انت هنا في
الرئيسية > مقالات > الانتخابات التركية.. من الخاسر؟ اعداد سعد العزاوي

الانتخابات التركية.. من الخاسر؟ اعداد سعد العزاوي

 

الانتخابات التركية.. من الخاسر؟

محمود عثمان – خاص ترك برس
في كلمته عشية الانتخابات من على شرفة مبنى الحزب هنأ رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو جماهير الحزب المحتشدين أمام المبنى بالنصر المبين “الذي لا شك فيه ولا غبش حسب تعبيره”، حيث حصل حزبه على المرتبة الأولى بنسبة أصوات تكاد تساوي مجموع أصوات حزبي الشعب الجمهوري، والحركة القومية الذين يليانه ترتيبا.
قد يكون داود أوغلو محقا إذ أن حزب العدالة والتنمية فقد رئيسه المؤسس رجب طيب أردوغان الذي أصبح رئيسا للجمهورية، إضافة إلى تجديد ثلث مرشحيه للبرلمان بسبب مادة في نظامه الداخلي تحظر على منتسبيه الترشح لعضوية البرلمان أكثر من ثلاث دورات برلمانية، الأمر الذي أدى إلى خسارة كثير من الكوادر المؤسِسة صاحبة الكفاءة والخبرة على حساب ضخ دماء جديدة وإفساح المجال لجيل الشباب كي يأخذ دوره في إدارة الحزب والدولة. كما أن حزب العدالة والتنمية من لدن تأسيسه وحتى اليوم لم يخسر ولا دورة انتخابية واحدة، بل فاز على منافسيه في جميع الانتخابات – بما فيها الانتخابات الأخيرة الحادية عشرة – بفارق كبير في الأصوات. يبقى من نافلة القول أن نسبة 41% تعتبر رقما قياسيا إذا ما قيس بالمعايير الغربية الأوروبية.
من جهته اعتبر حزب الشعب الجمهوري نفسه منتصرا لأنه حافظ على ترتيبه ونسبة أصواته مقابل تناقص نسبة مؤيدي حزب العدالة والتنمية!. وقد صرح رئيسه كمال كلجدار أوغلو بألا شيء يدعوه للاستقالة! رغم حصول حزبه على نسبة 25% بدل 35% النسبة التي حددها هدفا وعد به جماهير حزبه.
حزب الحركة القومي الذي أضاف إلى رصيده 27 نائبا إضافيا في عدد مقاعده في البرلمان مقابل زيادة ناخبيه بنسبة 3.5% فقط!. يعتبر نفسه أول الرابحين في هذة الانتخابات.
وكذلك هناك إجماع داخلي ودولي على أن الفائز الأول في هذه الانتخابات هو حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي). إذ حصل بضربة واحدة في أول انتخابات يخوضها بنفسه كحزب على نسبة 13.1% أكسبته ثمانين مقعدا في البرلمان.
مما تقدم نلاحظ أن الجميع رابح في هذه الحالة، فمن الخاسر إذا؟!
قبل البحث عن الجواب لا بد من الإشارة إلى أن الربح قد لا يأتي بالرضى، وأن معايير الربح والخسارة نسبية في العملية السياسية. فقد يحصل حزب ما على الدرجة الثالثة لكنه يكون مفتاحا لأي تشكيل للحكومة فيصبح في المرتبة الأولى من حيث الأهمية، وقد يحصل على مكاسب سياسية أكبر من حجمه بكثير. وعليه فإن أحكام الربح والخسارة تبقى مرهونة بما ستنجلي عنه الأيام القادمة من نتائج.
لكن هذا كله لم يحل دون حالة الحزن والاكتئاب التي خيمت على جماهير حزب العدالة والتنمية وسادت أوساطه، فقد كان سقف التطلعات لديهم يقضي بأن يتمكن الحزب من تشكيل الحكومة بمفره كما جرت العادة في السابق. ولئن حال الالتزام والانضباط – الموروثين عن الثقافة الإسلامية والتربية العثمانية – دون التلاوم وتوجيه النقد بشكل واضح مباشر، فإن أصواتا – لا تزال خجولة – صدرت عن بعض الإخوة الكبار (Ağabeyler) بدأت تدعو إلى التوقف مع الذات ومحاسبة النفس. فهم يعتبرون أن البقاء في السلطة مدة طويلة أصاب كثيرا من كوادر الحزب بالغرور والشطط وربما الفساد، وأن ما حدث إنما هو إيقاظ وهزة و(فركة أذن) من شأنها أن تعيد الناس إلى رشدهم. وقد يكون هذا هو مغزى استدعاء قيادة الحزب لشريحة كبيرة من مؤسساته للشورى والتباحث في نتائج الانتخابات ومآلات الأمور، فقد تم توجيه الدعوة لرؤساء البلديات ورؤساء فروع الحزب في جميع المحافظات إضافة إلى أعضاء الأمانة العامة، للتشاور من جهة ولتحمل المسؤولية واستشراف المستقبل من جهة أخرى.
هذا على صعيد الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية فما هي الحال بالنسبة لبقية الأحزاب؟
لا تغيير متوقعا في جهة كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومي الذين يعيشان حالة استعصاء حزبي وعقم في انتاج قائد يتمتع بالكاريزما السياسية يستطيع الوقوف في وجه تغول حزب العدالة والتنمية.
يبقى الحراك الأنشط والتفاعل الأكبر على جبهة حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) الذي يبدو أنه لبس – وربما ألبس – ثوبا أكبر من مقاسه. إذ أنه أمام استحقاقات كبيرة وامتحانات كثيرة، لعل أولها الاستقلالية وأخذ زمام المبادرة ومباشرة العمل السياسي كأصلاء لا وكلاء كما جرت العادة في السابق، حيث كانت كوادر الحزب تتلقى تعليماتها من الزعيم عبد الله أوجلان القابع في السجن، ثم تناقشها مع القيادة العسكرية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني PKK القابعة في جبل قنديل وبعدها تتحرك في الميدان السياسي بناء على ما تم الاتفاق عليه.
لكن الانتخابات الأخيرة أفرزت وضعا جديدا مختلفا عن سابقه، لأن شرائح المتدينين الأكراد والليبراليين والإسلاميين من جماعة فتح الله غولن التي كانت لها اليد الطولى فيما حصل عليه الحزب من نتيجة لن يروق لها الطريقة القديمة في التعاطي السياسي للحزب. وستبدأ تلك القوى بالضغط على الحزب لجره إلى ساحة المشاركة الإيجابية الفعالة عوضا عن حالة السلب والعقلية المليشياوية التي كانت تميز تعاطيه السياسي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى الاختلاف الجوهري بين كيميائية هذه الشرائح وطبيعة حزب الشعوب الديمقراطي. مما يرجح القول بأن الأصوات التي ذهبت للحزب من تلك الشرائح إنما أمانة يستردها صاحبها – حزب العدالة والتنمية – في أقرب استحقاق انتخابي.
لست من محبذي نظرية المؤامرة ولا من مروجيها لكن بعض المصادر تشير إلى تعاون قوى داخلية وخارجية على ضرب عصفورين بحجر واحد بهدف تقويض عملية “السلم الداخلي” – كما تسميها الحكومة أو المصالحة مع الأكراد كما هو شائع – من أجل ذلك تم دعم كل من الحزبين القطبين المتطرفين قوميا حزب الحركة القومي التركي وحزب الشعوب الديمقراطي فهما الذين كسبا على حساب حزب العدالة والتنمية.
بهذه الطريقة سيتم إضعاف حزب العدالة والتنمية وكبح جماحه من جهة، وتصفية الدور السياسي لعبد الله أوجلان الذي رهن مستقبله السياسي بنجاح عملية المصالحة وكان شديد الحماسة لها على أن يبقى رمزا تاريخيا مجردا من الفعل السياسي.
الجولة الأولى التي تميزت باستقطاب سياسي حاد غير مسبوق تبدو لصالح الصقور على حساب الحمائم لكن يبقى قطف الثمار في النهاية هو الأهم!

هل تمّ تجميد تركيا الجديدة ؟
شرف أوغوز – صحيفة صباح – ترجمة وتحرير ترك برس
بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت قبل يومين، تذكرنا ما كنا قد نسيناه منذ ثلاثة عشر عام. فالذين كانوا ينتقدون تفرد حزب واحد في السلطة والقرارات التي كانت تتمّ اتخاذها خلال هذه الفترة، عليهم أن يقدّموا إيضاحاتٍ لحكومات التحالفات التي كانت مسيطرة قبل وصول العدالة والتنمية إلى السلطة.
أكثر من عشرة ملايين ناخب جديد، لم يدركوا عهد حكومات التحالف في تركيا. فالناخب التركي بعث برسالة التحالف والتحاور من خلال صناديق الاقتراع. لكن وللأسف فإنّ تاريخ التحالفات في تركيا خالٍ من النجاحات، فقد أثبتت فشلها على مدى عقود طويلة.
هناك عدد من المشاريع الضّخمة قيد الإنشاء مثل المطار الثالث في مدينة إسطنبول الذي يُعدّ من أكبر المطارات في العالم والجسر المعلّق الثالث بالإضافة إلى الخطوط الحديدية ونفق أوراسيا وجسر الخليج الذي يربط مدينة إسطنبول بمدينة إزمير. فهل ستستطيع حكومة التحالف الاستمرار في تنفيذ هذه المشاريع الكبيرة وهل ستتمكن هذه الحكومة من تقديم الدّعم اللازم لهذه المشاريع؟.
اعتقد أنّ حزمة الإصلاحات المعلنة بخصوص تركيا الجديدة والتي تضمنت مئة مادة ضمن خمسة وعشرين حزمة قد تجمّدت منذ صبيحة يوم الثامن من حزيران/ يونيو. مع العلم أننا كنا نهدف لدخول قائمة الدّول الأقوى اقتصاديا في العالم من خلال تحقيق إصلاحات جذرية في بنية الاقتصاد التركي. لكن صناديق الاقتراع قالت لنا بأن نتمهّل في تنفيذ الإصلاحات المنشودة.
عندما نلقي نظرة على نسب التضخم والفائدة والمشاريع الكبرى والاستثمارات الجديدة بالإضافة إلى البطالة التي من المتوقع أن ترتفع، فإنّ حكومات التحالف لا تبشّر بالخير حسب اعتقادي الشخصي.
ومع هذا الوضع الرّاهن لا بدّ أن نتساءل ما الذي سيحدث بعد الآن:
أعتقد أن تستمر حكومة الائتلاف التي سيتم تشكيها لمدّة ثمانية عشر شهراً ويحدث خلالها تراجع في كافة المجالات ويبدأ نظام الوصاية والبيروقراطية بالظّهور مجدّداً، حينها سنشعر بالحاجة الماسة لإدارة قوية كالتي كانت قبل السابع من حزيران/ يونيو وعندها فقط سنتمكّن من إعادة تنفيذ الأهداف المنشودة لعام 2023.

