه الشعبية والنشوة التي صاحبت العملية ربما جعلت قيادات الاقليم تتجاهل عن قصد او ببساطة تفكير النتائج السلبية التي قد تنتج عن هذه العملية. ولقد عبرت احدى الصحف البريطانية الكبرى عن ذلك اصدق تعبير عندما قالت ان قيادة الاقليم نجحت في إظهار الرغبة في الاستقلال ولكنها وجدت نفسها بعده بأنها غير قادرة على تحقيقه. ويمكن ان أضيف هنا بأنها ليست فقط غير قادرة وانما ربما ستجعل الاقليم يخسر كل المكاسب التي تَحَصَلَ عليها منذ عام ١٩٩١ ولحد الان، وتنقلب الشعبية الى نقمة. من ناحية اخرى فان نتيجة الاستفتاء تحمل الكثير من علامات الاستفهام. فعلى الرغم من وجود دلالات واضحة كانت توكد على ان أغلبية ستقول نعم في الاستفتاء، الا ان مصادر كردية نشرت ما يدلل على وجود تزوير كبير وتلاعب في النتائج. ثم ان القول بان هناك خمسة ملايين ناخب كردي يحق لهم المشاركة في الاستفتاء لا يمكن ان يكون حقيقيا لانه وبعملية حسابية بسيطة اذا كان هذا العدد حقيقيا فان مجموع سكان الاقليم يجب ان يكون مابين ١٢ و١٥ مليون نسمة، على أساس ان ثلث السكان تقريبا هم من المؤهلين للإدلاء برأيهم. كما شكك البعض في حقيقة ان ٩٣٪‏ قالوا نعم في الاستفتاء، لان النتائج لم تظهر حقيقة استفتاء كل محافظة مقارنة مع عدد سكانها. وحقيقة ان الاقليم لم يجر مسحا سكانيا قبل الاستفتاء امر يشكل طعنا اخر في النتائج. وأخيرا فان حقيقة ان تكون اكثر نسبة ممن قالوا لا جاءت من حلبجة التي استخدمها السيد البرزاني في دعايته كثيرا تبقى ذات دلالة اكبر. وربما تكون نسبة نعم في أربيل ودهوك قد ضخمت بصورة كبيرة، وان هذه النتيجة عممت على باقي المناطق. وهذا كله حسب مصادر وكتابات كردية.

كما ان حقيقة ان اغلب القيادات الكردية الرافضة للاستفتاء والمترددة في دعمه اضطرت للقبول به بسبب خوفها من خسرانها للتأييد الشعبي او ان تتهم بأنها ضد هدف قومي كبير، كانت ايضا واضحة في التصريحات التي سبقت الاحدث. ولكن هذه المواقف المعارضة سوف لن تبقى مخفية وانما ستظهر بوضوح في الأيام القادمة وستكون أوضح في معارضتها لهيمنة السيد البرزاني ولعائلته على شؤون الاقليم، خاصة بعد توضح الرد الإقليمي والدولي وتأثير الاجراءات التي اتخذت ضد الاقليم على الحياة اليومية لأبناءه وسكانه.

من اهم مبادئ العمل السياسي هو ان يكون الهدف واضحا وان تكون القدرة على الوصل اليه مدروسة والاهم من كل هذا هو ان تكون هناك قدرة على الحفاظ على النصر اذا ما تم. نعم لقد نجح السيد مسعود في تحديد الهدف والسعي اليه بكل الوسائل ولكن السؤال الان هل هو قادر على الحفاظ والتمسك به وتعزيز ما تحقق؟ ان كل الدلائل تشير عكس ذلك، لقد لاحظ المراقبون الخارجيون ان قيادة الاقليم وبعد ايّام قليلة جدا من انتهاء الاستفتاء اصابها نوع من حالة من الذهول والاستغراب وعدم التصديق لردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية لقرارهم. لا بل ان البعض لاحظ ان هناك عدم قدرة للتعامل مع ما يجري حول الاقليم باستثناء إطلاق التصريحات النارية والعاطفية والحماسية والشعبوية والتي لا تسمن ولا تغني من جوع. كما لاحظ اخرون ان لهجة اغلب القيادات الكردية التي دعمت الاستفتاء انقلبت بين ليلة وضحاها من تصعيدية وعدائية و استفزازية الى لهجة لينة وتصالحية وناعمة، وأصبحت نفس القيادات تتحدث ولأول مرة عن الإخوة العربية الكردية وعن التاريخ المشترك بين الشعبين وعن (اهلنا العرب) في العراق، وعن حقيقة ان كردستان جزءا من العراق وعن واجب الدولة في الدفاع عن وحماية كل العراقيين والأكراد جزءا منهم. وطبعا وكالعادة ظلت لهجة هؤلاء القادة الين وألطف وأخف وأكثر احتراما مع الجهات الخارجية وخاصة تركيا وايران.

في المقابل فان من تصورته القيادة الكردية شخصا ضعيفا وغير قادر على مواجهة مثل هذا الموقف، السيد العبادي، و بانه سيخضع مكرها عليه، تصرف بصورة مغايرة تماما، فاولا ، وهو الأهم ، انه لم ينجر الى التهديدات و الاستفزازات ولم يستخدم اي شكل من أشكال العنف في رفض الاستفتاء، وثانيا انه لجأ الى السياسة الناعمة ، و الى الأساليب القانونية والدستورية في فرض رأيه،  واتخذ قرارات عجزت قيادة الاقليم عن تحديها وتجاوزها او العمل ضدها. صحيح ان الدستور السيء والملغوم والذي كتب بطريقة كان يجب ان تودي الى هذه النتيجة، كما صرح السيد البرزاني علنا قبل يوم الاستفتاء، الا ان الدستور ايضا وفر للسيد العبادي ارضية لكي يبقي العراق موحدا. واذا ما نجح السيد العبادي في ان يفرض قرارات المركز على الاقليم وقرارالبرلمان القاضي باقالة محافظ كركوك وتعيين محافظا جديدا، واذا ما نجح في تحويل موارد المنافذ الحدودية وكذلك موارد النفط المصدر من الاقليم ومن كركوك الى الخزينة الاتحادية وباشر بدفع رواتب موظفي الاقليم، وعمل على عدم تجويع أبناء المحافظات الكردية، فانه سينجح في الصراع الدائر حول كسب تأييد أبناء الاقليم. علما ان كل هذه الخطوات هي خطوات دستورية ومن حق السلطات الاتحادية.

من ناحية اخرى جاء رد الدول المجاورة ، تركيا وايران،  وكما كان متوقعا جدا، عنيفا ورافضا وسَانَدَ بذلك موقف رئيس الوزراء العراقي. ثم ان المجتمع الدولي والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والجامعة العربية كلها كانت وظلت داعمة لموقف العراق الرسمي. ولو ان هناك بعض الإشارات تقول ان الولايات المتحدة تلعب دورا مزدوجا في القضية، وان السيد البرزاني لم يكن ليجرؤ على اتخاذ هذه الخطوة والاصرار عليها لولا وجود موافقة أمريكية ضمنية، الا ان التصريحات الرسمية للبيت الأبيض ظلت مواظبة على رفض الاستفتاء وهذا ما آقلق القيادة الكردية اكثر وأربك حساباتها. أضف الى ذلك فان المرجعية في النجف اصطفت هي الاخرى مع الرافضين ولو ان رأيها هذا كان يجب ان يعلن قبل الاستفتاء وليس بعده.

