انت هنا في
الرئيسية > مقالات > التظاهرات والمال العراقي اليتيم د . نزار السامرائي

التظاهرات والمال العراقي اليتيم د . نزار السامرائي

 

 

نهاية تموز الماضي انطلقت في مدينة البصرة تظاهرات حاشدة كانت الشرارة الأولى لتظاهرات عمت معظم المدن العراقية وخاصة مدينة بغداد، وأخذت هذه التظاهرات طابعا مطلبيا ولكنها في واقع الحال كانت ذات أهداف أبعد بكثير من الشعارات المعلنة، فالغاطس الحقيقي لدوافع تلك التظاهرات كان يغوص في أعماق الإخفاق المدوي للعملية السياسية التي أقامها المحتلون الأمريكيون والتي بنيت على المحاصصة الطائفية العرقية، مما وفر المناخ المناسب لرموز هذه العملية ممارسة أعلى درجات الإفساد من خلال مظلات الحماية التي وفرتها الكتل السياسية التي رفعت شعارات دينية وتمترست وراءها لأكبر عملية نهب منظم لثروات البلد لحماية المنتمين إليها من أية مساءلة قانونية أو مسؤولية أخلاقية، ومن أكبر المفارقات في تاريخ اقتصادات العالم أن موارد بلد خلال ثلاث عشرة سنة زادت على ترليون دولار ولكنها لم تستطع معالجة مشكلة الكهرباء أو مشكلة الماء الصالح للشرب أو المشتقات النفطية وأصبح الاقتصاد العراقي اقتصادا ريعيا إذا قطعت عنه المداخيل النفطية فسوف ينهار تماما، فتبخرت تلك الأموال الطائلة من قبل مسؤولين فاسدين أطالوا لحاهم وصبغوا جباههم بعلامات توحي بكثرة السجود، فعلوا ذلك من دون رادع من ضمير، فتحت حرارة الشعارات البراقة عن الاستقامة التي أمر بها الإسلام والأئمة من آل البيت، أتخمت أرصدة المسؤولين الكبار والصغارومحاسيبهم وحاشياتهم في بنوك العالم في حسابات سرية فاقت كل التصورات، كما أن العقارات والمتاجر والفنادق والشركات كانت تنتقل في ظروف سرية إلى مالكين جدد من حملة الجنسية العراقية في دبي وبيروت وعمان ولندن وحيثما أتيحت الفرصة للمال اليتيم أن يدخل بحرية ومن دون حواجز أو رقابة على الذمم.

فالفساد اليوم في العراق هو المؤسسة الوحيدة الناجحة والتي حققت مستوى خارقا وخرافيا في معدلات النمو لا يضاهيها أي معدل آخر في العالم، ولم تستطع كل محاولات الحد منه وذلك لأنها لم ترتق إلى الحد الأدنى من الجدية، ولأن كل الجهات الموكلة إليها مهمة التطهير والمناطة بهم مسؤولية ملاحقة ملفات الفساد هيمنأكبرأعمدةالفسادفي العراق وهي من الحيتان الكبيرة التي خرجت من مجهول سراديبها المعتمة إلى عالم جديد وفضاء مفتوح وغريب عليها بكل إغراءاته الصادمة والمفضية إلى انعدام الوزن وفقدان التوازن الأخلاقي وتلاشي القدرة على مقاومة مغريات الإثراء من المال العام بأسرع وقت لأنهم يعتقدون أن عمرهم في السلطة قصير وقصير جدا ولا يسمح لهم بتفويت الفرصة السانحة.

إن أصحابالأسنةالطويلةالذين يكثرون من الأحاديث المنمقة عن مكافحة الفساد والمحافظة على المال العام من السرقة والنهب،يؤكدون بسلوكهم المنحرف أن العراق بلد يزدحم بكل التناقضات الصارخة والنفوس المجبولة على الغش والكذب والرياء لأطراف العملية السياسية الذين يظهرون الزهد والورع ولكنهم من الداخل منخورون حتى العظم بكل الأمراض النفسية والاجتماعية، ويحملون أشد أنواع الفيروسات فتكا وهي فيروسات الظهور بوجه من التقى والنظافة، واستبطان شخصية فاسدة لا تعترف بالقيم ولا تتمسك بشيء من الشعارات التي ترفعها بلا كلل أو ملل وصدعت رؤوس العراقيين بها من ثلاثة عشر عاما.