الفوز “المر” للعدالة والتنمية: في عودة “الإيديولوجيا” وأسئلتها

وائل مرزا – خاص ترك برس
المثلُ مع الفارق كما يقولون، ولكن.. قد يُذكرُنا موقف حزب العدالة والتنمية اليوم بيومٍ سابق في التاريخ الإسلامي: حين عَزلَ الخليفة عمر بن الخطاب القائدَ العسكري الفذ خالد بن الوليد من قيادة الجيش الإسلامي.
جاء قرار العزل في وقتٍ كان فيه أداءُ ابن الوليد في قمته. لكن القرار صدرَ في ذلك الوقت بالذات لسببٍ استراتيجي: كي لا يغفلَ الناسُ عن (عالم الأسباب)، ويعتقدوا أن مجرد وجود ابن الوليد بشخصه في موقع القيادة كفيلٌ على الدوام بصناعة الانتصارات.
ثمة فرقٌ بالتأكيد بين موقع عمر وموقع الشعب التركي الذي أخذَ القرار هذه المرة، تماماً كما أن ثمة فرقاً بين خالد وحزب العدالة والتنمية الذي أخذَ العلم بالقرار المذكور.
لكن التاريخ معرضُ التجارب والدروس، واستقراؤها لايضرُ على الإطلاق، إن لم ينفع. والحدثُ التركي الأخير مدعاةٌ للمراجعات، ليس فقط على المستوى المحلي السياسي في تركيا، بل وعلى مستوى الفكر السياسي، والديني، الإنساني بشكلٍ عام.
لايخفى على مراقبٍ ماذا فعل حزبُ العدالة والتنمية بتركيا، ولها، على مدى اثني عشرَ عاماً. وإذا أخذنا بالاعتبار وضعَ البلاد، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، لايمكن وصفُ ماحدثَ في تركيا إلا بأنهُ قريبٌ من (المعجزة).
لكن وجهَ الإعجاز الأكبر في هذه التجربة لايكمنُ أبداً في الفهم الإسلامي التقليدي لمفهوم المعجزة، حيث تتدخلُ السماء بشكلٍ مباشر، يُخالفُ سنن الأرض وقوانينها، لتفرضَ واقعاً معيناً. على العكسِ تماماً، يكمنُ إعجاز التجربة التركية في (أرضيتها) الشديدة. في أنها صناعةٌ إنسانيةٌ خالصة. بل إنها، في جوهرها، تصحيحٌ جذري لمفهوم العلاقة بين الأرض والسماء. فضلاً عن كونها مثالاً متقدماً جداً لتلك العلاقة، كما أرادها الخالقُ أن تكون.
في هذا الفهم المغاير، يكون مطلوباً من الإنسان أن يُدرك، من جهة، وجود السنن والقوانين المذكورة، وثباتَها، وسَرَيانها على الجميع دون محاباةٍ أو تمييز، وأن يؤمن، من جهةٍ أخرى، بالكمون الهائل الموجود فيه، وأن يبذل المستحيل لإطلاق ذلك الكمون، عبر فهم تلك السنن والقوانين، والعمل وُفقها، وله أن يتوقع بعدها كل شيء، بكل بساطة.
هذا، ببساطةٍ أيضاً، مافعله إنسانُ حزب العدالة والتنمية. فحقق المعجزة. حسناً. ثمة دورٌ لمعاني (البركة) و(التيسير) في الموضوع. لكن هذا لايدخلُ، ابتداءً، في حسابات المعادلة المعقدة، إلا بعد أن تُوجدَ عناصرُها الأساسية، المحسوسة، المادية، الأرضية، البشرية. لهذا، يبقى دخولُ تلك المعاني في الحسابات أمراً وجدانياً (جُوانياً) في نهاية المطاف.
من هنا تحديداً، عادَ عالمُ الأسباب ليضع حزب العدالة والتنمية في هذا الموقف اليوم. ولو تعلق الأمرُ فقط بالبركة والتيسير، على أنها هي مداخلُ صناعة الواقع، بالفهم الإسلامي التقليدي لها، لكانَ الحالُ غير الحال.
هناك إذاً في عالم الأسباب مايمكن البحثُ عنه لتفسير الظاهرة. نحصرُ الحديث هنا في موضوعين. كيف يُصوتُ ستون بالمائة من الشعب ضد حزبٍ صنع معجزةً اقتصاديةً وتنمويةً في البلاد طاولَ أثرُها الإيجابي الجميع، تقريباً؟ هل يمكن ردﱡ الأمر، ببساطةٍ واختزال، كما يفعل البعض، إلى (جحودٍ) يسكن الشعوب بشكلٍ أو بآخر؟ يفتح السؤال الأول ملفاً رئيساً في الفكر السياسي يتمحور على مقولةٍ تؤكدُ أن النجاح (السياسي) لحزبٍ ما منوطٌ إلى درجةٍ كبيرة بأدائه الاقتصادي.
لاتَنقُضُ التجربة التركية الراهنة تلك القاعدة بشكلٍ نهائي فيما نرى، لكنها تُضفي عليها مِسحةً أكثرَ إنسانية. بمعنى، إنها تُثبتُ أن الإنسان يحتاج، دون جدال، إلى الكفاية في حاجاته المادية / المعيشية. لكن هذا لايعني بحال أن حساباته تتمحور، دائماً وأبداً، حول تلك الحاجات.
بل ربما تُثبتُ الواقعة التركية الأخيرة أن تأمين الحد الأدنى من الحاجات المعيشية للإنسان لن يكون إلا مدخلاً لانتقاله إلى الاهتمام بجانبٍ آخر من تكوينه البشري: الإيديولوجيا، بأشكالها المتنوعة. مامن شكٍ أن الإيديولوجيا تساهم في تفسير الحدث الانتخابي التركي إلى درجةٍ كبيرة. فكل المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن طبيعة التصويت لم يكن لها علاقةٌ بالوضع الاقتصادي والمعيشي، إلا في حالات هامشية لايمكن لها أن تؤثر في النتيجة النهائية بهذه الدرجة.
الحديث هنا بطبيعة الحال عن الإيديولوجيا بتعريفٍ مرنٍ يضعها في مقابل (البيولوجيا) التي تتعلق بالحاجات الإنسانية الأساسية. هكذا، نرى كيف وَصَلت، للمفارقة، التجربة السياسية لتركيا، ولحزب العدالة والتنمية إلى نقطةٍ صفرية.. فبعد أن بلغَ المجتمعُ التركي مرحلةً متقدمةً من الرخاء الاقتصادي، توقف زمن الحسابات الاقتصادية، وعادت حسابات الإيديولوجيا. فصوتت للحزب قواعدهُ (الأساسية)، التي تشكلت على مدى عقدٍ ونصف من الزمان بمزيجٍ من الأداء الاقتصادي والإيديولوجيا.
بالمقابل، صوتت ضده ثلاثُ كتلٍ أخرى، عادَ كلٌ منها إلى أجندته (الإيديولوجية)، بمعنىً من معاني الكلمة: ركز الأكرادُ على همهم (القومي)، وتعمق شعور أنصار حزب الحركة القومية بالخوف على (هويتهم) التركية بفهمهم الخاص لها، وبلغ أنصار حزب الشعب الجمهوري قمة الاستنفار الإيديولوجي (ضد) العدالة والتنمية، ومايرون أنه يمثله من إيديولوجيا إسلامية.
هي (عودةُ الإيديولوجيا) إذاً. وهذه تمثل درساً بالغ الدلالة لكل من يعتقد بإمكانية غيابها أو تغييبها، بالتركيز، مثلاً، على الاقتصاد والحاجات المادية الإنسانية. هل يمكن تعميم هذه النتيجة في أماكن أخرى من العالم؟ لايمكن النفي أو التأكيدُ بسهولة، والأمر يحتاج إلى دراسةٍ لايتسع لها هذا المقام.
أخيراً في هذا الإطار. مؤكدٌ أن هناك دوراً للإعلام، وآخر للاعبين الخارجيين. لكن هذين العنصرين لم يكن لهما ليلعبا الدور الذي لعباهُ لولا أن الإيديولوجيا نفسها، وقد عادت، أعطتهما تذكرة المرور للقيام بذلك الدور.
هل ساهم حزبُ العدالة والتنمية نفسه في تلك العودة؟ وماهي دلالات هذه المساهمة ودروسها فيما يتعلق بالمراحل القادمة؟ هذا هو موضوعنا الثاني.
ذَكرنا في مقالات سابقة أن التجربة التركية الراهنة، بقيادة حزب العدالة والتنمية، تستحق الدراسة على مستوى الفكر السياسي عالمياً، لأنها تُحاول، بجدية، تقديم نموذجٍ بديل في علم السياسة وممارستها، يُمكن فيه إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، بعيداً عن الفهم التقليدي الشائع في الأدبيات الإسلامية من جانب، وعن الفصل النهائي الكلي القاطع بينهما، من جانبٍ آخر.
من هنا تنبعُ أهمية النظر إلى السؤال أعلاه، والبحث عن إجابات له بكل مايمكن من صراحةٍ وشفافية. ومن مدخل المُراجعات الذي يُعتبرُ، أصلاً، عنوان التجربة التركية السياسية المعاصرة للعدالة والتنمية، والذي أعطاها فرادَتها وتميزها في جميع المراحل. الأمر الذي يفرض استمرار المنهج الذي يُعبرُ عنه ذلك العنوان.
لايُخفي حزبُ العدالة والتنمية، ولم يُخفِ يوماً، مرجعيتهُ الإسلامية، بمعناها الحضاري الواسع. والحقيقة أن برامجه السياسية، على مستوى النظرية والتطبيق، كانت على الدوام محاولةً مستمرة لخلق وإبداع وابتكار تنزيلات عملية لتلك القاعدة. تجلى هذا في جملة محددات من أهمها الاهتمامُ بالمقاصد بدلاً من القوالب والأشكال الخارجية، والتركيز على المضامين بدلاً من الشعارات والعناوين، وبعالم الحضور والشهادة بدلاً من الغرق في عالم الغيب، وباعتبار (الواقعية) السياسية والاجتماعية والاقتصادية ركناً أساسياً من أركان الفكر والعمل السياسيين.
بناءً على تلك المحددات، كان الحزبُ، ربما إلى قرابة عامٍ مضى من الزمان، يحافظ على توازنات حساسة وأساسية في كل مجال، كانت بِدورِها مصداقاً لحرصه على منهج (الوسطية)، بتعريفه الاستراتيجي المُعقد، وليس ببعض التعريفات الفقهية التقليدية لذلك المصطلح.
أي أن تعامل الحزب مع مسألة (الإيديولوجيا) وسؤالها كان يدخل أيضاً في إطار نموذجه المبتكر في الفكر السياسي. لكن رصدَ تطورات الأحداث، وتحليل بعض القرارات والممارسات، من خارج الماكينة السياسية، خلال العام الماضي، يحمل مؤشرات على اهتزاز بعض التوازنات التي كانت التجربة حريصةً عليها.
صحيحٌ أن النظر من الخارج قد يحمل في طياته جهلاً ببعض المُعطيات التي تتوفر لمن يُعايش العملية من داخلها، فيرى مالايراه المراقب الخارجي. لكن المعايشة الداخلية اللصيقة، خاصةً مع مايمكن أن يكون فيها من زخمٍ نفسيٍ وعملي، جارفٍ أحياناً، تحتاج على الدوام إلى مُعطيات النظرة الخارجية، وتستفيدُ منها بشكلٍ من الأشكال.
صحيحٌ أيضاً أن التجربة التركية الراهنة تتعامل، بشكلٍ متزايد، مع نظامٍ دولي لا يمكن القول بأنه محايدٌ تجاهها، وأن هذا يخلق تحديات معينة لايعرفها الكثيرون. لكن هذا العامل بذاته مدعاةٌ إلى البحث عن وسائل خلاقة للتعامل معه، لم تعدم التجربة فيما مضى سُبُلاً لإيجادها وتوظيفها بشكلٍ فعال.
من هنا، تطرح الأسئلة نفسها: من المؤكد أن الرئيس التركي شخصيةٌ سياسية استثنائية عالمياً، وليس على الصعيد المحلي التركي فقط، والواضح، بأقل درجةٍ من المتابعة، أن إسهامه الشخصي في تحقيق التجربة لإنجازاتها كبيرٌ ومُقدر. رغم هذا، هل كان الحضورُ الصارخ القوي له، سياسياً وإعلامياً، بعد الوصول لموقع الرئاسة، وبالشكل الذي عايشهُ الجميع، هو السيناريو الأنسب في إطار التوازنات المحلية والدولية؟
هل ساهمَ هذا الحضورُ الطاغي له في تهميش رئيس الوزراء، الذي أصبح عملياً رئيس الحزب، ويجب أن يستمر حضورهُ قوياً بشكلٍ واضح؟ وهل زادَ الأمرُ من (تخويف) الآخرين، داخلياً وخارجياً، إلى درجةٍ دفعتهم للوقوع في (رهاب) شخصيٍ ضد الرجل يدفع لاجتماعهم ضد الحزب، ووضع كل الخلافات جانباً؟ هل ساهمَ الحزب، دون قصد، في زيادة (الاستقطاب) في المجتمع التركي، من خلال توظيف ماكينة إعلامية ضاعفت في عيون الآخرين طغيان حضورهِ السياسي والاقتصادي والثقافي؟ هل كانت عمليات المراجعة الداخلية مستمرةً، وكل ماجرى أن الناس لم يسمعوا عنها؟ أم أنها توقفت، ولم تعد توجدُ في الساحة إلا أصوات الداعمين والمبررين لكل المواقف وكل القرارات، كما بدا لبعض المراقبين الخارجيين؟
هل تمت دراسة تفاصيل كل القرارات المتعلقة بالتعامل مع (الكيان الموازي) بشكلٍ علمي ومنهجي، وهل كان هناك اتفاقٌ على أنها هي القرارات الصحيحة؟ هل كانت القرارات المتعلقة بالشؤون الخارجية، على تنوعها وتعقيدها، جماعيةً ومؤسسيةً ومدروسة، كما كان الحالُ عليه دائماً؟ هل من المناسب أن يتم إخراج عملية الانتقال إلى (دولةٍ كبرى) في لَبوسٍ من الممارسات والقرارات ذات الرمزية (الإمبراطرية) في مثل هذا العصر؟ هل هذا ضروريٌ فعلاً، وبشكلٍ مدروس، بحيث يُشكل عامل (ردعٍ) مُسبق، نفسياً وعملياً، لكل من يقاوم ذلك الانتقال؟ أم أن الاعتماد على (القوة الناعمة) بمساراتها المُختلفة هو الأسلوب الأقرب للصواب؟
هذه الأسئلة، وغيرُها، أسئلةٌ كبرى تحتاجإلى إجابات. وهي بمجملها تدخل في إطار التساؤل الأكبر عن نصيب حزب العدالة والتنمية من استدعاء (الإيديولوجيا) بالدرجة (الاستقطابية) الحادة التي عادت بها إلى الساحة.
لقد ذكرنا سابقاً أن الهروب من (الإيديولوجيا) مشروعٌ مُستحيل. لكن المؤكدَ أيضاً أن التنازل أمام إغراءات بعض مكاسبها مدخلٌ للخطأ في الحسابات الاستراتيجية. وهو أمرٌ يتناقض جذرياً مع مشروع العدالة والتنمية، ومع نموذجه، ومع أساسيات مدرسته الفكرية.
فما الذي حصل؟ يعلم أهل العدالة والتنمية، أكثرَ من غيرهم، أن التعامل مع الأسئلة المطروحة وموضوعِها بمنطق الحشد والتبرير، والإحالة إلى العوامل الخارجية، لايُفيد في قليلٍ أو كثير. هذه ليست قاعدةً خارجية، وإنما هي من صُلبِ تكوين فكرهم السياسي وجذوره العميقة. يصدقُ هذا في الأحوال العادية، فكيف بمثل هذه الأحوال؟ ثمة نافذة فرصة في الموضوع، وفي تلك المساحة التي ذكرنا في البداية أنها تبقى “أمراً وجدانياً (جُوانياً)”، وقد يكون عنوان النافذة: (رُب ضارةٍ نافعة).. هنا تحديداً، يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يستذكر الدرس (العُمَري)، وأن يجعل قرار الشعب التركي فرصةً للعودة إلى المنهج والمسار.
د. وائل مرزا
باحث في العلوم السياسية، مهتمٌ بالشأن
التركي.