ان الأيام القادمة تبقى حبلى بالتطورات وربما المفاجئات، وكل الدلائل تشير الى ان هذه التطورات ستكون عكس رغبة السيد البرزاني، الا اذا حدث ما لم يكن في الحسبان وخرجت الولايات  المتحدة مثلا بموقف جديد حسب نصائح زلماي خليل زاد السفير السابق ومعه وحوله مجموعة من داعمي تقسيم العراق ومن مؤيدي الكيان الصهيوني الأشداء ، والذين تواجدوا جميعا في أربيل منذ قبل الاستفتاء وأثناءه ، وبعكس ذلك سوف لن يكون امام السيد البرزاني و القيادات التي أيدته سوى البحث عن مخرج يحفظ لهم ماء الوجه، وهو ما يحب ان توفره لهم بغداد. ان الدعم الاسرائيلي، وهو الوحيد الصريح في هذا المجال، سوف لن ينقذ القيادة الكردية من مأزقها. وفِي الحقيقة ان هذا الدعم هو ما جعل ايران اكثر اندفاعا من غيرها في الوقوف بوجه هذا المشروع لأسباب لا يمكن ان تخفى على اي مراقب. وحتى تركيا، التي صرحت بعض القيادات الكردية العراقية بأنها مؤيدة في الباطن للإقليم ومعارضة في العلن شفهيا، ثبت لحد الان انها غير ذلك. وما لم ينتبه له قادة الاقليم هو تصريح السيد اوردوغان الذي قال فيه ان اي تقسيم لدولة العراق والتي رسمت حدودها بموجب اتفاقية لوزان ١٩٢٣ ، سيعني نهاية هذه الاتفاقية واعادة ولاية الموصل القديمة بمحافظاتها الكردية وكركوك الى تركيا. بكلمة اخرى ان طموحات الاقليم اذا ما أعلن الاستقلال قد تنتهي بان يكون اما جزءا من تركيا التي يعلم قادة الاقليم جيدا كيف تتعامل مع القضية الكردية او في قتال دام معها. اما الأصوات والمبادرات التي تدعي بأنها عراقية عربية والتي تحاول ولأسباب طائفية ان تصطف مع قيادة الاقليم الان لمنافع انية فإنها لا تختلف عن الأصوات والتحركات التي تآمرت على العراق واصطفت مع الولايات المتحدة وبريطانيا وساندت الاحتلال وبررت قيامه وأيدته قبل خمس عشرة سنة. ولا ادل عن فشل هذه المبادرات التي أيدها الاقليم لانه لا تلزمه بشئ اولا ولأنها تمنحه دعما عربيا ورسميا هو بأمس الحاجة له ثانيا، هو رد السيد البرزاني على بعضها بالقول انه مستعد للقبول بالحوار وتأجيل الاستقلال لمدة سنتين، اي ان لاستقلال والانفصال أمر لا يقبل النقاش لديه رغم كل المخاطر التي تحيط بالإقليم نتيجة لقراره. لا احد ينكر على الشعب الكردي حقه المشروع في الحفاظ على هويته القومية، ولا احد ينكر عليه ان يعبر عن رأيه بحرية تامة، ومن دون رفع الاعلام الإسرائيلية،  ولكن على القيادات الكردية ان لا تنكر ايضا ان النضال العربي- الكردي المشترك في العراق، وليس الدعم الخارجي، هو الذي مكن الاكراد من تحقيق مالم يحققه الاكراد في الدول المجاورة الاخرى، من حكم ذاتي وفدرالية موسعة. ان محبي الشعب الكردي من العراقيين كانوا ولا يزالون  فرحين بالتطورات الإيجابية التي حصلت في الاقليم رغم الفساد الظاهر ورغم الدور السيء الذي لعبته الاحزاب الكردية مع الاحزاب الطائفية التي جاء بها الاحتلال في إيصال العراق الى هذا الدرك المؤسف، ولكن هؤلاء المحبين يشعرون في نفس الوقت ان محاولة تحقيق طموحات جزء من الشعب العراقي يجب ان لا تكون على حساب الغالبية العظمى من العراقيين او على حساب العراق الحبيب ككل. ولهذا فان الحاجة الان ماسة لإيجاد ارضية مشتركة بين الشعبين العربي والكردي في العراق كما في السابق، ولتغليب صوت العقل على العاطفة وإلا فان الجميع سيكونون في عداد الخاسرين.

لقد روى لي شاهد عيان منذ زمن بعيد الحادثة التالية وقال : في سبعينيات القرن الماضي اجتمع الرئيس صدام حسين مع المرحوم اللواء فؤاد عارف الشخصية الكردية العراقية  النبيلة والمعروفة واحد الضباط الأحرار، محاولا استثمار مكانته العالية بين الاكراد للتوسط بين الحكومة وقيادة المرحوم الملا مصطفى البرزاني ، وفِي هذا اللقاء اشتكى الرئيس من عدم تجاوب الملا مصطفى مع الجهود التي يبذلها العراق من اجل ترسيخ حل القضية الكردية على أساس الحكم الذاتي الذي وقِعَ في آذار ١٩٧٠، وقال لعارف انه ورغم كل جهود وانجازات الحكومة فان الملا لا يزال يرتبط بعلاقات وثيقة مع شاه ايران الذي يستخدمه والحركة الكردية ضد العراق و علاقات أقوى مع اسرائيل و الولايات المتحدة المعاديتين للعراق ،  وانه،  اي الملا ،  يضع علاقته بالعراق في المركز الرابع او الخامس وربما العاشر. وكان جواب فؤاد عارف هو التالي ( يا ابو عدي (صدام حسين) اذا سالت عن أفضل مطرب في العراق فسيقولون لك فلان وهو كردي، واذا سالت عن أشهر لاعب كرة قدم فسيقولون لك فلان وهو كردي ، وكذلك الحال مع أشهر طبيب جراح وأشهر مهندس او أشهر أستاذ شريعة  في العراق فستجد كلهم أكراد، ويبدو ان الاكراد في العراق أنجبوا كل مشاهيره ولكنهم فشلوا في إنجاب سياسي محنك قادر على ان يقود الشعب الكردي بحنكة وحكمة). ويبدو ان هذا المقولة لا تزال سارية. اذ رغم كل ما تعرض له الاكراد من غدر وخيانة على يد القوى الخارجية الا ان قيادتهم لا تزال تعتقد بان الاعتماد على الوعود والدعم الخارجي يمكن ان يحقق لهم طموحاتهم . وان هذه القيادات مستعدة لتقديم التنازلات الى كل الاطراف الخارجية ولكنها غير مستعدة لتقديمها للعراق. من ناحية اخرى فانه لا يمكن اغفال حقيقة ان كل ما يحصل في العراق اليوم هو نتيجة طبيعية لكل السياسات الطائفية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة بعد ٢٠٠٣، والتي كانت الاحزاب الكردية متحالفة معها وجزءا منها حتى وقت قريب، والتي كان المحتل الامريكي يغض الطرف عنها بل ويدعمها لتدمير العراق، والسؤال المهم الان هو هل  ستكون نهاية وجود داعش وصدمة رد الفعل الإقليمية والدولية على الاستفتاء بداية لمرحلة جديدة يسود فيها العقل والحكمة واحترام كل مكونات الشعب العراقي والقضاء على الفساد والفرقة والتهميش، ام انها ستكون بداية لعودة لغة السلاح وانتشار المليشيات وتوسل كل طرف بأطراف خارجية كي تقف الى جانبه، وحروب داخلية لا تنتهي؟ حفظ الله العراق وشعبه بكل مكوناته من كل سوء.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
5  الاستفتاء بين الارتباك الكردي والمفتاح النجفي  مصطفى فحص

 

 

