انت في
الرئيسية > مقالات > دوافع إلقاء اللوم على التحالف الدولي

دوافع إلقاء اللوم على التحالف الدولي

 

د. نزار السامرائي

بين آونة وأخرى وخاصة بعد أن تخفق قوات الحكومة في تحقيق انتصارات عسكرية وعدت بتحقيقها في زمن معين وفي جبهة محددة على تنظيم الدولة الإسلامية، يخرج علينا مسؤول في حكومة العبادي أو أكثر بتصريح ناري يحمّل فيه التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة مسؤولية تلك الإخفاقات، مطالبا بمزيد من الدعم المتعدد الأوجه، ومن مفارقات موقف حكومة العبادي أنها تجأر بالشكوى من عدم جدية الجانب الأمريكي في تجهيزات السلاح والعتاد الحربي، لتتماهى مع الشكاوى التي ضجت بها ومنها مؤتمرات بعض شيوخ العشائر السنية التي تلقي باللوم على الحكومة لأنها لم تسلمها السلاح المطلوب لمواجهة العدو نفسه في تبرير عجزها عن تنفيذ تعهدات “شيوخ الصحوة” عن استرداد بعض المناطق تم الإعلان عن أن استعادتها ستتم في غضون شهر كحد أقصى.

فلا الحكومة كفت عن الشكوى على الرغم مع أنها تعي جيدا أن صفقات السلاح ليست كصفقات الرز أو القمح أو السكر، فهي صفقات سلعة سياسية استراتيجية أولا وأخيرا ولا تعقد إلا بين دول تربط بينها وشائج قوية، وتتم التوصية بإنتاج نوعيات الأسلحة والأعتدة المطلوبة في المصانع المتفق على عقد صفقات سلاحها، إلا إذا نظرت الولايات المتحدة إلى العراق باعتباره البلد الأكثر رعاية وحينها سيتم التعامل معه كما يتم التعامل مع إسرائيل التي تجهز بالأسلحة الأمريكية من موجودات الجيش الأمريكي وخاصة أثناء الأزمات الكبرى كما حصل في حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، ثم إن السلاح الذي تطالب به الحكومة يخضع لمعايير خاصة لاسيما أمن السلاح وعدم تسربه أو تسرب أسراره إلى جهات أخرى، وفي حال عدم توفر هذه المعايير فإن الجهات المجهزة ستمتنع عن التجهيز أو تحترز بدرجة أكبر.

ولا الصحوات الجديدة توقفت عن الشكوى أيضا، وربما تلتقي الحكومة مع الولايات المتحدة في مخاوف مشتركة من أن السلاح ما لم يخضع لضوابط الرقابة الدقيقة، فقد يذهب إلى أيد لا تريد الحكومة وصوله إليها وهي نفس الحجة التي تتذرع بها واشنطن في تبرير التلكؤ في إمدادات السلاح إلى العراق.

لكن هل تبدو شكاوى حكومة حيدر العبادي من التباطؤ الأمريكي في الدعم العسكري وخاصة ما ورد على لسان وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، شكاوى نزيهة ولا تستبطن هدفا آخر غير ما تم الإعلان عنه؟

يمكن أن نجد تفسيرا واقعيا لمقاصد تصريحات المسؤولين السالفة في حكومة العبادي من خلال ما صدر عن عدد آخر منهم، فلو عدنا إلى كلمة هادي العامري قائد فيلق بدر ووزير النقل السابق وقائد الحشد المسمى بالشعبي أمام مؤتمر “الوحدة الإسلامية” في طهران، والتي قال فيها “لولا الدعم الإيراني في الحرب على الإرهاب لكانت حكومة العبادي حكومة منفى، وإن الحشد الشعبي قادر لوحده على تحرير أرض العراق كلها وكذلك تحرير مدينة عين العرب السورية من سيطرة داعش”، فإننا سنجد أكثر من خيط يربط بين هذا الخليط غير المتجانس في التركيبة القائمة للحكم في المنطقة الخضراء.

من المعروف عن هادي العامري أنه الصديق اللدود لحيدر العبادي والذي يحمل ضغينة طافحة عن كأسها على رئيس الوزراء الذي أصر على استبعاده من حقيبة الداخلية، على الرغم من الضغوط التي مارستها طهران لصالح فرض في ذلك المنصب، ويبدو أن العامري لا شغل لديه إلا وضع المسامير في طريق سيارة العبادي لتأكيد فشله وخاصة في الملف الأمني، وربما حال الجعفري لا يختلف عن حال العامري إلا بالتفاصيل والدوافع، فالجعفري كما هو معروف هو زعيم سابق لحزب الدعوة وسقط نتيجة “مؤامرة” قادها المالكي ولم يكن العبادي بعيدا عن بعض خيوطها بالمشاركة الفعالة أو بالصمت ذلك أن الجعفري عندما خرج من رئاسة الحكومة رغما عنه خرج من حزب الدعوة بإرادته الحرة وشكل تنظيما جديدا أسماه “كتلة الإصلاح ولم يذهب معه إلا فلح الفياض، وبقي حيد العبادي عضوا في المكتب السياسي لحزب يقوده المالكي شخصيا.

ولأن العبادي جاء إلى رئاسة الحكومة بضغط أمريكي قوي رغم أنف المالكي وطهران، فيبدو أن كل من يشعر بضياع الفرصة التي كانت مضمونة مع المالكي، بدأ يبحث تعويضا أيا كان شكله، فإن لم يكن بنجاح شخصي فعلى الأقل بإفشال الطرف المنافس، لأن في إخفاق الخصم نصف نجاح، هكذا يفكر الفاشلون ويرون أن فشل خصومهم تغطية كاملة على فشلهم.

يرى كثير من مراقبي المشهدين الأمني والسياسي في العراق أن هناك هدفا واحدا لكل هذه الضجة المدروسة والمعبر عنها بأصوات عالية، عن ضعف الدعم الدولي للعراق في الحرب على الإرهاب أو عدم توفره أصلا، يتجسد هذا الهدف حصرا في تمهيد الطريق للتوجه نحو إيران طلبا لتدخل أوسع سواء بالتجهيز أو بإرسال المقاتلين من الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي إلى مزيد من الالتحام مع المشروع الإيراني، ولا يقتصر الأمر على الشلة الحاكمة في بغداد أو في طهران في هذا التوجه، بل تشارك به الولايات المتحدة أيضا عن وعي لما تقدم عليه فهي تعي جيدا أن عدم تقديم العون لحكومة بغداد سيعطيها المبرر للذهاب إلى إيران الموجودة أصلا في العراق، وهذا جزء من التفاهمات الأمريكية الإيرانية والتي تشمل إطلاق يد إيران كعنصر توازن استراتيجي في المنطقة وخاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مقابل تنازلات شكلية في الملف النووي الإيراني والتي بإمكان الزعامة الإيرانية التراجع عنها بقرار سياسي واحد في بلد عرف عنه عدم احترام الالتزامات العهدية مع الآخرين، بعد أن يتكرس نفوذها وقدرتها على المناورة والمساومة والتلويح بما تحت يدها من أوراق وأدوات لإلحاق الأذى بمصالح الدول العظمى أو التلويح بذلك من باب فرض الأمر الواقع على دول المنطقة التي ما تزال ترافس في مواضعها ضد التمدد الإيراني ولكن من دون جدوى.

اترك تعليقاً

Top