مظلومية الإسلاميين.. تأصيل تاريخي أم توظيف انتخابي

أحمد البرعي – خاص ترك برس
قبيل بدء الانتخابات التركية دأبت المعارضة على اتهام حزب العدالة والتنمية بشكل عام ورئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان بشكل خاص باللجوء إلى استحضار الشعور بالاضطهاد والظلم الذي تعرضوا له لاستعطاف الجماهير والناخبين وذلك بتصوير أنفسهم كضحايا ومضطهدين وهو ما من شأنه أن يمنحهم تعاطف الناس ذوي الانطباعات التدينية والطبقة المتوسطة والعاملة في المجتمع.
برز ذلك بشكل ملحوظ بعد الحكم على الرئيس المصري محمد مرسي بالإعدام فقامت إحدى جرائد المعارضة ” بنشر صورة للرئيس التركي أردوغان كتب تحتها رئيس حصل على نسبة 52% من الأصوات، وهي تقريباً نفس النسبة التي حصل عليها الرئيس التركي الطيب أردوغان، ومع ذلك فقد حكم عليه بالإعدام، مشيرة بذلك إلى أن أردوغان قد يواجه نفس المصير الذي سيواجهه مرسي.
وفي نفس السياق شن زعماء المعارضة حملة شعواء تصور أردوغان بالمخادع الذي يتظاهر بتعرضه للظلم والاضطهاد والمؤامرات الداخلية والخارجية وأنه يوظف ذلك عمداً ليكسب تعاطف الشعب ويدغدغ عواطفهم الدينية التي تكره الظلم وتناصر المظلومين. ففي معظم خطاباته الجماهرية، يهاجم رئيس حزب الشعب الجمهوري، وهو أكبر حزب معارضة أتاتوركي، يهاجم أردوغان قائلاً “يخرج علينا رئيس الجمهورية كل يوم ويقول إنه خرج إلى هذه الطريق لابساً كفنه، ومستعد للموت وأنا أقول له ما الذي حدث هل نشبت الحرب؟ هل أنت خارج للمعركة؟”.
من المعروف أن من عادة أردوغان في خطاباته أن يذكر الناس بتركيا قبل مجيء حزب العدالة والتنمية وكيف أنه كان يقف في طابور المستشفى بالساعات ليحجز دوراً لأمه المريضة، وكيف كان الناس لا يجدون الدواء ولا الماء، وكيف حرمت بناته من دخول الجامعات التركية بسبب الحجاب واضطره ذلك أن يرسلهم إلى الجامعات الأمريكية، وكيف تعرض هو للسجن بسبب أبيات من الشعر مسطرة في الكتب التركية، وكيف كان يتعرض للإهانة والسباب على مدار أربعين سنة من مشاركته في الحياة السياسية، وكيف ادعت المعارضة أنه ليس أهلاً لأن يصبح مختار بلدة، ولن يصبح رئيس وزراء ومستحيل أن يصبح رئيس الجمهورية وكل هذا غيض من فيض مما كان يتعرض له الإسلاميون وعموم الشعب تحت حكم العسكر التركي والأحزاب العلمانية الأخرى خلال العقود الماضية.
ولعلها لم تحدث في التاريخ أن يمنع الآذان باللغة العربية وينادى للصلاة من مآذن المساجد باللغة التركية إمعاناً في تغريب الشعب التركي عن عمقه الإسلامي ومحاولة صبغه بحضارة غربية طارئة عليه. فهل هذا كله استحضار للمظلومية واستعطاف للمشاعر كما تدعي المعارضة أم هو حق لمن ظلم أن يصدح بما تعرض له ويأصل للناس حتى لا ينسوا؟ أليس من الحكمة عرض الوقائع وتذكير الناس بالظلم والحقبة السوداء في حق الديمقراطية وحقوق الإنسان التي عاشتها تركيا تحت سهام العسكر؟ كما أليس الخطر حقيقة محدق بالإسلاميين وبرنامجهم أليست المؤامرات تحاك لهم من كل القوى الداخلية والخارجية؟ أم هو تهويل لاستثارة عواطف الناس باعادة انتخابهم لمنع العودة للظلم والقهر وأيضاً للحفاظ على الاستقرار التي تعيشة البلد؟
في أحداث جيزي بارك، تكالبت القنوات الإعلامية الدولية بشكل فج وصارخ للترويج لحملة تشوية للحكومة التركية ولشخص رئيس الوزراء التركي آنذاك الطيب أردوغان وأفردت الساعات من البث المباشر للأحداث التي حدثت في ميدان التقسيم في حينها. كما وتعود الآن، وبين يدي الانتخابات المقبلة، تعود جريدة نيويورك تايمز لحملة من التشوية، كما يصرح أردوغان في خطاباته، ضد الحكومة وضد شخصه وتستقوي بأمريكا والناتو ضد تركيا.
أقبل بعض زعماء المعارضة مرغماً الاعتراف ببعض الظلم الذي وقع على بعض الفئات المتدينة والمحافظة من الشعب التركي وقد يدعي البعض منهم أنه أيضا كافح وناضل من أجل حقوق هذه الفئات المهمشة والمضطهدة كما فعل صلاح الدين ديمرطاش، رئيس حزب الشعوب الديمقراطي، حين قال إن أخته محجبه وأنه قد ناضل من أجل حقوق البنات المحجبات في الالتحاق بالتعليم. ولكنهم وفي الوقت ذاته يواجهون استراتيجية المظلومية في حملاتهم الانتخابية بالادعاء بأن حزب العدالة والتنمية الآن حزب قوي، عنده إمكانيات جبارة وماكنة إعلامية وسياسية وجماهرية هي الأقوى والأكثر تأثيراً فلماذا يحرص دائماً على الظهور بمظهر المظلوم المضطهد وتصوير نفسه على أنه لا يزال يعاني من ويلات وسياط الظلام والمستبدين؟!
هذا هو عين النفاق الليبرالي والعلماني الذي يطالب الإسلاميين بالطوباوية ويستحضر دابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويطالبهم بعدم الشكوى والصبر والمسامحة وعدم بث روح الفرقة والعض على الجراح ونسيان الماضي في الوقت الذي لا يرون في نموذجهم الذي يقدمونه إلا كل جميل ما يدفع أحدهم للدعاء بالمغفرة للجنرال المنقلب الذي وافته المنية قبل أيام وفي الوقت ذاته يدعي أنه ناضل وقدم الكثير من أجل الحريات وحقوق الإنسان ويبقى السؤال هل كتب على المظلوم أن يتعرض للظلم ولا يتحضره حتى لا يتهم بأنه يعيش على المظلومية واستجلاب تعاطف الناس؟!!