 الشرق الاوسط السعودية
  

هي العَجَلة أم سوء التقدير، أم أن حسابات البيدر اختلفت عن رهانات الحقل، وبات التمسك بالموقف ومعاندة المجتمع الدولي وتحدي الجوار الإقليمي أخف ضرراً على القيادة الكردية من مجموعة الأضرار التي ستطفو على سطح الوضع الكردي الداخلي، نتيجة عدم تحقيقها الحد الأدنى من المكاسب التي وعدت مواطني كردستان بإنجازها جرّاء الاستفتاء. فعلى ما يبدو أن وطأة الحصار السياسي والاقتصادي قد أرخت بثقلها على الوضع الداخلي، وبدا مشهد التماسك الكردي يتداعى، وتعلو معه الأصوات المعترضة على منهجية أربيل السياسية، وكيفية معالجتها للأزمة، والإحراج الذي تسببت به للأحزاب الكردية الكبرى من مسألة الاستفتاء على الانفصال أمام الشعب الكردي، ومن ثم المأزق الذي خلقته للأكراد عامة، نتيجة إدارتها غير الناجحة للملف، الأمر الذي نبّه الأطراف الحزبية الكردية إلى إعادة خلط أوراقها السياسية من جديد، والعمل على إظهار تمايزها عن أربيل في العديد من المقاربات التي تخص الاستفتاء والعلاقة المستقبلية مع بغداد. وفي هذا الإطار برز موقف القيادي السابق في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة الرئيس السابق جلال طالباني، الدكتور برهم صالح، يوم الاثنين، الذي عبر عنه أثناء إعلانه عن تأسيس تيار سياسي جديد أطلق عليه اسم «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة»، حيث قال: «بعد أربعة عشر عاما من القضاء على نظام صدام، حان وقت مراجعة هذه المنظومة واختلافاتها البنيوية، فقد آن أوان حل جذري للمشاكل الأساسية لنظام الحكم في العراق»، مشدداً على أنه لا يمكن أن تبقى هذه البلاد أسيرة الصراعات الداخلية والإقليمية. تحرّك صالح يأتي في الوقت الذي تعيش فيه قيادة «الاتحاد الوطني الكردستاني» تراجعاً في شعبيتها، وفي تأثيرها جرّاء غياب زعيمها جلال طالباني عن المشهد السياسي، وإخفاقها في تقديم قيادة جديدة تستطيع استعادة مكانتها التاريخية لدى الأكراد والعراقيين. خطوة صالح المنتظرة منذ زمن تختلف عن المواقف الحادة التي أطلقتها «حركة التغيير» التي انشقت منذ سنوات عن «الاتحاد الوطني» أيضاً، والتي كشفت، في بيان لها، يوم الاثنين الفائت، أنها أعلنت منذ البداية أن الأجواء الداخلية والخارجية غير مناسبة لإجراء الاستفتاء، ولفتت إلى أن «قيادتي الحزبين الديمقراطي والوطني الكردستاني والمتحالفين معهم قاموا بإجراء الاستفتاء دون مراعاة مصالح شعبنا، وتقييم الأوضاع ومناقشة الاحتمالات وردود الأفعال؛ ولهذا يشعر مواطنو كردستان اليوم بالخوف والقلق وخيبة الأمل في انتظار مصير مجهول». وفي نفس الإطار لم يكن موقف الجماعة الإسلامية الكردستانية مختلفاً كثيراً عن موقف حركة التغيير، حيث اعترضت الجماعة بدورها على قرار أربيل إلغاء المجلس الأعلى للاستفتاء، وتشكيل المجلس السياسي لكردستان، حيث اعتبرت أن «تشكيل هذا المجلس السياسي لا يحمل شرعية قانونية، كما أنه سيسهم في تعميق المشاكل وتفكيك وحدة الصف الكردستاني»، معتبرة أن «هذه الخطوة تدل على أن المتسلطين مستمرون في توجهاتهم وقراراتهم الخاطئة التي تتسبب في تأزيم الوضع».

بدورها شبّهت عضو المكتب السياسي في الاتحاد الوطني الكردستاني، السيدة هيور إبراهيم أحمد، عقيلة الرئيس العراقي السابق المام جلال طالباني، المجلس السياسي لكردستان العراق بـ«مجلس قيادة الثورة العراقي»، واصفة تشكيله في هذه الفترة بالخطأ الكبير. وأضافت: «إنه في الوقت الذي طالبَنا المجتمع الدولي بعدم إجراء الاستفتاء في الوقت الحالي، وقدم عدة حلول لحل المشاكل، تحدت القيادات الكردستانية كل العالم، ولكن يبدو أن شعبنا الآن يدفع ضريبة ذلك التحدي».

وعليه، فإن رهان القيادة الكردية العراقية على إمكانية إحداث اختراقات نوعية في المواقف المحلية أو الإقليمية أو الدولية يساعدها على فك جزئي لعزلتها لم يحصل، ورغم ترحيبها بالمبادرة التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى الإمام السيد علي السيستاني للحوار بين أربيل وبغداد، فإن المرجعية النجفية التي تحركت من موقع الحرص على حقن دماء العراقيين، أكدت في مبادرتها على رفض الاستفتاء، ودعت جميع الأطراف إلى الحوار تحت سقف الدستور. موقف النجف ساعد على تطمين الأكراد بأن خيار استخدام العنف غير وارد لحل الأزمة، وهو ما أعاد إلى أذهان الكرد الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي الراحل الإمام السيد محسن الحكيم في يوليو (تموز) 1965، والتي حَرّم فيها قتال الأكراد، الأمر الذي يعزز الاعتقاد بأن التاريخ المشترك بين الأكراد والعراقيين لا يمكن لجهات سياسية كردية وشيعية أن تتجاوزه نتيجة مراهناتها على حسابات داخلية وخارجية خاطئة من أجل الهروب من مواجهة مجموعة استحقاقات داخلية كبيرة على المستوى الكردي الخاص، وعراقية على المستوى الوطني.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
6  مشكلة مبادئ أم حدود؟

 

 

د. وحيد عبد المجيد

 

 الاتحاد الاماراتية
  

تتكرر كلمة الحدود كثيراً في خطاب أقطاب الحكومة العراقية وقادة إقليم كردستان على حد سواء. وربما نجدها الكلمة الأكثر تكراراً في حالة إجراء تحليل مضمون كمي منهجي لخطاب كل من الطرفين في الأسابيع السابقة على استفتاء إقليم كردستان في 25 سبتمبر الماضي، وفي الأيام التالية له.

 

ويعني هذا أن لمسألة الحدود أهمية مركزية في الصراع الذي تصاعد حول مستقبل إقليم كردستان، رغم أن الحكومة العراقية تبني موقفها ضد الاستفتاء على مبدأ وحدة العراق، بينما تستند قيادة إقليم كردستان على مبدأ حق تقرير المصير بعد أن فشلت، من وجهة نظرها، تجربة التعايش في إطار اتحاد فيدرالي.

وتثير أهمية مسألة الحدود على هذا النحو سؤالاً محورياً عن طبيعة أزمة إقليم كردستان، وهل هي أزمة مبادئ أم حدود (أيْ مصالح)؟ جوهر السؤال ليس جديداً في العلاقات الدولية والإقليمية التي يعرف دارسوها أن فيها مزيجاً من المبادئ والمصالح، لكنهم يعلمون أيضاً أن المصالح هي المُحدِّد الرئيس للسياسات والاتجاهات، وأن المبادئ قد تكون مُحدّداً أساسياً في بعض الحالات، لكنها تكون في الأغلب مؤثراً ثانوياً أو شكلاً يُستخدم لتجميل مواقف تمليها مصالح معينة.

ويتركز الخلاف على الحدود في عدة مناطق تقع خارج حدود إقليم كردستان سواء المحددة في اتفاق الحكم الذاتي في عهد صدام حسين، أو المتعارف عليها في إطار النظام السياسي العراقي الحالي، أو ما يُعرف بحدود 2003. وهي تشمل محافظة كركوك التي توجد فيها موارد نفطية كبيرة، وأجزاء من ثلاث محافظات أخرى هي نينوى وديالي وصلاح الدين.