ولسنة جديدة وبنجاح ساحق يتربع العراق تحت حكم العملية السياسية الفاسدة والمعزولة على مستوى الشارع العراقي، على عرش أكثر دول العالم فسادا، وهذا حكم عام لا قيمة له إذا أخذناه بشكل مجرد عن حجمه الحقيقي، فعلى سبيل المثال فإن الفساد في وزارة الكهرباء في العراق لوحدها على سبيل المثال لا الحصر هو أكبر من حجم الفساد في كل الدول التي وضعت قبل العراق وبعده حتى التسلسل العاشر وربما بعشرة أضعاف، ومع ذلك فإن الطاقة الكهربائية في حالة تراجع مستمر بحيث بات العراقيون ينظرون بحسرة إلى بلدان كانت تتمنى أن تصبح مثل بلدهم ولكنها انتقلت من القرن العشرين إلى القرن الواحد والعشرين بخطوات هي أقرب للقفزات الكبرى، فجعلت العراق يلهث وراءها بمراحل، بحيث يستطيع المراقب أن يجري مقارنة بين العصر الحجري ويمثله العراق، وبين القرن الواحد والعشرين والذي تمثله دول كانت تلهث وراءه بعقود طويلة إن لم تكن بقرون.

ومع أن الجرح أعمق من قضية الكهرباء وعلى الرغم من أن جوهر محنة العراق يرتبط بالعملية السياسية التي تلقفها مسؤولون فاسدون لا يمكن إصلاحهم، فإن التظاهرات التي شهدتها مدن العراق تلقفت هذا المقطع من المشهد المأساوي وجعلت منه جسرا للوصول إلى هدفها في رفض العملية السياسية نفسها وليس إفرازاتها فقط، ولأن الجماهير العراقية التي نزلت إلى الشارع تعي جيدا التوازنات السياسية التي أوجدها الاحتلال الأمريكي ومن بعده الاحتلال الإيراني الذي تغلغل في أدق مفاصل الدولة العراقية وأصبح يمتلك القدرة على تحريك أدواته من كتل وأحزاب مدعومة بمليشيات تزيد على أربعين مليشيا كلها تتحرك بريموت كونترول يمسك به الجنرال قاسم سليماني، لهذا كله لم يكن بميسور القوى المنتفضة في بغداد وحتى البصرة أن ترفع شعارات أقوى مما رفعته حتى الآن وعلى الرغم من أنها كانت تبدو وكأنها تسير في حقل ألغام، إلا أنها امتلكت من شجاعة رفض استغلال الدين في تمرير مشاريع سياسية معروفة الأهداف والتوجهات، وهذا يحسب للمتظاهرين أنهم تحدوا سطوة رجال الدين في مناطق نفوذهم التقليدية ولم يأبهوا لردات الفعل الساخطة من طبقة رجال الدين التي أرادت تخدير العراقيين بشعارات لا رصيد لها على الأرض وذلك من أجل إبقاء المواطن في أضعف حالاته مما لا يجعله قادرا على التصدي لسراق ماله وبلده وتحويله إلى خزينة من دون حراس.

فهل يستطيع العراقي أن يعلق آمالا على الحراك الشعبي الحالي ويعتبره الرافعة التي تنقله إلى عالم جديد؟

من المعروف أن المفسدين المستهدفين بهذا الحراك بدأوا بتنظيم خطوطهم الدفاعية لامتصاص زخم حركة الرفض الشعبي، مستندين على ما أقاموه من قواعد طفيلية وسلطة فاسدة وأجهزة أمنية غير مهنية ومليشيات طائفية مدعومة بالمال السياسي المنهوب من خزينة الدولة، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية من التعاطي مع التظاهرات وهي مرحلة تطويق المتظاهرين واتهامهم بكل ما يرد في العقول المريضة التي أحست بأنها كانت تقف على فوهة بركان ثائر.

إنه صراعات إرادات أبدي، ومخطئ من يظن أنه قادر على قمع شعب بأدوات السلطة وخاصة إذا كانت أدوات متهاوية وفاسدة كما هو الحال في عراق الاحتلالين.

 

اترك تعليقاً

Top