نتائج الانتخابات التركية: الأسباب والسيناريوهات

علي حسين باكير – العرب القطرية
أظهرت عمليات الفرز في الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت في 7 يونيو حصول حزب العدالة والتنمية على %40.86 من الأصوات، وحزب الشعب الجمهوري المعارض على %24.96 وحزب الحركة القومية على %16.29 وحزب الشعوب الديمقراطية على %13.12، هذه النسب تعني أن توزيع المقاعد في البرلمان الذي يتألف من 550 مقعدا سيكون على الشكل التالي: العدالة 258، الجمهوري 132، القومي 80، والكردي 80.
في التعليق على هذه النتائج، لا بد من القول أولا إن هذه الصورة تحمل معها نتائج إيجابية وسلبية في الوقت نفسه. حجم المشاركة والتنافس الشديد في هذه الانتخابات عكس ظاهرة صحّية للديمقراطية التركية. ورغم عدم حصول حزب العدالة على أغلبية 276 مقعدا تؤهله تشكيل الحكومة منفردا (أي نصف مقاعد البرلمان+1)، إلا أننا لا يجب أن ننسى أنه لا يزال الأول وهذا يعني أنه يمتلك فرصا أكثر مقارنة بغيره من الأحزاب وأنه لا يزال الأكثر شعبية.
أما عن أسباب انخفاض الدعم لحزب العدالة والتنمية بنسبة حوالي %8 مقارنة بالانتخابات البرلمانية عام 2011، فأعتقد أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وأخرى فرعية تفسر ذلك. لقد أخطأ أردوغان عندما همّش عبدالله غول وأخرجه مضطرا من اللعبة، وأهمية غول لا تكمن فقط في كونه من مؤسسي حزب العدالة والتنمية، بل في قدرته على أن يجمع بين الشريحة المحافظة والليبرالية تحت سقف الحزب داخليا وجماهيريا، كما أنّه يتمتع بشعبية كتلك التي يمتلكها أردوغان. تهميشه أفقد الحزب شريحة كان من الممكن أن تحدث فارقا في هذه الانتخابات بالتأكيد.
أما الخطأ الثاني فهو إسناد رئاسة الحزب والحكومة لداوود أوغلو ومحاولة ممارسة السلطات الاستثنائية لرئاسة الجمهورية على حساب الحكومة. هذا الوضع أظهر داوود أوغلو في موقع الضعيف والتابع. أما الخطأ القاتل برأيي فهو جعل مطلب التحول إلى نظام رئاسي جزءً أساسيا من حملة الحزب العلنية. لقد كان هذا الأمر بمثابة مغناطيس لكل من أراد إسقاط حزب العدالة والتنمية، إذ ليس من المطلوب أكثر من أن يتم التصويت لحزب الشعوب الديمقراطية الكردي حتى يتم إفشال حزب العدالة وهذا ما حصل حقيقة.
حملات حزب الشعوب كانت تقول صراحة، من يريد منع التحول إلى نظام رئاسي (مطلب أردوغان وحزب العدالة) ليس عليه إلا أن يصوت لنا لنتجاوز الـ%10، وليس هناك أي حزب يوافق على التعديل باستثناء حزب العدالة. وستظهر التحليلات لاحقا أن قسما من ناخبي الأحزاب الأخرى ولاسيَّما الشعب الجمهوري قد صوتوا حقيقة لحزب الشعوب الكردي في هذه الانتخابات لإسقاط حزب العدالة ومطلب أردوغان.
عموما، أمام هذه النتائج ستكون خيارات حزب العدالة والتنمية إما حكومة أقلية وإما تشكيل حكومة ائتلافية. الخبرة التاريخية لاسيَّما في تركيا تشير إلى أنّ الحكومات الائتلافية كانت كارثية على البلاد. هناك نظريا ثلاثة خيارات في الائتلاف، إما الائتلاف مع الحزب الكردي أو الحزب القومي أو الحزب الجمهوري.
عمليا الخيار الأول والثاني هو الأرجح في هذا السيناريو لأن هناك تناقضا كبيرا مع الشعب الجمهوري. التحالف مع الحزب الكردي من الممكن أن يكون وفق صفقة تتيح له دعم مطلب حزب العدالة بتغيير النظام السياسي وتعديل الدستور مقابل أن يتم إعطاء الأكراد امتيازات عبره كاللامركزية أو غيرها من المطالب. هذا السيناريو قد يكون جيدا على الصعيد الداخلي لكن سيكون له تأثير سلبي على سياسة حزب العدالة الخارجية.
أما الخيار الثاني أي الائتلاف مع الحركة القومية فقد يكون جيدا إلى حد ما على صعيد السياسة الخارجية لكن قد يكون سيئا على صعيد السياسة الداخلية بحيث ستتضرر عملية السلام مع الأكراد.
بالنسبة إلى من يشير إلى سيناريو تحالف المعارضات، هو عمليا غير قائم لأن رئيس الجمهورية هو من يكّلف أي طرف بتشكيل الحكومة، وليس العكس، وبالتالي لا يمكن لهذه الأحزاب أن تفرض على أردوغان أن يختار أحدا منها لتشكيل حكومة ثلاثية خاصة أن أيا منها لم ينل العدد الأكبر من المقاعد في البرلمان، ولذلك فهو سيناريو ساقط حكما.
قالت الأحزاب حتى الآن إنها ترفض تشكيل حكومة ائتلافية، لكن قد يكون ذلك لمجرد المناورة ورفع سقف التنازلات المقدمة من حزب العدالة والتنمية. إذا رفضت كل الأحزاب قبول ائتلاف مع حزب العدالة والتنمية، ولم يتم الاتفاق على تشكيل حكومة خلال 45 يوما لأي سبب من الأسباب، يحق لرئيس الجمهورية عندها الدعوة إلى انتخابات مبكرة وتكون الحكومة الموجودة حينها حكومة مؤقتة لتصريف الأعمال والتحضير للانتخابات وقد تكون حكومة أقلية بنفس المعايير أيضا وبصلاحيات محدودة لأنها مضطرة إلى تكوين أغلبية عند كل قرار مهم. والأرجح أن يذهب الجميع إلى انتخابات مبكرة. في هذا السيناريو قد يضطر حزب العدالة والتنمية إلى الاستعانة بعبدالله غول، أما إذا قرر الأخير تشكيل حزب، فستكون ضربة قاسمة لحزب العدالة والتنمية بالتأكيد.