 

ولم تنجح المفاوضات العسيرة التي أُجريت حول الدستور الحالي في حسم الخلاف على هذه المناطق. لذلك نصت المادة 140 على إجراء استفتاء فيها بحلول عام 2007. لكن أوضاع العراق لم تسمح بإجراء هذا الاستفتاء الهادف لتحديد هل تدخل المناطق المتنازع عليها ضمن إقليم كردستان، أم تتبع الحكومة المركزية، أم يُفضِّل سكانها تكوين إقليم فيدرالي آخر. ويختلف ذلك عن استفتاء 25 سبتمبر، الذي كان الاقتراع فيه على الانفصال قبل كل شيء.

 

ورغم إجراء الاستفتاء في هذه المناطق، تظل إشكالية الحدود مدخلاً للسعي إلى حل من خلال مفاوضات حولها، وبشأن مستقبل إقليم كردستان عموماً، حين تهدأ النفوس، ويدرك الطرفان ضرورة التوصل إلى تسوية. والمتوقع في هذه الحالة، أن تتركز المفاوضات على وضع محافظة كركوك التي يزعم الأكراد أنها تعود لهم تاريخياً قبل أن يُجري نظام صدام حسين تغييراً ديموغرافياً فيها، بينما ترفض حكومة بغداد هذا الزعم مستندة إلى أنها مدينة متعددة الأعراق تضم بين سكانها عرباً وتركماناً وأشوريين، إلى جانب الأكراد.

 

ولا يخفى أن معضلة كركوك الأساسية هي وجود احتياطيات نفطية كبيرة فيها تتيح إنتاجاً مستقبلياً يتجاوز المعدلات الحالية التي تصل إلى نحو 150 ألف برميل يومياً.

 

وإذا أُجريت هذه المفاوضات فستؤدي إلى إحدى نتيجتين، الأولى تسوية الخلافات التي أدت إلى تفاقم الأزمة، والاتفاق على بقاء إقليم كردستان جزءاً من العراق، لكن على أساس شراكة حقيقية يشكو قادة هذا الإقليم من افتقادها. ويتطلب ذلك أن تراجع القوى النافذة في حكومة بغداد منهجها في إدارة الأزمة، وتتجه إلى تصحيح الاختلالات المؤدية للتباعد، وأن تعيد قيادة الإقليم النظر في توجهاتها النازعة نحو الانفصال، وتتبنى موقفاً أكثر مرونة في العلاقة مع المركز.

 

لكن على القوى النافذة في بغداد أن تتحرك أولاً لتؤكد شعورها بالمسؤولية عن العراق بمختلف مناطقه. وليبدأ هذا التحرك، مثلاً، بتفاهم بين الأحزاب والتيارات التي بدأت في إدراك مدى خطورة التطرف المذهبي، وشرعت في الانفتاح على الجوار العربي والابتعاد تدريجياً عن إيران، على خوض الانتخابات البرلمانية العراقية في أوائل العام المقبل على أساس برنامج لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة الكاملة فعلاً وليس قولاً.

 

أما النتيجة الثانية المحتملة للمفاوضات فهي الاتفاق بين الحكومة العراقية وقيادة إقليم كردستان على برنامج زمني لانفصال حضاري يقوم على أساس الربط بين حل مشكلة المناطق المتنازع عليها، والتفاهم على توزيع عادل لعائدات نفط كركوك. وفي هذه الحالة يمكن أن تبقى كركوك تحت سيادة العراق مع إعطاء الإقليم حصة مناسبة من عائدات النفط، في إطار اتفاق شامل لتنظيم التعاون الاقتصادي.

 

ولا يتيسر ذلك من دون طي صفحة الماضي، وفتح صفحة جديدة يتطلع فيها الجميع إلى المستقبل.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
7   «أبو عبد البر الأمريكي»

 

 محمد كريشان

 

 

 القدس العربي بريطانيا
 

 

«أبو عبد البر الأمريكي» هو من قام بالمذبحة المروعة الأخيرة في مدينة «لاس فيغاس» الأمريكية، وأنه «اعتنق الاسلام» قبل أشهر. هذا ما أوردته وكالة «أعماق» التابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) دون أن تقدم أي دليل على صحة مثل هذا الإدعاء.

الحمد لله أن لا أحد أخذ هذا التبني على محمل الجد وأولهم المسؤولون الأمريكيون أنفسهم الذين استبعدوا تماما في الوقت الحالي أي علاقة للعملية وصاحبها بالإرهاب العالمي، وتحديدا بالإرهاب الذي ينسب نفسه للإسلام.

إنه تبني «النكاية» ليس إلا، وهو أشبه بتصرف الأطفال حين يريد بعضهم إغاظة الآخرعن أذى ما لحق به فيدعي زورا وبهتانا أنه هو من قام به، وقد يخرج له لسانه إمعانا في محاولة إخراجه عن طوره. من حسن الحظ أن الدول الكبرى لا تتصرف تصرف الأطفال الصغار حتى وإن عوملت بهذا المنطق. ومع ذلك، فإن هذا التبني المسـلوق والمفتعل، والذي لم يعره أحد اهتماما، يثير مــلاحظتين هامتين ســريعتين:

ـ وكالة «أعماق» التي كان بعض الصحافيين المختصين في شؤون الحركات الإسلامية الجهادية يعتبرونها مصدرا يعتد به، واصفين أخبارها بأنها في الغالب تتصف بمصداقية أكبر من مصداقية خصومها، خاصة في ما يتعلق بإيراد أرقام الخسائر في المعارك التي تخوضها «داعش» في كل من سوريا والعراق، هذه الوكالة تكون بـــ«تبني النكاية» الذي أعلنته لعملية لاس فيغاس قد سقطت بالضربة القاضية.

ـ ربط ما قام به المزعوم «أبو عبد البر الأمريكي» (بالمناسبة أين البر في ما أقدم عليه؟!!) باعتناقه المزعوم للإسلام قبل بضعة أشهر فيه إفتراء عظيم على الإسلام والمسلمين لن يتجرأ أحد على قوله بهذه الصيغة إلاتهامية الصفيقة. مثل هذا الكلام لا يعني سوى شيء واحد: إعتناق الإسلام هو المدخل الأساسي لأن تصبح إرهابيا. هذا يعني كذلك أن ستيفن بادوك هذا المحاسب المتقاعد البالغ من العمر 64 عاما الذي عاش طوال هذا العمر في أمان الله لم يصبح قاتلا شريرا مجرما، لا يتواني على أن يردي العشرات من الناس الذين لم يضروه بشيء ولم يعتدوا عليه ولم يحتلوا أرضه ولا هم قتلوا أهله أو شردوهم، لم يفعل ذلك إلا بعد أن أصبح مسلما. صيغة وكالة «أعماق» البائسة تشي وكأن الرجل، لم ينطق بالشهادتين قبل بضعة أشهر، وإنما تخرج من أعرق أكاديمية لتعليم الإرهاب بتقدير «جيد جدا» !!

لا شك أن المسلمين جميعا تنفسوا الصعداء حين علموا أن منفذ عملية لاس فيغاس لا علاقة له بالحركات التي تدعي الإسلام وتمعن في ترويع وتقتيل الناس الأبرياء في الشوارع لاعتبارات ومسوغات ما أنزل الله بها من سلطان وشوهت سمعة الدين الحنيف كما لم يفعل أحد من قبل. وللعلم بأن عمليتين فقط من بين آخر 15 عملية إطلاق نار عشوائي على مدنيين في الولايات المتحدة مقترفوها من المسلمين، مما يدل على أن أي عملية ربط آلي بين أعمال مستهجنة من هذا القبيل وبين أن تكون مسلما متشددا أو حتى إرهابيا ليس ربطا صحيحا، رغم أن العمليات التي يقترفها متطرفون إسلاميون هي من تحظى عادة بالتغطية الإعلامية الأوسع.

مع كل عملية يضع الناس عندنا أيديهم على قلوبهم خشية أن يكون من فعلها من قومنا، ونظل على أعصابنا خشية أن يقول أحد الشهود أنه سمع المسلح يهتف «الله أكبر»… لقد «أفلحوا» في زرع «متلازمة الإرهاب والإسلام» إلى درجة أن حصول عمليات لا علاقة لها بهذا الربط غير المقدس بين الأمرين يدخل ارتياحا يكاد ينسينا بشاعة ما جرى وضرورة إدانته مهما كان الفاعل أو المفعول به.

عملية لاس فيغاس سلطت الضوء مرة أخرى على القضية التي يفترض أن تقض مضاجع المسؤولين هناك أكثر من الإرهاب باسم الإسلام وهي قضية السلاح وقدسية اقتنائه بناء على حق دستوري وذهنية أمريكية تشكلت عبر التاريخ. في الولايات المتحدة، يموت يوميا 30 شخصا نتيجة حوادث إطلاق نار، دون حساب 53 حالة انتحار يومية باستخدام الأسلحة النارية.

سكان الولايات المتحدة البالغ عددهم 325 مليونا يمثلون 5٪ من سكان العالم ومع ذلك فهم يمتلكون ما بين 30 و35٪ من إجمالي الأسلحة الشخصية في العالم، كما تظهر دراسات حديثة هناك أن هناك 89 قطعة سلاح مقابل كل 100 مواطن، مع وجود حوالي 130 ألف موزع سلاح في الولايات المتحدة، أقل من نصفهم بقليل من الموزعين الخواص الذين لا يدققون كثيرا في إجراءات وشروط شراء السلاح.

لقد عثرت الشرطة على 16 قطعة سلاح في غرفة الفندق التي استأجرها القاتل بادوك ومنها أطلق النار على الحفل الموسيقي في الساحة الكبرى التي تقع أسفله. إنه مجرم بلا دين ولا ملة مما يجعل تبني «داعش» للعملية كذبة سمجة. ومن باب الاحتياط نقول في النهاية:… هذا ما يبدو إلى حد الآن!!

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
8  دفاعاً عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره  جلبير الأشقر

 

 

 القدس العربي
 

 

بصرف النظر عن رأينا في جدوى إجراء الاستفتاء عن الاستقلال في إقليم كردستان العراق ومحافظة كركوك يوم 25 الشهر المنصرم، وأياً كان تخميننا لسلوك مسعود البارزاني والدوافع الحقيقية التي حثّته على الإقدام على ذلك الإجراء، وكل متابع لهذه الصفحات يعلم أن كاتب هذه السطور انتقد بشدّة إجراء الاستفتاء في هذا الظرف وضمن هذه الشروط، فثمة أمرٌ في هذه القضية لا يحتمل الجدال من وجهة نظر ديمقراطية، ألا وهو حق الشعب الكردي في شمال العراق، بل حق الأمة الكردية بكافة أجزائها، في تقرير مصيرهما (وليس مصير غيرهما في مناطق متنازع عليها، بالطبع). فهو حقٌ غير قابل للتقادم ولا النقض، مثلما هما حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحق الأمة العربية في التوحّد بإرادة شعوبها.

وما نشاهده منذ قرار البارزاني المضي في عملية الاستفتاء وفي استغلاله بلا خجل لمشاعر شعب كردستان القومية التحررية (وهي مشاعر طبيعية ومشروعة، بكل تأكيد) من أجل مرامٍ سياسية ضيقة لا تُخفى عن أي متابع للتطورات السياسية والاجتماعية في الإقليم، إنما هو ما كان يسهل توقّعه، ألا وهو استغلالٌ مضاد من قبل حكومات بغداد وطهران وأنقرة للنعرات القومية المتعصبة لدى شعوبها وكذلك استغلالها للإجماع الدولي الذي أفلح البارزاني في تحقيقه ضد قراره الطائش (باستثناء دعم الحكم الصهيوني الخبيث له)، استغلالها هذا الظرف لتشديد الخناق على شعب كردستان العراق وتقويض الاستقلال الفعلي الذي تمتّع به الإقليم منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية.

والحقيقة أن تذرّع الحكومات الثلاث بالاستفتاء وإنذارها القيادة الكردية بأن تتنازل عن الاستقلال، إنما هما موقفان يتذرّعان بحجة كاذبة. فالاستفتاء الكردي (وخلافاً لاستفتاء كاتالونيا التي أراد شعبها ممارسة حقه في تقرير المصير وسعت الحكومة الإسبانية لمنعه من ذلك) كان بوصف المشرفين عليه استفتاءً «غير ملزم»، أي أنه كان مجرّد استطلاع للرأي أراد منه البارزاني إلهاء شعبه عن تخبّط حكمه في أزمة خطيرة. وكانت نتيجته معروفة سلفاً إذ لم يكن هناك مجالٌ للشك في أن غالبية الكرد الساحقة مؤيدة للاستقلال (خلافاً لشعب كاتالونيا المنقسم إزاء هذا الأمر). وكيف بالكرد لا يؤيدون فكرة الاستقلال وهم، فضلاً عن مشاعرهم القومية المشروعة، قد ذاقوا حلاوة تمتّعهم به بحكم الواقع (وإن لم يكن بحكم القانون) منذ ما يزيد عن ربع قرن. وهي فترة ازدهرت كردستان العراق خلالها بينما كان سائر العراق يعاني من شتى المصائب على منوال الحكمة الشهيرة القائلة إن «مصائب قوم عند قوم فوائد». وعليه فإن موقف الحكومات الثلاث يؤول إلى أنها تريد حرمان الشعب الكردي ليس حق تقرير مصيره فحسب، بل حتى حقه في التعبير عن رأيه في مصيره!

وكم هو مقزّز مشهد تكالب حكام بغداد وطهران وأنقرة على كردستان العراق، وهو تكالب يستهدف بكل وضوح عموم الأمة الكردية التي تبغض الحكومات الثلاث فكرة استقلالها وتَوحُّدها. وكم هو مثير للاحتقار استناد حكومة بغداد إلى جاريها القويين اللذين ما انفكّا ينتهكان سيادة العراق منذ سنين طويلة، كم هو مثير للاحتقار استنادها الجبان إليهما في الاستقواء على الإقليم إلى حد تمرير قوات لها عبر أراضيهما للإشراف على الحدود الدولية الرسمية بينهما ودولتها، تلك الحدود التي طالما غضّت حكومة بغداد النظر عن اجتيازها من قِبَل قوات الجارتين. وكم هو مثير للازدراء موقف حكومتي تركيا وإيران اللتين رأتا في إدانة واشنطن للاستفتاء الكردي ضوءًا أخضر لعرض عضلاتهما في وجه كردستان العراق بعد أن كانتا طوال سنوات الحماية الأمريكية تدعم كل واحدة منهما أحد الطرفين المهيمنين في الساحة الكردية العراقية والمشرفين على استقلال حكم الواقع!

لكارل ماركس قولٌ يستحق التأمّل في صدد المشهد الذي نقف أمامه، وهو قولٌ يمكن تعريبه على النحو التالي: «إن شعباً يضطهد شعباً آخر إنما يصنع قيوده بنفسه». وتقدّم منطقتنا من خلال القضية الكردية خير مثال عن هذا القول البليغ. فإن الشعوب المحيطة بكردستان لن تتخلّص بصورة كاملة من قيودها إلّا عندما تُنهي اضطهاد دولها للشعب الكردي، ولن يلقى الشعب الكردي حريته كاملة إلّا عندما تتحرر الشعوب المحيطة به تحرراً كاملاً من الطغيان المزمن الذي ترزح تحته.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
9  استفتاء في كردستان وفي كتالونيا… الانفصال ليس حلا!  عمرو حمزاوي

 

 

 القدس العربي
 

 

في شمال العراق، انتهى الاستفتاء الذي نظمته حكومة إقليم كردستان إلى موافقة 92 في المائة من المصوتين الذين بلغ عددهم 4.5 مليون مشارك (بنسبة مشاركة في الاستفتاء تصل إلى 72 في المائة) على الانفصال وتأسيس جمهورية مستقلة.