ستتعمق مشاكل النظام الحالي
عثمان جان – صحيفة أكشام – ترجمة وتحرير ترك برس
نستطيع القول أنّ هذه الانتخابات هي الأكثر تشويقا في تاريخ الجمهورية التركية، فهي انتخابات لم تتأثر بوصاية العسكر ولا بوصاية البيروقراطية، ولهذا أخذت الأحزاب السياسية دورها الحقيقي لمعالجة المشاكل الأساسية في تركيا، وربما هذا يحدث لأول مرة في تاريخ السياسة التركية، ولأول مرة أيضا يحدث تنافس حقيقي على الحُكم.
خرجت القضايا المجتمعية والثقافية والاقتصادية والعالمية من طور المؤسسات البيروقراطية، وأصبحت الحكومات السياسية تستطيع الحديث عنها بل والتدخل فيها وأصبحت صاحبة النفوذ في اتخاذ القرارات المتعلقة بها.
واليوم أيضا أزيل الفرق بين أنْ الحزب قادرا على الحُكم، أو أنْ يكون حاكما، فمهما كان الحزب الذي سيفوز بالحُكم، سيستطيع فعليا إدارة كل مؤسسات الدولة، وتستطيع باقي الأحزاب السياسية عن طريق النظام البرلماني الديمقراطي مراقبته، وهذا الوضع يسرنا جميعا.
تركيا لم تعش مثل هذه الوضعية في تاريخها، باستثناء الحقبة ما بين 1950-1960، ولهذا فإنّ البعض ينزعج من رؤية هذا المشهد، الذي يتمثل بأنّ إرادة الشعب تتحقق في المجلس، وصوت الشعب يشكل الحكومة، فذلك القسم من الناس يرون هذا المشهد على أنه خطر، ويخافون دوما من هوس الديمقراطية.
لكن من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل حقيقة وجود بعض القلق حول النظام الحالي، فحتى لو كان المجلس يستطيع التحكم ومراقبة الحكومة، لكن إدارة هذا الأمر يجب أنْ يتم بطريقة ديمقراطية أيضا، وهذا يتم عن طريق التوازن الديمقراطي وآليات مراقبة.
ونشعر بالقلق حيال أوجه القصور هذه التي يعاني منها الدستور الحالي، وفي الحقيقة هذا الأمر يقلقنا جميعا، فالحكومة لا تكون مقتدرة على إدارة شؤون البلاد فحسب، وإنما تستطيع التصرف دون حدود، ودون أنْ يراقبها أحد.
ودليل هذا التنافس الشديد على الحصول على كعكة الحكومة الكبيرة، فتشكيل الحكومة لا يعني السيطرة على الأمور الداخلية فحسب، وإنما يعني التدخل في كل الشؤون الخارجية والدولية والإقليمية، ولهذا حصلت الانتخابات الأخيرة على اهتمام القوى الخارجية بصورة كبيرة جدا، واختارت العديد من مراكز القوى الخارجية التدخل في هذه الانتخابات.
وحسب النتائج الأولية، فإنّ هناك حالة من التوازن في النسب التي حصلت عليها الأحزاب، وهذا التوازن لا يندرج أصلا في نظام الدستور الحالي، وحصل ذلك بسبب تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي الكردي نسبة الحسم، ولهذا لم يفز أي حزب بأغلبية مطلقة، وهذا يزيد من احتمالية تعطل النظام السياسي وتعرقله.
وبهذا نكون قد دخلنا مرحلة سنعيش فيها مشاكل عميقة يعاني منها النظام حسب الدستور الموجود، وذلك بسبب عدم قدرة أي حزب على تشكيل الحكومة لوحده، وآمل أنْ تدرك كل الأحزاب التركية مشاكل الدستور الحالي وما سيحدثه من تعطل دور الحكومة القادم، ليتعاونوا جميعا ويعملوا على تشكيل دستور جديد يفتح الآفاق أمام تركيا.

عن أسباب الصعود الكردي
سعيد الحاج – أخبار تركيا
لم يكن أكثر الأكراد تفاؤلاً ليتوقع النتيجة التي حصل عليها حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية التركية، حيث كان المعيار الذي يحسب الحزب على أساسه مدى نجاحه في الانتخابات هو تخطيه للعتبة الانتخابية (%10) لدخول البرلمان، بينما أظهرت النتائج النهائية غير الرسمية حصوله على أكثر من %13، بما يعني أنه سيتمثل في البرلمان بحوالي 80 نائباً، وهو رقم قياسي في تاريخ التمثيل الكردي.
تقليدياً، يتوزع الأكراد على الأحزاب التركية المختلفة بنسب متباينة، لكن تجمعهم الأكبر كان في الأحزاب الكردية اليسارية المقربة من حزب العمال الكردستاني، وآخرها حزب الشعوب الديمقراطي الذي يعتبر جناح الأخير السياسي. والحال كذلك، كان الأكراد يترشحون فردياً، لتخطي عقبة الحاجز الانتخابي، ثم يشكلون كتلة برلمانية فيما بعد الانتخابات تأسس الحزب ذو الجذور الكردية في تشرين الاول/أكتوبر 2012 وضم تحت مظلته معظم الكتلة البرلمانية الكردية، وأصبح ممثلاً بـ 27 نائباً، لكن عدداً من المتغيرات دفعته للمغامرة بخوض الانتخابات كقائمة حزبية وليس كأفراد مستقلين، في مقدمتها عملية السلام الداخلية التي فرضته لاعباً رئيساً وعظمت من دوره، وترشح رئيسه صلاح الدين دميرطاش للانتخابات الرئاسية وحصوله على ما يقرب من 10% من الأصوات.
ورغم كل ذلك، كان المتوقع للحزب – وفق معظم استطلاعات الرأي – أن يحصل على أقل أو أعلى قليلاً من نسبة %10 المطلوبة لدخول البرلمان. لكن عدداً من الأسباب أدى إلى نجاحه غير المتوقع وغير المسبوق هذا، أهمها:
أولاً، كانت هذه الانتخابات “تصويتاً للهوية” بامتياز، وضعت أربعة أحزاب من الأيديولوجيات الرئيسة في البلاد تحت قبة البرلمان، ولم تسمح حتى للمستقلين بالتواجد فيه، وهذا النوع من التصويت يخدم في الأصل الأقليات أو الأحزاب المهمشة.
ثانياً، أوضحت نتائج الانتخابات – وقبلها بعض التحليلات – أن “الإسلاميين الأكراد” انتقلوا من دعم العدالة والتنمية (الذي كان مدافعاً قوياً عن الحقوق الكردية) إلى الشعوب الديمقراطي، ولذلك أسباب عدة في مقدمتها تقديم الهوية الكردية على سواها من الاعتبارات، والغضب من بعض مواقف وتصريحات اردوغان والحكومة حول القضية الكردية، وعدم الرضا عن قوائم مرشحي العدالة والتنمية في المناطق الكردية. وقد أدى ذلك إلى تراجع ملحوظ للعدالة والتنمية في جنوب شرق البلاد، حيث تراجع عدد نوابه في دياربكر أكبر المدن الكردية من 5 إلى 1 (من %32 إلى %13.99)، وفي فان من 4 إلى 1 (من %40 إلى %23)، في حين حصل الشعوب الديمقراطي على 10 (%79.05) و 5 (%73) مقاعد على التوالي.
ثالثاً، نجح الشعوب الديمقراطي مؤخراً في مغازلة مخيال أطياف واسعة من الشعب التركي، سيما الأكراد واليساريين والنساء، من خلال تغيير لغة خطابه ورؤيته السياسية، مقدماً نفسه لأول مرة على أنه “حزب كل تركيا” وليس الحزب الممثل للأكراد فقط، وهذا ما أعطاه دفعة قوية في الانتخابات.
رابعاً، حصل الحزب على دعم سياسي وإعلامي – علني وسري – غير مسبوق لضمان تخطيه العتبة الانتخابية باعتبار ذلك أضمن وأنجع الطرق لقطع الطريق على حصول الحزب الحاكم على الأغلبية، وقد استثمر الحزب هذه النقطة تحديداً على نطاق واسع حين أكد في حملته الانتخابية على أن الحسابات الرياضية تقول بوضوح أن من أراد أن يعاقب العدالة والتنمية أو يحد من طموحه في تغيير نظام البلاد السياسي إلى نظام رئاسي فعليه أن يدعم الشعوب الديمقراطي دون غيره. وهو ما يشير إلى النتيجة الكبيرة التي حصل عليها الحزب ليست كلها أصوات مناصريه، بل أصوات معارضي العدالة والتنمية، وهي ما اعتبرها دميرطاش في كلته بعد الانتخابات “أصوات أمانة” وعد بالحفاظ عليها
خامساً، ساهمت الأحداث الأمنية من تفجيرات واعتداءات على مراكز الحزب إضافة إلى حدة الخطاب الإعلامي بينه وبين العدالة والتنمية (والرئيس اردوغان) في إذكاء “سيكولوجيا الأقليات” والتفاف أفضل من الأكراد تحديداً حوله، وإقناع المترددين بالتوجه لصناديق الاقتراع وهكذا أصبح الحزب فجأة قوة لا يمكن تجاهلها في البرلمان، وهو ما يمكن اعتباره فرصة ذهبية لتعميق دمج الأكراد في الحياة السياسية التركية وتقوية ثقتهم بالعمل السياسي وحل المشكلة الكردية من خلاله سلمياً. لكن الحزب سارع بشكل مفاجئ إلى التأكيد على رفضه التحالف مع العدالة والتنمية في أي حكومة ائتلافية (بعد أن كان المرشح الأبرز لذلك لعدة أسباب) وتفضيله البقاء في صفوف المعارضة، وبذلك فهو يخاطر بدفع البلاد إلى انتخابات مبكرة ربما لا يحصل فيها على نفس النسبة بعدما فاجأت نتائجه – بل وربما أزعجت – الكثيرين، حتى من بين من دعموه، باعتبار أنهم أرادوه حائط سد فقط أمام العدالة والتنمية وليس لاعباً قوياً في الساحة قد يخرج عن السيطرة.