وفي شمال إسبانيا، انتهى الاستفتاء الذي نظمته حكومة إقليم كتالونيا وشارك به ما يقرب من 42.5 في المائة من الناخبات والناخبين المسجلين في الإقليم (شارك 2.2 مليون من إجمالي 5.3 مليون ناخب مسجل) إلى موافقة 90 في المائة على الانفصال وتأسيس جمهورية مستقلة.

في العراق كما في إسبانيا، رفضت حكومة العاصمة مساعي الانفصال ووظفت مؤسسات الدولة الوطنية لنزع الشرعية عنها. فأعلن البرلمان العراقي عدم اعترافه باستفتاء كردستان عملية ونتائج، وشدد رئيس الوزراء العراقي على طبيعته غير الملزمة. وأعلنت الحكومة الإسبانية أن إجراء استفتاء الانفصال في كتالونيا يمثل عملا مخالفا للدستور والقانون، وذلك بعد أن أصدرت المحكمة الدستورية حكما يقضي بعدم شرعية الاستفتاء. وبينما هددت حكومة بغداد بفرض عقوبات على كردستان ووضعت بعضها محل التنفيذ كمنع رحلات الطيران من وإلى الإقليم، استخدمت حكومة مدريد القوة المفرطة لأجهزتها الأمنية لتعويق إجراء الاستفتاء والحيلولة دون مشاركة أغلبية المسجلين من ناخبات وناخبين. ودللت المشاهد المفزعة التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي لعنف الشرطة الإسبانية في التعامل مع من تجمعوا أمام مراكز التصويت للمشاركة على حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان (أصيب أكثر من 800 شخص، وتواترت تقارير عن إطلاق الشرطة للرصاص المطاطي).

في العراق كما في إسبانيا، تعارض القوى الإقليمية والدولية المساعي الانفصالية. فالمنتمون للقومية الكردية يتوزعون في الشرق الأوسط على العراق وتركيا وسوريا وإيران، وحكومات الدول الأربع ترفض تأسيس دولة كردية مستقلة في شمال العراق. والحكومات العربية ذات القدر من التأثير كحكومات السعودية والإمارات ومصر ترفضه أيضا، ولا يعدو التأييد الإسرائيلي لاستقلال كردستان وحق الشعب الكردي في تقرير المصير أن يكون صنو سياسة فاقدة للمصداقية الأخلاقية ومزدوجة المعايير لإتيانها من سلطة احتلال تنتهك منذ عقود طويلة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ولا تمانع في تفتت الدول الوطنية في جوارها العربي لكي يستقر وضعها هي كقوة إقليمية مهيمنة.

ودوليا، تعارض الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الحليف الخارجي الأهم لأكراد العراق، الانفصال ويتبعها في ذلك الاتحاد الأوروبي ويلتقي موقف الغرب مع موقف القوتين الدوليتين الأخريين الصين وروسيا. أما فيما خص كتالونيا، فيصطف الاتحاد الأوروبي مع حكومة مدريد ويعتبر إجراء استفتاء الانفصال عملا يخرج عن إطار الشرعية.

نعم أدانت المفوضية الأوروبية في بروكسل عنف الأجهزة الأمنية الإسبانية ودعت حكومة مدريد للحوار مع حكومة إقليم كتالونيا، إلا أنها أصرت على عدم اعتدادها بالاستفتاء المخالف للدستور والقانون. ويتماهى موقف الولايات المتحدة الأمريكية مع موقف الاتحاد الأوروبي، ويغيب الدور الصيني والروسي (على الأقل العلني) عن مسألة كتالونيا.

هل يعني كل ما سبق أن مآل مساعي الانفصال وتأسيس الجمهورية المستقلة في كردستان العراق وكتالونيا هو الإخفاق؟ على الأرجح نعم، إن كان تعريف الإخفاق لا يقتصر على امتناع حكومتي الإقليمين عن إعلان الاستقلال. فذلك أمر غير بعيد الحدوث، ولا يحتاج سوى لممارسة إرادة انفرادية من قبل حكومة أربيل وحكومة برشلونة. أما إذا عرف الإخفاق بالعجز عن الانفصال دون صراع عسكري أو سياسي مع حكومتي العاصمة وفي سياق قبول إقليمي ودولي بالجمهوريتين الجديدتين، فهذا هو الإخفاق الذي تبدو احتماليته حاضرة اليوم بقوة في الحالتين الكردية والكتالونية.

هل تعني احتمالية الإخفاق في الانفصال وتأسيس الجمهورية المستقلة أن سعي الأكراد والكتالونيين إلى ممارسة حق التقرير المصير سيتراجع أو يتوقف؟ على الأرجح لا، لأن تاريخا طويلا من المظلومية والاضطهاد والتهميش من قبل حكومة العاصمة والمسيطرين عليها يجمع بين الأكراد من جهة والكتالونيين من جهة أخرى وبين القابضين على السلطة في كل من بغداد ومدريد. ويضاف إلى ذلك في حالة أكراد العراق عاملين، أولهما كون اضطهاد بغداد لهم ارتبط بارتكاب عسكر وأمن حكومة العاصمة لجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وصنوف من الانتهاكات بحقهم (مذبحة حلبجة مثالا) أنتجت تصدعا عميقا في بنيان الدولة العراقية الحديثة التي استندت إلى تداخل العنصرين العربي والكردي وإلى التنوع المذهبي وضرورة صونهما بالتزام حقوق المواطنة المتساوية. وثاني العوامل هذه هو البعد الإقليمي والمتجاوز لحدود العراق لتشتت القومية الكردية في الشرق الأوسط على دول أربع توالت حكومات العواصم بها على إنكار حق الأكراد في تقرير المصير وإلغاء هويتهم وحقوقهم اللغوية والثقافية، ولم تتورع عن استخدام العنف ضدهم في العراق وسوريا كما في تركيا وإيران. أما فيما خص الكتالونيين، فتعني مفاهيم المظلومية والاضطهاد والتهميش مضامين اقتصادية بالأساس يسندها تميز الهوية والتميز اللغوي وشيء من التميز الثقافي. فقد دللت استطلاعات الرأي العام التي أجريت قبل استفتاء الانفصال على أن سكان كتالونيا يرون أن إقليمهم الغني اقتصاديا يستنزف من قبل حكومة العاصمة الفاسدة والرافضة للاعتراف بحقوق هويتهم المتميزة.