المعارضة ستتحرك وفق رؤية القوى الخارجية
كورطولوش تاييز – صحيفة أكشام – ترجمة وتحرير ترك برس
خرج تحالف حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية من انتخابات 7 حزيران بصورة أقوى، بعدما حصل على دعم مكثف من المؤسسات الإعلامية الدولية مثل BBC ونييورك تايمز والغارديان والاكونوميست وغيرها.
ازدادت نسبة حزب الحركة القومية 3% مقارنة مع انتخابات عام 2011، كما وأعلن حزب الشعب الجمهوري نفسه منتصرا برغم تراجع نسبته، حيث أصبح حزب الشعب الجمهوري الحزب الأبرز لسيناريوهات التحالف الممكنة.
أما بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فقد خرج من هذه الانتخابات بخسارة في شعبيته برغم تجاوزه لأقرب منافسيه بفارق 15% وحصوله على نسبة تقارب 40%، وتلقى ضربة موجعة كحزب حاكم لأول مرة منذ 13 عاما.
وقادت نتائج هذه الانتخابات تركيا إلى بوابة مرحلة التحالفات، وهذا بحد ذاته نتيجة سيئة للانتخابات، فالوضع السياسي المبهم والغامض سيؤثر بصورة مباشرة وسريعة وبصورة سلبية على الاقتصاد، وعلى ما يبدو من الصعب جدا أنْ تتفق الأحزاب السياسية بصورة سريعة لتخرج من هذا الوضع.
كان من المنتظر أنْ لا يصبح “انتصار” المعارضة في هذه الانتخابات سببا في توجه الدولة التركية نحو كارثة سياسية واقتصادية، لكن الواقع للأسف يشير إلى غير ذلك، فأثناء احتفالات حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية، توجهت الأعين نحو حركة البورصة، فزيادة قوة هؤلاء وثبات النظام والوضع الحالي قد يقود تركيا خطوة بخطوة نحو الغموض السياسي ونحو أزمة اقتصادية.
الفائز في هذه الانتخابات بلا شك هو حزب الشعوب الديمقراطي، وعلينا إعطائه حقه، فقد انضم عنصر فاعل جديد في السياسة التركية، لكن علينا أيضا أنْ لا ننكر أنّ هذا النجاح مبنيٌ على علاقات وتحالفات غير مشروعة، فلا يمكن لأحد إنكار أنّ صلاح الدين دمرطاش وحزبه قد تم دعمهم من قبل الإعلام الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي ومن قبل التنظيم الموازي.
كما أننا نعرف أنّ كمال كلتشدار أوغلو قد أعطى الضوء الأخضر لجزء من مؤيدي حزب الشعب الجمهوري للتصويت لحزب الشعوب الديمقراطي، ولهذا فإنّ فوز الحزب في هذه الانتخابات تحت هذه الشروط، يتطلب منه إعادة النظر في سياسته وتحالفاته وطرق الوصول إلى إنجازه.
والنجاح الآخر في هذه الانتخابات، يتمثل بزيادة ارتباط تحالف المعارضة بمراكز القوى الخارجية، فلا يمكن لتحالف حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية التحرك بعزلة عن محيط هذه القوى الخارجية، فهم سيتحركون بعد الآن كما يريد العالم، وأنا أؤمن أنّ الشعب سيدرك ذلك خلال فترة وجيزة، وسيتوجه مجددا نحو حزب العدالة والتنمية.

الإستراتيجية فشلت والنتيجة مفاجئة
أوكاي غونينسين – صحيفة وطن – ترجمة وتحرير ترك برس
بنى حزب العدالة والتنمية إستراتيجيته الانتخابية بصورة أساسية من خلال مواجهة حزب الشعوب الديمقراطي، وكان الهدف جلب الأصوات من الأكراد للحزب الحاكم والحيلولة دون تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي نسبة الحسم وكذلك الحصول على أصوات من حزب الحركة القومية، لكن العدالة والتنمية فشل في تحقيق ذلك.
نعم، الإستراتيجية فشلت، لأنّ عددا كبيرا من الأكراد المؤيدين لحزب العدالة والتنمية، قاموا بالتصويت لحزب الشعوب الديمقراطي، كما أنّ عددا آخر من مؤيدي الحزب الحاكم صوتوا لحزب الحركة القومية.
الناخبون الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية عام 2011، ولم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع في انتخابات رئاسة الجمهورية، لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع في انتخابات 7 حزيران للتصويت لحزب العدالة والتنمية، ومن الممكن تفسير ذلك من خلال اعتبار أنّ هذه الفئة لا تنظر إلى موضوع النظام الرئاسي بإيجابية.
فشلت إستراتيجية حزب العدالة والتنمية لانتخابات 7 حزيران، وحصلنا على 3 نتائج مفاجئة:
تراجع شعبية العدالة والتنمية لـ41% أو أقل كان مفاجئا.
تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي لنسبة 13% مفاجئة.
زيادة شعبية حزب الحركة القومية بنسبة 3% عن آخر انتخابات مفاجئة.
تراجع شعبية العدالة والتنمية إلى 41% أو أقل كان مفاجئا، لكن ذلك لا يُعتبر هزيمة في الانتخابات، فالنسبة التي حصل عليها العدالة والتنمية تعادل النسبة التي حصل عليها الحزبين الثاني والثالث مجتمعتين، وقد فاز العدالة والتنمية بأغلبية الأصوات في الانتخابات الحادية عشرة وبعد 13 عاما من الحُكم.
سمعنا بعض التعليقات ليلة أمس، كأنها تشير إلى أنّ الناخبين والمؤيدين لحزب العدالة والتنمية يشعرون بنوع من الهزيمة، لكن ما يجب علينا قوله، هو أنّ حزب العدالة والتنمية خرج منتصرا وهو الفائز في هذه الانتخابات وحصل على أغلبية الأصوات بنسبة 41%، وسيكون كما كان، العنصر الأول المتحكم في المشهد السياسي التركي خلال المرحلة المقبلة.
لا شك أنّ حزب العدالة والتنمية سيعيد النظر ويراجع نفسه حول إستراتيجيته الانتخابية، وقاعدة الثلاث فترات، وموضوع النظام الرئاسي.
وبكل تأكيد سيناقش الجميع منذ صباح 8 حزيران كل احتمالات التحالفات والسيناريوهات الممكنة. لكن في المحصلة، الذي سيقيّم كل الاحتمالات الممكنة ويدرسها ويقرر بناء عليها، ويقول كلمته الأخيرة، هو حزب العدالة والتنمية، هو طيب اردوغان، هو أحمد داود أوغلو.
وسيكون الفائز الثاني في الانتخابات، حزب الشعوب الديمقراطي، والذي فاز بنسبة 13% وحصل على 79-80 مقعد في البرلمان، والذي أصبح فعليا حزبا تركيا، سيكون هو العنصر الثاني الفاعل في السياسة التركية بعد العدالة والتنمية، وقد نجح حزب الشعوب الديمقراطي بقوة في بدايته كحزب سياسي تركي، ولهذا ازدادت أهمية الحزب ودوره السياسي خلال الفترة المقبلة بصورة كبيرة.

مسيرة الأكراد نحو مركز السياسة التركية
روشن تشاكر – صحيفة وطن – ترجمة وتحرير ترك برس
1- الفائز الأساسي في هذه الانتخابات هو حزب الشعوب الديمقراطي ودمرطاش، والخاسر الأساسي فيها هو حزب العدالة والتنمية واردوغان.
2- تَدخّلَ اردوغان في الحملة الانتخابية من أجل إيقاف تراجع شعبية العدالة والتنمية، لكن بناء سياسته على عملية السلام وشنقها، وإعلان الحرب الإعلامية على حزب الشعوب الديمقراطي، زاد الأمور سوءا.
3- ثبت لنا بعد النتائج أنّ سياسة اردوغان لم تنجح في التأثير على شعبية حزب الحركة القومية برغم بناء سياسته على محاربة حزب الأكراد.
4- المحرّك الأساسي لزيادة صعود حزب الشعوب الديمقراطي هم الأكراد، وقد صوّت معظم الناخبين الأكراد الذين أيدوا العدالة والتنمية في الانتخابات السابقة، صوتوا هذه المرة للشعوب الديمقراطي، وبدلا أنْ يقوم الحزب الحاكم بإيقاف هذا التوجه، زاد –بدون قصد- في سرعة توجه الأكراد نحو حزب الشعوب الديمقراطي.
5- ازدياد تصويت الأكراد لحزب الشعوب الديمقراطي لم يكن محصورا في جنوب شرق البلاد، وإنما ازداد في كل المدن الكبيرة وفي مقدمتها اسطنبول.
6- نستطيع القول أنّ الذين صوتوا لحزب الشعوب الديمقراطي بسبب كرههم للعدالة والتنمية واردوغان كان لهم تأثير ملحوظ أيضا، وإذا استطاع حزب الشعوب الديمقراطي المحافظة على شعبيته في هذا القسم من الأتراك، فسيمكنه حينها إثبات أنه حزب سياسي تركي حقيقي.
– 7- هناك دلالة هامة جدا من فارق المقاعد بين حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطي الذي هو مقعدين فقط لصالح الأول، وإذا ما توجهنا إلى انتخابات مبكرة، وبالشروط الحالية، ستزداد نسبة التصويت إلى هذين الحزبين وسيحصلان على الأقل على 100 مقعد في البرلمان.
8- من المؤكد أنّ هذه الانتخابات فتحت الأبواب نحو “تركيا جديدة”، والذين يريدون أنْ يكونوا عناصر فاعلة في السياسة التركية، عليهم أنْ يدركوا قضية “توجه الأكراد نحو مركز السياسة”، وعليهم أنْ يعيدوا صياغة سياساتهم ومفاهيمهم بناء على ذلك.
9- وفي هذا الإطار، ندرك أنّ التقارب بين حزبي الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي أصبح لا مفرّ منه.
10- الملاحظة الأخيرة: الكل يتوقع وينتظر أنْ يعود عبد الله غُل إلى الواجهة مجددا، لكن ذلك ليس بالأمر السهل كما يتوقع البعض، وأعتقد أنّ عليه الانتظار لبعض الوقت على الأقل.

 