هل يعني استمرار سعي الأكراد والكتالونيين إلى الانفصال أن الصراع مع حكومتي العاصمة سيتواصل وأن خطر الصدام العسكري والسياسي لن يغيب؟ على الأرجح نعم، لأن التداخل بين تاريخ المظلومية الطويل وبين رغبتهم في الممارسة المشروعة لحق تقرير المصير كفعل تحرر وانعتاق من الاضطهاد (التي يصعب على أي مدافع عن الحرية أن يدينها أخلاقيا أو سياسيا) وبين فقدانهم للثقة في حكومتي بغداد ومدريد لن يسمح بانطفاء جذوة السعي للانفصال وتأسيس الجمهورية المستقلة. فقط يمكن الحد من اندفاع الإقليمين إلى الصراع والصدام، إن غيرت حكومة العاصمة هنا وهناك من سياستها وانفتحت بالفعل على حوار حقيقي دون شروط مسبقة. تستطيع حكومة بغداد، وهي حكومة اتحادية وللأقاليم في العراق شيء من الاستقلال الذاتي، أن تشرع في حوار مع حكومة كردستان للبحث عن صيغة ممكنة لإعطاء الأكراد ما يقارب الحكم الذاتي مع الإبقاء عليهم داخل الدولة العراقية. وإذا كانت حكومة بغداد تتسلح إزاء الأكراد برفض القوى الإقليمية والدولية لاستقلالهم، فينبغي عليها أن تدرك أيضا استحالة الإبقاء على 4,5 مليون كردي داخل العراق الموحد ما لم يرغبوا في ذلك طوعا وغاب الإجبار والقسر المرهقين للحكومة الاتحادية الضعيفة. وتستطيع حكومة مدريد، وبعد اعتذار ضروري عن القوة المفرطة التي استخدمتها أجهزتها الأمنية ضد الناس في كتالونيا، أن تتفاوض مع حكومة الإقليم على منح كتالونيا وضعية تتشابه مع وضعية أقاليم البلدان الأوروبية ذات التنظيم الاتحادي (كألمانيا)، وتلك الأقاليم تتمتع حكوماتها باستقلال اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي واسع داخل إطار الدولة الموحدة. وتستطيع حكومة مدريد أن تفاوض حكومة كتالونيا وتستدعي المفوضية الأوروبية للمشاركة، فالكتالونيون يدركون أن فرصهم في انتزاع شيء من الاستقلال وتنزيله حقيقة واقعية تتعلق أيضا بموقف الاتحاد الأوروبي وحدود ما قد تقبله أو ترفضه بروكسل.

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
10  لا «أربلا» كردية ولا «بابل» شيعية

 

 رشيد الخيّون

 

 

 الاتحاد الاماراتية
  

تنصل الجميع بسرعة من ديباجة الدستور (2005)، الذي كتبوه بأيديهم وعرضوه على العراقيين، و«كلٌّ.. حسَّن واستجادا». تقول الديباجة: «نحن أبناء وادي الرافدين، موطن الرسل والأنبياء، ومثوى الأئمة الأطهار، ومهد الحضارة، وصُناع الكتابة، ورواد الزراعة، ووضَّاع الترقيم، على أرضنا سُنَّ أول قانون وضعه الإنسان، وفي وطننا خُطَّ أعرق عهد عادل لسياسة الأوطان، وفوق تُرابنا صلى الصحابة والأولياء، ونظر الفلاسفة والعلماء، وأبدع الأدباء والشعراء».

 

هذا النص، وأحسبه قصيدة نثر منمقة بعاطفة كاذبة، عُرض ووافق عليه الجمهور الخاوي من شدة الحصار وهول الغزو، فـ«الناس على دين أحزابهم»، وعذراً للقائل: «الناس على دين ملوكهم». بعدها أُلحق النص بفقرة ملغومة: «استجابة لدعوة قياداتنا الدينية، وإصرار مراجعنا العظام». بمعنى أنها دولة دينية، فالمادة تقول: «لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام»، وبها هُتك قانون الأحوال الشخصية، فتحديد سن الزواج والتعليم المختلط وغيرهما تتعارض مع هذه الثوابت، وتشذيب الاحتفالات الدينية يتعارض أيضاً. لقد جاءت مادة «ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية» مفتوحة مطلقة، فانظر ماذا يحصل مِن تمادٍ في ابتكار مغيبات العقل.

وافق «أبناء الرافدين» على لُغم الدستور، وإذا بهم يتحاكمون وفقه، وأكثر تهمة يوجهها بعضهم لبعض: «خرق الدستور»! فقد ظهر في الأزمة بين بغداد وأربيل زيف الانتماء لـ«صُّناع الكتابة»، و«رواد الزراعة»، و«سن أول قانون وضعه الإنسان»، فلكم كيف تُكتب القصيدة بقلم شاعر خالٍ من الشعور. أرى أنه لا يختلف كتبة الدستور عن المتشاجرين في وسائل التواصل الاجتماعي، لا قيمة عندهم للألف أو الألفي عام، فكردي يتفاخر بآلاف السنين من الوجود القومي بأربيل، وآخر يتفاخر بوجوده القومي والديني والمذهبي من عهد سومر وبابل.

عرض عليَّ أحدهم، بلا حرج، وبتصعيد قومي عبر التاريخ، كمعلومة لا مشورة أو احتمال، بأن الكلدانيين ما هم إلا قبيلة «بني خالد» العربية، على أن المفردة في اللغات الأجنبية تُلفظ «كالد»، واضعاً ما ترجمه الكلداني ابن الوحشية (الثالث الهجري)، في «الفلاحة النبطية» وراء ظهره، بأن بابل لم تكن عربية. كذلك في ظل التعصب الأعمى، والذي دفع كردياً لتمزيق جواز سفره العراقي، يستحيل أن تقنعه بأن أربيل أيضاً لم تكن كردية، كان اسمها «أربلا» أو «أربا- أيلو» (أربعة آلهة)، واشتهرت بعبادة عشتار البابلية، لذا سُميت في الكتابات القديمة «عشتار أربلا» (باقر وسفر، المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة).

 

على صعيد المذهب، يشتغل المهتمون من رجال الدين بتراث العراق القديم، لكن الغرض هو تأصيل وجود آل البيت في ذلك تاريخ لا أكثر، فآل البيت، حسب ما ذهبوا إليه، ليسوا عرباً ولا قريشيين (!) وقد صنَّف أحدهم كتاباً في الموضوع! على أن هذا الأمر مأخوذٌ بشكل فعلي في مؤتمرات جامعات عراقية كسبق علمي!

 

يُراد بذلك تأكيد ما ورد في قصص الإخباريين، ومنها خلق الأئمة قبل «آدم وحواء»، بل جاء في بعض الكتب أنهم «خُلقوا قبل الكون من النور». لو بقي الأمر عقيدة مذهبية لا نعترضها، لكن معتنقها صار موجهاً للتعليم والثقافة. بطبيعة الحال، هذا ما لا يدعيه آل البيت أنفسهم، وعليه تأسس التمادي في الطقوس، حتى بات الفصل بينها وبين الحسين الإنسان والإمام عصياً.

 

على المنوال نفسه انفصل الكردي عن الأجيال التي يتحدث عنها بهذا التعصب، ونسي أن العرب يمجدون صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ)، وكان كردياً، وهو عنده: «صلاح الدين قرمان»، أي البطل. لم تتمرد أربيل على حاكمها التركماني مظفر الدين كوكبري (ت 630هـ)، والمعين من قبل الأيوبي الكردي، ولا على حكامها غير الكرد في التاريخ!

 

صار التاريخ عجينة يشكلها الأفراد والأحزاب حسب توجهاتهم، فخلال الأيام التي سبقت استفتاء إقليم كردستان، فجأة صار الكردي عدواً لدوداً، وتحولت مواكب حسينية إلى ساحة تحريض ضده، انتهى التحالف بين الأحزاب الشيعية والكردية، وسقطت ديباجة الدستور «نحن أبناء وادي الرافدين»، والكل عاد إلى التاريخ، الذي شكَّله بنفسه، غير مفكر بالفرق بين ألف وعشرة آلاف عام، وماذا حصل خلالها من تبدل الأجناس والمذاهب. تجاوبت الأحزاب مع حماس جمهورها التائه، بعد تركه للتعصب، فالانتخابات قادمة، ولا برنامج مثير أكثر من الكراهية.

 

من يتأمل التاريخ وأدواره سيتواضع، وسيقول لنفسه: مهلاً، لا «أربلا» كردية ولا «بابل» ولا «أكد» ولا «سومر» شيعية أو سنية. يمكن وصف تمثل التاريخ بهذا العِصاب أنه «التنجيم بالماضي»، وللمعري (ت 449هـ) في «لزوم ما لا يلزم»: «يُنجمون وما يدرون، لو سئِلوا/ عن البعوضة، أنَّى منهمُ تقفُ/ وفرقتهم على عِلاتها مللٌ/ وعند كلِّ فريق أنهم ثقفوا/ ولو درّت مخازيهم، بيوتهمُ/ هوت عليهم ولم تنظرهم السُّقفُ».

ت عنوان المقالة او الافتتاحية اسم الكاتب مكان النشر
11  من برشلونة إلى أربيل

 

 

غسان شربل

 

 الايام البحرينية
 

جاري البريطاني متوتر منذ أيام. يتابع الصحف وينقب في الشاشات والمواقع الإلكترونية. يشم رائحة كارثة مقتربة. نسي «بريكست» وأوجاعه الحاضرة والمقبلة. وتجاهل مؤتمر حزب المحافظين والخناجر المخبأة خلف الابتسامات. تشغله قضية أكبر وأخطر. ماذا سيحل بفريق برشلونة إذا انتهى الاستفتاء (البارحة) بإعلان استقلال كاتالونيا؟ سيكون الأمر كارثياً. سيغيب النادي العريق عن الدوري الإسباني المرصع بانتصاراته. سيغيب أيضاً عن الدوري الأوروبي الذي رسخ ألقه.

وجاري جدي جداً. لا يعتقد أن من حق حفنة من السياسيين الكاتالونيين أن يقامروا بمصير نادٍ يعتبر وساماً في تاريخهم المعاصر. لا يقر أيضاً للمقترعين أنفسهم بحق تهديد مصير قصة نجاح. هذه القصة لم تعد ملك المدينة أو الإقليم. إنها ملك من أحبوا رؤية «الجنرالات» الذين حملوا راية النادي ودفعوا المستديرة الساحرة إلى شباك الآخرين. قال الرجل إن على الشعوب ألا تُصاب بالتوتر القومي والشعبوي كلما فتحت صناديق الاقتراع، وأنَّ على الكاتالونيين أن يتذكروا أن بعض من صنعوا نجاح نادي برشلونة جاءوا من جنسيات أخرى ومن تحت أعلام أخرى .

حاولت أن ألفته إلى أن المسألة أخطر من مصير نادٍ. قال إنه ليس خائفاً على هذا الصعيد. الأوروبيون طلقوا عادة الحرب الأهلية ورسم الحدود بالدم. الانفجار اليوغوسلافي كان حادثاً عارضاً واستثنائياً. استوعبت مؤسسات القارة القديمة حدثاً بحجم حرب عالمية هو اندحار الاتحاد السوفياتي وفراره إلى غبار المتاحف. ثم إن الوقائع الاقتصادية لن تتأخر في تبريد الرؤوس الحامية وتفكيك هالة الشعبويين.

لا يعتقد جاري أن كاتالونيا ستقفز من القطار الإسباني الذي تستقله منذ خمسة قرون. محاولاتها السابقة لم يكتب لها النجاح. ثم إنها في وضع تحسد عليه. إنها الأفضل بين المقاطعات الإسبانية. تبدو مميزة إذا قورنت أيضاً بمثيلاتها في أوروبا. اختلافها القومي لا يحتاج إلى تأكيد. نجاحاتها واضحة صناعياً ومالياً وسياحياً. ثقافتها ليست مهددة. وعاصمتها برشلونة من جواهر التاج الأوروبي ومن الأكثر دينامية بين مدن القارة اقتصادياً وثقافياً.

تبدو قصة كاتالونيا غريبة فعلاً. هل استيقظت لدى أهاليها تلك الجروح القديمة لتلتقي اليوم بمشاعر العداء للمؤسسة المركزية وبصعود الشعبويين وامتلاكهم قدرة استثنائية على التأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل ساهمت العولمة في إيقاظ الهويات الصغيرة وهذا الميل إلى العزلة والاستقالة من الأطر التي لا تحمل بصمة واحدة ولوناً واحداً؟ وهل هي الرياح نفسها التي هبت على كيبيك واسكوتلندا والتي ستعاود الهبوب على إقليم الباسك الإسباني إذا نفضت كاتالونيا يديها من الإقامة في البيت الإسباني؟ يستطيع الكاتالونيون التذرع بأن الشرعية الدولية تحدثت عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. لكن الواضح هو أن هذا الحق إنما سجل لدعم شعب يرزح تحت الاحتلال أو أقلية مهددة بالإبادة على يد سلطة مستبدة دموية. هذا لا ينطبق بالتأكيد على وضع كاتالونيا الحالي. طبعاً لا يمكن إنكار أن إسبانيا فرنكو أضعفت صوت الكاتالونيين وحاصرت لغتهم وثقافتهم، لكن فرنكو غارق الآن في مقابر التاريخ مع قراراته وارتكاباته.

لكل قومية أو مجموعة جروح تركها التاريخ تحت جلدها أو في أنفاق الروح. لكن كاتالونيا لا تستطيع التحدث عن عذابات استثنائية في العقود الماضية. لا تستطيع مثلاً التحدث كإقليم كردستان عن عمليات الأنفال التي أدّت إلى مقتل 180 ألف شخص وتدمير الكثير من القرى. وليس لدى برشلونة قصة ترويها من قماشة قصة حلبجة التي تعرضت لـ «ضربة خاصة» بناءً على نصيحة «علي الكيماوي». والأكيد أن مدريد لم تقم بوقف رواتب إقليم كاتالونيا ولن تفعل. ومن حسن حظها أنها لا تحمل مثل هذه الجروح والقروح.

أوروبا شيء والشرق الأوسط الرهيب شيء آخر. نحن في الجزء الأكثر هشاشة من العالم. نشرب من منابع الخوف ونسقي أطفالنا. خرائطنا هشة. ودولنا هشة. ودساتيرنا كرتونية. إذا اقتلعت الرياح المستبد حارس الخريطة ومفخخها تتناثر البلاد ميليشيات ميليشيات.

كلما لفظ زعيم كردي كلمة الدولة المستقلة اندلع الزلزال. مناورات عسكرية على الحدود. وخوف من السابقة وتهور الأقليات المشابهة. قرع طبول ورائحة حروب. البارحة، حدّق الخبراء الأوروبيون بالاستفتاء الكاتالوني. قالوا بوضوح إن إعلان استقلال كاتالونيا لن يؤدي في حال حدوثه إلى قيام دولة مستقلة. مدريد تعتبر الاستفتاء غير شرعي وغير قانوني. الدول الأوروبية لن تعترف بأي كيان ينبثق منه. القوة ليست حلاً في مواجهة ملايين المقترعين. القوة تصبّ ماءً في طاحونة المتطرفين. الخيار الوحيد هو الحوار. بعض الخبراء يعتقد أن إنقاذ وحدة إسبانيا يستحق الذهاب إلى صيغ أخرى ربما تكون الكونفدرالية بينها.

أغلب الظن أن حيدر العبادي ومسعود بارزاني تابعا أمس مجريات الاستفتاء الكاتالوني. يعرف الرجلان أن ثقافتنا لا تؤمن كثيراً برقصة التانغو، حيث على كل راقص أن يضبط حركاته على حركات شريكه. يعرفان أن ثقافتنا لا تسهل الزواج المتكافئ ولا تبيح الطلاق المخملي. ومع ذلك لا جدوى من قرع الطبول وتلميع الخناجر. يكفي العراق ما عاناه. يكفي الأكراد ما عانوه. لا بدّ من طاولة وأفكار جريئة خلاقة. يستحق إنقاذ العراق البحث في خيارات كثيرة قد تكون الكونفدرالية بينها.

القصة في كاتالونيا أبعد من مباراة بين فريق برشلونة وريال مدريد. والقصة في العراق أبعد من عضّ الأصابع بين أربيل وبغداد. الإقرار بفشل التعايش خطوة قاتلة على حدود الدول وداخلها. لا بدّ من إنقاذ التعايش حتى ولو استلزم قرارات مؤلمة. لم يفت الأوان بعد لا في مدريد وبرشلونة ولا في بغداد وأربيل.

اترك تعليقاً

Top