الانعكاس الأخطر للانتخابات التركية على الثورة السورية والسوريين المقيمين
زهير سالم – مركز الشرق العربي
بل إن النائمين في العسل هم الخطر الأكبر على سورية وثورتها وثوارها وشعبها في الداخل والخارج ..
والنائمون في العسل هم الشركاء المباشرون في تأخير النصر ، وتعطيل الطاقات ، ومصادرة الفعل ، وتمرير أبخرة القدرة في أنابيب التبريد والتسكين حتى لا يدور عجل ، ولا تتحرك قاطرة على سكة قاصدة..
نواجه اليوم نتائج الانتخابات التركية التي ، لم تأت على ما كنا نتوقع أو نشتهي . بحيث لم يعد حزب العدالة والتنمية ، الداعم لشعب سورية وثورتها ، قادرا على تشكيل الحكومة منفردا ، وسيكون لهذه النتيجة انعكاسات كيفما قلبناها اليوم . ويجب أن تثير فينا هذه النتائج ( نحن السوريين المعنيين بالثورة ) المزيد من القلق ، القلق المحفز وليس القلق الداعي إلى الإحباط والتخاذل واليأس .
ومن دون أن نضخم أي تداعيات سلبية لهذه الانتخابات ؛ يجب أن ندرك أن هناك عواصم إقليمية كثيرة ستبذل كل جهدها لتضخيم انعكاسات هذه النتائج ، وجعل تداعياتها كارثية وليس فقط سلبية . ويجب أن نستحضر أن على رأس من سيستثمر في هذه النتائج طهران ودمشق والقاهرة وبغداد وعواصم أخرى تعفينا ضرورات دبلوماسية من تسميتها ..
كما يجب أن نستحضر أن كثيرا من القوى ( الشعبية ) المشتركة على الخارطة الديمغرافية ( السورية – التركية ) سيكون لها دور أبرز في صناعة الموقف والقرار في المناخ التركي الجديد ، وأن العديد من هذه القوى المذهبية والعرقية والإيديولوجية ستكون في الصف النقيض للثورة السورية وللسواد العام السوري ..
لا خوف على حزب العدالة والتنمية في تركية من نتائج الانتخابات ، وهو كحزب يلعب لعبته على أرضه سيكون قادرا على تدبر أموره ، وتحديد أولوياته ، ولكن الخوف الحقيقي هو انعكاسات الواقع الجديد على ضيوف سيعتبر استمرار وجودهم على الأرض التركية بندا في صفقة سياسية ..
ليس من الواقعية في شيء أن نتصور أن الأذى قد يمتد إلى اللاجئين السوريين في مخيماتهم ، فهذا أمر مستبعد إلى حد كبير …ولكن يجب أن نفرق بين اللاجئ في المخيم والمقيم خارج المخيم ، المقيم المزاحم للمواطن التركي في دياره ، ويجب أن نستحضر التسهيلات أو المزايا اللامحدودة التي تمتع بها هؤلاء المقيمون ، والتي يمكن أن تصبح بجرة قلم حصاد هشيم ..
ومن المقيمين المدنيين ، سيمتد الخطر والبصر إلى النشطاء والمنظمات والقيادات الإنسانية والسياسية العاملة على الأرض التركية ، وعلى مساحة الدائرة التي ستحدد لها في المناخ الجديد . وربما هذا أمر لم يرتق إلى التفكير فيه الكثيرون ..
وسيمتد النظر في دراسة هذه الانعكاسات إلى الوضع الإنساني وغير الإنساني على طرفي الحدود . وإلى أي حال يمكن للأمور أن تؤول .
ندرك أن موقف تركية كدولة مرتبط إلى حد كبير بموقف دولي أكبر وأشمل ، وأن تركية كبرت أو صغرت تظل عضوا في( الناتو ) حلف شمال الأطلسي . ولكن حكومة تركية متحمسة لسقوط الظلم ومساعدة المظلومين في سورية ستختلف بلا شك في مواقفها وعطائها عن حكومة مشلولة عرجاء ، تكثر على قراراتها ومواقفها التحفظات …
أمور كان يجب أن تدرس وتعد عليها الإجابات ، وما يزال من الواجب أن تدرس وأن يبحث المصممون على المضي في طريق الثورة عن البدائل والخيارات …

قراءة في نتائج الانتخابات التركية.. فوز مشروط لحزب العدالة والتنمية
د. محمد العادل – خاص ترك برس
ماذا يعني حصول حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا على نسبة 40 بالمئة من أصوات الناخبين؟
1- حزب العدالة والتنمية لا يزال يحتلّ المركز الأول في المشهد السياسي، وأنه يمثل قطاعا كبيرا من الشعب التركي، وهذه النتائج تعتبر بمقاييس الأرقام الانتخابية فوزا مهما.
: 2- رغم أن ما حققه حزب العدالة والتنمية يعتبر فوزا، إلاّ أن نسبة 40 بالمئة لم تمكنه من الوصول إلى سقف طموحاته، ولن تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده وبالتالي لن يستطيع الانطلاق فيما وعد به من صياغة دستور جديد لتركيا.
: 3- الملفت للنظر في هذه الانتخابات أن المواطنين الأكراد (بمن فيهم أنصار حزب العدالة والتنمية سابقا) قد توحّدوا في جبهة واحدة وأعطوا ثقتهم لحزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) الذي حصل على 13 بالمئة ليدخل البرلمان من باب واسع.
: 4- فوز حزب الشعوب والديمقراطي (الكردي) بنسبة 13 بالمئة أراه شخصيا حالة صحية تخدم الأمن والاستقرار في تركيا وستساعد على التقدم في مسار الحل السياسي والسلمي للقضية الكردية داخل تركيا، ولهذا السبب لا يستبعد المراقبون تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب العدالة والتنمية والحزب الكردي رغم حالة التنافر بينهما.
: 5- الأصوات التي خسرها حزب العدالة والتنمية توزعت على الأحزاب التقليدية حزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وأحزاب صغرى أخرى، لكن ارتفاع شعبية هذه الأحزاب بنسبة 2 الى 3 % لا تؤهلهم الى أي دور فاعل في المشهد السياسي.
: 6- الناخب التركي يختار مرة أخرى حزب العدالة والتنمية قائدا للمرحلة المقبلة لكنها قيادة مشروطة بالبحث عن شريك مناسب له في السلطة، فالناخب التركي يعترف له بإنجازاته ونجاحاته لكنه في الوقت نفسه يطالبه أيضا بمراجعة بعض خياراته وسياساته وخطابه.
: 7- تعتبر نتائج الانتخابات استفتاءًا غير مباشر على مطلب الرئيس رجب طيب أردوغان بتغيير النظام السياسي في تركيا من برلماني إلى رئاسي، والنتائج تقول بشكل جلي إن الناخب التركي يضع في أولوياته: السياسات التنموية والاقتصادية، والعدالة الاجتماعية والحقوق والحريات، وليس غير ذلك.
: 8- لا شك أن تركيا ستدخل مرحلة سياسية جديدة، وقد تعود مؤقتا الى الحكومات الائتلافية التي ستقودها حتما إلى انتخابات مبكرة، وهو خيار قد يتخذه الرئيس أردوغان في حال فشل حزب العدالة والتنمية في تشكيل حكومته.
: 9- إن تجمّع أحزاب المعارضة التركية لتشكيل حكومة ائتلافية بدون حزب العدالة والتنمية غير وارد بسبب عدم تجانسها وهو في حد ذاته لو حصل يعتبر استهتارا بخيار الشعب التركي الذي اختار الحزب الأول بفارق بارز.
: 10- إن نتائج الانتخابات ستكون لها انعكاسات سلبية على الدور الإقليمي لتركيا لأن الحكومة التركية ستكون مضطرة للإنشغال أكثر بالمشهد الداخلي.
ولعل الأهم من ذلك كلّه أن الوضع الحالي سيدفع مدرسة العدالة والتنمية و من ورائها الحركة الأربكانية (نسية للزعيم الراحل نجم الدين أربكان) إلى التسريع بولادة حركة سياسية برؤية جديدة وقيادة جديدة غير مستهلكة من نفس الرحم (كما ولد سابقا حزب العدالة والتنمية من رحم حزب أربكان) وهو أمر أصبح متداولًا منذ أكثر من سنتين بعد أن شعر الكثير أن حزب العدالة والتنمية قد حقق رسالته، وأنه يحق له أن يتمتّع بمنحة الشيخوخة ويحال إلى التقاعد.
وتلك هي سنّة الحياة ويبقى أن نقول: هنيئا لتركيا بديمقراطيتها وقوة مؤسساتها وهيئنا للشعب التركي بذكائه فهو يؤكد مرة أخرى أنه هو فقط من يصوغ المشهد السياسي الذي يريد وليس غيره.

الانتخابات المبكرة.. شروطها وكيفية اتخاذ قرار إجرائها حسب القانون التركي
جلال سلمي – خاص ترك برس
في ظل الوضع الراهن في تركيا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو؛ هل سيتم إجراء انتخابات مُبكرة في تركيا؟
تم بالأمس تقريباً في تمام الساعة التاسعة الانتهاء من فرز الأصوات وإعلان النتائج الخاصة بالانتخابات البرلمانية في تركيا. وحسب هذه النتائج فإنه لا يوجد أي حزب استطاع الحصول على نسبة تمكنه من تأسيس حكومة منفردة،؛ حيث أنه حسب القانون التركي، ليتمكن أي حزب من تأسيس حكومة منفردة يجب عليه أن يحصل علي 276 نائب في البرلمان بمعني 50 % +1 من نسبة البرلمان، وحسب القانون التركي في حين لم يتمكن أي حزب من الحصول علي هذه النسبة يتوجب علي حزب الأغلبية إنشاء تحالف برلماني مع الأحزاب الأخرى لتأسيس حكومة إتلافية في غضون 90 يوماً.
وبعد مرور 90 يوم إذا لم يتمكن حزب الأغلبية أو الأحزاب الأخرى من التحالف وتأسيس حكومة ائتلافية يُعلن رئيس الدولة أنه سيتم إجراء انتخابات مُبكرة جديدة. إذا اضطر الأمر قيام انتخابات مُبكرة في تركيا؛ فما هي الانتخابات المُبكرة وماهي الشروط اللازمة لإجرائها وكيف يتم اتخاذ قرار إجرائها؟
ما هي الانتخابات المُبكرة
هي الانتخابات التي يتم إجراؤها في حال فشل الأحزاب السياسية المُنتخبة في التوافق وتأسيس حكومة ائتلافية في غضون 90 يوماً. قرار إجراء الانتخابات المُبكرة يتم اتخاذه من قبل مجلس النواب، من خلال إعلان تعطيل البرلمان، ليُدلل علي أنه لم يستطع تأسيس حكومة ائتلافية وبعد ذلك يقوم رئيس الجمهورية بإصدار قرار جمهوري رسمي يُقر إجراء انتخابات مُبكرة.
إن المحدد الأكبر لاحتمالية إجراء انتخابات مُبكرة هي نتائج الانتخابات العامة؛ حيث إنه إذا كانت نتائج الأحزاب المُترشحة قريبة لبعضها فهذا يعني إمكانية عدم توافقها في تأسيس حكومة ائتلافية والتوجه لإجراء انتخابات مُبكرة ليتم الحصول على نتائج انتخابية جديدة.
الشروط اللازمة لاتخاذ قرار إجراء الانتخابات المُبكرة
إن الشرط الأساسي لإجراء الانتخابات المُبكرة هو عدم توافق الأحزاب السياسية البرلمانية في تأسيس حكومة ائتلافية، بعد توفر هذا الشرط تبدأ إجراءات اتخاذ قرار بشأنها؛ والإجراءات المتعلقة باتخاذ القرار هي كالتالي:
ـ حسب المادة السابعة للنظام الداخلي لمجلس الشعب التركي أنه بعد مرور 90 يوم على عدم توافق الحزب ذي الأغلبية والأحزاب الأخرى علي تأسيس حكومة ائتلافية، يُعلن رئيس مجلس الشعب التركي عدم التمكن من تأسيس الحكومة ويُعلن تعطيل المجلس لمدة 7 أيام كمهلة نهائية للأحزاب البرلمانية للتشوار وإنشاء حكومة ائتلافية .
ـ خلال مهلة الأيام السبعة إذا تم تأسيس حكومة توافق يجب أن يتم توقيع عريضة تشمل توقيع 110 نواب برلمانيين لدعوة البرلمان للاجتماع الجديد، ويجب أن يحضر 184 نائب هذا الاجتماع الاستثنائي حتي يتم الاجتماع وتتم مناقشة ما جاء في العريضة المُقدمة من 110 نواب برلمانيين، إذا كان الاجتماع الاستثنائي متعلقًا بالحكومة الائتلافية يقوم رئيس المجلس مع النواب المجتمعين بتحديد تاريخ وساعة مُعينة للاجتماع ليتم إعطاء الثقة للحكومة الائتلافية المُتفق عليها، في الاجتماع المعقود لإعطاء الثقة؛ إذا استطاعت الحكومة الحصول علي نسبة 50%+1 أي الحصول علي موافقة 276 نائب، يُعلن رئيس البرلمان تأسيس الحكومة الجديدة وإلغاء قرار تعطيل المجلس.
ـ ولكن من ناحية أخرى إذا لم تتم الإجراءات أعلاه كم هو مُقرر؛ يستمر تعطيل المجلس ويقوم رئيس الجمهورية بإصدار قرار رئاسي يُعلن فيه أنه سيتم إجراء انتخابات برلمانية مُبكرة.

تركيا على مفترق طرق.. هل يساهم العامل الخارجي في رسم مصير البلاد؟
جلال خشيب – خاص ترك برس
عاشت تركيا يوم أمس حدثا سياسيا مهّما، انتخابات تشريعية عرفت منافسة طاحنة بين حوالي 20 حزبا سياسيا يسعى كلٌّ منهم إلى إيجاد موطئ قدم مؤثر في برلمان اليوم، أظهرت نتائج أولية فوز حزب العدالة التنمية (الحزب الحاكم) بنسبة 40.87% يليه حزب الشعب الجمهوري (حزب علماني) بنسبة 25.16% ثمّ حزب الحركة القومية (حزب إسلامي قومي) بنسبة 16.45% وأخيرا حزب الشعوب الديمقراطي (الحزب الكردي) الذّي صنع الحدث ودخل البرلمان التركي لأوّل مرة في تاريخ البلاد بنسبة 12.77% بعد تخطيه نسبة 10% التّي تسمح بدخول البرلمان.
أمّا نسبة المشاركة فكانت عالية تجاوزت الـ 85% وعكست كالعادة مستوى الوعي الديمقراطي للمجتمع التركي الذّي يستشعر أهمية هكذا مناسبات سياسية تصنع مصير الأوطان. نسبٌ صنعت فرحة غير مكتلمة لأنصار العدالة والتنمية في تركيا بينما أعطت أملا جديدا للأطراف المعارضة الأخرى في كسر هيمنة “الآك بارتي” على الساحة السياسية التركية منذ قرابة الـ13 سنة كاملة. فما هي العوامل الأساسية التّي ساهمت بشكل فاعل في رسم هذه الصورة بالذات؟
السياسة الخارجية التركية تجاه “الشرق الأوسط” عموما وسوريا على وجه أخص، الأزمة الكردية (كوباني وداعش)، مشكلة اللاجئين السوريين في تركيا. تعّدُ في نظرنا أهم العوامل المتسبّبة في عدم تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق الفوز الساحق الذّي كان يطمح إليه ويسمح له أن يستكمل بأريحية خططه المرسومة لاسيما ما يتعلق برغبته في تعديل الدستور ووضع صلاحيات أكبر في يدّ رئيس الجمهورية.
وهي ذات العوامل التّي استثمرت فيها الأحزاب المعارضة لاسيما حزب الشعب الجمهوري رائد العلمانية في تركيا الذّي وعد بتبني سياسات حاسمة تجاه أزمة اللاجئين السوريين، إذ تستضيف تركيا قرابة 2 مليون لاجئ سوري اليوم تنفق عليهم قرابة الأربعة مليارات دولار من الخزينة التركية، الأمر الذّي من شأنه أن يثير طبعا سخط بعض المعارضين الذّين سيلجؤون حتما إلى تحميل حزب العدالة والتنمية مسؤولية ذلك ومسؤولية أي تدهور اقتصادي قد يواجه البلاد مستقبلا بسبب الأزمة بما سيحمله من سوء سيؤثر سلبا على المستوى المعيشي للمواطن التركي. أمّا حزب الشعوب الديمقراطي الكردي فقد ساهمت أزمة كوباني في شحن وإحياء النزعة القومية في مناطقه بشكل أكثر فتخطى عتبة 10 بالمائة ليدخل البرلمان لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث.
نحيّد إلى حدّ كبير تأثير العوامل الداخلية كعامل الإقتصاد، وضع التعليم، ظروف ومستوى المعيشة على نتائج الانتخابات هذه، فلم يكن لها في نظرنا دور كبير ومؤثّر هذه المرة فيما أفرزته صناديق الاقتراع وحجتنا في ذلك مقارنة بسيطة بين النسبة التّي حصل عليها حزب العدالة والتنمية سنة 2011 أي 49 بالمائة بنسبة ال 40 بالمائة التّي حصل عليها اليوم، ولا شيء أكثر ارتباطا بتاريخ 2011 من الأزمة السورية التّي اندلعت في ذات السنة وكان لها تداعيات وخيمة على تركيا أقلها أزمة اللاجئين وأكثرها حرجا تورط تركي في جوار إقليمي معقد تتقاطع فيه مصالح الأعداء وتتعادى فيه “صلات الرحم” بسبب تضارب المصالح.
فتركيا اليوم مُحاطة بجوار إقليمي معادٍ يتحيّن الفرص ليصنع فارقا ما لصالحه، اتحاد أوروبي يغلق أبوابه أمامها (وللتوجهات الفكرية لقادة العدالة والتنمية سبب في ذلك حسب رأينا)، روسيا عدوها التاريخي، دولة الكيان الصهيوني التّي لا يطمئن قادتها اليوم لتوجهات العدالة والتنمية الخارجية خلافا لمن كان قبلهم، إيران منافسها الإقليمي التقليدي الذّي تتضارب رؤاه الاستراتيجية للمنطقة مع الطرف التركي بشكل كبير، السعودية ومصر بحكم عوامل التنافس العربي التركي المعروف خاصة إذا ما دخل عامل جديد ليوجّه ساحة المنافسة بينهما ونعني بذلك حركة الإخوان المسلمين التّي تلقى دعما لا متناهيا من تركيا وعداءً لا متناهيا في المقابل من الحكومات العربية التقليدية. إذن فالأزمة السورية تُشكل اليوم ساحة تنافس بين كل الأجندات وبالتالي ما يحدث في سوريا وما تتمخض عليه الأزمة عموما من نتائج آنية أم مستقبلية سيؤثر لا محالة على الخارطة السياسية لكل تلك الدول بما فيها تركيا موضوع مقالنا هذا. ما عدا هذه العوامل الخارجية لم تشهد تركيا على المستويات الداخلية الأخرى كما أشرنا تغيّرات لافتة من شأنها أن تصنع نتيجة فارقة كنتيجة اليوم.
تركيا اليوم تعيش مفترق طرق حقيقي، ففقدان العدالة والتنمية وضع الهيمنة سيفتح الباب أمام سيناريوهات عديدة قد تشهدها البلاد أسوءها إعادة النظر في كل البرامج التنموية والتوجهات الخارجية التّي أرساها الحزب الحاكم منذ عقد ونيف، لذا فحزب العدالة والتنمية يجد نفسه اليوم مضطرا للتحالف مع أحد معارضيه واختيار أقل الحلفاء ضررا على برامجه لما لذلك من تأثير ممكن على السياسة الداخلية وكذا الخارجية للحزب والتّي عمل على ارسائها منذ 13 سنة واصطبغت بها تركيا الجديدة.
سوف تُظهر التحالفات السياسية الجديدة مستوى الحنكة السياسية التّي يتميّز بها كل طرف ونخص بالذكر قادة حزب العدالة والتنمية، كما ستعكس بالضرورة طريقة قراءة هذا الحزب للوضع الداخلي والخارجي لتركيا في هذه المرحلة الحرجة بالذات، هناك ثلاثة أطراف قوية سيضعها قادة الحزب في ميزان المصالح، التحالف مع حزب الشعب الجمهوري، مع حزب الحركة القومية أو مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.. فالتحالف مع خصمه العتيد حزب الشعب الجمهوري يبدو من الناحية النظرية والعملية أمرا مستحيلا فلا شيء سيجعل الاثنين يتقاسمان سلطة البرلمان إذا ما أخذنا في عين الاعتبار ذلك التباين الكامل في توجهات الطرفين الفكرية والسياسية تجاه أغلب القضايا الداخلية والخارجية، إلاّ إذا حدثت معجزة سياسية ما ولا قدرة لنا على التنبؤ بالمعجزات السياسية هذه الأيام.
أمّا حزب الحركة القومية فيتقاسم مع العدالة والتنمية المرجعية الإسلامية ويختلف معه في قراءاته السياسية خاصة تجاه بعض المسائل الداخلية على رأسها تعامله مع القضية الكردية التّي يرى أنّ قادة العدالة والتنمية أعطوا فيها تنازلات أكثر من اللازم للأكراد، أمّا الحزب الكردي فيستلزم منه أن يُعدّل من لهجته السياسية “القومية” ويُبدي استعدادا “وطنيا” لمنح تنازلات معينة فيما يخص قضيته الأساسية ليحظى بتحالف ممكن مع العدالة والتنمية وإن حدث ذلك فكيف سيكون وضعه أمام طائفته وكيف سيتقبّل الشعب التركي في المقابل مزيدا من المرونة السياسية تجاه الملف الكردي ومطالبه السياسية التّي تؤرق مضجعه والتّي لن يغفلها في المقابل قادة العدالة والتنمية إذا ما حظوا بتحالف متين مع الأكراد في البرلمان؟
يبدو حقا أنّ المشهد السياسي الداخلي في تركيا يتوجه شيئا فشيئا من حالة الاستقرار إلى حالة أقل ما يمكن وصفها بالاستقطاب السياسي، تحالفات سياسية داخلية في الأفق تصنعها هذه المرة قضايا خارجية صارت تقرّر مصير البلاد.

اترك تعليقاً

Top